[ 81 ]


قالت ( 1 ) .
"وأنه كان يقول سفيهنا "أي جاهلنا ، والمراد به إبليس "على الله شططا "والشطط السرف في ظلم النفس والخروج عن الحق "وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا "أي حسبنا أن مايقولونه من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد صدق ، وأنا على حق حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق به "وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن "أي يعتصمون ويستجيرون ، وكان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال : أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، وكان هذا منهم على حسب اعتقادهم أن الجن تحفظهم ، وقيل : معناه أنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من أجل الجن ومن معرة الجن "فزادوهم رهقا "أي فزاد الجن للانس إثما على إثمهم الذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي ، وقيل : "رهقا "أي طغيانا ، وقيل : فرقا وخوفا ، و قيل : شرا ، وقيل : ذلة ، وقال الزجاج : يجوز أن يكون الانس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقا ، لانهم كانوا يزدادون طغيانا في قومهم بهذا التعوذ ، فيقولون : سدنا الجن والانس ، ويجوز أن يكون الجن زادوا الانس رهقا .

-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 81 سطر 13 الى ص 89 سطر 13 "وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا "أي قال مؤمنوا الجن لكفارهم إن كفار الانس الذين يعوذون برجال من الجن في الجاهلية حسبوا كما حسبتم يا معشر الجن أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى عليه السلام أو عيسى عليه السلام ، وقيل : إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى ، يقول : إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الانس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة ولا يحاسبه ، أو لن يبعث الله أحدا رسولا ، ثم حكى عن الجن قولهم : "وأنا لمسنا السماء "أي مسسناها ، وقيل : معناه طلبنا الصعود إلى السماء ، فعبر عن ذلك باللمس مجازا ، وقيل : التمسنا قرب السماء لاستراق السمع "فوجدناها ملئت حرسا شديدا "أي حفظة من الملائكة شدادا "وشهبا "والتقدير ملئت من الحرس والشهب "وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع "أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منا صوت الملائكة وكلامهم "فمن يستمع "منا "الآن "


______________________________________________________
( 1 ) أقول : الجد : الحظ والبخت : ويأتى بمعنى العظمة والجلال أيضا ، والظاهر أن المعنى المنفى في الحديث هو الاول ، لانه من صفات الادميين التى يمكن أن يفقدوها مرة ، ويجدوها اخرى .
( * )

[ 82 ]


ذلك "يجد له شهابا رصدا "يرمى به ويرصد له ، و "شهابا "مفعول به و "رصدا "صفته ، قال معمر : قلت للزهري : كان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم ، قلت : أفرأيت قوله : "أنا كنا نقعد منها "الآية ، قال : غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وآله ، قال البلخي : إن الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان ، غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله منع بها الجن من الصعود "وأنا لا ندري أشر اريد بمن في الارض "أي بحدوث الرجم بالشهب وحراسة السماء ، جوزوا هجوم انقطاع التكليف أو تغيير الامر بتصديق نبي من الانبياء ، وذلك قوله : "أم أراد بهم ربهم رشدا "أي صلاحا ، وقيل : معناه أن هذا المنع لا يدرى ألعذاب سينزل بأهل الارض أم لنبي يبعث ويهدي إلى الرشد ، فإن مثل هذا لا يكون إلا لاحد هذين "وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك "أي دون الصالحين في الرتبة "كنا طرائق قددا "أي فرقاشتى على مذاهب مختلفة ، وأهواء متفرقة ، "وأنا ظننا "أي علمنا "أن لن نعجز الله في الارض " أي لن نفوته إن أراد بنا أمرا "ولن نعجزه هربا "أي أنه يدركنا حيث كنا "وأنا لما سمعنا الهدى "أي القرآن "آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا "أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب "ولا رهقا "أي لحاق ظلم وغشيان مكروه "وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون "أي الجائرون عن طريق الحق "فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا "أي التمسوا الصواب والهدى "وأما القاسطون فكانوا لجنهم حطبا "يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب انتهى ( 1 ) .
أقول : سيأتي الكلام في حقيقة الجن وكيفياتهم وأحوالهم في كتاب السماء و العالم إنشاء الله تعالى .
وقال القاضي في الشفا : رأي عبدالله بن مسعود الجن ليلة الجن ، وسمع كلامهم ، وشبههم برجال الزط ( 2 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته ، فأردت أن أربطه إلى سارية ( 3 ) من سواري المسجد حتى


