[201]

يا قوم إن الله تعالى لا يرى بالأبصار و لا كيفية له و إنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تسأله فقال موسى يا رب إنك قد سمعتمقاله بني إسرائيل و أنت أعلم بصلاحهم فأوحى الله جل جلاله يا موسى سلني ما سألوكفلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى ( ع ) رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْتَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ و هو يهوي فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ بآية من آياته جَعَلَهُدَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ منهم بأنكلا ترى فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و جل وَ لَقَدْهَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فقال الرضا ( ع ) لقدهمت به و لو لا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم لايهم بذنب و لا يأتيه و لقد حدثني أبي عن أبيه الصادق ( ع ) أنه قال همت بأن تفعل و همبأن لا يفعل فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و جل وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فقالالرضا ( ع ) ذاك يونس بن متى ( ع ) ذهب مغاضبا لقومه فَظَنَّ بمعنى استيقن أَنْ لَنْنَقْدِرَ عَلَيْهِ أي لن نضيق عليه رزقه و منه قوله عز و جل وَ أَمَّا إِذا مَاابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أو ضيق و قتر فَنادى فِي الظُّلُماتِ أيظلمة الليل و ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَإِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها فيبطن الحوت فاستجاب الله له و قال عز و جل فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فقال المأمون للهدرك يا أبا الحسن ( ع )

[202]

فأخبرني عن قول الله عز و جل حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّواأَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا قال الرضا ( ع ) يقول الله عز و جل حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من قومهم و ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا جاء الرسلنصرنا فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و جل لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ قال الرضا ( ع ) لم يكن أحدعند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله ( ص ) لأنهم كانوا يعبدون من دون اللهثلاثمائة و ستين صنما فلما جاءهم ( ص ) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظمو قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّهذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذاإِلَّا اخْتِلاقٌ فلما فتح الله عز و جل على نبيه ( ص ) مكة قال له يا محمد إِنَّافَتَحْنا لَكَ مكة فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم و ماتأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم و خرج بعضهم عن مكة و من بقي منهم لم يقدر علىإنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفورا بظهورهعليهم فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و جل عَفَااللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ قال الرضا ( ع ) هذا مما نزل بإياك أعني و اسمعييا جارة خاطب الله عز و جل بذلك نبيه و أراد به أمته و كذلك قوله تعالى لَئِنْأَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ و قوله عز وجل وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاًقَلِيلًا قال صدقت يا ابن رسول الله ( ص )

[203]

فأخبرني عنقول الله عز و جل وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِينَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْتَخْشاهُ قال الرضا ( ع ) إن رسول الله ( ص ) قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي فيأمر أراده فرأي امرأته تغتسل فقال لها سبحان الذي خلقك و إنما أراد بذلك تنزيهالباري عز و جل عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله فقال الله عز و جل أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاًإِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً فقال النبي لما رآها تغتسل سبحان الذيخلقك أن يتخذ له ولدا يحتاج إلى هذا التطهير و الاغتسال فلما عاد زيد إلى منزله أخبرتهامرأته بمجي‏ء رسول الله ( ص ) و قوله لها سبحان الذي خلقك فلم يعلم زيد ما أراد بذلكو ظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها فجاء إلى النبي ( ص ) و قال له يا رسول الله ( ص ) إنامرأتي في خلقها سوء و إني أريد طلاقها فقال له النبي ( ص ) أَمْسِكْ عَلَيْكَزَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ و قد كان الله عز و جل عرفه عدد أزواجه و أن تلكالمرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه و لم يبده لزيد و خشي الناس أن يقولوا إن محمدايقول لمولاه إن امرأتك ستكون لي زوجة يعيبونه بذلك فأنزل الله عز و جل وَ إِذْتَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني بالإسلام وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ يعني بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِينَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْتَخْشاهُ ثم إن زيد بن حارثة طلقها و اعتدت منه فزوجها الله عز و جل من نبيه محمد صو أنزل بذلك قرآنا فقال عز و جل فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراًزَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِأَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ثم علم الله عز و جل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل الله تعالى ما كانَعَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما

[204]

فَرَضَ اللَّهُ لَهُ .

