الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة الإمام الكاظم

فهرس الكتاب

 

المجال التربوي :

إنّ وصايا الإمام الكاظم(عليه السلام) وتوجيهاته لشيعته تلاحظ حاجة الواقع الموجود لاكمال بناء هذه الجماعة الصالحة باتّجاه الاهداف النهائية التي رسمها أهل البيت(عليهم السلام) لها.

ومن هنا نجد الإمام(عليه السلام) يتابع شيعته ويشرف على تكامل بناء هذه الجماعة وأفرادها فيقوم بتطبيق ما يدعو اليه عملياً لتشكل خطواته نموذجاً ومناراً يهتدي به أبناء مدرسته.ولهذا المجال يمكن أن نستشهد بعدّة أمثلة:

المثال الأول : «موقفه(عليه السلام) من علي بن يقطين عندما أراد أحد المؤمنين أن يدخل على علي بن يقطين ولم يأذن له لنلاحظ تعبير الإمام (بأخيك) ليؤكد أن وجودك يا علي في هذا المنصب هو لخدمة هؤلاء لا لشيء ومن هنا أذن له الإمام بالبقاء بل أمره بالبقاء عندما أراد أن يعتزل من هذا الموقع.

عن محمد بن علي الصوفي قال: استأذن ابراهيم الجمّال ـ رضي الله عنه ـ على أبي الحسن علي بن يقطين الوزير فحجبه.

فحجّ علي بن يقطين في تلك السنة فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى ابن جعفر(عليه السلام) فحجبه.

فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟ فقال(عليه السلام): حجبتك لأنك حجبت أخاك ابراهيم الجمّال وقد أبى الله أن يشكر سعيك أو يغفر لك ابراهيم الجمّال.

فقلت : سيدي ومولاي من لي بابراهيم الجمّال في هذا الوقت وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟

فقال (عليه السلام): اذا كان الليل فامض الى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك واركب نجيباً هناك مسرّجاً.

قال: فوافى البقيع وركب النجيب ولم يلبث أن أناخه على باب ابراهيم الجمّال بالكوفة.

فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين

فقال ابراهيم الجمّال من داخل الدار : وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟!

فقال علي بن يقطين: يا هذا إنّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا ابراهيم إنّ المولى(عليه السلام) أبى أن يقبلني أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك.

فآلى علي بن يقطين على ابراهيم الجمّال أن يطأ خدّه فامتنع ابراهيم من ذلك فآلى عليه ثانياً ففعل.

فلم يزل ابراهيم يطأ خده وعلي بن يقطين يقول: اللّهم اشهد، ثم انصرف وركب النجيب، وأناخه في ليلته بباب المولى موسى بن جعفر(عليه السلام) بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله»[1].

المثال الثاني: حرص الإمام موسى(عليه السلام) على قضاء حوائج المؤمنين واهتم بها وهو في أحلك الظروف وأشدّها قساوة، فقد حثّ الشيعة على التمسك بهذا المبدأ الأخلاقي، بل أمر بعض الخواص بالبقاء في جهاز السلطة الظالمة لأجل قضاء حوائج المؤمنين.

من هنا ندرك مستوى اهتمامه ومدى سعيه لتحقيق هذا المبدأ في فكر وسلوك أبناء الجماعة الصالحة.

عن محمد بن سالم قال: «لمّا حمل سيدي موسى بن جعفر(عليه السلام) الى هارون جاء إليه هشام بن ابراهيم العباسي، فقال له : يا سيدي قد كُتب لي صك الى الفضل بن يونس تسأله أن يروح أمري.

قال: فركب إليه أبو الحسن(عليه السلام) فدخل عليه حاجبه فقال: يا سيدي! أبو الحسن موسى بالباب فقال: فإن كنت صادقاً فأنت حرّ ولك كذا وكذا!

فخرج الفضل بن يونس حافياً يعدو حتى خرج إليه: فوقع على قدميه يُقبّلهما ثم سأله أن يدخل، فدخل فقال له: اقض حاجة هشام بن ابراهيم»، فقضاها[2].

المثال الثالث : تسديد الإمام(عليه السلام) لمهمة علي بن يقطين ودعمه له :

روي عن علي بن يقطين: «أنه كتب الى موسى بن جعفر(عليه السلام): اُختلف في المسح على الرجلين، فإن رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلت.

فكتب أبو الحسن(عليه السلام): الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثاً وتستنشق ثلاثاً،وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلّل شعر لحيتك ثلاثاً، وتغسل يديك ثلاثاً، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنها وتغسل رجليك ثلاثاً، ولا تخالف ذلك الى غيره، فامتثل أمره وعمل عليه.

فقال الرشيد: أحبّ أن أستبرئ أمر علي بن يقطين، فإنهم يقولون انه رافضي، والرافضة يخففون في الوضوء. فناطه بشيء من الشغل في الدار، حتى دخل وقت الصلاة، ووقف الرشيد وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، وقد بعث اليه بالماء للوضوء فتوضّأ كما أمره موسى(عليه السلام).

