[161]
قوله : "ولكل قوم هاد "أي أنت لكل قوم ، أو المعنى جعل الله لكل قوم هاديا
وستأتي الاخبار في ذلك في كتاب الامامة .
قوله تعالى : "وإما نرينك بعض الذي نعدهم "قال الطبرسي : أي نعد هؤلاء
الكفار من نصر المؤمنين عليهم ، وتمكينك منهم بالقتل والاسر واغتنام الاموال "أو
نتوفينك "أي نقبضنك إلينا قبل أن نريك ذلك ، وبين بذلك أن بعض ذلك في حياته ،
وبعضه بعد وفاته "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب "أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك
به إليهم ، وتقوم بما أمرناك بالقيام به ، وعلينا حسابهم ومجازاتهم والانتقام منهم إما عاجلا
وإما آجلا ، وفي هذا دلالة على أن الاسلام سيظهر على سائر الاديان في أيامه ( 1 ) و
بعد وفاته ، وقد وقع المخبر به على وفق الخبر ( 2 ) .
"ولا تحزن عليهم "أي على كفار قريش أن لم تؤمنوا ونزل بهم العذاب "واخفض
جناحك "أي تواضع "للمؤمنين "وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه
ثم خفضه "فاصدع بما تؤمر "أي أظهر وأعلن وصرح بما امرت به غير خائف "وأعرض
عن المشركين "أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم ، أولا تلتفت إليهم ولا تخف منهم
"وكن من الساجدين "أي المصلين "حتى يأتيك اليقين "أي الموت المتيقن ( 3 ) .
"بالحكمة "أي القرآن ، وقيل : هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن والقبح و
الصلاح والفساد "والموعظة الحسنة "هي الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه ،
والتزهيد في فعله "وجادلهم بالتي هي أحسن "أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من
الحجج ، وقيل : هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه ، كماجاء في الحديث "امرنا معاشر
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 161 سطر 19 الى ص 169 سطر 18
الانبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم ( 4 ) ".
قوله تعالى : "نحن أعلم بما يستمعون به "قد مر تفسيره في كتاب الاحتجاج .
قوله : "لامبدل لكلماته "أي لآياته وكتبه أومواعيده وتقديراته أوأنبيائه وحججه
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : سيظهرعلى سائر الاديان ويبطل الشرك في ايامه .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 298 و 299 .
( 3 ) مجمع البيان 6 : 345 - 347 .
( 4 ) مجمع البيان 6 : 392 و 393 .
( * )
[162]
صلوات الله عليهم .
قوله : "ملتحدا "أي ملجأ ومعدلا ومحيصا .
قوله تعالى : "أفرأيت الذي كفر بآياتنا "قال الطبرسي رحمه الله روي في الصحيح
عن خباب بن الارت قال : كنت رجلا غنيا وكان لى على العاص بن وائل دين فأتيته
أتقاضاه ، فقال لي : لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لن أكفربه حتى نموت و
نبعث ( 1 ) ، فقال : فإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذارجعت إلى مال وولد ،
فنزلت ( 2 ) .
قوله تعالى : "لدا "اللد جمع الالد وهو الشديد الخصومة "من لدناذكرا "أي
كتابا مشتملا على الاقاصيص والاخبار ، حقيقا بالتفكر والاعتبار ، وقيل : ذكراجميلا
بين الناس "من أعرض عنه "عن الذكر أو عن الله "فإنه يحمل يوم القيامة وزرا "عقوبة
ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه .
قوله تعالى : "ومن الناس من يجادل "قال الطبرسي رحمه الله : قيل : المراد به النضر
ابن الحارث فإنه كان كثير الجدال ، وكان يقول : الملائكة بنات الله ، والقرآن أساطير
الاولين ، وينكر البعث ( 3 ) .
قوله تعالى : "لكل امة "أي أهل دين "جعلنا منسكا "متعبدا أو شريعة تعبدوا
بها "هم ناسكوه "ينسكونه "فلا ينازعنك "سائر أرباب الملل "في الامر "في أمر الدين
أو النسائك لانهم أهل عناد ، أو لان دينك أظهر من أن يقبل النزاع .
