[ 71 ]


ثم دس ذلك في بئر لبني زريق ، فمرض رسول الله صلى الله عليه وآله فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فأخبراه بذلك ، وأنه في بئر ذروان ، في جف طلعة تحت راعوفة - والجف : قشر الطلع ، والراعوفة : حجر في أسفل البئر يقف عليه المائح - فانتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث عليا والزبير وعمارا فنزحوا ماء تلك البئر ، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأس وأسنان من مشطة ، وإذا فيه معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالابر ، فنزلت المعوذتان ، فجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة ، ووجد رسول الله خفة فقام كأنما أنشط من عقال ، وجعل جبرئيل يقول : "بسم الله أرقيك ، من كل شئ يؤذيك ( 1 ) من حاسد وعين والله يشفيك ".
ورووا ذلك عن عائشة وابن عباس ، وهذا لا يجوز لان من وصفه ( 2 ) بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله ، وقد أبى الله سبحانه ذلك في قوله : "وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا ( 3 ) "ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه ، وأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله ما فعلوه من التمويه حتى استخرج ، وكان ذلك دلالة على صدقه ، وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ولو قدروا على ذلك لقتلوه ، وقتلوا كثيرا من المؤمنين مع شدة عداوتهم لهم انتهى كلامه قدس سره .
ثم روى عن الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله اشتكى شكوى شديدا ووجع وجعا شديدا فأتاه جبرئيل ومكائيل عليهما السلام فقعد جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، فعوذه جبرئيل ب "قل أعوذ برب الفلق "وعوذه ميكائيل ب "قل أعوذ برب الناس ".
وعن أبي خديجة عن أبي عبدالله عليه السلام قال : جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : من شركل شئ يؤذيك .
( 2 ) في المصدر : لان من وصف ، وهو الصحيح .
( 3 ) الفرقان : 8 و 9 .
( * )

[ 72 ]


وهو شاك ، فرقاه بالمعوذتين وقل هو الله أحد ، وقال : بسم الله أرقيك ، والله يشفيك ، من كل داء يؤذيك ، خذها فلتهنيك ( 1 ) .
26 - عم : من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه أخذ يوم بدر ملا كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال : "شاهت الوجوه "فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأنا عظيما لم يترك من المشركين رجلا إلا ملات عينيه ، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب : ينزعه من عينيه .
ومنها : ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت : لما نزلت : "تبت يدا أبي لهب "أقبلت العوراء ام جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول : مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا والنبي صلى الله عليه وآله جالس في المسجد ومعه أبوبكر ، فلما رآها أبوبكر قال : يا رسول الله أنا أخاف أن تراك ( 2 ) ، قال رسول الله : إنها لا تراني ( 3 ) ، وقرأ : "وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ( 4 ) "فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ، فقالت : يا أبابكر اخبرت أن صاحبك هجاني ، فقال : لا ورب البيت ما هجاك فولت وهي تقول : قريش تعلم أني بنت سيدها .
ومنها ما رواه الكلبي عن أبي صالح ، عن ابن عباس إن ناسا من بني مخزوم تواصوا بالنبي صلى الله عليه وآله ليقتلوه ، منهم أبوجهل والوليد بن المغيرة ونفر من بني مخزوم ، فبينا النبي صلى الله عليه وآله قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله ، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه ، فجعل يسمع قراءته ولا يراه ، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك ، فأتاه من بعده أبوجهل والوليد ونفر منهم فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته


______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 10 : 568 و 569 .
( 2 ) في المصدر ، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك .
( 3 ) في المصدر : وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال : وقرأ .
( 4 ) الاسراء : 45 .
( * )

[ 73 ]


وذهبوا إلى الصوت ، فإذا الصوت من خلفهم فيذهبون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم ، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا ، فذلك قوله سبحانه : "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ( 1 ) .
بيان : قال الطبرسي : بعد ذكر قصة ام جميل : قيل : كيف يجوز أن لا ترى النبي صلى الله عليه وآله وقد رأت غيره ؟ فالجواب أنه يجوز أن يكون قد عكس الله شعاع عينيها أو صلب الهواء فلم ينفذ فيه الشعاع ، أو فرق الشعاع فلم يتصل بالنبي صلى الله عليه وآله ، وروي أن النبي قال : مازال ملك يسترني عنها انتهى ( 2 ) .
وزاد الرازي على تلك الوجوه : أنه صلى الله عليه وآله لعله أعرض بوجهه عنها وولاها ظهره ثم إنها لغاية غضبها لم تفتش ، أو لان الله ألقى في قلبها خوفا فصار ذلك صارف لها عن النظر ، أو أن الله تعالى ألقى شبه إنسان آخر على الرسول صلى الله عليه وآله كما فعل بعيسى عليه السلام ( 3 ) .

