[ 31 ]
فدعوته ، فخرجت وهو مضطجع ( 1 ) يقول : أعوذ بالله من الجوع ضجيعا ، فقلت : يا رسول الله
عندنا طعام فاتكأ علي ومضينا نحو فاطمة عليها السلام فلما دخلنا قال : هلمي طعامك يا فاطمة
فقدمت إليه البرمة والقرص ، فغطى القرص وقال : "اللهم بارك لنا في طعامنا "ثم قال :
اغرفي لعائشة فغرفت ، ثم قال : اغرفي لام سلمة ، فما زالت تغرف حتى وجهت إلى النساء
التسع بقرصة قرصة ومرق ، ثم قال : اغرفي لابيك وبعلك ، ثم قال اغرفي وأهدي لجيرانك
ففعلت ، وبقي عندهم ما يأكلون أياما .
21 - يج روي أنه أقبل إلى الحديبية وفي الطريق وشل ( 2 ) بقدر ما يروي
الراكب والراكبين ، وقال : من سبقنا إلى الماء فلا يسقين ، فلما انتهى إلى الماء دعا بقدح
فتمضمض فيه ثم صبه في الماء فشربوا وملاوا أداواهم ومياضيهم ( 3 ) وتوضأوا ، فقال النبي
صلى الله عليه وآله : لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن يسقي ( 4 ) ما بين يديه من كثرة
مائه ، فوجدوا من ذلك ماقال .
22 - يج : روي أن بنت عبدالله بن رواحة الانصاري مرت به أيام حفرهم الخندق
فقال لها من تريدين ؟ فقالت : أتي عبدالله بهذه التمرات ، فقال : هاتيهن ، فنثرت في كفه
ثم دعا بالانطاع ، ثم نادى : هلموا فكلوا ، فأكلوا فشبعوا وحملوا ما أرادوا معهم ودفع
ما بقي إليها .
23 - يج : روي أنه كان في سفر فأجهد الناس جوعا ، فقال : من كان معه زاد فليأتنا
فأتاه نفر بمقدار صاع ، بالازر والانطاع ، ثم صفف ( 5 ) التمر عليها ودعا ربه ، فأكثر
الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة .
24 - يج : روي عن جابر قال : استشهد والدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد
وهو ابن مأتي سنة .
وكان عليه دين ، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال : ما فعل دين أبيك ؟
______________________________________________________
( 1 ) وهو يقول خ ل وقد مر الحديث ص 232 ج 17 .
( 2 ) الوشل : الماء القليل يتحلب من صخر أو جبل .
( 3 ) الاداوى جمع الاداوة : اناء صغير من جلد .
والمياضى جمع المضياة : المطهرة .
( 4 ) سقى خ ل .
( 5 ) صب خ ل .
( * )
[ 32 ]
فقلت : على حاله ، فقال : لمن هذا ( 1 ) ؟ قلت : لفلان اليهودي ، قال : متى حينه ؟ قلت :
وقت جفاف التمر قال : إذا جف التمر فلا تحدث فيه حتى تعلمني ، واجعل كل صنف
من التمر على حدة ( 2 ) ، ففعلت ذلك وأخبرته صلى الله عليه وآله ، فصار معي إلى التمر وأخذ من كل
صنف قبضة بيده وردها فيه ، ثم قال : هات اليهودي فدعوته فقال له رسول الله : اختر من
هذا التمر أي صنف شئت ، فخذ دينك منه ، فقال اليهودي : وأي مقدار لهذا التمر كله
حتى آخذ صنفا بينه ( 3 ) ؟ ولعل كله لا يفي بديني ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : اختر أي صنف
شئت فابتدئ به ، فأومأ إلى صنف الصيحاني فقال : أبتدئ به فقال ( 4 ) : بسم الله ، فلم يزل
يكيل منه حتى استوفى منه دينه كله ، والصنف على حاله ما نقص منه شئ ، ثم قال صلى الله عليه وآله :
يا جابر هل بقي لاحد عليك شئ من دينه قلت : لا ، قال : فاحمل تمرك بارك الله لك فيه ،
فحملته إلى منزلي وكفانا السنة كلها ، فكنا نبيع منه لنفقتنا ومؤونتنا ونأكل منه ونهب
منه ونهدي إلى وقت التمر الجديد ( 5 ) ، والتمر على حاله إلى أن جاءنا الجديد ( 6 ) .
