[ 41 ]
فقال : إن رجلا في البيت ضربني ، فضربه ضربة اخرى فكان ينزل فانكسر ساقه فعصبها ،
فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله فحدثه قال : ابسط رجلك ، فبسطها فمسحها فبرأت .
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله تفل في بئر معطلة ففاضت حتى سقي منها بغير دلو ولا
رشاء ( 1 ) .
وكانت امرأة متبرزة وفيها وقاحة ، فرأت رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل فسألت لقمة من
فلق ( 2 ) فيه ، فأعطاها فصارت ذات حياء بعد ذلك .
ومسح صلى الله عليه وآله ضرع شاة حائل لا لبن لها فدرت فكان ذلك سبب إسلام ابن
مسعود .
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 41 سطر 8 الى ص 49 سطر 8
أمالي الحاكم : إن النبي صلى الله عليه وآله كان يوما قائظا ، فلما انتبه من نومه دعا بماء
فغسل يديه ، ثم مضمض ماء ومجه إلى عوسجة ، فأصبحوا وقد غلظت العوسجة وأثمرت
وأينعث بثمر أعظم ما يكون في لون الورس ، ورائحة العنبر ، وطعم الشهد ، والله ما أكل
منها جائع إلا شبع ، ولا ظمآن إلا روي ، ولا سقيم إلا برئ ، ولا أكل من ورقها حيوان إلا
در لبنها ، وكان الناس يستشفون من ورقها ، وكان يقوم مقام الطعام والشراب ، ورأينا
النماء والبركة في أموالنا ، فلم يزل كذلك حتى أصحبنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها .
و
صفر ( 3 ) ورقها ، فإذا قبض النبي صلى الله عليه وآله ، فكانت بعد ذلك تثمر دونه في الطعم والعظم والرائحة ،
وأقامت على ذلك ثلاثين سنة فأصبحنا يوما وقد ذهبت نضارة عيدانها ، فإذا قتل أمير
المؤمنين عليه السلام ، فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا ، فأقامت بعد ذلك مدة طويلة ، ثم
أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط ورقها ذابل ( 4 ) يقطر ماء كماء اللحم ، فإذا
قتل الحسين عليه السلام .
أمالي الطوسي : عن زيد بن أرقم في خبر طويل : إن النبي صلى الله عليه وآله أصبح
طاويا ، فأتى فاطمة عليها السلام فرأى الحسن والحسين يبكيان من الجوع ، وجعل يزقهما
______________________________________________________
( 1 ) الرشاء : الحبل .
( 2 ) أى من وسط فيه .
( 3 ) استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح : اصفر .
أقول : في المصدر : وصفر ورقها .
( 4 ) ذبل النبات قل ماؤه .
وذهبت نضارته .
( * )
[ 42 ]
بريقه حتى شبعا وناما ، فذهب مع علي عليه السلام إلى دار أبي الهيثم ، فقال : مرحبا برسول الله
ما كنت احب أن تأتيني وأصحابك إلا وعندي شئ ، وكان لي شئ ففرقته في الجيران ،
فقال : أوصاني جبريل بالجار حتى حسبت أنه سيورثه ، قال : فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى
نخلة في جانب الدار فقال : يا أبا الهيثم تأذن في هذه النخلة ؟ فقال : يا رسول الله إنه لفحل ،
وما حمل شيئا قط ، شأنك به ، فقال : يا علي ائتني بقدح ماء ، فشرب منه ثم مج فيه ، ثم
رش على النخلة فتملت أعذاقا من بسر ورطب ما شئنا ، فقال : ابدءوا بالجيران ، فأكلنا و
وشربنا ماء باردا حتى روينا ، فقال : يا علي هذا من النعيم الذي يسألون عنه يوم القيامة
يا علي تزود لمن وراك ، لفاطمة والحسن والحسين ، قال : فما زالت تلك النخلة عندنا
نسميها نخلة الجيران حتى قطعها يزيد عام الحرة ( 1 ) .
إيضاح : فت الشئ : كسره ، وبلدح بفتح الباء والدال وسكون اللام : اسم موضع
بالحجاز قرب مكة ، وقال الجوهري : ومن أمثالهم في التحزن بالاقارب :
"لكن على بلدح قوم عجفى ".
