[ 91 ]


النبي صلى الله عليه وآله حتى أشرف عليها ، فرفعت رأسها ونادت : السلام عليك يا رسول الله ، أنا الهيثم بن طاح بن إبليس ، مؤمن بك ، قد سرت إليك في عشرة آلاف من أهل بيتي حتى اعينك على حرب القوم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : انعزل عنا وسر بأهلك عن أيماننا ففعل ذلك وسار المسلمون ( 1 ) .
أقول : سيأتي في باب عمل النيروز عن المعلى بن خنيس ، عن أبي عبدالله عليه السلام أن يوم النيروز هو اليوم الذي وجه رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلي وادي الجن ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق ، وسيأتي أكثر أخبار هذا الباب في باب استيلاء أميرالمؤمنين صلوات الله عليه على الجن والشياطين .

باب 10 : آخر ، وهو من الاول ، في الهواتف من الجن وغيرهم بنبوته صلى الله عليه وآله  

1 - قب : في حديث مازن بن العصفور الطائي أنه لما نحر عتيرة ( 2 ) سمع من صنمه .
بعث نبي من مضر * فدع نحيتا من حجر ثم نحر يوما آخر .
عتيرة ( 3 ) اخرى فسمع منه : هذا نبي مرسل * جاء بخير منزل أبوعبيس قال : سمعت قريش في الليل هاتفا على أبي قبيس يقول شعرا : إذا أسلم السعدان يصبح بمكة * محمد لا يخشى خلاف المخالف فلما أصبحوا قال : أبوسفيان : من السعدان سعد بكر ( 4 ) وسعد تميم ؟ ثم سمع في الليلة الثانية :


______________________________________________________
( 1 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 88 ط النجف .
( 2 ) العتيرة : شاة كان العرب يذبحونها لالهتهم في شهر رجب .
( 3 ) بحيرة خ ل .
( 4 ) في المصدر : من السعدان ؟ قيل : سعد بكر وسعد تميم .
( * )

[ 92 ]


أياسعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين غطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس خير زخارف فلما أصبحوا قال أبوسفيان : هو سعد بن معاذ وسعد بن عبادة .
قال تميم الداري : أدركني الليل في بعض طرقات الشام فلما أخذت مضجعي قلت : أنا الليلة في جوار هذا الوادي ، فإذا مناد يقول : عذبالله ، فإن الجن لا تجير أحدا على الله قد بعث نبي الاميين رسول الله ، وقد صلينا خلفه بالحجون ، وذهب كيد الشياطين ، و رميت بالشهب ، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين .
سعيد بن جبير قال : قال سواد بن قارب : نمت على جبل من جبال السراة فأتاني آت وضربني برجله وقال : قم ياسواد بن قارب .
أتاك رسول من لوي بن غالب فلما استويت أدبرو هو يقول : عجبت للجن وأرجاسها * ورحلها العيس بأحلاسها ( 1 ) تهوي إلى مكة تبغي الهدى ( 2 ) * ما صالحوها مثل أنجاسها فعدت فنمت فضربني برجله فقال مثل الاول ، فأدبر قائلا : عجبت للجن وتطلابها ( 3 ) * ورحلها العيس بأقتابها ( 4 ) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادقوها مثل كذابها فعدت فنمت فضربني برجله فقال مثل الاول فلما استويت أدبرو هو يقول : عجبت للجن وأشرار ها * ورحلها العيس بأكوارها ( 5 ) تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنوها مثل كفارها قال : فركبت ناقتي وأتيت مكة عند النبي وأنشدته :


______________________________________________________
( 1 ) العيس : كرام الابل .
وايضا الابل البيض يخالط بياضها سواد خفيف .
والاحلاس جمع الحلس : كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج أو الرحل .
( 2 ) أى تطلبه .
( 3 ) وطلابها خ ل .
( 4 ) الاقتاب جمع القتب : الرحل .
( 5 ) الاكوار جمع الكور : رحل البعير أو الرحل بأداته .
( * )

[ 93 ]