25 - يج : روي عن جابر قال : لما اجتمعت الاحزاب من العرب لحرب الخندق
واستشار النبي صلى الله عليه وآله المهاجرين والانصار في ذلك فقال سلمان : أن العجم إذا حزبها ( 7 )
أمر مثل هذا اتخذوا الخنادق حول بلدانهم ، وجعلوا القتال من وجه واحد ، فأوحى الله
إليه أن يفعل مثل ما قال سلمان ، فخط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق حول المدينة ، وقسمه
بين المهاجرين والانصار بالذراع ، فجعل لكل عشرة منهم عشرة أذرع ، قال جابر : فظهرت
يوما من الخط لناصخره عظيمة لم يمكن كسرها ، ولا كانت المعاول تعمل فيها ، فأرسلني
أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاخبره بخبرها ، فصرت إليه فوجدته مستلقيا وقد شد على
بطنه الحجر ، فأخبرته بخبر الحجر ، فقام مسرعا فأخذ الماء في فمه فرشه على الصخرة ،
______________________________________________________
( 1 ) ممن هو ؟
( 2 ) على حاله خ ل .
( 3 ) حتى أختار صنفا منه خ ل .
( 4 ) افعل خ .
( 5 و 6 ) الحديث خ ل .
( 7 ) حزبه أمر : أصابه واشتد عليه .
( * )
بحار الانوار - 2 -
[ 33 ]
ثم ضرب المعول بيده وسط الصخرة برقت منها برقة ، فنظر المسلمون فيها إلى قصور
اليمن وبلدانها ، ثم ضربها ضربة اخرى فبرقت برقة اخرى نظر ( 1 ) المسلمون فيها إلى قصور
العراق وفارس ومدنها ، ثم ضربها الثالثة فانهارت الصخرة ( 2 ) قطعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
ما الذي رأيتم في كل برقة ؟ قالوا : رأينا في الاولى كذا ، وفي الثانية كذا ، وفي الثالثة كذا
قال سيفتح الله عليكم ما رأيتموه ، قال جابر : وكان في منزلي صاع من شعير وشاة مشدودة
فصرت إلى أهلي فقلت : رأيت الحجر على بطن رسول الله صلى الله عليه وآله وأظنه جائعا ، فلو أصلحنا
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 33 سطر 7 الى ص 41 سطر 7
هذا الشعير وهذه الشاة ودعونا رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا كان لنا قربة عند الله ، قالت : فاذهب
فأعلمه ، فإن أذن فعلناه ، فذهبت فقلت له : يا رسول الله إن رأيت أن تجعل غداءك اليوم
عندنا ، قال : وما عندك ؟ قلت : صاع من الشعير وشاة ، قال : أفأصير إليك مع من احب
أو أنا وحدي ؟ قال : فكرهت أن أقول : أنت وحدك قلت : بل مع من تحب ، وظننته يريد
عليا عليه السلام بذلك ، فرجعت إلى أهلي فقلت : أصلحي أنت الشعير ، وأنا أصلح ( 3 ) الشاة ،
ففرغنا من ذلك ، وجعلنا الشاة كلها قطعا في قدر واحدة وماء وملحا ، وخبزت أهلي ذلك
الدقيق ، فصرت إليه وقلت : يا رسول الله قد أصلحنا ذلك ، فوقف على شفير الخندق ونادى
بأعلى صوته : يامعشر المسلمين أجيبوا دعوة جابر ، فخرج جميع المهاجرين والانصار ،
فخرج النبي - صلى الله عليه وآله - والناس ( 4 ) ولم يكن بمر بملا من أهل المدينة
إلا قال : أجيبوا دعوة جابر فأسرعت إلى أهلي ( 5 ) وقلت : قد أتانا مالا قبل لنا به ، و
عرفتها خبر الجماعة ، فقالت : ألست قد عرفت رسول الله ما عندنا ؟ ! قلت : بلى ، قالت ،
فلا عليك هو أعلم بما يفعل ، فكانت أهلي أفقه مني ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله
الناس بالجلوس خارج الدار ، ودخل هو وعلي الدار ، فنظر في التنور والخبز فيه فتفل
فيه وكشف القدر فنظر فيها ، ثم قال للمرأة : اقلعي من التنور رغيفا رغيفا ، وناوليني واحدا
______________________________________________________
( 1 ) فنظر خ ل .
( 2 ) أى انصدعت الصخرة وسقطت قطعا .
