[271]


أقول : قد مضت الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب قصص الانبياء عليهم السلام .
36 - سن : أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم قال : أبوعبدالله عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل عليه السلام يقول : هو ذا جبرئيل ، وقال لي جبرئيل ، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عزوجل ( 1 ) .
37 - شى : عن عيسى بن عبدالله ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي عليه السلام قال : كان القرآن ينسخ بعضه بعضا ، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بآخره ، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ ، فلقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليها الوحي حتى وقف وتدلى بطنها حتى رئيت سرتها تكاد تمس الارض ، واغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وضع يده على ذؤابة منبه بن وهب ( 2 ) الجمحي ثم رفع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وعملنا ( 3 ) .
38 - نهج : ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ( 4 ) .
تذنيب : اعلم أن علماء الخاصة والعامة اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وآله هل كان قبل بعثته متعبدا بشريعة أم لا ، قال العلامة - قدس الله روحه - في شرحه على مختصر ابن الحاجب : اختلف الناس في أن النبي صلى الله عليه وآله هل كان متعبدا بشرع أحد من الانبياء قبله قبل النبوة أم لا ، فذهب جماعة إلى أنه كان متعبدا ونفاه آخرون كأبي الحسين البصري وغيره وتوقف الغزالي والقاضي عبدالجبار والمثبتون اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنه كان متعبدا بشرع نوح عليه السلام ، وآخرون قالوا : بشرع إبراهيم عليه السلام ، وآخرون بشرع موسى عليه السلام ، وآخرون بشرع عيسى عليه السلام ، وآخرون قالوا : بما ثبت أنه شرع .


______________________________________________________
( 1 ) المحاسن : 338 .
( 2 ) على رأسه ابن وهب خ ل .
( 3 ) تفسير العياشى : مخطوط .
( 4 ) نهج البلاغة : القسم الاول : 416 .
( * )

[272]


واستدل المصنف على أنه كان متعبدا بشرع من قبله بما نقل نقلا يقارب التواتر أنه كان بصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويتجنب الميتة ويذكي ويأكل اللحم ويركب الحمار وهذه امور لا يدركها العقل فلا مصير إليها إلا من الشرع واستدل آخرون على هذا المذهب أيضا بأن عيسى عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع المكلفين ، والنبي صلى الله عليه وآله كان من المكلفين ، فيكن عيسى عليه السلام مبعوثا إليه .
والجواب : لا نسلم عموم دعوة من تقدمه .
واحتج المخالف بأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان مخالطا لاهل تلك الشريعة قضاء للعادة الجارية بذلك أو لزمته المخالطة لارباب تلك الشريعة بحيث يستفيد منهم الاحكام ، ولما كان التالي باطلا إجماعا فكذا المقدم .
والجواب : لا نسلم وجوب المخالطة ، لان الشرع المنقول إليه عمن تقدمه إن كان متواترا فلا يحتاج إلى المخالطة والمناظرة ، وإن كان آحادا فهو غير مقبول خصوصا مع اعتقاده بأن أهل زمانه صلى الله عليه وآله كانوا في غاية الالحاد ، سلمنا أنه كان يلزم المخالطة ، لكن المخالطة قد لا تحصل لموانع تمنع منها ، فيحتمل ( 1 ) ترك المخالطة لمن يقاربه من أرباب الشرائع المتقدمة ، على تلك الموانع جمعا بين الادلة انتهى .
وقال المرتضى رضي الله عنه في كتاب الذريعة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله متعبدا بشرائع من تقدمه من الانبياء عليهم السلام ؟ في هذا الباب مسألتان : إحداهما قبل النبوة ، و الاخرى بعدها ، وفي المسألة الاولى ثلاثة مذاهب : أحدها أنه صلى الله عليه وآله ما كان متعبدا قطعا ، والآخر أنه كان متعبدا قطعا ، والثالث التوقف ، وهذا هو الصحيح ، والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي ، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن لا مصلحة للنبي صلى الله عليه وآله قبل نبوته في العبادة بشئ من الشرائع ، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له صلى الله عليه وآله في ذلك مصلحة ، وإذا كان كل واحد من الامرين جائزا ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف .


______________________________________________________
( 1 ) فيحمل خ ل .
( * ) بحار الانوار - 17 -

[273]


وليس لمن قطع على أنه ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان تعبده صلى الله عليه وآله ( 1 ) بشئ من الشرائع لكان فيه متبعا لصاحب تلك الشريعة ومقتديا به ، وذلك لا يجوز لانه أفضل الخلق ، واتباع الافضل للمفضول قبيح ، وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله تعالى عليه صلى الله عليه وآله بعض ما قامت عليه الحجة به من بعض الشرائع المتقدمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع ، وليس لمن قطع على أنه صلى الله عليه وآله كان متعبدا أن يتعلق بأنه صلى الله عليه وآله كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر ، ويذكي ويأكل المذكى ، ويركب البهائم ويحمل عليها ، وذلك أنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله أنه قبل النبوة حج أو اعتمر ، ولو ثبت لقطع به على أنه كان متعبدا ، وبالتظني لا يثبت مثل ذلك ، ولم يثبت أيضا أنه صلى الله عليه وآله تولى التذكية بيده ، وقد قيل أيضا إنه لو ثبت أنه ذكى بيده لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره في الذكاة ، فذكى على سبيل المعونة لغيره ، وأكل لحم المذكى لا شبهة في أنه غير موقوف على الشرع ، لانه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل وركوب البهائم والحمل عليها يحسن عقلا إذا وقع التكفل بما يحتاج إليه من علف وغيره ، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وآله فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله ، وليس علمه صلى الله عليه وآله بأن غيره نبي بالدليل يقتضي كونه متعبدا بشريعته ، بل لابد من أمر زائد على هذا العلم .
فأما المسألة الثانية فالصحيح أنه صلى الله عليه وآله ما كان متعبدا بشريعة نبي تقدم ، وسندل ؟ ؟ عليه بعون الله ، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه كان متعبدا ، ولابد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا بمثل شريعة النبي الاول ، لان ذلك
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 273 سطر 19 الى ص 281 سطر 18 إذا لم يجز سقط الكلام في هذا الوجه من المسألة وقد قيل : إن ذلك يجوز على شرطين : إما بأن تندرس الاولى فيجددها الثاني ، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها ، ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين ، ويدعون أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون عبثا ، ولا يجب النظر في معجزته ، ولابد من وجوب النظر في المعجزات ، وليس الامر على ما قالوه ، لان بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا ، إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها


______________________________________________________
( 1 ) لعل الصحيح : لو كان تعبد .
( * )

[274]


وينتفع من لم ينتفع بالاول ، ولو لم يكن الامر أيضا كذلك كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الادلة الدالة على أمر واحد ، ولا يقول أحد : إن نصب الادلة على هذا الوجه يكون عبثا .
فأما الوجه الثاني فإنا لا نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث لابد من أن يكون واجبا ، لان ذلك يختلف ، فإن خاف المكلف من ضرر إن هو لم ينظر - وجب النظر عليه ، وإن لم يخف لم يكن واجبا ، وقد استقصينا هذا الكلام وفرغناه في كتاب الذخيرة ، والذي يحقق هذه المسألة أن تعبده صلى الله عليه وآله بشرع من تقدمه لابد فيه من معرفة أمرين : أحدهما نفس الشرع ، والآخر كونه متعبدا به ، وليس يخلو من أن يكون علم صلى الله عليه وآله كلا الامرين بالوحي النازل عليه ، والكتاب المسلم إليه ، أو يكون علم الامرين من جهة النبي المتقدم ، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه ، والآخر من غير ذلك الوجه ، والوجه الاول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه علم الشرع والتعبد معا ، وأكثر ما في ذلك أن يكون تعبد بمثل شرائعهم ، وإنما يضاف الشرع إلى الرسول إذا حمله ولزمه أداءه ، ويقال في غيره : إنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى اتباعه ، ألزمه الانقياد له ، فيكون مبعوثا إليه ، وإذا فرضنا أن القرآن والوحي وردا ببيان الشرع وإيجاب الاتباع فذلك شرعه صلى الله عليه وآله لا يجب إضافته إلى غيره ، وأما الوجه الثاني فهو وإن كان خارجا من أقوال الفقهاء المخالفين لنا في هذه المسألة فاسد من جهة أن نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الامم الماضية قد بين في مواضع أنه ليس بحجة لانقراضهم وعدم العلم باستواء أولهم وآخرهم ، وأيضا فإنه صلى الله عليه وآله مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا لغيره من الانبياء المتقدمين عليهم السلام ، ثم هذاالقول يقتضي أن لا يكون صلى الله عليه وآله بأن يكون من امة ذلك النبي بأولى منا ، ولا بأن نكون متعبدين بشرعه بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا ، لان حاله كحالنا في أننا من امة ذلك النبي ، وبهذه الوجوه التي ذكرناها نبطل القسمين الذين فرغناهما ، ومما يدل على حجة ما ذكرناه وفساد قول مخالفينا أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وآله توقفه في أحكام معلوم أن بيانها في