أتاني جن قبل هدء ورقدة * ولم يك فيما قد أتانا بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة : * أتاك رسول من لوي بن غالب فأشهد أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب وكان لبني عذرة صنم يقال له : حمام ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله سمع من جوفه يقول : يا بني هند بن حزام ، ظهر الحق وأودى ( 1 ) الحمام ، ودفع الشرك الاسلام ، ثم نادى بعد أيام لطارق يقول يا طارق يا طارق ، بعث النبي الصادق ، جاء بوحي ناطق ، صدع صادع بتهامة ، لناصريه السلامة ، ولخاذليه الندامة ، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة ، ثم وقع الصنم لوجهه فتكسر ، قال زيد بن ربيعة : فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته بذلك ، فقال : كلام الجن المؤمنين ، فدعانا إلى الاسلام .
وسمع صوت الجن بمكة ليلة خرج النبي صلى الله عليه وآله : جزى الله رب الناس خير جزائه * رسولا أتى في خيمتي ام معبد فيما لقصي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا يجازى بسودد فأجابه حسان في قوله : لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر من يسري إليه ويغتدي ( 2 ) نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في ضحوة العيد أوغد وهتف من جبال مكة يوم بدر : أذل الحنيفيون بدرا بوقعة * سينقض منها ملك كسرى وقيصرا أصاب رجالا من لوي وجردت * حرائر يضربن الحرائر حسرا


______________________________________________________
( 1 ) أودى : هلك .
( 2 ) سرى اليه : سار اليه ليلا .
اغتدى عليه : أتاه غدءة .
( * )

[ 94 ]


ألا ويح من أمسى عدو محمد * لقد ضاق خزيا في الحياة وخسرا وأصبح في هافي ( 1 ) العجاجة معفرا * تناوله الطير الجياع وتنقرا فعلموا الواقعة وظهر الخبر من الغد .
ودخل العباس بن مرداس السلمي على وثن يقال له : الضمير ، فكنس ما حوله ومسحه وقبله ، فإذا صائح يصيح : يا عباس بن مرداس ، قل للقبائل من سليم كلها : * هلك الضمير وفاز أهل المسجد هلك الضمير وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي جا بالنبوة ( 2 ) والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد فخرج في ثلاثمأة راكب من قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله تبسم ثم قال : يا عباس بن مرداس كيف كان إسلامك ؟ فقص عليه القصة ، فقال صلى الله عليه وآله : صدقت ، وسر بذلك صلى الله عليه وآله .
وفي حديث سيار الغساني : لما قال له عمر : أكاهن أنت ؟ فقال : قد هدى الله بالاسلام كل جاهل ، ودفع الحق كل باطل ، وأقام بالقرآن كل مائل القصة : فأخذت ظبية بذي العسف فإذا بهاتف : يا أيها الركب السراع الاربعة * خلوا سبيل الظبية المروعه فخليتها فلما جن الليل فإذا أنا بهاتف يقول .
خذها ولا تعجل وخذها عن ثقه * فإن شر السير سير الحقحقه هذا نبي فائز من حققه وقال عمرو بن جبلة الكلبي : عترنا عتيرة لعمرة - اسم صنم - فسمعنا من جوفه مخاطب سادنه عصام ( 3 ) : يا عصام ، يا عصام ، جاء الاسلام ، وذهبت الاصنام ، وحقنت


______________________________________________________
( 1 ) هامى خ ل .
( 2 ) في المصدر : جاء النبوة .
( 3 ) في المصدر ": يخاطب سادنه .
أقول : السادن الخادم والحاجب .
( * )

[ 95 ]


الدماء ، ووصلت الارحام ، ففزعت من ذلك ، ثم عترنا أخرى فسمعنا يقول لرجل اسمه بكر : يا بكر بن جبل ، جاءالنبي المرسل ، يصدقه المطعمون في المحل ، أرباب يثرب ذات النخل ، ويكذبه أهل نجد وتهامة ، وأهل فلج واليمامة .
فأتيا إلى النبي وأسلما وأنشد عمرو : أجبت رسول الله إذ جاء بالهدى * فأصبحت بعد الحمد لله أوحدا تكلم شيطان من جوف هبل بهذه الابيات : قاتل الله رهط كعب بن فهر ؟ * ما أضل العقول والاحلاما جاءنا تائه ( 1 ) يعيب علينا * دين آبائنا الحماة الكراما فسجدوا كلهم وتنقصوا النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : هلموا غدا فسمع أيضا ، فحزن النبي صلى الله عليه وآله من ذلك ، فأتاه جني مؤمن وقال : يا رسول الله أناقتلت مسعر ، الشيطان المتكلم في الاوثان ، فاحضر المجمع لاجيبه ، فلما اجتمعوا ودخل النبي صلى الله عليه وآله خرت الاصنام على وجوهها فنصبوها وقالوا : تكلم ، فقال : أنا الذي سماني المطهرا * أنا قتلت ذا الفخور ( 2 ) مسعرا إذا طغى لما طغى واستكبرا * وأنكر الحق ورام المنكرا بشتمه نبينا المطهرا * قد أنزل الله عليه السورا من بعد موسى فاتبعنا الاثرا فقالوا : إن محمدا يخادع اللات ( 3 ) كما خادعنا .
تاريخ الطبري : إنه روى الزهري في حديث جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : كنا جلوسا قبل أن يبعث رسول الله بشهر نحرنا جزورا ، فإذا صائح يصيح من جوف الصنم :