-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 73 سطر 12 الى ص 81 سطر 12 27 - يج : من معجزاته ما هو مشهورأنه خرج في متوجهه ؟ إلى المدينة فأوى إلى غار بقرب مكة تعتوره النزال وتأوي إليه الرعاء فلا تخلو من جماعة نازلين يستريحون فيه ، فأقام صلى الله عليه وآله به ثلاثا لا يطرده بشر ، وخرج القوم في أثره وصدهم الله عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه فآيسهم من الطلب فيه ، فانصرفوا وهو نصب أعينهم .
28 - يج : من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لاقى أعدائه يوم بدر وهم ألف وهو في عصابة كثلث أعدائه ، فلما التحمت الحرب ( 4 ) أخذ قبضة من التراب والقوم متفرقون في نواحي عسكره ، فرمى به وجوههم ، فلم يبق منهم رجل إلا امتلات منه عيناه ، وإن كانت الريح العاصف يومها إلى الليل لتعصف أعاصير التراب لا يصيب أحدا من عسكره ، وقد نطق به القرآن ، وصدق به المؤمنون ، وشاهد الكفار ما نالهم منه .


______________________________________________________
( 1 ) إعلام الورى : 18 و 20 ط 1 ، و 37 و 40 ط 2 .
والاية في سورة يس : 9 .
( 2 ) مجمع البيان 10 ، 560 .
( 3 ) مفاتيح الغيب : سورة تبت .
( 4 ) التحمت الحرب بينهم .
اشتبكت .
( * )

[ 74 ]


29 - قب : كان ابي بن خلف يقول : عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ( 1 ) ذرة أقتلك عليها ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : أنا أقتلك إن شاء الله ، فطعنه النبي صلى الله عليه وآله يوم احد في عنقه ، وخدشه خدشة فتدهدى عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ، فقالوا له في ذلك فقال : لو كانت الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم ، أليس قال لي : أقتلك ؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة قتلني ، فمات بعد يوم ( 2 ) .
30 - يج ، عم : روي أن أباجهل اشترى من رجل طارئ ( 3 ) بمكة إبلا فبخسه أثمانها ولواه بحقه فأتى الرجل نادي ( 4 ) قريش مستجيرا بهم ، وذكرهم حرمة البيت ، فأحالوه على النبي صلى الله عليه وآله استهزاء فأتاه مستجيرا به ، فمضى معه ودق الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب العقل ( 5 ) فقال : أهلا بأبي القاسم ، فقال له : أعط هذا حقه ، قال : نعم ، وأعطاه من فوره ، فقيل له في ذلك فقال : إني رأيت ما لم تروا ، رأيت والله على رأسه تنينا فاتحا فاه ، والله لو أبيت لالتقمني ( 6 ) .
بيان : يقال : رجل نخب بكسر الخاء أي جبان لا فؤاد له ، وكذلك نخيب ومنخوب .
أقول : روى السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود من تفسير الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وهما عامريان ابنا عم يريدان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه ، قال : فدخلا المسجد ، قال : فاستبشر الناس بجمال عامر بن الطفيل ، وكان من أجمل الناس أعور ، فجعل يسأل أين محمد ؟ فيخبرونه ، فيقصد نحو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : هذا عامر بن


______________________________________________________
( 1 ) الرمكة : الفرس أو البرذونة تتخذ للنسل ، والفرق بفتحتين مكيال ، يقال : إنه تسع عشر رطلا .
( 2 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 102 .
( 3 ) الطارئ : الغريب : خلاف الاصلى .
( 4 ) قوله : لواه بحقه أى جحده أياه .
والنادى : المجلس ومحل اجتماع القوم .
( 5 ) منخوب القلب خ ل .
( 6 ) إعلام الورى : 19 و 20 ط 1 و 39 و 40 ط 2 .
( * )

[ 75 ]


الطفيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل حتى قام عليه ، فقال : أين محمد ؟ فقالوا : هو ذا ، قال : أنت محمد ؟ قال : نعم ، فقال : ما لي إن أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين ، وعليك ما للمسلمين قال : تجعل لي الامر بعدك ؟ قال : ليس ذلك لك ولا لقومك ، ولكن ذاك إلى الله تعالى يجعل حيث يشاء ، قال : فتجعلني على الوبر - يعني على الابل - وأنت على المدر ، قال : لا ، قال : فماذا تجعل لي ؟ قال : أجعل لك أعنة الخيل تغزوا عليها ، قال : أوليس ذلك لى اليوم ؟ قم معي فاكلمك ، قال : فقام معه رسول الله صلى الله عليه وآله وأومأ لاربد بن قيس ابن عمه أن اضربه ، قال : فدار أربد بن قيس خلف النبي صلى الله عليه وآله فذهب ليخترط السيف فاخترط منه شبرا أو ذراعا فحبسه الله عزوجل فلم يقدر على سله ، فجعل يؤمئ عامر إليه فلا يستطيع سله ، فقال رسول الله صلى الله : "اللهم هذا عامر بن الطفيل اوعر ( 1 ) الدين عن عامر "ثلاثا ثم التفت ورأى أربدا وما يصنع بسيفه فقال : "اللهم اكفنيهما بم شئت " وبدر بهما ( 2 ) الناس فوليا هاربين ، قال : أرسل الله على أربد بن قيس صاعقة فأحرقته ، ورأى عامر بن الطفيل بيت ( 3 ) سلولية فنزل عليها ، فطعن ( 4 ) في خنصره فجعل يقول : يا عامر غدة كغدة البعير ، وتموت في بيت سلولية ، وكان يعير بعضهم بعضا بنزوله على سلول ذكرا كان أو انثى ، قال : فدعا عامر بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره خارجا من منزلها ، فذلك قول الله عزوجل : "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ( 5 ) "يقول العقاب ، فقتل عامر بن الطفيل بالطعنة وأربد بالصاعقة ( 6 ) .
ورواه الطبرسي أيضا في المجمع بهذا الاسناد مع اختصار ( 7 ) .


______________________________________________________
( 1 ) أوعز خ ل .
وفى المصدر : أعر .
ومعنى او عر الدين .
احبس الدين عنه فلا يناله بمكروه وفى الامتاع : اللهم اكفنى عامرا .
( 2 ) في المصدر : اللهم اكفيهما "ثم رجع وبدر بهما الناس .
( 3 ) خلا المصدر عن ( بيت ) .
( 4 ) طعن الرجل : أصابه الطاعون .
( 5 ) الرعد : 13 وفى المصدر : "يجادلون في الله "في آيات الله "وهو شديد المحال " اقول : قوله : العقاب ، تفسير لقوله : المحال .
( 6 ) سعد السعود : 218 و 219 .
( 7 ) مجمع البيان 6 : 283 .
( * )

[ 76 ]


، 

باب 9 : معجزاته صلى الله عليه وآله في استيلائه على الجن والشياطين وايمان بعض الجن به  

الآيات : الاحقاف 46 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن - إلى قوله تعالى : - اولئك في ضلال مبين 29 - 32 .
الجن 72 قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا .
إلى آخر السورة .
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن "معناه واذكر يا محمد إذ وجهنا إليك جماعة من الجن تستمع القرآن ، وقيل : معناه صرفناهم إليك عن بلادهم بالتوفيق والالطاف حتى أتوك ، وقيل : صرفناهم إليك عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب ، ولم يكونوا بعد عيسى عليه السلام قد صرفوا عنه ، فقالوا .
ما هذا الذي حدث في السماء إلا من أجل شئ قد حدث في الارض ، فضربوا في الارض حتى وقفوا على النبي صلى الله عليه وآله ببطن نخلة عائدا ( 1 ) إلى عكاظ وهو يصلي الفجر ، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي عن ابن عباس ، وابن جبير ، فعلى هذا يكون الرمي بالشهب .
لطفا للجن .
"فلما حضروه "أي القرآن أو النبي صلى الله عليه وآله "قالوا "أي بعضهم لبعض "أنصتوا "أي اسكتوا نستمع إلى قراءته "فلما قضى "أي فرغ من تلاوته "ولوا "أي انصرفوا "إلى قومهم منذرين "أي محذرين إياهم عذاب الله إن لم يؤمنوا "قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى "يعنون القرآن "مصدقا لما بين يديه "أي لما تقدم من الكتب "يهدي إلى الحق "أي إلي الدين الحق "وإلى طريق مستقيم "يؤدي بسالكه إلى الجنة .
القصة : عن الزهري قال : لما توفي أبوطالب عليه السلام اشتد البلاء على رسول الله