[275]


التوراة ، وانتظاره فيها نزول الوحي ، ولو كان متعبدا بشريعة موسى عليه السلام لما جرى ذلك ، وأيضا فلو كان الامر على ما قالوه لكان يجب أن يجعل صلى الله عليه وآله كتب من تقدمه في الاحكام بمنزلة الادلة الشرعية ، ومعلوم خلافه ، وأيضا فقد نبه صلى الله عليه وآله في خبر معاذ على الادلة فلم يذكر في جملتها التوراة والانجيل ، وأيضا فإن كل شريعته مضافة إليه بالاجماع ، ولو كان متعبدا بشرع غيره لما جاز ذلك ، وأيضا فلا خلاف بين الامة في أنه صلى الله عليه وآله لم يؤد إلينا من اصول الشرائع إلا ما اوحي إليه وحمله ، وأيضا فإنه لا خلاف في أن شريعته صلى الله عليه وآله ناسخة لكل الشرائع المتقدمة من غير استثناء ، فلو كان الامر كما قالوه لما صح هذا الاطلاق ، وأيضا فإن شرائع من تقدم مختلفة متضادة فلا يصح كونه متعبدا بكلها فلابد من تخصيص ودليل يقتضيه ، فإن ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسى عليه السلام بأنها ناسخة لشريعة من تقدم فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه صلى الله عليه وآله من اليهود في التوراة ، فأما رجوعه في رجم المحصن إليها فلم يكن لانه كان متعبدا بذلك ، لانه لو كان الرجوع لهذه العلة لرجع صلى الله عليه وآله في غير هذاالحكم إليها ، وإنما رجع لامر آخر ، وقد قيل : إن سبب الرجوع أنه صلى الله عليه وآله كان خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما في التوراة فرجع إليها تصديقا لخبره ، وتحقيقا لقوله صلى الله عليه وآله انتهى .
وقال المحقق أبوالقاسم الحلي طيب الله رمسه في اصوله : شريعة من قبلنا هل هي حجة في شرعنا ؟ قال قوم : نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه .
وأنكر الباقون ذلك وهو الحق ، لنا وجوه : الاول : قوله تعالى : "وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ( 1 ) ".
الثاني : لو كان متعبدا بشرع غيره لكان ذلك الغير أفضل ، لانه يكون تابعا لصاحب ذلك الشرع ، وذلك باطل بالاتفاق .
الثالث : لوكان متعبدا بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع ، لكن ذلك باطل ، لانه لو وجب لفعله ، ولو فعله لاشتهر ، ولوجب على الصحابة والتابعين بعده والمسلمين إلى يومنا هذا متابعته صلى الله عليه وآله على الخوص فيه ، ونحن نعلم من الدين خلاف ذلك .