______________________________________________________
( 1 ) التائه : المتكبر والضال .
( 2 ) في المصدر : ذا الفجور .
( 3 ) هكذا في الكتاب ومصدره ، ولعله مصحف هبل ، أو أن الجنى دخل جوف اللات .
( * )

[ 96 ]


اسمعوا العجب ، ذهب استراق الوحي ، ويرمى بالشهب ، لنبي بمكة ، اسمه محمد ، مهاجرته إلى يثرب .
الطبري في حديث ابن إسحاق والزهري عن عبدالله بن كعب مولى عثمان أنه قال عمر : لقد كنا في الجاهلية نعبد الاصنام ، ونعلق ( 1 ) الاوثان حتى أكرمنا الله بالاسلام ، فقال الاعرابي : لقد كنت كاهنا في الجاهلية ، قال : فأخبرنا : ما أعجب ماجاءك به صاحبك ؟ قال : جاءني قبل الاسلام جاء فقال : ألم تر إلى الجن أبالسها ، وإياسها من دينها ، ولحاقها بالقلاص وأحلاسها ( 2 ) ، فقال عمر : إني والله لعند وثن من أوثان الجاهلية في معشر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا ، فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه ، وذلك قبل الاسلام بشهر أو سنة ، يقول : ياآل ذريح ، أمر نجيح ، رجل فصيح ، يقول : لا إله إلا الله .
ومنه حديث الخثعمي ، وحديث سعد بن عبادة ، وحديث سعد بن عمرو الهذلي ( 3 ) .
وفي حديث خزيم بن فاتك الاسدي أنه وجد إبله بأبرق العزل ، القصة ، فسمع هاتفا .
هذا رسول الله ذو الخيرات * جاء بياسين وحاميمات فقلت : من أنت ؟ قال : أنا مالك بن مالك ، بعثني رسول الله إلى حي نجد ، قلت : لو كان لي من يكفني إبلي لاتيته فآمنت به ، فقال : أنا ، فعلوت بعيرا منها وقصدت المدينة والناس في صلاة الجمعة ، فقلت في نفسي : لا أدخل حتى ينقضي صلاتهم ، فأنا أنيخ راحلتي إذ خرج إلي رجل قال : يقول لك رسول الله : ادخل فدخلت ، فلما رآني قال : ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك ؟ قلت : لا علم لي به ، قال : إنه أداها سالمين ( 4 ) ، قلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ( 5 ) .


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : ونعنق الاوثان .
( 2 ) القلاص جمع القلوص : الشابة من الابل أوالباقية على السير .
والاحلاس جمع الحلس : كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج أو الرحل .
( 3 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 76 - 79 .
( 4 ) في المصدر : أداها سالمة .
( 5 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 89 .
بحار الانوار - 6 - ( * )

[ 97 ]