( 3 ) أسلخ خ ل .
( 4 ) والناس خلفه خ ل .
( 5 ) نحو أهلى خ ل .
( * )
[ 34 ]
بعد واحد ، فجعلت تقلع رغيفا وتناوله إياه ، وهو وعلي يثردان في الجفنة ، ثم تعود المرأة
إلى التنور فتجد مكان الرغيف الذي قلعته ( 1 ) رغيفا آخر ، فلما امتلات الجفنة بالثريد
غرف عليها ( 2 ) من القدر ، وقال : أدخل علي عشرة من الناس ، فدخلوا وأكلوا حتى
شبعوا ، ثم قال : يا جابر ايتني بالذراع ، ثم قال : أدخل علي عشرة ، فدخلوا وأكلوا
حتى شبعوا ، والثريد بحاله ، ثم قال : هات الذراع فأتيته به فقال : أدخل عشرة فأكلوا
وشبعوا ، ثم قال : هات الذراع ، قلت : كم للشاة من ذراع ؟ قال : ذراعان ، قلت : قدآتيت
بثلاث أذرع ، قال : لو سكت لاكل الجميع من الذراع ، فلم يزل يدخل عشرة ، ويخرج
عشرة حتى أكل الناس جميعا ، ثم قال : تعالى حتى نأكل نحن وأنت .
فأكلت أنا ومحمد
صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وخرجنا ، والخبز في التنور بحاله ( 3 ) ، والقدر على حالها
والثريد في الجفنة على حاله ، فعشنا أياما بذلك .
26 - يج : روي أن أعرابيا جاء إليه فشكى إليه نضوب ماء بئرهم ، فأخذ حصاة
أو حصاتين وفركها بأنامله ، ثم أعطاها الاعرابي وقال : ارمها بالبئر ، فلما رماها فيها
فار الماء إلى رأسها .
بيان : نضب الماء نضوبا ، أي غار في الارض وسفل .
27 - يج : روي عن زياد بن الحارث الصيدائي ( 4 ) صاحب النبي صلى الله عليه وآله أنه بعث
جيشا إلى قومي ، فقلت : يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي ( 5 ) ، فرده ، فكتبت
إليهم كتابا فقدم وفدهم بإسلامهم ، فقال صلى الله عليه وآله : إنك لمطاع في قومك ، قلت : بل الله
______________________________________________________
( 1 ) اقتلعته خ ل .
( 2 ) غرف عليه خ ل .
( 3 ) على حاله خ ل .
( 4 ) هكذا في النسخة ، وفى المصدر الصيداوى ، وفيهما وهم والصحيح : الصدائى بضم الصاد
نسبة إلى صداء واسمه الحارث بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج ، وقيل : اسمه يزيد بن حرب بن
علة بن جلد بن مالك وهو مذحج وهى قبيلة من اليمن .
( 5 ) في المصدر : وأنا أضمن لك باسلام قومى .
( * )
[ 35 ]
هداهم للاسلام ، فكتب إلي كتابا يؤمرني ، قلت : مر لي بشئ من صدقاتهم ، فكتب ( 1 )
وكان في سفر له فنزل منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ، فقال : لا خير في
الامارة لرجل مؤمن ( 2 ) ، ثم أتاه آخر فقال : أعطني ، فقال من سأل الناس عن ظهر ( 3 ) غني
فصداع في الرأس وداء في البطن ، فقال : أعطني من الصدقة ، فقال : إن الله لم يرض فيها
بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها ، فجزاها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك
الاجزاء أعطيناك حقك .
قال الصيدائي ( 4 ) : فدخل في نفسي من ذلك شئ فأتيته بالكتابين ، قال : فدلني
على رجل اؤمره عليكم ، فدللته على رجل من الوفد ، ثم قلنا : إن لنا بئرا إذا كان
الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها ، وإذا كان الصيف قل ماؤها وتفرقنا على مياه
حولنا ، وقد أسلمنا ، وكل من حولنا لنا أعداء ، فادع الله لنا في بئرنا أن لا تمنعنا ماءها
فنجتمع عليها ولا نتفرق ، فدعا بسبع حصيات ففركهن في يده ودعا فيهن ثم قال :
اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واذكروا اسم الله ، قال زياد ففعلنا ما
قال لنا ، فما استطعنا بعد ( 5 ) أن ننظر إلى قعر البئر ببركة رسول الله ( 6 ) .