قاله بيهس الملقب بنعامة لما رأى قوما في خصب وأهله في شدة ، وقال : الماتح :
المستقي ، وقال : قاظ بالمكان وتقيظ به : إذا أقام به في الصيف ، والطوى : الجوع .
قوله : فتملت أصله تملات بمعنى امتلات فخفف .
29 - قب : البخاري : إن النبي صلى الله عليه وآله قال لمديون مر عليه والديان يطلبونه بالديون
صف تمرك كل شئ على حدته ، ثم جاء فقعد عليه ، وكال لكل رجل حتى استوفى و
بقي التمر كما هو كأن لم يمس .
وأتى عامر بن كريز يوم الفتح رسول الله بابنه عبدالله بن عامر وهو ابن خمس أوست
فقال : يا رسول الله حنكه ، فقال : إن مثله لا يحنك ، وأخذه وتفل في فيه ، فجعل يتسوغ
ريق رسول الله صلى الله عليه وآله ويتلمظه ، فقال : صلى الله عليه وآله : إنه لمستقي ، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء
وله سقايات معروفة ، وله النباح والجحفة وبستان ابن عامر .
وفي مسلم ، عن جابر إن ام مالك كانت تهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله في عكة لها سمنا ،
______________________________________________________
( 1 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 101 - 105 .
( * )
[ 43 ]
فيأتيها بنوها فيسألون الادم وليس عندهم شئ : فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وآله
فتجد فيها سمنا ، فما زال تقيم لها ادم بيتها حتى عصرته ( 1 ) ، فأتت النبي صلى الله عليه وآله فقال :
عصرتيها ؟ قالت : نعم ، قال : لو تركتيها مازال مقيما ( 2 ) .
بيان : لمظ وتلمظ : تتبع بلسانه الطعام في فمه ، أو أخرج لسانه فمسح به
شفتيه .
30 - عم : من معجزات النبي صلى الله عليه وآله حديث شاة ام معبد ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله
لما هاجر من مكة ومعه أبوبكر وعامر بن فهيرة ، ودليلهم عبدالله ابن اريقط الليثي فمروا
على ام معبد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة تحتبي ( 3 ) وتجلس بفناء الخيمة فسألوا تمراأو لحما
ليشتروه ، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، وإذا القوم مرملون ، فقالت لو كان عندنا شئ
ما أعوزكم القرى ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله في كسر خيمتها فقال : ما هذه الشاة يا ام معبد
قالت ، شاة خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك ،
قال : أتأذنين في أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا فاحلبها ، فدعا
رسول الله بالشاة فمسح ضرعها ، وذكر اسم الله ، وقال : ؟ "اللهم بارك في شاتها "فتفاجت و
درت ( 4 ) ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بإناء لها يريض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علته الثمال ،
فسقاها فشربت حتى رويت ، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا ، فشرب آخرهم وقال :
"ساقي القوم آخرهم شربا "فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا ، ثم حلب فيه ثانيا
عودا على بدء فغادره عندها ، ثم ارتحلوا عنها ، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبومعبد يسوق
أعنزا عجافا هزلى مخهن قليل ، فلما رأى اللبن قال : من أين لكم هذا والشاء ( 5 ) عازب ولا حلوبة
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : عصرتها .
( 2 ) مناقب ال أبى طالب 1 : 117 و 118 و 121 .
فيه ما زالت مقيمة .
( 3 ) احتبى بالثوب : اشتمل به .
جمع بين ظهره وساقية بثوب .
( 4 ) تفاجت أى فتحت ما بين رجليها .
قوله : درت لبنها وجرى .
( 5 ) الشاء جمع الشاة .
( * )
[ 44 ]
في البيت ؟ قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت ( 1 ) وكيت .
الخبر بطوله ( 2 ) .
قب : هند بنت الجون وحبيش بن خالد وأبومعبد الخزاعى مثله ( 3 ) .