وقيل : المراد نهي
الرسول عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة ، فإنها إنما تنفع طالب حق ،
وهؤلاء أهل مراء وقيل : نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين : مالكم تأكلون ما قتلتم
ولا تأكلون ما قتله الله ؟ "إلا من شاء "أي إلا فعل من شاء "أن يتخذ إلى ربه سبيلا "أن
يتوب إليه ويطلب الزلفى عنده بالايمان والطاعة ، فصور ذلك بصورة الاجر من حيث إنه
مقصود فعله ، وقيل : الاستثناء منقطع "باخع نفسك "أي قاتل نفسك "أن لا يكونوا مؤمنين "
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : حتى تموت وتبعث .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 528 .
( 3 ) مجمع البيان 7 : 71 .
( * )
[163]
لئلا يؤمنوا ، أو خيفة أن لا يؤمنوا "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية "أى دلالة ملجئة إلى
الايمان ، أو بلية قاسرة إليه ( 1 ) .
"وأنذر عشيرتك الاقربين "قال الطبرسي رحمه الله : أي رهطك الادنين ، واشتهرت
القصة ( 2 ) بذلك عند الخاص والعام ، وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنه قال : لما
نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبدالمطلب وهم يومئذ أربعون رجلا الرجل
منهم يأكل المسنة ويشرب العس فأمر علياعليه السلام برجل شاة فأدمها ( 3 ) ثم قال : ادنوا
بسم الله ، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه
جرعة ثم قال : هلموا اشربوا بسم الله ، فشربوا حتى رووا ، فبدرهم أبولهب فقال : هذا ما
سحركم به الرجل ، فسكت صلى الله عليه وآله يومئذ ولم يتكلم ، ثم دعاهم من الغد إلى مثل ذلك
من الطعام والشراب ، ثم أنذرهم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب إني أنا النذير
إليكم من الله عزوجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ، ثم قال : من يؤاخيني و
يوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني ؟ فسكت القوم فأعادها
ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي : أنا ، فقال في المرة الثالثة : أنت ، فقام القوم و
هم يقولون لابي طالب : أطع ابنك ، فقد امر عليك ، أورده الثعلبي في تفسيره ، وروى عن
أبي رافع هذه القصة وأنه جمعهم في الشعب فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا ( 4 ) ،
وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا ، ثم قال : إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الاقربين
وأنتم عشيرتي ورهطي ، وإن الله لم يبعث نبيا إلا وجعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا
ووصيا وخليفة في أهله ، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووارثي ووزيري ووصيي و
يكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ فسكت القوم فقال : ليقومن
______________________________________________________
( 1 ) قاسرة عليه خ ل .
( 2 ) ستأتى أخبار كثيرة في ذلك عن العامة والخاصة في محله .
( 3 ) النهاية : فيه فأدمته أى خلطته وجعلت فيه إداما يؤكل ، يقال فيه بالمد والقصر ،
وفى الصحاح ، الادم : الالفة والاتفاق ، يقال : أدم الله بينهما ، أى أصلح وألف ، وكذلك آدم
الله بينهما .
منه رحمه الله .
( 4 ) تضلع : امتلا شبعا أو ريا .
( * )
[164]
قائمكم أو ليكونن من غيركم ثم لتندمن ، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات ، فقام علي عليه السلام
فبايعه فأجابه ، ثم قال : ادن مني ، فدنا منه ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه
وثدييه ، فقال أبولهب : بئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملات فاه ووجهه بزاقا ،
فقال النبي صلى الله عليه وآله : ملاته حكما وعلما .
وعن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله صلى الله عليه وآله على الصفا فقال :
يا صباحاه ، فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك ؟ فقال : أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو
مصبحكم أوممسيكم ما كنتم تصدقونني ؟ قالوا : بلى ، قال : فإني نذير لكم بين يدي
عذاب شديد ، قال أبولهب : تبالك ، ألهذا دعوتنا جميعا ؟ ! فأنزل الله تعالى : "تبت يدا
أبي لهب "إلى آخرالسورة ( 1 ) .