______________________________________________________
( 1 ) مجمع البيان 10 .
367 - 371 .
( 2 ) الزط : قوم من السودان والهنود طوال .
( 3 ) السارية : الاسطوانة .
( * )

[ 83 ]


تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان عليه السلام : "رب اغفري وهب لي ( 1 ) ملكا "الآية ، فرده الله خاسئا ( 2 ) .
1 - ل : أبي ، عن سعد ، عن محمد بن عبدالحميد ، عن محمد بن راشد ، عن عمر بن سهل ، عن سهيل بن غزوان قال .
سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن امرأة من الجن كان يقال لها : عفراء ، كانت تنتاب ( 3 ) النبي صلى الله عليه وآله فتسمع من كلامه فتأتي صالحي الجن فيسلمون على يديها ، وإنها فقدها النبي صلى الله عليه وآله فسأل عنها جبرئيل فقال : إنها زارت اختا لها تحبها في الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : طوبى للمتحابين في الله ، إن الله تبارك وتعالى خلق في الجنة عمودا من ياقوتة حمراء ، عليه سبعون ألف قصر ، في كل قصرسبعون ألف غرفة ، خلقهاالله عزوجل للمتحابين والمتزاورين في الله ، ثم قال : يا عفراء أي شئ رأيت ؟ قالت رأيت عجائب كثيرة ، قال : فأعجب مارأيت ؟ قالت : رأيت إبليس في البحر الاخضر على صخرة بيضاء مادا يديه إلى السماء وهو يقول : إلهي إذا بررت قسمك وأدخلتني نار جنهم فأسألك بحق محمد و علي وفاطمة والحسن والحسين إلا خلصتني منها ، وحشرتني معهم ، فقلت : يا حارث ما هذه الاسماء التي تدعوبها ؟ قال لي : رأيتها على ساق العرش من قبل أن يخلق الله آدم بسبعة آلاف سنة ، فعلمت أنهم أكرم الخلق على الله عزوجل ، فأنا أسأله بحقهم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : والله لو أقسم أهل الارض بهذه الاسماء لاجابهم ( 4 ) .
2 - فس : قال الجن من ولد الجان ، منهم مؤمنون وكافرون ، ويهود ونصارى وتختلف أديانهم ، والشياطين من ولد إبليس ، وليس فيهم مؤمن ( 5 ) إلا واحدا اسمه هام ابن هيم بن لاقيس بن إبليس ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه جسيما عظيما وامرءا مهولا فقال له : من أنت ؟ قال : أناهام بن هيم بن لاقيس بن إبليس ، كنت يوم قتل قابيل هابيل


______________________________________________________
( 1 ) ص : 35 .
( 2 ) شرح الشفاء 1 : 736 و 738 .
( 3 ) تأتى خ ل .
( 4 ) الخصال 2 : 171 .
( 5 ) مؤمنون خ ل ( * )

[ 84 ]


غلاما ابن أعوام أنهى عن الاعتصام وآمر بإفساد الطعام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بئس لعمري الشاب المؤمل ، والكهل المؤمر ، فقال : دع عنك هذا يا محمد ، فقد جرت توبتي على يد نوح عليه السلام ، ولقد كنت معه في السفينة فعاتبته على دعائه على قومه ، ولقد كنت مع إبراهيم عليه السلام حيث القي في النار ، فجعلها الله عليه بردا وسلاما ، ولقد كنت مع موسى عليه السلام حين غرق الله فرعون ونجى بني إسرائيل ، ولقد كنت مع هود عليه السلام حين دعا على قومه فعاتبته على ( 1 ) دعائه على قومه ولقد كنت مع صالح عليه السلام فعاتبته على دعائه على قومه ، و لقد قرأت الكتب فكلها تبشرنى بك ، والانبياء يقرءونك السلام ، ويقولون ، أنت أفضل الانبياء وأكرمهم ، فعلمني مما أنزل الله عليك شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام : علمه ، فقال هام : يا محمد إنا لانطيع إلا نبيا أو وصي نبي : فمن هذا ؟ قال : هذا أخي ووصيي ووزيري ووارثي علي بن أبي طالب ، قال : نعم نجد اسمه في الكتب اليا ، فعلمه أمير المؤمنين عليه السلام ، فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام ( 2 ) .
بيان : قوله صلى الله عليه وآله : الشاب المؤمل ، لعل المعنى بئس حالك في حال شبابك حيث كنت مؤملا - على بناء المفعول - ( 3 ) ، يأملون منك الخير ، وفي حال شيخوختك حيث صيرورك أميرا ، وفي روايات العامة : "بئس لعمر الله عمل الشيخ المتوسم ، والشباب المتلوم "قال الجزري : المتوسم المتحلي بسمة الشيوخ ، والمتلوم المتعرض للائمة في الفعل السيئ ، ويجوز أن يكون من اللؤمة وهي الحاجة إي المنتظر لقضائها .
3 - عم : جاء في الآثار عن ابن عباس قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى بني المصطلق ونزل بقرب واد وعر ، فلما كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل يخبره عن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا ( 4 ) الوادي ، يريدون كيده وإيقاع الشر بأصحابه ، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وقال : اذهب إلى هذا الوادي ، فسيعرض لك من أعداء الله الجن ، من