بيان : أرمل القوم : نفد زادهم ، والكسر بالكسر : أسفل شقة البيت التي تلي الارض
من حيث يكسر جانباه عن يمينك ويسارك : والتفاج : المبالغة في تفريج ما بين الرجلين ، وهو
من الفج : الطريق قال الجزري ، وقال : يريض الرهط ، أي يرويهم بعض الري ، من
أراض الحوض : إذا صب فيه من الماء ما يواري أرضه ، وقال : ثجا ، أي لبنا سائلا كثيرا ،
وقال : الثمال بالضم : الرغوة ، واحده ثمالة ، وقال : حتى أراضوا أي شربوا عللا بعد
نهل حتى رووا ، من أراض الوادي : إذا استنقع فيه الماء ، وقيل : أراضوا أي ناموا على
الارض ، وهو البساط ، وقيل : حتى صبوا اللبن على الارض ، وقال الجوهري : رجع
عوده على بدئه : إذا رجع في الطريق الذي جاء منه ، قوله : فغادره ، أي تركه ، قوله :
عازب ، أي غائب .
31 - يج : روي أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام : بما كنت وصي محمد صلى الله عليه وآله من
بين بني عبدالمطلب ؟ قال إذن ما الخبر تريد ؟ لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله "وأنذر عشيرتك
الاقربين ( 4 ) "جمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن أربعون رجلا ، فأمرني فأنضجت له رجل شاة ،
وصاعا من طعام أمرني فطحنته وخبزته ، وأمرني فأدنيته ، قال : ثم قدم عشرة من أجلتهم
فأكلوا حتى صدروا ، وبقي الطعام كما كان ، وإن منهم لمن يأكل الجذعة ، ويشرب
الفرق ( 5 ) ، فأكلوا منها كلهم أجمعون ، فقال أبولهب : سحر كم صاحبكم ، فتفرقوا عنه ،
______________________________________________________
( 1 ) كيت وكيت وقد يكسر آخرهما ، يكنى بهما عن الحديث والخبر .
ويستعملان بلا واو
أيضا ولا تستعملان الا مكررتين .
( 2 ) اعلام الورى .
16 ط 1 و 32 ط 2 .
( 3 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 105 .
( 4 ) الشعراء : 214 .
( 5 ) الجذعة من البهائم : صغيرها .
والفرق بالتحريك : مكيال يسع ستة عشر رطلا وهى اثنا
عشر مدا أو ثلاثة أصواع عند أهل الحجاز ، وقيل : الفرق : خمسة أقساط ، والقسط : نصف صاع ، فأما الفرق بالسكون فمأة وعشرون رطلا قاله الجزرى في النهاية ، أقول : الظاهر أنه اراد الاول
وهو غريب جدا ولعله محمول على المبالغة من الراوى .
( * )
[ 45 ]
ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية ، ثم قال : أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ؟ فعرض
عليهم فكلهم يأبى حتى انتهى إلي وأنا أصغرهم سنا ، وأعمشهم عينا ، وأحمشهم ساقا ( 1 )
فقلت : أنا فرمى إلي بنعله فلذلك كنت وصيه من بينهم ( 2 ) .
الايات : البقرة "2 ": فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم 137 .
المائدة "5 ": يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا
إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم 11 .
الحجر "15 ": كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين 90 و 91 .
وقال تعالى : إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف
يعلمون 95 و 96 .
النحل "16 ": وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من
كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد
جائهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون 112 و 113 .
______________________________________________________
( 1 ) عمشت عينه : ضعف بصرها مع سيلان دمعها في أكثر الاوقات فهو اعمش ، وحمشت ساقه :
دقت فهو أحمش .
وهما كنايتان عن الصغر .
( 2 ) بنفله خ ل .
أقول : هكذا في نسخة المصنف ، والظاهر أن الحديث قد وقع فيه تصحيف
لما اختصره الرواة ونقلوه بالمعنى ، وقد ذكر الحديث مفصلا محمد بن العباس بن على بن مروان الماهيار
المعروف بالحجام باسناده عن ابى رافع في كتابه ، فقال بعد ما ذكر اجابة على عليه السلام له صلى الله
عليه وآله : فقال : ادن منى فدنا منه ، فقال : افتح فاك ، ففتحه فنفث فيه من ريقه ، وتفل بين كتفيه
وبين ثدييه ، فقال أبولهب : بئس ما حبوت به ابن عمك ، أجابك لمادعوته إليه ، فملات فاه ووجهه
بزاقا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بل ملاته علما وحكما وفقها .
راجع تفسير البرهان 3 - 191
( 3 ) لم نجد الحديث وكثيرا مما تقدم في الخرائج المطبوع ، واستظهرنا سابقا أن المطبوع
ملخص منه .