______________________________________________________
( 1 ) النجم : 3 و 4 .
( * )

[276]


الرابع : لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان طريقه إلى ذلك إما الوحي أو النقل ، ويلزم من الاول أن يكون شرعا له لا شرعا لغيره ، ومن الثاني التعويل على نقل اليهود وهو باطل ، لانه ليس بمتواتر ، لما تطرق إليه من القدح المانع من إفاده اليقين ، ونقل الآحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة .
واحتج الآخرون بقوله تعالى : "فبهداهم اقتده ( 1 ) "وبقوله : "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ( 2 ) "وبقوله : "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ( 3 ) " وبقوله : "إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ( 4 ) "وبقوله : "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ( 5 ) "وبأنه صلى الله عليه وآله رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى التوراة .
أجاب الاولون عن الآية الاولى بأنها تتضمن الامر بالاهتداء بهداهم كلهم ، فلا يكون ذلك إشارة إلى شرعهم ، لانه مختلف ، فيجب صرفه إلى ما اتفقوا عليه ، وهو دلائل العقائد العقلية دون الفروع الشرعية .
وعن الثاني بأن ملة إبراهيم عليه السلام المراد بها العقليات دون الشرعيات ( 6 ) يدل على ذلك قوله : "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ( 7 ) "فلو أراد الشرعيات لما جاز نسخ شئ منها ، وقد نسخ كثير من شرعه ، فتعين أن المراد منه العقليات .
وعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وصية نوح عليه السلام بشرعنا أنه أمره به ، بل يحتمل أن يكون وصايته به أمرا منه بقبوله عند أعقابهم إلى زمانه صلى الله عليه وآله ، أو وصى به


______________________________________________________
( 1 ) النساء : 90 ( 2 ) النحل : 123 .
( 3 ) الشورى : 13 .
( 4 ) النساء : 163 .
( 5 ) المائدة : 44 .
( 6 ) وربما يقال : ان هذا التوجيه لا ينطبق على مثل قوله تعالى : "ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين "حيث ظاهره عدم الحرج في الفروع ، الا أن يقال ذلك أيضا في الحرج الشديد المنتفى عقلا فيكون من العقليات أيضا .
( 7 ) البقرة : 130 .
( * )

[277]


بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه ، ولو سلمنا أن المراد شرع لنا ما شرح لنوح عليه السلام لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية ، ولولم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان ، ثم لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا صلى الله عليه وآله بطريق الوحي ، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه .
وعن الآية الرابعة أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع .
وعن الآية الخامسة أن ظاهرها يقتضي اشتراك الانبياء جميعا في الحكم بها ، وذلك غير مراد ، لان إبراهيم ونوحا وإدريس وآدم عليهم السلام لم يحكموا بها ، لتقدمهم على نزولها ، فيكون المراد أن الانبياء يحكمون بصحة ورودها عن الله ، وأن فيها نورا وهدى ، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها ، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة ، وهي عندنا نور وهدى ، وأما رجوعه صلى الله عليه وآله في تعرف حد الرجم فلا نسلم أن مراجعته إلى التوراة لتعرفه ، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لاقامة الحجة على من أنكر وجوده في التوراة انتهى .
أقول : إنما أوردنا دلائل القول في نفي تعبده صلى الله عليه وآله بعد البعثة بشريعة من قبله لاشتراكها مع ما نحن فيه في أكثر الدلائل ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي من الاخبار المعتبرة ، والآثار المستفيضة هو أنه صلى الله عليه وآله كان قبل بعثته مذ أكمل الله عقله في بدو سنه نبيا مؤيدا بروح القدس ، يكلمه الملك ، ويسمع الصوت ، ويرى في المنام ، ثم بعد أربعين سنة صار رسولا ، وكلمه الملك معاينة ، ونزل عليه القرآن ، وامر بالتبليغ ، و كان يعبد الله قبل ذلك بصنوف العبادات إما موافقا لما أمر به الناس بعد التبليغ وهو أظهر ( 1 ) ، أو على وجه آخر ، إما مطابقا لشريعة إبراهيم عليه السلام ، أو غيره ممن تقدمه من الانبياء عليهم السلام لا على وجه كونه تابعا لهم وعاملا بشريعتهم ، بل بأن ما اوحي إليه صلى الله عليه وآله كان مطابقا لبعض شرائعهم ، أو على وجه آخر نسخ بما نزل عليه بعد الارسال ، ولا أظن أن يخفى صحة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة ، وفطنة غير سقيمة بعد الاحاطة