وفي قراءة ابن مسعود : "وأنذر عشيرتك الاقربين * ورهطك
منهم المخلصين "وروي ذلك عن أبي عبدالله عليه السلام ( 2 ) .
قوله تعالى : "إن الله يسمع من يشاء "بهدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته
"وما أنت بمسمع من في القبور "ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالاموات ،
ومبالغة في إقناطه عنهم "إن أنت إلا نذير "فما عليك إلا الانذار ، وأما الاسماع فلا
إليك .
قوله : "لينذر "أي القرآن أو الرسول صلى الله عليه وآله "من كان حيا "أي عاقلا فهما ، فإن
الغافل كالميت ، أو مؤمنا في علم الله ، فإن الحياة الابدية بالايمان ، وتخصيص الانذار
به ، لانه المنتفع به "ويحق القول "أي تجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر
"فاصبر إن وعد الله "بهلاك الكفار "حق "كائن لا محالة "فإما نرينك ""ما "مزيدة
لتأكيد الشرط "بعض الذي نعدهم "وهو القتل والاسر "أو نتوفينك "قبل أن تراه
"فإلينا يرجعون "يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم .
قوله تعالى : "لا حجة "أي لا حجاج ولا خصومة .
قوله تعالى : "فاستمسك بالذي اوحي إليك "أي من القرآن بأن تتلوه حق تلاوته
______________________________________________________
( 1 ) السورة : 111 .
( 2 ) مجمع البيان 7 : 206 .
( * )
[165]
وتتبع أوامره ، وتنتهي عما نهي فيه عنه "إنك على صراط مستقيم "أي على دين حق
"وإنه لذكر لك ولقومك "أي وإن القرآن الذي اوحي إليك لشرف لك ولقومك من
قريش "وسوف تسألون "عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف ، أو عما يلزمكم من القيام
بحق القرآن .
أقول : سيأتي في الاخبار أن المراد بالقوم الائمة عليهم السلام وهم يسألون عن علم القرآن .
قوله تعالى : "فتول عنهم "أي فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة
فأبوا إلا الاصرار والعناد "فما أنت بملوم "على الاعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ
"وذكر "ولا تدع التذكير والموعظة "فإن الذكرى تنفع المؤمنين "من قد رالله إيمانه ، أو
من آمن فإنه يزداد بصيرة .
"فذكر "فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم "فما أنت بنعمة ربك "بحمد الله و
إنعامه "بكاهن ولا مجنون "كما يقولون .
"فأعرض عمن تولى "أي عن دعوته والاهتمام بشأنه ، فإن من كانت الدنيا منتهى
همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا .
"هذا نذير من النذر الاولى "أي هذا القرآن نذير من جنس الانذارات المتقدمة
أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الاولين ( 1 ) .
"فتول عنهم "لعلمك أن الانذار لا يغني فيهم .
قوله تعالى : "ودوا لو تدهن فيدهنون "أي تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم
"كل حلاف "أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب "مهين "من المهانة وهي القلة
في الرأي والتميز ، وقيل : ذليل عند الله وعند الناس ، قيل : يعنى الوليد بن المغيرة ،
عرض على النبي صلى الله عليه وآله المال ليرجع عن دينه ، وقيل : الاخنس بن شريق ، وقيل : الاسود
ابن عبد يغوث هماز ، أي عياب "مشاء بنميم "أي يفسد بين الناس بالنميمة "مناع
للخير "أي بخيل بالمال أو عن الاسلام "معتد "متجاوز في الظلم "أثيم "كثير الاثم "عتل
بعد ذلك "أي جاف غليظ بعد ما عد من مثالبه "زنيم "أي دعي ملصق إلى قوم ليس
______________________________________________________
( 1 ) وذلك لان النذير قد يكون مصدرا غير قياسية للانذار وقد يكون صفة بمعنى المنذر والجمع نذر ( * )
[166]
منهم "أن كان ذامال وبنين "أي قال ذلك حينئذ لان كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط
غروره ، أو علة ل "لاتطع "أي لا تطع من هذه مثالبه لان كان ذامال "سنسمه "بالكي
"على الخرطوم "أي على الانف ، وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره ، وقيل
هو عبارة عن غاية الاذلال ، أو نسود وجهه يوم القيامة .