( * )
[ 46 ]
الاسرى "17 ": وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة
حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك
في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا 45 و 46 .
وقال تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون
خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا 76 و 77 .
الزمر "39 ": أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يظلل الله
فماله من هاد 36 .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : "فسيكفيكهم الله ": وعد الله سبحانه
رسوله بالنصرة وكفاية من يعاديه من اليهود والنصارى الذين شاقوه ، وفي هذا دلالة بينة
على نبوته وصدقه صلى الله عليه وآله ( 1 ) .
وفي قوله تعالى : "إذهم قوم ": اختلف فيمن بسط إليهم الايدي على أقوال :
أحدها : أنهم اليهود ، هموا بأن يفتكوا ( 2 ) بالنبي صلى الله عليه وآله ، وهم بنو النضير ،
دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مع جماعة من أصحابه عليهم وكانوا قد عاهدوه على ترك القتال ، و
على أن يعينوه في الديات ، فقال صلى الله عليه وآله : رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني ،
فلزمني ديتهما ، فاريد أن تعينوني ، فقالوا : نعم أجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي
تسألنا ، وهموا بالفتك بهم ، فآذن الله رسوله ( 3 ) فأطلع النبي صلى الله عليه وآله أصحابه على ذلك
وانصرفوا ، وكان ذلك إحدى معجزاته ، عن مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين .
وثانيها : أن قريشا بعثوا رجلا ليفتك بالنبى صلى الله عليه وآله فدخل عليه وفي يده سيف
مسلول ، فقال له : أرنيه ، فأعطاه إياه ، فلما حصل في يده قال : ما الذي يمنعني من
قتلك ؟ قال : الله يمنعك ، فرمى السيف وأسلم ، واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي ،
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 1 : 218 .
( 2 ) فتك به : بطش به أو قتله على غفلة .
( 3 ) في المصدر : فآذن الله به رسوله .
( 4 ) شهر السيف : سله فرفعه .
( * )
[ 47 ]
بعثه صفوان بن أمية ليغتاله بعد بدر ، وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب عن الحسن .
وثالثها : أن المعني بذلك ما لطف الله للمسلمين من كف أعدائهم عنهم حين هموا
باستئصالهم بأشياء شغلهم بها من الامراض والقحط وموت الاكابر وهلاك المواشي وغير
ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها من قتل المؤمنين عن الجبائي .
ورابعها : ماقاله الواقدي : إن رسول الله صلى الله عليه وآله غزا جمعا من بنى ذبيان ومحارب بذي
أمر فتحصنوا برؤوس الجبال ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث يراهم ، فذهب لحاجته فأصابه
مطر فبل ثوبه فنشره على شجرة واضطجع تحته والاعراب ينظرون إليه ، فجاء سيدهم
دعثور بن الحارث حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا ، فقال : يا محمد من يمنعك مني
اليوم ؟ فقال : الله ، فدفع جبرئيل في صدره ، ووقع السيف من يده ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله
وقام على رأسه وقال : من يمنعك مني اليوم ؟ فقال : لا أحد ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ،
وأن محمدا رسول الله ، فنزلت الآية ، وعلى هذا فيكون تخليص النبي صلى الله عليه وآله مما هموا به
نعمة على المؤمنين من حيث أن مقامه بينهم نعمة عليهم ( 1 ) .
وقال في قوله تعالى : "كما أنزلنا على المقتسمين "قيل : فيه قولان :
أحدهما : أن معناه أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين ، وهم اليهود
والنصارى "الذين جعلوا القرآن عضين "جمع عضة ، وأصله عضوة ، فنقصت الواو ، و
التعضية : التفريق : أي فرقوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا
ببعضه ، وقيل : سماهم مقتسمين لانهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها ، وكفروا
ببعضها .
والآخر : أن معناه أني انذركم عذابا كما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا
طريق مكة يصدون عن رسول الله صلى الله عليه وآله والايمان به ، قال مقاتل : وكانوا ستة عشر رجلا
بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة : لا تغتروا بالخارج منا ، و
المدعي للنبوة ، فأنزل الله بهم عذابا فماتوا شر ميتة ، ثم وصفهم فقال : "الذين جعلوا
______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 3 : 169 و 170 .
( * )
[ 48 ]
القرآن عضين "جزءا جزءا ( 1 ) فقالوا : سحر ، وقالوا : أساطير الاولين ، وقالوا : مفترى
عن ابن عباس ( 2 ) .