فقام الرشيد وقال: كذب من زعم أنك رافضي.

فورد على علي بن يقطين كتاب موسى بن جعفر(عليه السلام) توضأ من الآن كما أمر الله : اغسل وجهك مرّة فريضة، والآخرى اسباغاً، فاغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح مقدّم رأسك، وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما يخاف عليك»[3].

وعن ابن سنان «أنّ الرشيد حمل في بعض الأيام الى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب.

فأنفذ علي بن يقطين جل تلك الثياب الى أبي الحسن موسى

ابن جعفر(عليه السلام) وانفذ في جملتها تلك الدراعة، وأضاف اليها مالا كان أعدّه له على رسم له فيما يحمله اليه من خمس ماله.

فلمّا وصل ذلك الى أبي الحسن قبل المال والثياب، وردّ الدراعة على يد الرسول الى علي بن يقطين وكتب اليه: ان احتفظ بها، ولا تخرجها عن يدك ، فسيكون لك بها شأن، تحتاج اليها معه، فارتاب علي بن يقطين بردّها عليه، ولم يدر ما سبب ذلك، فاحتفظ بالدراعة.

فلمّا كان بعد أيّام تغيّر علي بن يقطين على غلام كان يختص به فصرفه عن خدمته، وكان الغلام يعرف ميل علي بن يقطين الى أبي الحسن(عليه السلام) ويقف على ما يحمله اليه في كل وقت من مال وثياب وألطاف وغير ذلك.

فسعى به الى الرشيد فقال: انه يقول بإمامة موسى بن جعفر، ويحمل خمس ماله في كل سنة وقد حمل اليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين فيوقت كذا وكذا.

فاستشاط الرشيد لذلك، وغضب غضباً شديداً، وقال لاكشفنّ عن هذه الحال فإن كان الأمر كما يقول أزهقت نفسه.

وأنفذ في الوقت باحضار علي بن يقطين فلمّا مثل بين يديه، قال له: ما فعلت بالدراعة التي كسوتك بها؟

قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم، فيه طيب، وقد احتفظت بها، وقلّما أصبحت الاّ وفتحت السفط، فنظرت اليها تبركاً بها، وقبّلتها ورددتها الى موضعها وكلما أمسيت صنعت مثل ذلك.

فقال: أحضرها الساعة قال: نعم يا أمير المؤمنين، واستدعى بعض خدمه، وقال له: إمض الى البيت الفلاني من الدار، فخذ مفتاحه من خزانتي فافتحه وافتح الصندوق الفلاني، وجئني بالسفط الذي فيه بختمه.

فلم يلبث الغلام أن جاءه بالسفط مختوماً فوضع بين يدي الرشيد فأمر بكسر ختمه وفتحه.

فلمّا فتح نظر الى الدراعة فيه بحالها، مطوية مدفونة في الطيب.

فسكن الرشيد من غضبه ثم قال لعلي بن يقطين: اُرددها الى مكانها فلن أُصدق عليك بعدها ساعياً.

وأمر أن يتبع بجائزة سنية، وتقدم بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحواً من خمسمائة فمات في ذلك»[4].

المجال العلمي والفكري:

لقد كان عهد الصادقين(عليهما السلام) عهد الانفراج النسبي لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) حيث استطاعت أن تنشر علوم أهل البيت(عليهم السلام) وتخرّج الاساتذة والعلماء المسؤولين والاُمناء على حفظ تراث هذا الخطّ الرسالي بين أبناء الاُمة الإسلامية.

ومن هنا فقد تكاملت لابناء هذه المدرسة في عهدهما الاُسس المتينة التي أرساها الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله) والإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) من بعده في المنهج والمحتوى والاسلوب.

وكان عصر الإمام الكاظم(عليه السلام) الذي استمر ثلاثة عقود أو ما يزيد عليها قليلا ـ استمراراً للمسيرة العلمية والثقافية التي حقّقها الصادقان(عليهما السلام) حتى تخرج في عهده(عليه السلام) عدد مهم من الفقهاء الرواة الذين أصبحوا بمستوى العطاء الذي قدمه الإمام الكاظم(عليه السلام) للاُمة الإسلامية في حقلي النظرية والتطبيق معاً ـ كما سيتضح ذلك فيما سوف نراه من تبلور كثير من القواعد الاصُولية والفقهية في مجال الاجتهاد الفقهي في هذه المدرسة العملاقة.

ثمّ إنّ انتشار التشيع واتّساع حجم الولاء والانتماء لخط أهل البيت(عليهم السلام) بالمعنى الخاص الذي يتميّز عن الخط العباسي بعد جهود الصادقين(عليهما السلام) كان من نصيب عهد الإمام الكاظم(عليه السلام) .