بيان : العتيرة : شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم ، والغطريف : السيد ، والحجون بفتح الحاء : جبل بمكة ، وهي مقبرة ، ويقال : رحلت البعير ، أي شددت على ظهره الرحل ، وهفا الشئ في الهواء : إذا ذهب ، والعجاجة : الغبار .
وقال الجزري : في حديث سلمان : شر السير الحقحقة ، هو المتعب من السير ، وقيل : هو أن تحمل الدابة على مالا تطيقه ، والفلج : موضع بين بصرة وضرية .
2 - أقول روى في المنتقى بإسناده عن يعقوب بن زيد بن طلحة أن رجلا مر على مجلس بالمدينة فيه عمر بن الخطاب ، فنظر إليه عمر فقال : أكاهن هو ؟ فقال : يا أمير المؤمنين هدي بالاسلام كل جاهل ، ودفع بالحق كل باطل ، واقيم بالقرآن كل مائل ، واغني بمحمد صلى الله عليه وآله كل عائل ، فقال عمر : متى عهدك بها ؟ يعني صاحبته ، قال : قبيل الاسلام أتتني فصرخت : يا سلام يا سلام ، الحق المبين ، والخير الدائم ، غير حلم النائم ، الله أكبر فقال رجل من القوم : يا أمير المؤمنين أنا احدثك بمثل هذا ، والله إنا لنسير في بادية ملساء لا يسمع فيها إلا الصدى ( 1 ) إذ نظرنا فإذا راكب مقبل أسرع من الفرس حتى كان منا على قدر ما يسمعنا صوته ، فقال : يا أحمد يا أحمد الله أعلى وأمجد ، أتاك ما وعدك ، من الخير ياأحمد ، ثم ضرب راحلته حتى أتى من ورائنا ، فقال عمر : الحمد لله الذي هدانا
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 97 سطر 15 الى ص 105 سطر 15 بالاسلام وأكرمنا به ، فقال رجل من الانصار : أنا احدثك يا أمير المؤمنين بمثل هذا وأعجب ، قال عمر : حدث ، قال : انطلقت أنا وصاحبان لي نريد الشام حتى إذا كنا بقفرة من الارض نزلنا بها ، فبينا نحن كذلك إذ لحقنا راكب فكنا أربعة قد أصابنا سغب ( 2 ) شديد ، فالتفت فإذا أنا بظبية عضباء ترتع قريبا منا فوثبت إليها ، فقال الرجل الذي لحقنا : خل سبيلها لا أبالك ، والله لقد رأيتها ونحن نسلك هذا الطريق ونحن عشرة أو أكثر من ذلك فيخطف ( 3 ) بعضنا فما هو إلا أن كان هذه الظبية ، فما يهيجها أحد ، فأبيت وقلت لعمرو الله ( 4 ) لا اخليها ، فارتحلنا وقد شددتها معي حتى إذا ذهب سدف


______________________________________________________
( 1 ) الصدى : مايرده الجبل أو غيره إلى المصوت مثل صوته .
( 2 ) السغب : الجوع .
( 3 ) في المصدر : فيختطف .
( 4 ) هكذا في النسخة ، والصحيح لعمر الله بلاوا وكما في المصدر .
( * )

[ 98 ]


من الليل إذا هاتف يهتف بنا ويقول : يا أيها الركب السراع الاربعه * خلوا سبيل النافر المفزعه خلوا عن العضباء في الوادي معه * لا تذبحن الظبية المروعه فيها لايتام صغار منفعه قال : فخليت سبيلها ، ثم انطلقنا حتى أتينا الشام فقضينا حوائجنا ثم أقبلنا حتى إذا كنا بالمكان الذي كنا فيه هتف هاتف من خلفنا : إياك لا تعجل وخذها من ثقه * فإن شر السير سير الحقحقه قد لاح نجم وأضاء مشرقه * يخرج من ظلماء عسف موبقه ( 1 ) ذاك رسول مفلح من صدقه * الله أعلى أمره وحققه ( 1 ) بيان : السدف بالضم : الطائفة من الليل ، والسدف محركة : سواد الليل .
3 - ختص : أبومحمد ، عن صباح المزني ، عن الحارث بن حصيرة ، عن الاصبغ بن نباتة قال : كنا مع أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمعة في المسجد بعد العصر إذ أقبل رجل طوال كأنه بدوي ، فسلم عليه ، فقال له علي عليه السلام : ما فعل جنيك الذي كان يأتيك ؟ قال : إنه ليأتيني إلى أن وقفت بين يديك يا أمير المؤمنين ، قال علي عليه السلام فحدث القوم بما كان منه ، فجلس وسمعنا له ، فقال : إني لراقد باليمن قبل أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه وآله فاذا جني أتاني نصف الليل فرفسني ( 2 ) برجله وقال : اجلس ، فجلست ذعرا ، فقال : اسمع ، قلت : وما أسمع ؟ قال : عجبت للجن وإبلاسها * وركبها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما طاهر الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم * وارم بعينيك إلى رأسها قال : فقلت : والله لقد حدث في ولد هاشم شئ أو يحدث ، وما أفصح ( 3 ) لي وإني


______________________________________________________
( 1 ) المنتقى في مولود المصطفى : القسم الثالث : باب فيما كان من زمان نبوته ومدة إقامته بمكة .
( 2 ) رفسه : ضربه في صدره .
( 3 ) أى ما بين مراده ولا أوضحه .
( * )

[ 99 ]


