[241]
88 - يج روي أنه صلى الله عليه وآله لما تلا "والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما
غوى ( 1 ) "قال رجل من قريش ( 2 ) : كفرت برب النجم ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : سلط الله
عليك كلبا من كلابه ، يعني أسدا ، فخرج مع أصحابه ( 3 ) إلى الشام حتى إذا كانوا بها
رأى أسدا فجعلت فرائصة ترعد ( 4 ) ، فقيل له : من أي شئ ترعد وما نحن وأنت إلا سواء
فقال : إن محمدا دعاعلي ، لا والله ما أظلت هذه السماء ذا لهجة ( 5 ) أصدق من محمد ، ثم
وضعوا العشاء فلم يدخل يده في فيه ، ثم جاء القوم فحاطوه بأنفسهم وبمتاعهم ووسطوه
بينهم وناموا جميعا حوله ، فجاءهم الاسد فهمس يستنشق رجلا رجلا حتى انتهى إليه
فضغمه ضغمه كانت إياها ، وقال بآخر رمق : ألم أقل إن محمدا أصدق الناس ؟ ومات ( 6 ) .
بيان : الهمس : الصوت الخفي وأخفى ما يكون من صوت القدم ، والضغم : العض
كانت إياها : إي موتته وقاطعة حياته .
89 - وأقول : قال في المنتقى : في السنة الخامسة من نبوته صلى الله عليه وآله توفيت سمية
بنت حياط ؟ ؟ مولاة أبي حذيفة بن المغيرة ، وهي ام عمار بن ياسر ، أسلمت بمكة قديما ، و
كانت ممن تعذب في الله لترجع عن دينها فلم تفعل .
فمر بها أبوجهل فطعنها في قلبها ( 7 )
فماتت ، وكانت عجوزا كبيرة ، فهي أول شهيدة في الاسلام .
وفي سنة ست أسلم حمزة وعمر ، وقد قيل : أسلمنا في سنة خمس ، قال : ولما أنزل
الله تعالى : "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين "قام رسول الله صلى الله عليه وآله على الصفا ونادى
في أيام الموسم : يا أيها الناس إني رسول الله رب العالمين ، فرمقه الناس بأبصارهم ، قالها
ثلاثا ، ثم انطلق حتى أتى المروة ثم وضع يده في اذنه ثم نادى ثلاثا بأعلى صوته : يا
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 241 سطر 19 الى ص 249 سطر 18
______________________________________________________
( 1 ) النجم : 1 و 2 .
( 2 ) تقدم في باب معجزاته في كفاية شر الاعداء ص : 57 أنه عتبة بن أبى لهب .
( 3 ) مع أصحابه في كثرة خ ل .
( 4 ) في المصدر : ترتعد ، وكذا فيما بعده .
( 5 ) في المصدر : من ذى لهجة .
( 6 ) الخرائج : 185 .
أقول : ضغمه ، عضه بملء فمه .
( 7 ) في المصدر : فطعنها في قبلها ، وقدتقدم مثله في حديث .
( * )
[242]
أيها الناس إني رسول الله ، ثلاثا فرمقه الناس بأبصارهم ، ورماه أبوجهل قبحه الله بحجر
فشج بين عينيه ، وتبعه المشركون بالحجارة فهرب حتى أتى الجبل فاستند إلى موضع
يقال له : المتكأ وجاء المشركون في طلبه ، وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام و
قال : يا علي قد قتل محمد ، فانطلق إلى منزل خديجة - رضي الله عنها - فدق الباب فقالت
خديجة : من هذا ؟ قال : أنا علي قالت : يا علي ما فعل محمد ؟ قال : لا أدري إلا أن المشركين
قد رموه بالحجارة ، وما أدري أحي هو أم ميت ، فأعطيني شيئا فيه ماء وخذي معك شيئا
من هيس ( 1 ) وانطلقي بنا نلتمس رسول الله صلى الله عليه وآله فإنا نجده جائعا عطشانا ، فمضى حتى
جاز الجبل وخديجة معه فقال علي : يا خديجة استبطني ( 2 ) الوادي حتى أستظهره ، فجعل
ينادي : يا محمداه ، يا رسول الله ، نفسي لك الفداء في أي واد أنت ملقى ؟ وجعلت خديجة :
تنادي من أحس لي النبي المصطفى ؟ من أحس لي الربيع المرتضى ؟ من أحس لي المطرود
في الله ؟ من أحس لي أبا القاسم ؟ وهبط عليه جبرئيل عليه السلام فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وآله