قوله تعالى : "سأل سائل "قال البيضاوي : أي دعا داع به ، بمعنى استدعاه ، ولذلك
عدي الفعل بالباء ، والسائل نضر بن الحارث فإنه قال : "إن كان هذا هو الحق من
عندك "أوأبوجهل فإنه قال : "فأسقط علينا كسفا من السماء "سأله استهزاء ، أو الرسول
استعجل بعذابهم ( 1 ) .
أقول : ستأتي أخبار كثيرة في أنها نزلت في النعمان بن الحارث الفهري حين
أنكر ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وقال : "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
حجارة من السماء "فرماه الله بحجر على رأسه فقتله .
قوله : "مهطعين "أي مسرعين "عزين "أي فرقاشتى ، قيل : كان المشركون يحلقون
حول رسول الله صلى الله عليه وآله حلقا حلقا ويستهزؤون بكلامه "أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل
جنة نعيم "بلا إيمان ، وهوإنكار لقولهم : لو صح ما يقوله لنكونن فيها أفضل حظا منهم
كما في الدنيا ( 2 ) .
"إنا أرسلنا إليكم رسولا "يا أهل مكة "شاهدا عليكم "يشهد عليكم يوم القيامة
بالاجابة والامتناع .
"وبيلا "أي ثقيلا ( 3 ) .
قوله تعالى : "يا أيها المدثر "قال الطبرسي رحمه الله أي المتدثر بثيابه ، قال
الاوزاعي : سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : سألت أبا سلمة أي القرآن انزل من قبل
قال : "يا أيها المدثر "فقلت : أو "اقرء باسم ربك "؟ فقال : سألت جابر بن عبدالله أي
القرآن انزل قبل ؟ قال : "يا أيها المدثر "فقلت : أو "اقرء "؟ قال جابر : احدثكم ما
______________________________________________________
( 1 ) أنوار التنزيل 2 : 547 .
( 2 ) أنوار التنزيل 2 : 549 و 550 .
( 3 ) أنوار التنزيل 2 : 559 .
( * )
[167]
حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : جاورت بحراء شهرا ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت
الوادي فنوديت ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ، ثم نوديت
فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني جبرئيل عليه السلام ، فقلت : دثروني دثروني
فصبوا علي ماء ، فأنزل الله عزوجل : "ياأيها المدثر "وفي رواية : فخشيت ( 1 ) منه
فرقا حتى هويت إلى الارض ، فجئت إلى أهلي فقلت : زملوني ، فنزل : "يا أيها المدثر *
قم فأنذر "أي ليس بك ما تخافه من الشيطان ، إنما أنت نبي فأنذر الناس وادعهم إلى
التوحيد .
وفي هذا مافيه لان الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة ، والآيات
البينة الدالة على أن ما يوحي إليه إنما هو من الله تعالى ، فلا يحتاج إلى شئ سواها
ولا يفزع ولا يفزع ولا يفرق ، وقيل : معناه يا أيها الطالب صرف الاذى بالدثار اطلبه
بالانذار ، وخوف قومك بالنار إن لم يؤمنوا ، وقيل : إنه كان قدتدثر بشملة صغيرة
لينام فقال : يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك ، وقيل : إن المراد به الجد في الامر
والقيام بما ارسل به ، فكأنه قيل له : لا تنم عما أمرتك به ، وهذا كما تقول العرب : فلان
لا ينام في أمره ، إذا وصف بالجد وصدق العزيمة ( 2 ) .