لارجو أن يفصح لي ، فأرقت ( 1 ) ليلتي وأصبحت كئيبا ، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله وقال : اجلس ، فجلست ذعرا ، فقال : اسمع ، فقلت : وما أسمع ؟ قال : عجبت للجن وأخبارها * وركبها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها ( 2 ) وأحجارها فقلت : والله لقد حدث في ولد هاشم أو يحدث ، وما أفصح لي وإني لارجو أن يفصح لي ، فأرقت ليلتي وأصبحت كئيبا ، فلما كان من القابلة أتاني نصف الليل وأنا راقد فرفسني برجله ، وقال : أجلس ، فجلست وأنا ذعر ، فقال : اسمع ، قلت : وما أسمع ؟ قال : عجبت للجن وألبانها * وركبها العيس بأنيابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ماصادقو الجن ككذابها فارحل إلى الصفوة من هاشم * أحمد أزهر خير أربابها قلت : عدو الله أفصحت ، فأين هو ؟ قال : ظهر بمكة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فأصبحت ورحلت ناقتي ووجهتها قبل مكة ، فأول ما دخلتها لقيت أبا سفيان وكان شيخا ضالا ، فسلمت عليه وساءلته عن الحي ، فقال : والله إنهم مخصبون ، إلا أن يتيم أبي طالب قد أفسد علينا ديننا ، قلت : وما اسمه ؟ قال : محمد ، أحمد ، قلت ، وأين هو ؟ قال : تزوج بخديجة بنت خويلد فهو عليها نازل ، فأخذت بخطام ناقتي ثم انتهيت إلى بابها فعقلت ناقتي ، ثم ضربت الباب فأجابتني : من هذا ؟ فقلت : أنا أردت محمدا ، فقالت : اذهب إلى عملك ، ما تذرون محمدا يأويه ظل بيت ، قد طردتموه وهر بتموه وحصنتموه ، اذهب إلى عملك ، قلت : رحمك الله إني رجل أقبلت من اليمن ، وعسى الله أن يكون قد من علي به ، فلا تحرميني النظر إليه ، وكان صلى الله عليه وآله رحيما ، فسمعته يقول : ياخديجة افتحي الباب


______________________________________________________
( 1 ) أرق : ذهب عنه النوم في الليل .
( 2 ) الروابى جمع الرابية : ما ارتفع من الارض .
( * )

[100]


ففتحت فدخلت فرأيت النور في وجهه ساطعا ، نور في نور ، ثم درت خلفه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون على كتفه الايمن ، فقبلته ثم قمت بين يديه وأنشأت أقول : أتاني نجي ( 1 ) بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد تلوت ( 2 ) بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لوي بن غالب فشمرت عن ذيلي الازار ووسطت * بي الذعلب ( 3 ) الوجناء بين السباسب فمرنا بما يأتيك ياخير قادر ( 4 ) * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وأشهد أن الله لا شئ غيره * وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الاكرمين الاطائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * إلى الله يغني ( 5 ) عن سواد بن قارب وكان اسم الرجل سواد بن ( 6 ) قارب ، فرحت ( 7 ) والله مؤمنا به صلى الله عليه وآله ، ثم خرج إلى صفين فاستشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام ( 8 ) .
بيان : العيس بالكسر : الابل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة ، والاحلاس جمع حلس وهو كساء يطرح على ظهر البعير ، قوله : إلى رأسها ، الضمير راجع إلى القبيلة ، والاكوار جمع الكور بالضم ، وهو الرحل بأداته ، والهدء : السكون ، والذعلب : الناقة القوية ، والوجناء : الناقة الصلبة وسباسب جمع سبسب ( 9 ) ، قوله : شيب الذوائب ، أي قبلنا و صدقنا بما يأتيك به الوحي من الله وإن كان فيه امور شداد وتشيب منها الذوائب ، ورأيت في بعض الكتب مكان الشعر الاول :


______________________________________________________
( 1 ) نجيى خ ل .
( 2 ) قد بلوت خ ل .
( 3 ) قال الجزرى في النهاية : في حديث سواد بن قارب : الذعلب الوجناء ، الذعلب والذعلبة : الناقة السريعة .
( 4 ) يا خير من مشى خ ل .
( 5 ) سواك بمغن خ ل .
( 6 ) وقد سماه الجزرى سواد بن مطرف .
( 7 ) فرجعت خ ل .
( 8 ) الاختصاص : مخطوط .
( 9 ) والسبب : القفر والمفازة .
( * )