بكى وقال : ماترى ما صنع بي قومي ؟ كذبوني وطردوني وخرجوا علي ، فقال يا محمد
ناولني يدك فأخذ يده فأقعده على الجبل ، ثم أخرج من تحت جناحه درنوكا ( 3 ) من درانيك
الجنة منسوجا بالدر والياقوت وبسطه حتى جلل به جبال تهامة ، ثم أخذ بيد رسول الله
صلى الله عليه وآله حتى أقعده عليه ، ثم قال له جبرئيل : يا محمد أتريد أن تعلم كرامتك على الله ؟ قال
نعم ، قال : فادع إليك تلك الشجرة تجبك ، فدعاها فأقبلت حتى خرت بين يديه ساجدة ،
فقال : يا محمد مرها ترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها ، وهبط عليه إسماعيل حارس السماء الدنيا
فقال : السلام عليك يا رسول الله ، قد أمرني ربي أن اطيعك ، أفتأمرني أن أنثر عليهم
النجوم فأحرقهم ، وأقبل ملك الشمس فقال : السلام عليك يا رسول الله ، أتأمرني أن آخذ
عليهم الشمس فأجمعها على رؤوسهم فتحرقهم ، وأقبل ملك الارض فقال : السلام عليك يا رسول
الله : إن الله عزوجل قد أمرني أن اطيعك ، أفتأمرني أن آمر الارض فتجعلهم في بطنها
______________________________________________________
( 1 ) هكذا في النسخة ومصدره ، ولعله مصحف حيس ، قال الفيروز آبادى : الحيس : الخلط
وتمر يخلط بسمن واقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق .
( 2 ) أى أدخلى أنت بطن الوادى حتى أعلو أنا ظهره .
( 3 ) الدرنوك والدرنيك : نوع من البسط له خمل .
( * )
[243]
كما هم على ظهرها ؟ وأقبل ملك الجبال فقال : السلام عليك يا رسول الله إن الله قد
أمرني أن اطعيك ، أفتأمرني أن آمر الجبال فتنقلب عليهم فتحطمهم ؟ وأقبل ملك البحار
فقال : السلام عليك يا رسول الله ، قد أمرني ربى أن اطيعك ، أفتأمرني أن آمر البحار
فتغرقهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد امرتم بطاعتي ؟ قالوا : نعم ، فرفع رأسه إلى السماء
ونادى : إني لم ابعث عذابا ، إنما بعثت رحمة للعالمين ، دعوني وقومي فإنهم لا يعلمون ،
ونظر جبرئيل عليه السلام إلى خديجة تجول في الوادي فقال : يا رسول الله ألا ترى إلى خديجة
قدأبكت لبكائها ملائكة السماء ؟ ادعها إليك فأقرئها مني السلام ، وقل لها : إن الله يقرئك
السلام ، وبشرها أن لها في الجنة بيتا من قصب لانصب فيه ولا صخب ( 1 ) ، لؤلؤا مكللا
بالذهب ، فدعاها النبي صلى الله عليه وآله والدماء تسيل من وجهه على الارض ، وهو
يمسحها ويردها قالت فداك أبي وامي دع الدمع يقع على الارض ، قال : أخشى أن يغضب
رب الارض على من عليها ، فلما جن عليهم الليل انصرفت خديجة رضي الله عنها ورسول
الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ودخلت به منزلها ، فأقعدته على الموضع الذي فيه الصخرة ، وأظلته
بصخرة من فوق رأسه ، وقامت في وجهه تستره ببردها ( 2 ) ، وأقبل المشركون يرمونه
بالحجارة ، فإذا جاءت من فوق رأسه صخرة وقته الصخرة ، وإذا رموه من تحته وقته الجدران
الحيط ، وإذا رمي من بين يديه وقته خديجة - رضي الله عنها - بنفسها ، وجعلت تنادي
يامعشر قريش ترمى الحرة في منزلها ؟ فلماسمعوا ذلك انصرفوا عنه ، وأصبح رسول الله
صلى الله عليه وآله وغدا إلى المسجد يصلي ، وفي سنة ثمان من نبوته صلى الله عليه وآله نزلت "الم غلبت
الروم ( 3 ) "كما مرت قصته في باب إعجاز القرآن .
______________________________________________________
( 1 ) في النهاية : في حديث خديجة : "بشر خديجة ببيت من قصب في الجنة "القصب في هذا
الحديث : لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف .
والقصب من الجوهر : مااستطال منه في تجويف .
وقال : الصخب : الضجة واضطراب الاصوات للخصام .
( 2 ) في المصدر : تستره ببردته .
( 3 ) المنتقى في مولود المصطفى : الفصل الرابع في ذكر هجرة الحبشة ، والباب الرابع : فيما
كان في سنة ست وسنة سبع من نبوته صلى الله عليه وآله ، والباب الخامس : فيما كان في سنة
ثمان من نبوته صلى الله عليه وآله .
( * )
[244]
2
الايات : مريم "19 "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما
بين ذلك وما كان ربك نسيا 64 .
طه "20 ": ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني
علما 114 .
الفرقان "25 ": وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك
لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32 .
الشعراء : "26 "وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك
لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين 192 - 195 .
النمل : "27 "وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم 6 .
حمعسق : "42 "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أومن وراء حجاب أويرسل
رسولا فيوحي بإذنه مايشاء إنه علي حكيم * وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما
كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاءمن عبادنا وإنك
لتهدي إلى صراط مستقيم 51 و 52 .
النجم : "53 "علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوى - إلى قوله - : أو أدنى 5 - 9
القيامة : "75 "لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا
قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه 16 - 19 .
[245]
تفسير : قال البيضاوي في قوله تعالى : "وما نتنزل إلا بأمر ربك ": حكاية قول
جبرئيل عليه السلام حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وآله لماسئل عن قصة أصحاب الكهف وذي
القرنين والروح ، ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه ، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما
وقيل : أربعين يوما ، حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه ، ثم نزل ببيان ذلك ، و
التنزل : النزول على مهل ، لانه مطاوع نزل ، وقد يطلق التنزل بمعنى النزول مطلقا ،
كما يطلق نزل بمعنى أنزل ، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه
حكمته ، وقرئ "وما يتنزل "بالياء ، والضمير للوحي "له مابين أيدينا وماخلفنا وما
بين ذلك "وهو ما نحن فيه من الاماكن أو الاحايين لا ننقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في
زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته "وما كان ربك نسيا "تاركا لك ، أي ما كان عدم
النزول إلا لعدم الامر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه ( 1 ) إياك كما زعمت
الكفرة ، وإنما كان لحكمة ، رآها فيه ( 2 ) .
قوله تعالى : "ولا تعجل بالقرآن "قال الطبرسي : فيه وجوه :
أحدها أن معناه لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل من إبلاغه ، فإنه
صلى الله عليه وآله
كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه ، أي تفهم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك
من تلاوته ، ولا تقرأ معه ثم اقرأ بعد فراغه منه .
وثانيها : أن معناه لا تقرئ به أصحابك ولاتمله ( 3 ) حتى يتبين لك معانيه .
وثالثها : أن معناه ولاتسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه ، لانه تعالى إنما
ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة ( 4 ) .
قوله تعالى : "كذلك لنثبت به فؤادك "قال البيضاوي : أي كذلك أنزلناه مفرقا
لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه ، لان حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود عليهم السلام
______________________________________________________
( 1 ) التوديع : الهجران ،
( 2 ) أنوار التنزيل : 25 : 42 .
( 3 ) من أملى يملى إملاء ، وفى المصدر : ولا تقرئه لاصحابك ؟ ؟ ولا تمله عليهم .
( 4 ) مجمع البيان 7 : 32 .
( * )
[246]
حيث كان اميا وكانوا يكتبون ، فلو لقي عليه جملة لتعيي ( 1 ) بحفظه ، ولان نزوله بحسب
الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعنى ، ولانه إذا نزل منجما ( 2 ) ويتحدي بكل
نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه ، ولانه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال
يثبت به فؤاده ، ومن فوائد التفريق معرفة الناسخ والمنسوخ ، ومنها انضمام القرائن الحالية
إلى الدلالات اللفظية ، فإنه يعين على البلاغة "ورتلناه ترتيلا "أي وقرأنا عليك شيئا
بعد شئ على توءدة وتمهل في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين سنة ( 3 ) .