وقال في قوله تعالى : "ذرني ومن خلقت وحيدا ": نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة
المخزومي ، وذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد : إنكم ذووا أحساب
وذووا أحلام ، وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف ، فأجمعوا
أمركم على شئ واحد ، ما تقولون في هذا الرجل ؟ قالوا : نقول : إنه شاعر ، فعبس
عندها وقال : قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر ، فقالوا : نقول : إنه كاهن ، قال :
إذا يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة ، قالوا : نقول : إنه مجنون ، قال :
إذا يأتونه فلا يجدونه مجنونا ، قالوا : نقول : إنه ساحر ، قال : وما الساحر ؟ فقالوا :
بشر يحببون بين المتباغضين ، ويبغضون بين المتحابين ، قال : فهو ساحر ، فخرجوا فكان
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : فجثيت منه فرقا .
( 2 ) مجمع البيان 10 : 384 .
( * )
[168]
لا يلقى أحد منهم النبي صلى الله عليه وآله إلا قال : يا ساحر يا ساحر ، واشتد عليه ذلك ، فأنزل الله
تعالى : "ياأيها المدثر "إلى قوله : "إلا قول البشر "عن مجاهد ، ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله
لما انزل عليه "حم تنزيل الكتاب ( 1 ) "قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه
يسمع قراءته فلما فطن النبي صلى الله عليه وآله لاستماعه لقراءته أعاد قرآءة الآية ، فانطلق الوليد
حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام
الانس ولا من كلام الجن ، وإنه له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ( 2 ) ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن
أسفله لمعذق ، وإنه ليعلو وما يعلى ، ثم انصرف إلى منزله فقال قريش : صبأ ( 3 ) والله
الوليد ، والله ليصبأن قريش كلهم ، وكان يقول للوليد : ريحانة قريش ، فقال لهم أبوجهل :
أنا أكفيكموه ، فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا ، فقال له : مالي أراك حزينا يا ابن
أخي ؟ قال : هذه قريش يعيبونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد ، فقام مع
أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال : تزعمون أن محمدا مجنون ؟ فهل رأيتموه يخنق قط ؟
قالوا : اللهم لا ، قال : تزعمون أنه كاهن ؟ فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك ؟ قالوا : اللهم
لا ، قال : تزعمون أنه شاعر ؟ فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قط ؟ قالوا : اللهم لا ، قال :
تزعمون أنه كذاب ؟ فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ قالوا : اللهم لا ، وكان يسمى
الصادق الامين قبل النبوة من صدقه ، قالت قريش للوليد : فما هو ؟ فتفكر في نفسه ثم
نظر وعبس فقال : ما هو إلا ساحر ، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ،
فهو ساحر ، وما يقوله سحر يؤثر ( 4 ) .
أقول : قد مر تفسير الآيات في كتاب الاحتجاج .
ثم قال رحمه الله في قوله : "عليها تسعة عشر ": قالوا لمانزلت هذه الآية قال
أبوجهل لقريش : ثكلتكم امهاتكم أما تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار
______________________________________________________
( 1 ) غافر : 1 و 2 .
( 2 ) الطلاوة : بتثليث الطاء : الحسن والبهجة .
( 3 ) صبأ : خرج من دين إلى دين آخر .
( 4 ) مجمع البيان 10 : 386 و 387 .
( * )
[169]
تسعة عشر ، وأنتم الدهم والشجعان ( 1 ) أفيعجز كل عشرة منكم أن تبطشوا برجل من
خزنة جهنم ؟ فقال أبوالاسد الجمحي : أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري ، وسبعة
على بطني ، فاكفوني أنتم اثنين ، فنزل تمام الآيات ( 2 ) .
وقال رحمه الله في قوله : كأنهم حمر مستنفرة "أي وحشية نافرة "فرت من قسورة "
يعنى الاسد عن عطاء والكلبي ، قال ابن عباس : الحمر الوحشية إذا عاينت الاسد هربت
منه ، كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وآله يقرأ القرآن هربوا منه ، وقيل : القسورة
الرماة ورجال القنص ( 3 ) .
"بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة "أي كتبا
من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد ، وقيل : معناه أنهم يريدون صحفا
من الله تعالى بالبراءة من العقوبة وإسباغ النعمة حتى يؤمنوا ، وقيل : يريد كل واحد
منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا ، وأنف من أن يكون تابعا ( 4 ) .
وقال في قوله تعالى : "ثم ذهب إلى أهله يتمطى "أى رجع إليهم يتبختر ويختال
في مشيه ، قيل : إن المراد بذلك أبوجهل بن هشام "أولى لك فأولى "هذا تهديد من الله له ،
والمعنى وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك ، وجاءت الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ
بيد أبي جهل ثم قال له : "أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى "فقال أبوجهل : بأي
شئ تهددني ؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لاعز أهل هذا الوادي ،
فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقيل : معناه : الذم أولى لك من تركه .
إلا أنه حذف ، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك ، وصار من المحذوف الذي
لا يجوز إظهاره ، وقيل : هو وعيد على وعيد ، وقيل : معناه وليك الشر في الدنيا وليك ،
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 169 سطر 19 الى ص 177 سطر 18
ثم وليك الشر في الآخرة وليك ، والتكرار للتأكيد ، وقيل ( 5 ) : بعدا لك من خيرات
______________________________________________________
( 1 ) الدهم : العدد الكثير .
( 2 ) مجمع البيان 10 : 388 .
( 3 ) أى الصيادين ؟ ؟ .
( 4 ) مجمع البيان 10 : 392 .
( 5 ) عن الاصمعى أنه تهديد ووعيد ، معناه قاربك ما يهلكك ، أى نزل بك .
( * )
[170]
الدنيا ، وبعدا لك من خيرات الآخرة ، وقيل : أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر
فأولى لك في القبر ، ثم أولى لك يوم القيامة - ولذلك أدخل "ثم "- فأولى لك في
النار ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : "عم يتساءلون ": أصله "عما "قالوا : لما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله
وأخبرهم بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم ، أي
يسأل بعضهم بعضا على طريق الانكار والتعجب فيقولون : ماذا جاء به محمد ؟ وما الذي أتى
به ؟ فأنزل الله "عم يتساءلون "أي عن أي شئ يتساءلون ، والمعنى تفخيم القصة ، ثم ذكر
أن تساءلهم عماذا فقال : "عن النبإ العظيم "وهو القرآن ، وقيل : هو نبأ القيامة ، وقيل :
كل ما اختلفوا فيه من اصول الدين ( 2 ) .
أقول : سيأتي أنه ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في أخبار كثيرة .
وقال رحمه الله في قوله تعالى : "قتل الانسان "أي عذب ولعن ، وهو إشارة إلى كل
كافر ، وقيل : هو امية بن خلف ، وقيل : عتبة بن أبي لهب إذ قال : كفرت برب النجم إذا
هوى "ما أكفره "أي ما أشد كفره ؟ ! وقيل : إن ما للاستفهام ، أي أي شئ أوجب
كفره ؟ أي ليس ههنا شئ يوجب الكفر ، فما الذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه ؟
"من أي شئ خلقه "استفهام للتقرير ، وقيل : معناه لم لا ينظر إلى أصل خلقته ليدله على
وحدانية الله تعالى ؟ "من نطفة خلقه فقدره "أطوارا : نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه ، وعلى
حد معلوم من طوله وقصره وسمعه وبصره وأعضائه وحواسه ومدة عمره ورزقه وجميع أحواله
"ثم السبيل يسره "أي سبيل الخروج من بطن امه ( 3 ) ، أو طريق الخير والشر
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 10 : 401 .
( 2 ) مجمع البيان 10 : 421 .
( 3 ) زاد الطبرسى قد سره توضيحا تركه المصنف ، وهو : وذلك أن رأسه كان إلى رأس امه
وكذلك رجلاه كانت إلى رجليها فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منها .
ثم قال : وقيل : "ثم
السبيل "أى سبيل الدين "يسره "وطريق الخير والشر بين له وخيره ومكنه من فعل الخير واجتناب
الشر ، ونظيره "وهديناه النجدين ".
( * )