فقال المأمون لقد شفيت صدري يا ابن رسول الله و أوضحت لي ما كان ملتبساعلي فجزاك الله عن أنبيائه و عن الإسلام خيرا قال علي بن محمد بن الجهم فقام المأمون إلى صلاة و أخذ بيدمحمد بن جعفر بن محمد ( ع ) و كان حاضر المجلس و تبعتهما فقال له المأمون كيف رأيت ابنأخيك فقال له عالم و لم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم فقال المأمون إن ابن أخيكمن أهل بيت النبي الذين قال فيهم النبي ( ص ) ألا إن أبرار عترتي و أطائب أرومتي أحلمالناس صغارا و أعلم الناس كبارا فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم لا يخرجونكم من بابهدى و لا يدخلونكم في باب ضلالة و انصرف الرضا ( ع ) إلى منزله فلما كان من الغد غدوتعليه و أعلمته ما كان من قول المأمون و جواب عمه محمد بن جعفر له فضحك ( ع ) ثم قال ياابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني و الله تعالى ينتقم لي منه .

قال مصنف هذا الكتاب هذا الحديث غريب من طريق علي بن محمد بن الجهممع نصبه و بغضه و عداوته لأهل البيت ( ع )

[205]

16-   باب ما جاء عن الرضا ( ع ) من حديث أصحاب الرس :

1-   حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال حدثناعلي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه قال حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهرويقال حدثنا علي بن موسى الرضا ( ع ) عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيهمحمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي ( ع ) قال أتى علي بن أبيطالب ( ع ) قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشراف تميم يقال له عمرو فقال يا أميرالمؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس في أي عصر كانوا و أين كانت منازلهم و من كان ملكهمو هل بعث الله عز و جل إليهم رسولا أم لا و بما ذا هلكوا فإني أجد في كتاب اللهتعالى ذكرهم و لا أجد غيرهم فقال له علي لقد سألتني عن حديث ما سألني عنه أحد قبلكو لا يحدثك به أحد بعدي إلا عني و ما في كتاب الله عز و جل آية إلا و أنا أعرفها وأعرف تفسيرها و في أي مكان نزلت من سهل أو جبل و في أي وقت من ليل أو نهار و إن هاهنالعلما جما و أشار إلى صدره و لكن طلابه يسير و عن قليل يندمون لو فقدوني كان منقصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبرة يقال لها شاه‏درخت كان يافثبن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب كانت أنبطت لنوح ( ع ) بعد الطوفان

[206]

و إنما سموا أصحاب الرس لأنهم رسوا بينهم فيالأرض و ذلك بعد سليمان بن داود ( ع ) و كانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقاللها رس من بلاد المشرق و بهم سمي ذلك النهر و لم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منهو لا أعذب منه و لا قرى أكثر و لا أعمر منها تسمى إحداهن آبان و الثانية آذر والثالثة دى و الرابعة بهمن و الخامسة إسفندار و السادسة فروردين و السابعةارديبهشت و الثامنة خرداد و التاسعة مرداد و العاشرة تير و الحادية عشر مهر والثانية عشر شهريور و كانت أعظم مدائنهم إسفندار و هي التي ينزلها ملكهم و كانيسمى تركوذ بن غابور بن يارش بن سازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم ( ع ) و بهاالعين و الصنوبرة و قد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبةو صارت شجرة عظيمة و حرموا ماء العين و الأنهار فلا يشربون منها و لا أنعامهم و منفعل ذلك قتلوهم و يقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها ويشربونهم و أنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم و قد جعلوا في كل شهر من السنة فيكل قرية عيدا يجمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من يريد فيها منأنواع الصور ثم يأتون بشاة و بقر فيذبحونها قربانا للشجرة و يشعلون فيها النيرانبالحطب فإذا سطع دخان تلك الذبائح و قتارها في الهواء و حال بينهم و بين النظر إلىالسماء خروا للشجرة سجدا و يبكون و يتضرعون إليها أن ترضى عنهم فكان الشيطان يجي‏ءفيحرك أغصانها و يصيح من ساقها صياح الصبي و يقول قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساو قروا عينا فيرفعون رءوسهم عند ذلك و يشربون الخمر و يضربون بالمعازف و يأخذونالدستبند