قوله تعالى : "ما كان لبشر "أي لا يصح له "أن يكلمه الله إلا وحيا "أي إلهاما و
قذفا في القلوب ، أو إلقاء في المنام "أو من وراء حجاب "أي يكلمه من وراء حجاب كما
كلم موسى عليه السلام بخلق الصوت في الطور ، وكما كلم نبينا صلى الله عليه وآله في المعراج ، وهذاإما
على سبيل الاستعارة والتشبيه ، فإن من يسمع الكلام ولا يرى المتكلم ، يشبه حاله بحال
من يكلم من وراء حجاب ، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي من كماله تعالى ، ونقص
الممكنات ، ونوريته تعالى ، وظلمانية غيره ، كما سبق تحقيقه في كتاب التوحيد "أو
يرسل رسولا ، أي ملكا "فيوحي بإذنه ما يشاء "، فظهر أن وحيه تعالى منحصر في أقسام
ثلاثة : إما بالالهام والالقاء في المنام ، أو بخلق الصوت بحيث يسمعه الموحى إليه ، أو بإرسال
ملك ، وعلم الملك أيضا يكون على هذه الوجوه ( 4 ) ، والملك الاول ( 5 ) لا يكون علمه إلا
بوجهين منها ، وقد يكون بأن يطالع في اللوح ، وسيأتي تحقيقه في الاخبار "إنه علي "
عن أن يدرك بالابصار "حكيم "في جميع الافعال "وكذلك أوحينا إليك روحا "قيل :
المراد القرآن ، وقيل جبرئيل وسيأتي في الاخبار أن المراد به روح القدس ، فعلى الاخيرين
المراد ب "أوحينا "أرسلنا "من أمرنا "أي بأمرنا "أو أنه من عالم الامر ، وقد مر تحقيقه و
______________________________________________________
( 1 ) عى وعيى وتعيى بأمره : عجز عنه ، ولم يطق إحكامه .
( 2 ) أى في أوقات معينة .
( 3 ) أنوار التنزيل 2 : 162 .
( 4 ) أى بالالهام ، أو بخلق الصوت ، أو بتوسيط ملك ، وأما الالقاء في المنام فلا يكون في
ملك .
( 5 ) أى الملك الذى يأخذ عن الله بلا واسطة لا يكون عليه الا بالالهام أو بخلق الصوت .
( * )
[247]
سيأتي "ما كنت تدري "أي قبل الوحي "ما الكتاب ولا الايمان "قيل : الكتاب : القرآن ،
والايمان الصلاة ، وقيل : المراد أهل الايمان على حذف المضاف ، وقيل : المراد به الشرائع
ومعالم الايمان ، وهو صلى الله عليه وآله لم يكن في حال من الاحوال على غير الايمان ، واستدل بهذه
الآية على أنه صلى الله عليه وآله لم يكن قبل النبوة متعبدا بشرع ، وسيأتي تحقيقه .
"ولكن
جعلناه "أي القرآن أو الروح أو الايمان .
قوله تعالى : "علمه شديد القوى "قال الطبرسي - رحمه الله - يعني جبرئيل عليه السلام
أي القوي في نفسه وخلقته "ذو مرة "أي قوة وشدة في خلقه ، ومن قوته أنه اقتلع قرى
قوم لوط ، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا ، وقيل : ذو صحة وخلق حسن ، و
قيل : "شديد القوى "في ذات الله "ذو مرة "أي صحة في الجسم ، سليم من الآفات والعيوب
وقيل : ذو مرة ، أي ذو مرور في الهواء ذاهبا وجائيا ونازلا وصاعدا "فاستوى "أي جبرئيل
على صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد صلى الله عليه وآله "وهو بالافق الاعلى "أي افق
المشرق ( 1 ) ، قالوا : إن جبرئيل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة الآدميين ، فسأله
رسول الله صلى الله عليه وآله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة في
الارض ، ومرة في السماء أما في الارض ففي الافق الاعلى وذلك أن محمدا صلى الله عليه وآله كان بحراء
فطلع له جبرئيل عليه السلام من المشرق فسد الافق إلى المغرب فخر النبي صلى الله عليه وآله مغشيا عليه فنزل
جبرئيل عليه السلام في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه ، وهو قوله : "ثم دنا فتدلى "وتقديره
ثم تدلى ، أي قرب بعد بعده وعلوه في الافق الاعلى فدنا من محمد صلى الله عليه وآله ، قال الحسن و
قتادة : ثم دنا جبرئيل بعد استوائه بالافق الاعلى من الارض فنزل إلى محمد صلى الله عليه وآله ، وقال
الزجاج : معنى دنا وتدلى واحد ، أي قرب فزاد في القرب ( 2 ) ، وقيل : فاستوى ، أي
ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علم محمدا وقيل : اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة
ليراه النبي صلى الله عليه وآله ، وقيل : معناه استوى جبرئيل ومحمد صلى الله عليه وآله بالافق الاعلى يعني السماء
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : "وهو "كناية عن جبرئيل أيضا "بالافق الاعلى "يعنى افق المشرق ، و
المراد بالاعلى جانب المشرق ، وهو فوق جانب المغرب في صعيد الارض لا في الهواء .