______________________________________________________
( 1 ) لانه لو كان على وجه آخر لكان يتغير بعد ما امر بتبليغه ، ولو كان ذلك لنقل الينا ، وحيث لم ينقل صح أن نقول : انه كان موافقا لما امر به الناس بعد .
( * )

[278]


بما أسفلنا من الاخبار في هذا الباب ، وأبواب أحوال الانبياء عليهم السلام وما سنذكره بعد ذلك في كتاب الامامة ، ولنذكر بعض الوجوه لزيادة الاطمينان على وجه الاجمال : الاول أن ما ذكرنا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من خطبته القاصعة المشهورة بين العامة والخاصة يدل على أنه صلى الله عليه وآله من لدن كان فطيما كان مؤيدا بأعظم ملك يعلمه مكارم الاخلاق ، ومحاسن الآداب ، وليس هذا إلا معنى النبوة كما عرفت في الاخبار الواردة في معنى النبوة ، وهذا الخبر مؤيد بأخبار كثيرة سبقت في الابواب السابقة في باب منشإه صلى الله عليه وآله ، وباب تزويج خديجة وغيرها من الابواب .
الثاني : الاخبار المستفيضة الدالة على أنهم عليهم السلام مؤيدون بروح القدس من بدء حالهم بنحو مامر من التقرير .
الثالث : صحيحة الاحول وغيرها حيث قال : "نحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة ( 1 ) "فدلت على أنه صلى الله عليه وآله كان نبيا قبل الرسالة ، ويؤيده الخبر المشهور عنه صلى الله عليه وآله : "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين "أو "بين الروح والجسد "ويؤيده أيضا الاخبار الكثيرة الدالة على أن الله تعالى اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وأن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وأن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ، وأن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله ( 2 ) إماما .
الرابع : ما رواه الكليني في الصحيح عن يزيد الكناسي قال : سألت أبا جعفر عليه السلام أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة لله على أهله زمانه ؟ فقال : كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال : "إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا ( 3 ) قلت : فكان يومئذ حجة الله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد ؟ فقال : كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها ( 4 ) وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك


______________________________________________________
( 1 ) تقدم الخبر تحت رقم 27 ص 266 .
( 2 ) تقدم الخبر في بابه ج 12 ص 12 .
( 3 ) مريم : 31 .
( 4 ) ه ؟ أى تكلم عن مريم حين سكتت وأشارت إلى ابنها .
( * )

[279]


الحال ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان ، وكان زكريا الحجة لله على الناس بعد صمت عيسى بسنتين ، ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير ، أما تسمع لقوله عزوجل : "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ( 1 ) "فلما بلغ عيسى عليه السلام سبع سنين تكلم النبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه ، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين إلى آخر الخبر ( 2 ) .
وقد ورد في أخبار كثيرة أن الله لم يعط نبيا فضيلة ولا كرامة ولا معجزة إلا وقد أعطاه نبينا صلى الله عليه وآله ، فكيف جاز أن يكون عيسى عليه السلام في المهد نبيا ، ولم يكن نبينا صلى الله عليه وآله إلى أربعين سنة نبيا ؟ ويؤيده ما مر في أخبار ولادته صلى الله عليه وآله وما ظهر منه في تلك الحال من إظهار النبوة ، وما مر وسيأتي من أحوالهم وكمالهم في عالم الاظلة وعند الميثاق ، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى ويسبحونه في حجب النور قبل خلق آدم عليه السلام وأن الملائكة منهم تعلموا التسبيح والتهليل والتقديس إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في بدء أنوارهم ، ويؤيده ما ورد في أخبار ولادة أمير المؤمنين عليه السلام أنه عليه السلام قرأ الكتب السماوية على النبي صلى الله عليه وآله بعد ولادته ، وما سيأتي من أن القائم عليه السلام في حجر أبيه عليه السلام أجاب عن المسائل الغامضة ، وأخبر عن الامور الغائبة ، وكذا سائر الائمة عليهم السلام كما سيأتي في أخبار ولادتهم عليهم السلام ومعجزاتهم ، فكيف يجوز عاقل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله في ذلك أدون منهم جميعا ؟ الخامس : أنه صلى الله عليه وآله بعد ما بلغ حد التكليف لابد من أن يكون إما نبيا عاملا بشريعته أو تابعا لغيره ، لما سيأتي من الاخبار المتواترة أن الله لا يخلي الزمان من حجة ولا يرفع التكليف عن أحد ، وقد كان في زمانه أوصياء عيسى عليه السلام وأوصياء إبراهيم عليه السلام فلو لم يكن اوحي إليه بشريعة ولم يعلم أنه نبي كيف جاز له أن لا يتابع أوصياه عيسى عليه السلام ولا يعمل بشريعتهم إن كان عيسى عليه السلام مبعوثا إلى الكافة ، وإن لم يكن مبعوثا إلى الكافة ، وكان شريعة إبراهيم عليه السلام باقيا في بني إسماعيل كما هو الظاهر ، فكان عليه أن يتبع أوصياء إبراهيم عليه السلام ، ويكونوا حجة عليه صلى الله عليه وآله ، وهو باطل بوجهين :