[207]

فيكونون على ذلك يومهم و ليلتهم ثمينصرفون و إنما سمت العجم شهورها بآبانماه و آذرماه و غيرهما اشتقاقا من أسماء تلكالقرى لقول أهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا و عيد شهر كذا حتى إذا كان عيد شهرقريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقا من ديباجعليه من أنواع الصور له اثنا عشر بابا كل باب لأهل قرية منهم و يسجدون للصنوبرةخارجا من السرادق و يقربون له الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم فيجي‏ء إبليس عند ذلك فيحركالصنوبرة تحريكا شديدا و يتكلم من جوفها كلاما جهوريا و يعدهم و يمنيهم بأكثر مماوعدتهم و منتهم الشياطين كلها فيرفعون رءوسهم من السجود و بهم من الفرح و النشاطما لا يفيقون و لا يتكلمون من الشرب و العزف فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون فلما طال كفرهم بالله عز و جل وعبادتهم غيره بعث الله عز و جل إليهم نبيا من بني إسرائيل من ولد يهود بن يعقوبفلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عز و جل و معرفة ربوبيته فلا يتبعونهفلما رأى شدة تماديهم في الغي و الضلال و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح و حضر عيد قريتهم العظمى قال يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي و الكفر بك وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع و لا تضر فأيبس شجرهم أجمع و أرهم قدرتك و سلطانك فأصبحالقوم و قد يبس شجرهم فهالهم ذلك و قطع بهم و صاروا فرقتين فرقة قالت سحر آلهتكمهذا الرجل الذي يزعم أنه رسول رب السماء و الأرض إليكم ليصرف عي

[208]

وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه و فرقة قالت لا بل غضبت آلهتكم حين رأت هذاالرجل يعيبها و يقع فيها و يدعوكم إلى عبادة غيرها فحجبت حسنها و بهائها لكيتغضبوا لها فتنتصروا منه فأجمع رأيهم على قتله فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعةالأفواه ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق و الأخرى مثل البرابخو نزحوا ما فيها من الماء ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل عميقة و أرسلوافيها نبيهم و ألقموا فاها صخرة عظيمة ثم أخرجوا الأنابيب من الماء و قالوا نرجوالآن أن ترضى عنه آلهتنا إذ رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها و يصد عن عبادتها ودفناه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها و نضارتها كما كان فبقوا عامة يومهميسمعون أنين نبيهم ( ع ) و هو يقول سيدي قد ترى ضيق مكاني و شدة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي و عجل بقبض روحي و لا تؤخر إجابة دعوتي حتى مات ( ع ) فقال الله عز و جللجبرئيل ( ع ) يا جبرئيل انظر عبادي هؤلاء الذي غرهم حلمي و أمنوا مكري و عبدوا غيري وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني كيف و أنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي و إني حلفت بعزتي لأجعلنهم عبرة و نكالا للعالمين فلم يرعهم و هم فيعيدهم ذلك إلا بريح عاصف شديدة الحمرة فتحيروا فيها و ذعروا منها و انضم بعضهم إلىبعض ثم صارت الأرض من تحتهم كحجر كبريت يتوقد و أظلتهم سحابة سوداء فألقت عليهمكالقبة جمرا تلتهب فذابت أبدانهم في النار كما يذوب الرصاص في النار فنعوذ باللهتعالى ذكره من غضبه

[209]

و نزول نقمته و لا حول و لاقوة إلا بالله العلي العظيم .