بيان : قوله : بإسلام ، أي ضامن أو كفيل أو رهن بإسلام قومي .
28 - قب : رأى صلى الله عليه وآله عمرة بنت رواحة تذهب بتميرات إلى أبيها يوم الخندق ،
فقال : اجعليها على يدي ، ثم جعلها على نطع فجعل يربو حتى أكل منه ثلاثة آلاف
رجل .
ومنه حديث علي بن أبي طالب عليه السلام وقد طبخ له ضلعا وقت بيعة العشيرة .
______________________________________________________
( 1 ) في الصمدر : يومرنى عليهم .
وفيه : فكتب لى بذلك .
( 2 ) في المصدر : إلا لرجل مؤمن .
( 3 ) في النهاية : خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أى ما كان عفوا قد فضل عن غنى ، وقيل :
أراد ما فضل عن العيال ، والظهر قد يزاد في مثل هذا اشباعا للكلام وتمكينا ، كأن صدقته مستندة
إلى ظهر قوى من المال .
( 4 ) الصحيح : الصدائى كما تقدم والمراد بالكتابين : ما كتبه صلى الله عليه وآله في تاميره وأخذ الصدقات .
( 5 ) في المصدر : بعد ذلك .
( 6 ) الخرائج : 221 و 222 .
وقد مر الحديث في ج 17 ص 234 و 239 فراجعه .
( * )
[ 36 ]
البخاري عن جابر الانصاري في حديث حفر الخندق : فلما رأيت ضعف النبي
صلى الله عليه وآله طبخت جديا ، وخبزت صاع شعير ، وقلت : رسول الله ( 1 ) ! تكرمني
بكذى وكذى ، فقال : لا ترفع القدر من النار ، ولا الخبز من التنور ، ثم قال : يا قوم قوموا
إلى بيت جابر فأتوا وهم سبعمأة رجل ، وفي رواية ثمانمأة ، وفي رواية ألف رجل ، فلم
يكن موضع الجلوس ، فكان يشير إلى الحائط والحائط يبعد حتى تمكنوا ، فجعل يطعمهم
بنفسه حتى شبعوا ، ولم يزل يأكل ويهدي إلى قومنا أجمع ، فلما خرجوا أتيت القدر
فإذا هو مملو والتنور محشو .
روى أنس أنه أرسلني أبوطلحة إلى النبي صلى الله عليه وآله لما رأى فيه أثر الجوع ، فلما
رآني قال : أرسلك أبوطلحة ؟ قلت : نعم ، فقال لمن معه : قوموا ، فقال أبوطلحة : يا ام
سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس ، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم ، فقال صلى الله صلى الله عليه وآله : يا ام
سليم هلمي بما عندك ، فجاءت بأقراص من شعير ، فأمر به ففت ( 2 ) ، وعصرت ام سليم
عكة سمن ، فأخذها النبي صلى الله عليه وآله ثم وضع يده على رأس الثريد ، وكان يدعو بعشرة عشرة
فأكلوا حتى شبعوا ، وكانو سبعين أو ثمانين رجلا .
وروى أبوهريرة في أصحاب الصفة : وقد وضعت بين أيديهم صحفة ، فوضع النبي
صلى الله عليه وآله يده فيها فأكلوا ، وبقيت ملاى فيها ( 3 ) أثر الاصابع .
ومثله حديث ثابت البناني عن أنس في عرس زينب بنت جحش .
وروي أن ام شريك أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله عكة فيها سمن ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله
الخادم ففرغها وردها خالية ، فجاءت ام شريك ووجدت العكة ملاى فلم تزل تأخذ منها
السمن زمانا طويلا ، وأبقى لها شرفا .
وأعطى صلى الله عليه وآله لعجوز قصعة فيها عسل فكانت تأكل ولا يفنى ، فيوما من الايام
حولت ما كان فيها إلى إناء ففني سريعا ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبرته بذلك ، فقال
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : يا رسول الله .
( 2 ) فأمر بها ففتت خ ل .
( 3 ) ما فيها خ ل .
( * )
[ 37 ]
صلى الله عليه وآله إن الاول كان من فعل الله وصنعه ، والثاني كان من فعلك .
وقال جابر : إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله يستطعمه فطعمه وسق شعير ، فما زال
الرجل يأكل منه وامرأته ووصيفهما حتى كاله ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره ، فقال : لو لم
تكليوه لاكلتم منه ، ولقام بكم .