وفي قوله تعالى : "إنا كفيناك المستهزئين "أي كفيناك شر المستهزئين واستهزائهم
بأن أهلكناهم ، وكانوا خمسة نفر من قريش : العاص بن وائل ، والوليد بن المغيرة ، وأبو
زمعة وهو الاسود بن المطلب ، والاسود بن عبد يغوث ، والحارث بن قيس ، عن ابن عباس
وابن جبير ، وقيل : كانوا ستة رهط عن محمد بن ثور ، وسادسهم : الحارث بن الطلاطلة ، و
امه غيطلة ( 3 ) ، قالوا : وأتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله والمستهزؤون يطوفون بالبيت ، فقام
جبرئيل ورسول الله إلى جنبه ، فمر به الوليد بن المغيرة المخزومي فأومأ بيده إلى ساقه ،
فمر الوليد على فنن ( 4 ) لخزاعة وهو يجر ثيابه ، فتعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر أن
يخفض رأسه فينزعها ، وجعلت تضرب ساقه فخدشته فلم يزل مريضا حتى مات ، ومر
به العاص بن وائل السهمي فأشار جبرئيل إلى رجله فوطئ العاص على شبرقة ( 5 ) فدخلت
في أخمص رجله ، فقال : لدغت ، فلم يزل يحكها حتى مات ، ومر به الاسود بن المطلب
ابن عبد مناف فأشار إلى عينه فعمى ، وقيل : رماه بورقة خضراء فعمى ، وجعل يضرب
رأسه على الجدار حتى هلك ، ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : جزأوه أجزاء .
( 2 ) مجمع البيان 6 : 344 و 345 .
أقول : أضاف الشريف الرضى قدس الله روحه في
كتاب مجازات القرآن : 104 وجها آخر وهو أن يكون معنى عضين معنى الكذب ، قال : وأما
التأويل الاخر هو أن يكون معناها على ما قال بعض المفسرين معنى الكذب ، قال : وهو جمع
عضة : ومعناها الكذب والزور ، وقد ذكر ثقاة اهل اللغة في العضة وجوها ، فقالوا : العضة :
النميمة والعضة : الكذب ، وجمعه عضون ، مثل عزة وعزين ، والعضة : السحر ، والعاضة : الساحر ، وقد
يجوز أن يكون جعلوا القران عضين ، جمع عضة من السحر ، أى جعلوه سحرا وكهانة ، كما قال
سبحانه حاكيا عنهم : "ان هذا الا سحر يؤثر * إن هذا الا سحر مبين ".
( 3 ) في المصدر : عيطلة بالعين المهملة .
( 4 ) في المصدر : فمر على قين .
والقين : العبد .
وفى مفاتيح الغيب : فمر بنبال فتعلق بثوبه
سهم فلم ينعطف تعظما لاخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات .
( 5 ) شبرقة : شجر منبته نجد وتهامة ، وثمرته شاكة صغيرة الحجم حمراء مثل الدم ، منبتها
القيعان والسباخ .
وفي المصدر : فوطئ العاص على شوكة .
( * ) بحار الانوار - 3 -
[ 49 ]
وقيل : أصابه السموم فصار أسود فأتى أهله فلم يعرفوه فمات ، وهو يقول : قتلني رب محمد ،
ومر به الحارث بن الطلاطلة فأومأ إلى رأسه فامتخط قيحا فمات ، وقيل : إن الحارث بن
قيس أخذ ( 1 ) حوتا مالحا فأصابه العطش ، فما زال يشرب حتى انقد ( 2 ) بطنه فمات ( 3 ) .
وفي قوله تعالى : "ضرب الله مثلا قرية "أي مثل قرية "كانت آمنة "أي ذات
أمن "مطمئنة "قارة ساكنة بأهلها ، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق
"يأتيها رزقها رغدا من كل مكان "أي يحمل إليها الرزق الواسع من كل موضع ومن
كل بلد ، كما قال سبحانه : "يجبى إليه ثمرات كل شئ ( 4 ) ".