17-   باب ما جاء عن الرضا ( ع ) في تفسير قول الله عز و جل و فديناه بذبح عظيم :

1-   حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوريالعطار بنيسابور في شعبان سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة قال حدثنا محمد بن علي بنمحمد بن قتيبة النيسابوري عن الفضل بن شاذان قال سمعت الرضا ( ع ) يقول لما أمر اللهتبارك و تعالى إبراهيم ( ع ) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنىإبراهيم ( ع ) أن يكون يذبح ابنه إسماعيل ( ع ) بيده و أنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجعإلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده فيستحق بذلك أرفع درجاتأهل الثواب على المصائب فأوحى الله عز و جل إليه يا إبراهيم من أحب خلقي إليك فقاليا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد ( ص ) فأوحى الله عز و جل إليه ياإبراهيم أ فهو أحب إليك أو نفسك قال بل هو أحب إلي من نفسي قال فولده أحب إليك أوولدك قال بل ولده قال فذبح ولده ظلما على أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك فيطاعتي قال يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال يا إبراهيم فإن طائفةتزعم أنها من أمة محمد ( ص ) ستقتل الحسين ( ع ) ابنه من بعده ظلما و عدوانا كما يذبحالكبش فيستوجبون بذلك سخطي فجزع إبراهيم ( ع ) لذلك و توجع قلبه و أقبل يبكي فأوحىالله عز و جل إليه يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعكعلى الحسين ( ع ) و قتله و أوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب فذلك قول اللهعز و جل وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

[210]

18-   باب ما جاء عن الرضا ( ع ) في قول النبي ( ص ) أنا ابنالذبيحين:

1-   حدثنا أحمد بن الحسين القطان قال أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي قال حدثنا علي بن الحسين بن علي بن فضال عن أبيه قال سألت أباالحسن علي بن موسى الرضا ( ع ) عن معنى قول النبي ( ص ) أنا ابن الذبيحين قال يعني إسماعيلبن إبراهيم الخليل ( ع ) و عبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذيبشر الله به إبراهيم العلي العظيم فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ و هو لما عمل مثل عمله قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ و لم يقل يا أبت افعل ما رأيت سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبشأملح يأكل في سواد و يشرب في سواد و ينظر

[211]

في سوادو يمشي في سواد و يبول في سواد و يبعر في سواد و كان يرتع قبل ذلك في رياض الجنةأربعين عاما و ما خرج من رحم أنثى و إنما قال الله له عز و جل كُنْ فَيَكُونُ فكانليفدى به إسماعيل فكل ما يذبح في منى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة فهذا أحدالذبيحين و أما الآخر فإن عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة و دعا الله أنيرزقه عشرة بنين و نذر لله عز و جل أن يذبح واحدا منهم متى أجاب الله دعوته فلمابلغوا عشرة قال قد وفى الله لي فلأوفين لله عز و جل فأدخل ولده الكعبة و أسهمبينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله ( ص ) و كان أحب ولده إليه ثم أجالها ثانيةفخرج سهم عبد الله ثم أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله فأخذه و حبسه و عزم على ذبحهفاجتمعت قريش و منعته من ذلك و اجتمع نساء عبد المطلب يبكين و يصحن فقالت له ابنتهعاتكة يا أبتاه اغدر فيما بينك و بين الله عز و جل في قتل ابنك قال و كيف أغدر يابنية فإنك مباركة قالت اعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح علىابنك و على الإبل و أعط ربك حتى يرضى فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها و أعزلمنها عشرا و ضرب بالسهام فخرج سهم عبد الله فما زال يزيد عشرا عشرا حتى بلغت مائةفضرب فخرج السهم على الإبل فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة فقال عبدالمطلب لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات فضرب ثلاثا كل ذلك يخرج السهم على الإبلفلما كانت في الثلاثة اجتذبه الزبير و أبو طالب و أخواتهما من تحت رجليه فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كانت على الأرض

[212]

و أقبلوا يرفعونه و يقبلونه و يمسحون عنه التراب فأمر عبد المطلب أن تنحرالإبل بالحزورة و لا يمنع أحد منها و كانت مائة فكانت لعبد المطلب خمس من السنينأجراها الله عز و جل في الإسلام حرم نساء الآباء على الأبناء و سن الدية في القتلمائة من الإبل و كان يطوف بالبيت سبعة أشواط و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و سمىزمزم حين حفرها سقاية الحاج و لو لا أن عمل عبد المطلب كان حجة و أن عزمه كان علىذبح ابنه عبد الله شبيها بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي ( ص ) بالانتساب إليها لأجل أنهما الذبيحان في قوله ( ص ) أنا ابن الذبيحين و العلة التي من أجلها دفعالله عز و جل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله و هيكون النبي ( ص ) و الأئمة المعصومين ( ص ) في صلبيهما فببركة النبي ( ص ) و الأئمة ( ع ) دفع اللهالذبح عنهما فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم و لو لا ذلك لوجب على الناس كلأضحى التقرب إلى الله تعالى بقتل أولادهم و كل ما يتقرب الناس به إلى الله عز و جلمن أضحية فهو فداء لإسماعيل ( ع ) إلى يوم القيامة .