جابر بن عبدالله والبراء بن عازب وسلمة بن الاكوع والمسوربن مخرمة : فلما :
نزل النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية في ألف وخمسمأة وذلك في حر شديد قالوا : يا رسول الله ما
بها من ماء ، والوادي يابس ، وقريش في بلدح ( 1 ) في ماء كثير ، فدعا بدلو من ماء فتوضأ
من الدلو ومضمض فاه ، ثم مج فيه ، وأمر أن يصب في البئر ، فجاشت فسقينا واستقينا .
وفي رواية ، فنزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون
بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها .
أبوعوانة وأبوهريرة أنه صلى الله عليه وآله أعطى ناجية بن عمر ونشابة وأمر أن يغرزها في البئر
فامتلا البئر ماء ، فأتته امرأة وأنشأت :
يا أيها الماتح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا * أرجوك للخير كما يرجونكا
فأجابها ناجية :
قد علمت جارية بمائية ( 2 ) * أني الماتح واسمي ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهية * طعنتها تحت صدور العاتيه
وفي رواية أنه دفعها إلى البراء بن عازب فقال : أغرز هذا السهم في بعض قلب ( 3 )
الحديبية ، فجاءت قريش ومعهم سبيل بن عمرو فأشرفوا على القليب ، والعيون تنبع تحت
السهم ، فقالت : ما رأينا كاليوم قط ، وهذا من سحر محمد قليل ، فلما أمر الناس بالرحيل
قال : خذوا حاجتكم من الماء ، ثم قال للبراء : اذهب فرد السهم ، فلما فرغوا وارتحلوا
______________________________________________________
( 1 ) بلدح : واد قبل مكة من جهة المغرب .
( 2 ) في المصدر : يمانية وفى سيرة ابن هشام : المائح في الموضعين .
( 3 ) القلب جمع القليب : البئر .
( * )
[ 38 ]
أخذ البراء السهم فجف الماء كأنه لم يكن هناك ماء .
أمير المؤمنين عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني في بعض غزواته وقد نفد الماء يا
علي قم وائت بتور ( 1 ) ، قال : فأتيته فوضع يده اليمنى ويدي معها في التور ، فقال : انبع
فنبع .
وفي رواية سالم بن أبي الجعد وأنس : فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون
فشربنا ووسعنا ( 2 ) ، وذلك في يوم الشجرة ، وكانوا ( 3 ) في ألف وخمسمأة رجل .
وشكى أصحابه صلى الله عليه وآله إليه في غزوة تبوك من العطش ، فدفع سهما إلى رجل فقال :
انزل فاغرزه في الركي ، ففعل ففار الماء ، فطما ( 4 ) إلى أعلى الركي فارتوى منه ثلاثون
ألف رجل في دوابهم .
ووضع عليه السلام يده تحت وشل بوادي المشقق ( 5 ) فجعل ينصب في يديه فانخرق الماء
حتى سمع له حس كحس الصواعق ، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله لئن بقيتم أو بقي منكم أحد ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه
قيل : وهو إلى اليوم كما قاله صلى الله عليه وآله .
وفي رواية أبي قتادة : كان يتفجر الماء من بين أصابعه لما وضع يده فيها حتى شرب
الجيش العظيم ، وسقوا وتزودوا في غزوة بني المصطلق .
وفي رواية علقمة بن عبدالله : أنه وضع يده في الاناء فجعل الماء يفور من بين أصابعه
فقال : حي ( 6 ) على الوضوء والبركة من الله فتوضأ القوم كلهم .
______________________________________________________
( 1 ) التور : اناء صغير .
( 2 ) في المصدر : وشبعنا .
( 3 ) خلا المصدر عن لفظة ( في ) .
( 4 ) طما الماء : ارتفع وملاء الركى .
( 5 ) المشقق : واد في طريق تبوك ، قال ياقوت في معجم البلدان : قال ابن اسحاق في غزوة
تبوك : وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروى الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له :
المشقق اه .
ثم ذكر الحديث بتفصيله .
( 6 ) أى هلموا وأقبلوا على الوضوء .
( * )
[ 39 ]
وفي حديث أبي ليلي : شكونا إلى النبي صلى الله عليه وآله من العطش ، فأمر بحفرة فحفرت
فوضع عليها نطعا ، ووضع يده على النطع ، وقال : هل من ماء ؟ فقال لصاحب الاداوة :
صب الماء على كفي واذكر اسم الله ، ففعل فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وآله
حتى روي القوم وسقوا ركابهم .