______________________________________________________
( 1 ) مريم : 12 .
( 2 ) اصول الكافى 1 : 382 .
( * )

[280]


أحدهما أنه يلزم أن يكونوا أفضل منه كما مر تقريره .
وثانيهما : ما مر من نفي كونه محجوجا بأبي طالب وبابى ( 1 ) ، بل كانا مستودعين للوصايا .
السادس : أنه لا شك في أنه صلى الله عليه وآله كان يعبد الله قبل بعثته بما لا يعلم إلا بالشرع كالطواف والحج وغيرهما كماسيأتي أنه صلى الله عليه وآله حج عشرين حجة مستسرا ( 2 ) وقد ورد في أخبار كثيرة أنه صلى الله عليه وآله كان يطوف وأنه كان يعبد الله في حراء ، وأنه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاكل وغيره ( 3 ) ، وكيف يجوز ذومسكة من العقل على الله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة ؟ والمكابرة في ذلك سفسطة ، فلا يخلو إما أن يكون عاملا بشريعة مختصة به أوحى الله إليه ، وهو المطلوب ، أو عاملا بشريعة غيره وهو لايخلو من وجوه : الاول : أن يكون علم وجوب عمله بشريعة غيره ، وكيفية الشريعة من الوحي وهو المطلوب أيضا ، لانه صلى الله عليه وآله حينئذ يكون عاملا بشريعة نفسه ، موافقا لشريعة من تقدمه كما مر تقريره في كلام السيد رحمه الله .
الثانى : أن يكون علمهما جميعا من شريعة غيره ، وهو باطل عرفت بوجهين : أحدهما : أنه يلزم كون من يعمل بشريعته أفضل منه .
وثانيهما : أنه معلوم أنه صلى الله عليه وآله لم يراجع في شئ من الامور إلى غيره ، ولم يخالط أهل الكتاب ، وكان هذا من معجزاته صلى الله عليه وآله ، أنه أتى بالقصص مع أنه لم يخالط العلماء ولم يتعلم منهم : كمامر في وجوه إعجاز القرآن ، وقد قال تعالى : "هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم ( 4 ) "والمكابرة في هذا أيضا مما لا يأتي به عاقل .


______________________________________________________
( 1 ) راجع ج 17 ص : 140 وج 35 ص : 73 .
( 2 ) وفى خبر غياث بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام : لم يحج النبى بعد قدوم المدينة الا واحدة ، وقد حج بمكة مع قومه حجات .
وفى خبر عبدالله بن أبى يعفور عن أبى عبدالله عليه السلام أنه صلى الله عليه وآله حج عشر حجات مستسرا وفى خبر عمر بن يزيد عنه عليه السلام : حج رسول الله صلى الله عليه وآله غير حجة الوداع عشرين حجة .
وغير ذلك مما أوردها الشيخ الحر العاملى في كتاب وسائل الشيعة : باب استحباب تكرار الحج والعمرة راجع .
( 3 ) تقدمت أخبار في ذلك قبلا راجع ج 16 .
( 4 ) الجمعة : 2 .
( * )