( 2 ) في المصدر : لان معنى دنا قرب ، وتدلى زاد في القرب .
( * )
[248]
الدنيا ليلة المعراج "فكان قاب قوسين أو أدنى "أي كان ما بين جبرئيل وبين رسول الله صلى الله عليه وآله
قاب قوسين ، قال عبدالله بن مسعود : إن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى جبرئيل وله ستمائة
جناح ( 1 ) .
أقول سيأتي تفسير بقية الآيات في باب المعراج .
قوله تعالى : "لا تحرك به لسانك "قال البيضاوي : أي بالقرآن قبل أن يتم وحيه
"لتعجل به "لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك "إن علينا جمعه "في صدرك "و
قرآنه "وإثبات قراءته في لسانك "فإذا قرأناه "بلسان جبرئيل عليك "فاتبع قرآنه "
قراءته ، وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك "ثم إن علينا بيانه "بيان ما اشكل عليك
من معانيه ( 2 ) .
1 - عد : الاعتقاد في نزول الوحي من عند الله عزوجل بالامر والنهي : إعتقادنا في
ذلك أن بين عيني إسرافيل لوحا ، فإذا أراد الله عزوجل أن يتكلم بالوحي ضرب اللوح
جبين إسرافيل ، فينظر فيه فيقرأ ما فيه ، فليقيه ميكائيل ، ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل
عليهم السلام ، ويلقيه جبرئيل إلى الانبياء عليهم السلام ، وأما الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله
حتى يثقل ويعرق فإن ذلك كان يكون ( 3 ) منه عند مخاطبة الله عزوجل إياه فأما
جبرئيل فإنه كان لا يدخل على النبي صلى الله عليه وآله حتى يستأذنه إكراما له ، وكان يقعد
بين يديه قعدة العبد ( 4 ) .
بيان : قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح هذا الكلام : هذا أخذه أبوجعفر
من شواذ الحديث ، وفيه خلاف لما قدمه من أن اللوح ملك من ملائكة الله تعالى ، وأصل
الوحي هو الكلام الخفي ، ثم قد يطلق على كل شئ قصد به إلى إفهام ( 5 ) المخاطب
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 9 : 173 .
( 2 ) أنوار التنزيل 2 : 567 .
( 3 ) في المصدر : فانها كانت تكون .
( 4 ) اعتقادات الصدوق : 100
( 5 ) المصدر خال عن كلمة ( إلى ) وهو الصحيح .
( * )
[249]
على الستر له عن غيره ، والتخصيص له به دون من سواه ، وإذا اضيف إلى الله تعالى كان
فيما يخص به الرسل صلى الله عليهم خاصة دون من سواهم ( 1 ) على عرف الاسلام و
شريعة النبي صلى الله عليه وآله ، قال الله تعالى : "وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه ( 2 ) "الآية ،
فاتفق أهل الاسلام على أن الوحي كان رؤيا مناما وكلاما ( 3 ) سمعته ام موسى على الاختصاص
وقال تعالى : "وأوحى ربك إلى النحل ( 4 ) "الآية ، يريد به الالهام الخفي إذ كان
خالصا لمن أفرده ( 5 ) دون من سواه ، فكان علمه حاصلا للنحل بغير كلام جهر به المتكلم
فأسمعه غيره ، وقال تعالى : "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ( 6 ) "بمعنى يوسوسون
إلى أوليائهم بما يلقونه من الكلام في أقصى أسماعهم ، فيخصون بعلمهم دون من سواهم ،
وقال : "فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ( 7 ) "يريد به أشار إليهم من غير إفصاج
______________________________________________________
( 1 ) اعلم أن الوحى قد يطلق ويراد به الكلمة المقدسة الالهية التى تلقى إلى انبياء الله و
رسله صلواته عليهم في بيان شرائع الله وأحكامه ، اما بتبليغ ملك يتمثل لهم فيروه ، كتمثل جبرئيل
كثيرا لنبينا صلوات الله عليه ، أو يلقيها في روعهم بلا مشاهدة ، كقوله تعالى : "نزل به الروح
الامين * على قلبك "وقوله صلى الله عليه وآله : "إن روح القدس نفث ؟ ؟ في روعى "أو بلا