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : عامدا .
( * )

[ 77 ]


صلى الله عليه وآله ، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه ، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة ، وهم إخوة عبد ياليل ، ومسعود ، وحبيب بنو عمرو ، فعرض عليهم نفسه فقال أحدهم : أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط ، وقال الآخر : أعجز الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا اكلمك بعد مجلسك هذا أبدا ، ولئن كنت رسولا كما تقول فلانت أعظم خطرا من أن يرد عليك الكلام ، وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن اكلمك بعد ، وتهزؤا به ، وأفشوا في قومهم ( 1 ) ما راجعوه به ، فقعدوا له صفين على طريقه ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه ، فخلص منهم وهما يسيلان دما ، فعمد فجاء إلى حائط من حيطانهم فاستظل في ظل نخلة ( 2 ) منه وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دما ، فإذا في الحائط عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله ، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس معه عنب وهو نصراني من أهل نينوى ، فلما جاءه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : من أي أرض أنت ؟ قال : من أهل نينوى ، قال : من مدينة العبد الصالح يونس بن متى ؟ فقال له عداس : وما يدريك من يونس بن متى ؟ فقال صلى الله عليه وآله : أنا رسول الله ، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى ، فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس خر عداس ساجدا لله ، ومعظما لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء ، فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا ، فلما أتاهما قالا : ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت ذلك بأحد منا ؟ قال : هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى ، فضحكا وقالا : لا يفتننك عن نصرانيتك ، فإنه رجل خداع ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة حتى إذا كان بنخلة قام في جوف الليل يصلي ، فمر به نفر من أهل نصيبين من اليمن فوجدوه يصلي صلاة الغداة ، ويتلو القرآن ، فاستمعوا له ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة .


______________________________________________________
( 1 ) في قومهم خ ل .
( 2 ) في المصدر : في ظل : حبلة .
أقول : حبلة : شجر العنب .
( * )

[ 78 ]


وقال آخرون : امر رسول اله صلى الله عليه وآله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ، ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله إليه نفرا من الجن من نينوى ، فقال صلى الله عليه وآله : إني امرت أن أقرأ على الجن الليلة ، فأيكم يتبعني ؟ فاتبعه عبدالله بن مسعود ، قال عبدالله : ولم يحضر معه أحد غيري ، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة ، ودخل نبي الله شعبا يقال له : شعب الحجون ، وخط لي خطا ، ثم أمرني أن أجلس فيه وقال : لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة ( 1 ) كثيرة حتى حالت بيني وبينه ، حتى لم أسمع صوته ، ثم انطلقوا وطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط .
وفرغ رسول الله صلى الله عليه وآله مع الفجر فانطلق فبرز ، ثم قال : هل رأيت شيئا ؟ فقلت : نعم رأيت رجالا سودا مستثفري ( 2 ) ثياب بيض قال : اولئك جن نصيبين .
وروى علقمة ، عن عبدالله قال : لم أكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الجن ، ووددت أني كنت معه ، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسلا إلى قومهم ، وقال زر بن حبيش : كانوا تسعة نفر منهم : زوبعة ، وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله "الرحمن ( 3 ) "على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الجن كانوا أحسن جوابا منكم ، لما قرأت عليهم "فبأي آلاء ربكما تكذبان ( 4 ) "قالوا : "لا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب ".
"يا قومنا أجيبوا داعي الله "يعنون محمدا صلى الله عليه وآله إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الانداد دونه "وآمنوا به يغفرلكم من ذنوبكم "أي إن آمنتم بالله ورسوله يغفرلكم "ويجركم من عذاب أليم "في هذا دلالة على أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الجن ، كما كان مبعوثا إلى الانس ، ولم يبعث الله نبيا إلى الانس والجن قبله "ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض "أي لا يعجز الله فيسبقه ويفوته "وليس له من دونه أولياء "أي أنصارا


______________________________________________________
( 1 ) الاسودة : جمع السواد .
( 2 ) استثفر بثوبه : ثنى طرفه فأخرج من بين فخذيه وغرزه في حجزته .
( 3 ) السورة : 55 .
( 4 ) الاية : 16 وغيرها .
( * )

[ 79 ]