______________________________________________________
( 1 ) فعاتبته عن دعائه على قومه خ ل .
( 2 ) تفسير القمى : 351 .
( 3 ) أو على بناء الفاعل ، أى يأمل كل ما تطلبه نفسه .
وافق الصواب أم لا .
( 4 ) أى دخلوا بطن الوادى .
( * )

[ 85 ]


يريدك فادفعه بالقوة التي أعطاك الله إياها ، وتحصن منه ( 1 ) بأسماء الله التي خصك بعلمها وأنفذ معه مأة رجل من أخلاط الناس ، وقال لهم : كونوا معه ، وامتثلوا أمره ، فتوجه أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الوادي ، فلما قارب ( 2 ) شفيره أمر المأة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم ، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من أعدائه ، وسماه بأحسن أسمائه ، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يقربوا منه فقربوا وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة ، ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم أن يقعوا على وجوههم لشدتها ولم تثبت أقدامهم على الارض من هول مالحقهم ، فصاح أميرالمؤمنين عليه السلام : أنا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب وصي رسول الله وابن عمه اثبتوا إن شئتم ، وظهر للقوم أشخاص كالزط تخيل في أيديهم شعل النار ، قد اطمأنوا بجنبات الوادي ( 3 ) ، فتوغل ( 4 ) أميرالمؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يتلو القرآن ، و يؤمئ بسيفه يمينا وشمالا ، فما لبثت الاشخاص حتى صارت كالدخان الاسود ، وكبر أمير المؤمنين عليه السلام ثم صعد من حيث هبط ، فقام مع القوم الذين تبعوه حتى أسفر الموضع عما اعتراه ، فقال له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله : ما لقيت يا أبا الحسن فقد كدنا نهلك خوفا و إشفاقا عليك ؟ فقال عليه السلام : لما تراءى لي العدو جهرت فيهم بأسماء الله فتضاءلوا ، وعلمت ما حل بهم من الجزع فتوغلت الوادي غير خائف منهم ، ولو بقوا على هيئاتهم لاتيت على آخرهم ، وكفى الله كيدهم ، وكفى المسلمين شرهم ، وسيسبقني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فيؤمنوا به ، وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر فسري عنه ، ودعا له بخير ، وقال له : قد سبقك يا علي إلي من أخافه الله بك ، فأسلم وقبلت إسلامه ( 5 ) .


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : تحصن منهم .
( 2 ) في المصدر : قرب .
( 3 ) في المصدر : قد اطمأنوا فأطافوا بجنبات الوادى .
( 4 ) توغل : ذهب وابعد ( 5 ) اعلام الورى : 107 و 108 ط 1 و 182 و 183 ط 2 ( * )

[ 86 ]