واسطة ملك باسماع الله تعالى نبيه تلك الكلمة ، أو القائه في روعه ، والهامه إليه ، كل ذلك إما
في حال اليقظة أو النوم ، والوحى بهذا المعنى يختص بالانبياء عليهم السلام ولا يعم غيرهم ، وقد
يراد به تلك الكلمة لكن في غير موضع الشرائع والاحكام ، بالالقاء في الروع والالهام ، وذلك
المعنى يعم الانبياء عليهم السلام وغيرهم ، كما قال الله تعالى : "وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه "
وقد يطلق ويراد به التسخير وذلك في غير ذوى العقول كقوله تعالى : "وأوحى ربك إلى النحل "
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 249 سطر 19 الى ص 257 سطر 18
وقوله : "بان ربك أوحى لها "كما يطلق ويراد به الوسواس كقوله تعالى : "ان الشياطين
ليوحون إلى أوليائهم "وذلك يختص بالشياطين ولا يضاف الا اليهم ، وسيأتى عن أمير المؤمنين
عليه السلام الايعاز إلى معان أخر عن قريب .
( 2 ) القصص : 7 .
( 3 ) في المصدر : أو كلاما .
( 4 ) النحل : 67 .
( 5 ) في المصدر : اذا كان خاصا بمن أفرده .
( 6 ) الانعام : 121 .
( 7 ) مريم : 11 .
( * )
[250]
الكلام ، شبه ذلك بالوحي لخفائه عمن سوى المخاطبين ، ولستره عمن سواهم ، وقديري
الله في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله ويثبت حقه ، لكنه لا يطلق - بعد استقرار الشريعة -
عليه اسم الوحي ، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه الله ( 1 ) على علم شئ : إنه يوحى إليه
وعندنا أن الله تعالى يسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليهم كلاما يلقيه إليهم في علم ما
يكون ، لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي ، لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي
لاحد بعد نبينا ، وإنه لا يقال في شئ مما ذكرنا : إنه أوحى إلى أحد ، ولله تعالى أن يبيح
إطلاق الكلام أحيانا ، ويحظره أحيانا ، ويمنع السمات بشئ حينا ويطلقها حينا ، وأما
المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها على ما قدمناه ، وأما الوحي من الله تعالى إلى نبيه
فقد كان تارة بإسماعه الكلام من غير واسطة ، وتارة بإسماعه الكلام على ألسن الملائكة
والذي ذكره أبوجعفر - رحمه الله - من اللوح والقلم وما يثبت فيه فقد جاء به حديث إلا أنا
لا نعزم على القول به ، ولا نقطع على الله بصحته ، ولا نشهد منه إلا بما علمناه ، وليس
الخبر به متواتر يقطع العذر ، ولا عليه إجماع ، ولا نطق القرآن به ، ولا ثبت عن حجة الله
تعالى فينقاد له ، والوجه أن نقف فيه ونجوزه ولا نقطع به ولا نرده ، ونجعله في حيز الممكن
فأما قطع أبي جعفر به وعلمه على اعتقاده فهو مستند إلى ضرب من التقليد ، ولسنا من
التقليد في شئ ( 2 ) .
3 - عد : الاعتقاد في نزول القرآن : اعتقادنا في ذلك أن القرآن نزل في شهر رمضان
في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين
سنة ، وأن الله تبارك وتعالى أعطى نبيه العلم جملة واحدة ، ثم قال له : "ولا تعجل بالقرآن
______________________________________________________
( 1 ) في نسخة من المصدر : اطلعه الله
( 2 ) الظاهر من كلام الصدوق قدس الله روحه انه بعد ما اعتقد أن الوحى قد يكون باسماع
الله تعالى نبيه ، وقد يكون بتوسيط الملك أراد أن يبين كيفية علم الملائكة واطلاعهم على الوحى
وأنه كيف يلقى الله إليهم ذلك فما ذكره مذكور في بعض الاحاديث ، وستأتى في الاخبار كيفية
اخرى في ذلك .
( 3 ) تصحيح الاعتقادات : 56 و 57 .
( * )