واتساع القاعدة كان يتطلب توسّع نشاط القيادة في رعاية شؤون الاتباع وصيانة الجماعة الصالحة من أنواع المزالق والانحرافات والعقبات.

على أن كثرة السؤال عن قضايا الشريعة اُصولا وفروعاً لاتساع دائرة الانتماء ولتطور الزمن مع استعداد مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) للاستجابة للمستجدات ، كل هذا تطلب نشاطاً أكبر وأوسع من القيادة المتمثلة في الإمام الكاظم(عليه السلام) بالرغم من حراجة الظرف بعد استشهاد الإمام الصادق(عليه السلام) وعدم التوجيه العام حول إمامة موسى الكاظم(عليه السلام) لكل أبناء الطائفة...

من هنا كان الإمام(عليه السلام) بحاجة الى توظيف عدد من أصحابه الاخصّاء به لادراة شؤون الجماعة الصالحة بتقبّل الوكالة عن الإمام والتحرك لجمع الأموال والحقوق التي رسم لهاأهل البيت نظاماً ومنهجاً خاصاً يكفل للجماعة الصالحة استمرار وجودها وتطورها واستحكام اسسها بنحو يجعلها قادرة على مواجهة التحديات المستمرة.

وهذا هو الذي كان يخشاه الخلفاء، كلٌ بمقدار نباهته وغوره الى عمق هذا الخط .. حتى أثار هذا النشاط الواسع والخط التثقيفي المعمق حفيظة هارون الرشيد تجاه شخص الإمام الكاظم(عليه السلام) حيث كان يراه الندّ الحقيقي الذي يهدد سلطانه.

وكان هارون جرئياً في الاقدام على سجن الإمام وعزله عن قواعده. ولكنّ أصحاب الإمام(عليه السلام) كانوا على اتصال مستمر به وهو في قيد السجن.

وكان هذا التخطيط يعدّ تطوراًواضحاً في التعامل مع الأحداث واستغلالا للظروف الحرجة أحسن استغلال لاكمال المسيرة الربّانية الى حيث الاهداف المبتغاة منها.

وقد تمثل العطاء العلمي والفكري للإمام الكاظم(عليه السلام) في مجالات:

1 - الرواية

2 - التدريس

3 - المناظرة

4 - التأليف

كما تنوّعت مجالات الرواية والتأليف والمناظرة والتدريس الى الحقول العلمية المختلفة، كما يشهد لذلك تنوّع التراث الذي وصلنا عن الإمام الكاظم(عليه السلام) ، ونستطيع أن نلمس ذلك بكل وضوح من خلال مطالعة مسنده الذى يبلغ ثلاثة أجزاء فيما يقرب من ألف صفحة تقريباً.

وقد اشتمل على أنواع المعرفة العقائدية والتأريخية والتربوية والأخلاقية والاحكام الشرعية والأدعية والزيارات وما يرتبط بمجال توثيق الرجال وسائر ما يرتبط ببيان عصر الإمام الكاظم(عليه السلام) واحتجاجاته مع الحكام والمخالفين أوما يرتبط بمدرسته العلمية المتمثّلة في المتخرجين من طلابه والنابهين من صحابته.

وقد بلغت بعض تأليفات أصحاب الإمام حجماً هائلا مثل ما أ لّفه هشام ابن الحكم وصفوان بن يحيى بيّاع السابري والحسن بن محمد بن سماعة الكندي حيث بلغت الكتب المؤلفة لكل منهم ثلاثين مؤلفاً .

كما ألّف علي بن الحسن الطاطري أربعة عشر كتاباً والحسن بن محبوب السراد ستة كتب وعبد الله بن جبلة سبعة كتب وعلي بن يقطين ثلاثة كتب. وهذا هو بعض النشاط العلمي لصحابة الإمام(عليه السلام)[5] .

[1] بحار الأنوار : 48 / 85 ، ح 105 عن عيون المعجزات: 90.

[2] اختيار معرفة الرجال: 500 ح 957 وكان الفضل من الشيعة فطلبتهم السلطة فاختفى وكتب كتاباً على مذهب الراوندية العبّاسية باثبات الإمامة للعباس فدسّه الى السلطان فآمنه واستعمله. بحار الأنوار : 48 / 109.

[3] الإرشاد: 2/227 ـ 229 وعنه في إعلام الورى: 2/21، 22 وكشف الغمة: 3/15 ـ 17 وفي الخرائج والجرائح: 1/335 ح 26 وعنه في بحار الأنوار: 48/136 ح 11.

[4] الإرشاد: 2/225 ـ 227 وعنه في إعلام الورى: 2/19 ـ 20 وكشف الغمة: 3/14 ـ 15 وفي الخرائج والجرائح: 1/334 ح 25. عن الإرشاد في بحار الأنوار : 48 / 138، ح12.

[5] راجع الفهرست للشيخ الطوسي : 96، 103، 146، 155، 156، 258 .