بيان : ضؤل ضئالة : صغر ، ورجل متضائل : دقيق وسري عنه الهم على بناء المفعول مشددا : انكشف .
4 - عيون المعجزات : من كتاب الانوار عن أحمد بن عبدويه ( 1 ) ، عن سليمان بن علي الدمشقي ، عن أبي هاشم ( 2 ) الزبالي ، عن زاذان ، عن سلمان قال : كان النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم جالسا بالابطح وعنده جماعة من أصحابه ، وهو مقبل علينا بالحديث إذ نظرنا إلى زوبعة ( 3 ) قد ارتفعت فأثارت الغبار ، وما زالت تدنو والغبار يعلو إلى أن وقفت بحذاء النبي صلى الله عليه وآله ، ثم برز منها شخص كان فيها ، ثم قال : يا رسول الله إني وافد قومي وقد استجرنا بك فأجرنا ، وابعث معي من قبلك من يشرف على قومنا - فإن بعضهم قد بغى علينا ، ليحكم بيننا وبينهم بحكم الله وكتابه ، وخذ علي العهود والمواثيق المؤكدة أن أرده إليك في غداة غد سالما إلا أن تحدث علي حادثة من عند الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : من أنت ؟ ومن قومك ؟ قال : أنا عطرفة ( 4 ) بن شمراخ أحد بني نجاح ، وأنا وجماعة من أهلي كنا نسترق السمع ، فلما منعنا من ذلك آمنا ، ولما بعثك الله نبيا آمنا بك على ما علمته ، وقد صدقناك ، وقد خالفنا بعض القوم وأقاموا على ما كانوا عليه ، فوقع بيننا وبينهم الخلاف وهم أكثر منا عددا وقوة ، وقد غلبوا على الماء والمراعي وأضروا بنا وبدوابنا ، فابعث معي من يحكم بيننا بالحق ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : فاكشف لنا عن وجهك حتى نراك على هيئتك التي أنت عليها ، قال : فكشف لنا عن صورته فنظرنا فإذا شخص عليه شعر كثير ، وإذا رأسه طويل ، طويل العينين ، عيناه في طول رأسه صغير الحدقتين ، وله اسنان السباع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله أخذ عليه العهد والميثاق على أن يرد عليه في غد من يبعث به معه ، فلما فرغ من ذلك التفت إلى أبي بكر فقال : سرمع أخينا عطرفة ، وانظر إلى ماهم عليه واحكم بينهم بالحق ، فقال : يا رسول الله وأين هم ؟ قال : هم تحت الارض ،


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : عبدربه .
( 2 ) في المصدر : عن أبى هاشم الرمانى .
( 3 ) الزوبعة : ريح ترتفع بالتراب أوبمياه البحار وتستدير كأنها عمود .
( 4 ) عرفطة خ ل في المواضع .
( * )

[ 87 ]


فقال أبوبكر : وكيف اطيق النزول تحت الارض ؟ وكيف أحكم بينهم ولا احسن كلامهم ثم التفت إلى عمر بن الخطاب فقال له : مثل قوله لابي بكر ، فأجاب بمثل جواب أبي بكر ثم أقبل على عثمان وقال له : مثل قوله لهما : فأجابه كجوابهما ، ثم استدعى بعلي عليه السلام وقال له : يا علي سر مع أخينا عطرفة ، وتشرف على قومه وتنظر إلى ماهم عيه ، وتحكم بينهم بالحق ، فقام أمير المؤمنين عليه السلام مع عطرفة وقد تقلد سيفه ، قال سلمان : فتبعتهما إلى أن صار إلى الوادي ، فلما توسطاه تنظر إلي أمير المؤمنين عليه السلام وقال : قد شكر الله تعالى سعيك يا با عبدالله فارجع ، فوقفت أنظر إليهما فانشقت الارض ودخلا فيها .
ورجعت ( 1 ) وتداخلني من الحسرة ما الله أعلم به ، كل ذلك إشفاقا على أمير المؤمنين ، وأصبح النبي صلى الله عليه وآله وصلى بالناس الغداة ، وجاء وجلس على الصفا وحف به أصحابه وتأخر أميرالمؤمنين عليه السلام وارتفع النهار ، وأكثر الناس الكلام إلى أن زالت الشمس ، وقالوا : إن الجني احتال على النبي صلى الله عليه وآله وقد أراحنا الله من أبي تراب ، و ذهب عنا افتخاره بابن عمه علينا ، وأكثرو الكلام إلى أن صلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة الاولى وعاد إلى مكانه وجلس على الصفا ، ومازال يحدث أصحابه ( 2 ) إلى أن وجبت صلاة العصر ، وأكثر القوم الكلام وأظهروا اليأس من أمير المؤمنين عليه السلام ، فصلى النبي صلى الله عليه وآله صلاة العصر وجاء وجلس على الصفا ، وأظهر الفكر في أمير المؤمنين عليه السلام وظهرت شماتة المنافقين بأمير المؤمنين عليه السلام ، وكادت الشمس تغرب فتيقن القوم أنه قد هلك وإذا قد انشق الصفا وطلع أمير المؤمنين عليه السلام منه ، وسيفه يقطر دما ، ومعه عطرفة ، فقام إليه النبي صلى الله عليه وآله وقبل بين عينيه وجبينيه ، وقال له : ما الذي حبسك عني إلى هذا الوقت ؟ فقال عليه السلام : صرت إلى جن كثير قدبغوا على عطرفة وقومه من المنافقين ، فدعوتهم إلى ثلاث خصال فأبوا علي ، وذلك أني دعوتهم إلى الايمان بالله تعالى والاقرار بنبوتك ورسالتك فأبوا ، فدعوتهم إلى أداء الجزية فأبوا ، فسألتهم أن يصالحوا عطرفة وقومه فيكون بعض المرعى لعطرفة وقومه وكذلك الماء فأبوا ذلك كله ، فوضعت سيفي فيهم وقتلت