يمنعونه من الله "اولئك في ضلال مبين "أي عدول عن الحق ظاهرا انتهى كلامه رفع مقامه ( 1 ) .
وقال الرازي : روي عن الحسن أن هؤلاء من الجن كانوا يهودا لان في الجن مللا كما في الانس ، والمحققون على أن الجن مكلفون ، سئل ابن عباس هل للجن ثواب ؟ قال : نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ، ويزدحمون على أبوابها ، ثم قال : واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل : لا ثواب لهم إلاالنجاة من النار ، ثم يقال لهم : كونوا ترابا مثل البهائم ! واحتجوا بقوله تعالى : "ويجركم من عذاب أليم "وهو قول أبي حنيفة ، والصحيح أنهم في حكم بني آدم في الثواب والعقاب وهذا قول ابن أبي ليلى ومالك ، وكل دليل يدل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن ، والفرق بين البابين بعيد جدا ( 2 ) .
وقال الطبرسي في قوله تعالى : "قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن "أي استمع القرآن طائفة من الجن وهم جيل رقاق الاجسام ، خفية ( 3 ) على صورة مخصوصة بخلاف صورة الانسان والملائكة ، فإن الملك مخلوق من النور ، والانس من الطين ، والجن من النار "فقالوا "أي الجن بعضها لبعض : "إنا سمعنا قرآنا عجبا "العجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة ( 4 ) "يهدي إلى الرشد "أي الهدى "فآمنا به "أي بأنه من عند الله "ولن نشرك "فيما بعد "بربنا أحدا "فنوجه العبادة إليه ، وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وآله كان مبعوثا إلى الجن أيضا ، وأنهم عقلاء مخاطبون ، وبلغات العرب عارفون ، وأنهم يميزون بين المعجز وغير المعجز ، وأنهم دعوا قومهم إلى الاسلام وأخبروهم بإعجاز القرآن وأنه كلام الله تعالى .


______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 9 : 91 - 94 .
( 2 ) مفاتيح الغيب : تفسير سورة الاحقاف ج 28 ص 31 .
( 3 ) في المصدر : خفيفة .
( 4 ) في المصدر : زيادة لم يوردها المصنف وهي : وخروجه عن العادة في مثله ، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام وخفى سببه عن الانام كان عجبا لا محالة ، وأيضا فانه مباين لكلام الخلق في المعنى والفصاحة والنظام ، لا يقدر أحد على الاتيان بمثله ، وقد تضمن أخبار الاولين والاخرين وما كان وما يكون أجراه الله على يد رجل امى فاستعظموه وسموه عجبا .
( * )

[ 80 ]


وروى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما قرء رسول الله صلى الله عليه وآله على الجن وما رآهم ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا : مالكم ؟ قالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وارسلت علينا الشهب ، قالوا : ما ذاك إلا من شئ حدث ، فاضربوا مشارق الارض ومغاربها ، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وآله وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا : هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ، فرجعوا إلى قومهم وقالوا : "إنا سمعنا قرآنا عجبا * بهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا "فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله : "قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن "ورواه البخاري ومسلم .
وعن علقمة بن قيس قال : قلت لعبد الله بن مسعود : من كان منكم مع النبي صلى الله عليه واله ليلة الجن ، فقال : ما كان منا معه أحد ، فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة ، فقلنا اغتيل رسول الله صلى الله عليه وآله أو استطير ، فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حرا ، فقلنا : يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك ؟ وقلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك ، فقال لنا : إنه أتاني داعي الجن فذهبت اقرئهم القرآن ، فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم .
فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه ، وعن أبي روق قال : هم تسعة نفر من الجن قال أبوحمزة الثمالي : وبلغنا أنهم من بني الشيبان ( 1 ) وهم أكثر الجن عددا ، وهم عامة جنود إبليس ، وقيل : كانوا سبعة نفر من جن نصيبين ، رآهم النبي صلى الله عليه وآله فآمنوا به ، وأرسلهم إلى سائر الجن .
"وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا "أي تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، أو تعالت صفاته أو قدرته أو ذكره أو فعله وأمره ، أو ملكه أو آلاؤه ونعمه .
والجميع يرجع إلى معنى واحد وهو العظمة والجلال ، وروي عن الباقر والصادق عليهما السلام أنه ليس لله تعالى جد ، وإنما قالته الجن بجهالة ، فحكاه سبحانه كما


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : من بنى الشيصبان .
( * ) بحار الانوار - 5 -