قال مصنف هذا الكتاب قد اختلفت الروايات في الذبح فمنها ما ورد بأنهإسحاق و منها ما ورد بأنه إسماعيل ( ع ) و لا سبيل إلى رد الأخبار متى صح طرقها و كانالذبيح إسماعيل ( ع ) لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحهفكان يصبر لأمر الله عز و جل و يسلم له كصبر أخيه و تسليمه فينال بذلك درجته فيالثواب فعلم الله عز و جل ذلك من قلبه فسماه بين ملائكته ذبيحا لتمنيه لذلك و قدأخرجت الخبر في ذلك مسندا في كتاب النبوة .

19-   باب ما جاء عن الرضا ( ع ) في علامات الإمام :

1-   حدثنا محمد بن إبراهيم إسحاق الطالقاني رضي اللهعنه قال حدثنا أحمد بن

[213]

محمد بن سعيد بن عقدةالكوفي قال حدثنا علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن علي بن موسىالرضا ( ع ) قال للإمام علامات يكون أعلم الناس و أحكم الناس و أتقى الناس و أحلمالناس و أشجع الناس و أسخى الناس و أعبد الناس و يلد مختونا و يكون مطهرا و يرى منخلفه كما يرى من بين يديه و لا يكون له ظل و إذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع علىراحتيه رافعا صوته بالشهادتين و لا يحتلم و ينام عينه و لا ينام قلبه و يكون محدثاو يستوي عليه درع رسول الله ( ص ) و لا يرى له بول و لا غائط لأن الله عز و جل قد وكلالأرض بابتلاع ما يخرج منه و يكون رائحته أطيب من رائحة المسك و يكون أولى بالناسمنهم بأنفسهم و أشفق عليهم من آبائهم و أمهاتهم و يكون أشد الناس تواضعا لله عز وجل و يكون آخذ الناس بما يأمره به و أكف الناس عما ينهى عنه و يكون دعاؤه مستجاباحتى أنه لو دعا على صخرة لانشقت بنصفين و يكون عنده سلاح رسول الله ( ص ) و سيفه ذوالفقار و يكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة و صحيفة فيها أسماءأعدائهم إلى يوم القيامة و يكون عنده الجامعة و هي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيهاجميع ما يحتاج إليه ولد آدم و يكون عنده الجفر الأكبر و الأصغر و إهاب ماعز و إهابكبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش و حتى الجلدة و نصف الجلدة و يكون عنده مصحففاطمة ( ع ) .

2-   و في حديث آخر إن الإمام مؤيد بروح القدس و بينه و بين الله عمود من نور

[214]

يرى فيه أعمال العباد و كلما احتاجإليه لدلالة اطلع عليه و يبسطه فيعلم و يقبض عنه فلا يعلم و الإمام يولد و يلد ويصح و يمرض و يأكل و يشرب و يبول و يتغوط و ينكح و ينام و ينسى و يسهو و يفرح ويحزن و يضحك و يبكي و يحيى و يموت و يقبر و يزار و يحشر و يوقف و يعرض و يسأل ويثاب و يكرم و يشفع و دلالته في خصلتين في العلم و استجابة الدعوة و كل ما أخبر بهمن الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله ( ص ) توارثه و عنآبائه عنه ( ع ) و يكون ذلك مما عهد إليه جبرئيل ( ع ) من علام الغيوب عز و جل و جميعالأئمة الأحد عشر بعد النبي ( ص ) قتلوا منهم بالسيف و هو أمير المؤمنين و الحسين

الصفحة التالية