وشكى إليه الجيش في بعض غزواته فقدان الماء ، فوضع صلى الله عليه وآله يده في القدح
فضاق القدح عن يده ، فقال للناس : اشربوا فشرب الجيش وأسقوا وتوضؤوا وملؤوا
المزاود ( 1 ) .
محمد بن المنكدر : سمعت جابرا يقول : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله يعودني وأنا مريض لا أعقل ،
فتوضأ وصب علي من وضوئه ، فعقلت ، الخبر .
وشكى إليه صلى الله عليه وآله طفيل العامري الجذام فد عابر كوة ثم تفل فيها وأمره أن يغتسل
به ، فاغتسل فعاد صحيحا .
وأتاه صلى الله عليه وآله حسان بن عمرو الخزاعي مجذوما فدعا له بماء فتفل فيه ثم أمره فصبه
على نفسه ، فخرج من علته ، فأسلم قومه .
وأتاه صلى الله عليه وآله قيس اللخمي وبه برص فتفل عليه فبرئ .
محمد بن خاطب ( 2 ) : انكب القدر على ساعدي في الصغر ، فأتت بي امي إلى
النبي صلى الله عليه وآله ، قالت : فتفل في في ومسح على ذراعي وجعل يقول ويتفل : "اذهب
البأس رب الناس ! واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما "فبرئ
بإذن الله :
الفائق : إن النبي صلى الله عليه وآله مسح على رأس غلام وقال : عش قرنا ، فعاش مأة .
وإن امرأة أتته صلى الله عليه وآله بصبي لها للتبرك ، وكانت به عاهة ، فمسح يده على رأس
الصبي فاستوى شعره وبرئ داؤه .
______________________________________________________
( 1 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 89 - 92 .
( 2 ) هكذا في النسخة والمصدر ، والظاهر أنه مصحف حاطب بالحاء المهملة ، والرجل هو
محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحى الكوفى ، صحابى صغير مات سنة 74 .
راجع
التقريب : 440 .
( * )
[ 40 ]
وروى ابن بطة أن الصبي كان المهلب ، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت امرأة مسيلمة
بصبي لها فمسح رأسه فصلع ، وبقي نسله إلى يومنا هذا .
وقطع يد أنصاري وهو عبدالله بن عتيك في حرب احد فألزقها رسول الله صلى الله عليه وآله ونفخ
عليه فصار كما كان .
وتفل صلى الله عليه وآله في عين علي عليه السلام وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته .
وفقئ في احد عين قتادة بن ربعي أو قتادة بن النعمان الانصاري فقال : يا رسول الله
الغوث الغوث ، فأخذها بيده فردها مكانها فكانت أصحهما ، وكانت تعتل الباقية ولا
تعتل المردودة ، فلقب ذا العينين ، أي له عينان مكان الواحدة ، فقال الخرنق
الاوسي :
ومنا الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لاحسن حالها * فيا طيب ما عيني ويا طيب ما يدي
واصيبت رجل بعض أصحابه فمسحها بيده فبرأت من حينها ،
وأصاب محمد بن مسلمة يوم قتل كعب بن الاشرف مثل ذلك في عيني ركبتيه ( 1 ) ،
فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فلم تبن من اختها .
وأصاب عبدالله بن انيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الاخرى .
عروة بن الزبير ، عن زهرة قال : أسلمت فاصيب بصرها ، فقالوا لها : أصابك اللات
والعزى ، فرد صلى الله عليه وآله عليها بصرها ، فقالت : قريش : لو كان ماجاء محمد خيرا ما سبقتنا إليه
زهرة ، فنزل : "وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه "
الآية ( 2 ) .
وأنفذ النبي صلى الله عليه وآله عبدالله بن عتيك إلى حصن أبي رافع اليهودي فدخل عليه بغتة
فإذا أبورافع في بيت مظلم لا يدري أين هو ، فقال : أبارافع ! قال : من هذا ؟ فأهوى نحو
الصوت فضربه ضربة وخرج ، فصاح أبورافع ، ثم دخل عليه فقال : ما هذا الصوت يا أبا رافع
______________________________________________________
( 1 ) احدى عينى ركبتيه ظ .
( 2 ) الاحقاف : 11 .
( * )