"فكفرت بأنعم الله أي فكفر أهل تلك القرية "فأذاقها الله "الآية أي فأخذهم
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 49 سطر 9 الى ص 57 سطر 9
الله بالجوع والخوف بسوء أفعالهم ، وسمى أثر الجوع والخوف لباسا ، لان أثر الجوع و
الهزال يظهر على الانسان ، كما يظهر اللباس ، وقيل : لانه شملهم الجوع والخوف
كاللباس ، قيل : إن هذه القرية هي مكة ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ، عذبهم الله
بالجوع سبع سنين ، وهم مع ذلك خائفون وجلون عن النبى صلى الله عليه وآله وأصحابه يغيرون ( 5 )
عليهم قوافلهم ، وذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله فقال : "اللهم اشدد وطأتك على مضرو اجعل
عليهم سنين كسني يوسف "وقيل : إنها قرية كانت قبل نبينا صلى الله عليه وآله بعث الله إليهم نبيا
فكفروا به وقتلوه فعذبهم الله بعذاب الاستيصال "ولقد جاءهم رسول منهم "يعني أهل مكة
بعث الله إليهم رسولا من جنسهم فكذبوه ( 6 ) وجحدوا نبوته "فأخذهم العذاب وهم
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : أكل حوتا .
( 2 ) انقد : انشق .
( 3 ) مجمع البيان 6 : 346 و 347 .
( 4 ) يجبى إليه : يجمع إليه ، أى يؤتى اليه من كل صوب بثمرات كل شئ .
والاية في سورة
القصص : 57 .
( 5 ) أغار عليهم : هجم وأوقع بهم .
( 6 ) في المصدر : بعث الله عليهم رسولا من صميمهم ليتبعوه لا من غيرهم فكذبوه .
أقول : من
صميمهم أى من خالصهم .
( * )
[ 50 ]
ظالمون "أى ماحل بهم من الخوف والجوع المذكورين ( 1 ) ومانا لهم يوم بدر وغيره من
القتل ( 2 ) .
وفي قوله : "وإذا قرأت القرآن "قال : نزل في قوم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله
بالليل إذا تلا القرآن وصلى عند الكعبة ، وكانوا يرمونه بالحجارة ويمنعونه من دعاء
الناس إلى الدين ، فحال الله سبحانه بينهم وبينه حتى لا يؤذوه ، عن الجبائي والزجاج
"جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة "قال الكلبي : هم أبوسفيان والنضرين
الحارث وأبوجهل وام جميل امرأة أبي لهب ، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة
القرآن ، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه "حجابا مستورا "قيل : أي ساترا ، عن
الاخفش ، والفاعل قد تكون ( 3 ) في لفظ المفعول كالمشؤوم والميمون ، وقيل : هو على بناء
النسب ، أي ذاسترو قيل : مستورا عن الاعين لا يبصر ، إنما هو من قدرة الله ( 4 ) .
"وجعلنا على قلوبهم أكنة "الاكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره قيل : كان
الله يلقي عليهم النوم ، أو يجعل في قلوبهم أكنة ليقطعهم عن مرادهم أو أنه عاقب هؤلاء
الكفار الذين علم أنهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم تكون موانع من أن يفهموا
ما يستمعونه ( 5 ) .
"ولوا على أدبارهم نفورا "قيل : كانوا إذا سمعوا "بسم الله الرحمن الرحيم "ولوا ،
وقيل : إذا سمعوا "لا إله إلا الله "( 6 ) .
______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : وعذابهم ما حل بهم من الجوع والخوف المذكورين في الاية المتقدمة .
( 2 ) مجمع البيان : 6 : 389 و 390 .
( 3 ) في المصدر : قد يكون .
( 4 ) مجمع البيان : 6 : 418 .
( 5 ) مجمع البيان 4 : 285 و 286 .
أقول : قال الشريف الرضى في مجازات القرآن : 115 :
وهذه استعارة ، لانه ليس هناك على الحقيقة كنان على قلب ولا وقر في سمع ، وانما المراد به أنهم
لاستثقالهم سماع القرآن عند أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بتلاوته على اسماعهم وافراغه
في آذانهم كالذين على قلوبهم أكنة دون علمه ، وفى آذانهم وقردون فهمه ، وان كانوا من قبل
نفوسهم اوتوا ، وبسوء اختيارهم اخذوا ، ولولم يكن الامر كذلك لما ذموا على اطراحه ، ولمذروا
بالاضراب عن استماعه .
( 6 ) مجمع البيان 6 : 418 .
( * )