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : وعادت إلى ما كانت ، وعلى هذا فالضمير للارض .
( 2 ) في المصدر : يحدث اصحابه بالحديث .
( * )

[ 88 ]


منهم ثمانين ( 1 ) ألفا ، نظروا إلى ما حل بهم طلبوا الامان والصلح ، ثم آمنوا ، وزال الخلاف بينهم ( 2 ) ، وما زلت معهم إلى الساعة ، فقال عطرفة ( 3 ) : يا رسول الله جزاك الله وأمير المؤمنين عنا خيرا ( 4 ) .
بيان : الزوبعة : رئيس من رؤساء الجن ، ومنه سمي الاعصار زوبعة ( 5 ) ، قاله الجوهري .
5 - سن : عبدالله بن الصلت ، عن أبي هدية ( 6 ) ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا على باب الدار ومعه على بن أبي طالب عليه السلام إذ أقبل شيخ فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم انصرف ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أتعرف شيخ ؟ فقال علي عليه السلام : ما أعرفه ، فقال صلى الله عليه وآله : هذا إبليس ، فقال علي عليه السلام : لوعلمت يارسول الله لضربته ضربة بالسيف فخلصت امتك منه ، قال : فانصرف إبليس إلى علي عليه السلام فقال له : ظلمتني ياأبا الحسن ، أما سمعت الله عزوجل يقول : "وشاركهم في الاموال والاولاد ( 7 ) فوالله ما شركت أحدا أحبك في امه ( 8 ) .
6 - ع : الحسين بن محمد بن سعيد ، عن فرات بن إبراهيم ، عن محمد بن علي بن معتمر عن أحمد بن علي الرملي ، عن أحمد بن موسى ، عن يعقوب بن إسحاق : المروزي ، عن عمر ( 9 ) ابن منصور ، عن إسماعيل بن أبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبيه ، عن أبي هارون العبدي


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : زهاء ثمانين ألفا .
( 2 ) في المصدر : ثم آمنوا وصاروا اخوانا وزال الخلاف بينهم .
( 3 ) عرفطة خ ل .
( 4 ) عيون المعجزات : 36 - 39 .
( 5 ) والمراد بها في الحديث هو المعنى الثانى .
( 6 ) هكذا في النسخة ، ولعله بالباء الموحدة ، والحديث مرسل جدا ، لان رواية ابن الصلت الراوى عن الامام الجواد عليه السلام من أنس بن مالك بواسطة واحدة غريبة جدا .
( 7 ) الاسراء : 64 .
( 8 ) المحاسن : 332 ، وفيه : ما شاركت .
( 6 ) في المصدر : عمرو بن منصور .
( * )

[ 89 ]


عن جابر بن عبدالله الانصاري قال : كنا بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ بصرنا برجل ساجد وراكع ومتضرع ، فقلنا : يا رسول الله ما أحسن صلاته ؟ ! فقال صلى الله عليه وآله : هو الذي أخرج أباكم من الجنة ، فمضى إليه علي عليه السلام غير مكترث ( 1 ) فهزه هزة أدخل أضلاعه اليمنى في اليسرى ، واليسرى في اليمنى ، ثم قال : لاقتلنك إنشاء الله ، فقال : لن تقدر على ذلك إلى أجل معلوم من عند ربي ، مالك تريد قتلي ؟ فوالله ما أبغضك ، أحد إلا سبقت نطفتي إلى رحم امه قبل نطفة أبيه ، ولقد شاركت مبغضيك في الاموال والاولاد وهو قول الله عزوجل في محكم كتابه : "وشاركهم في الاموال والاولاد "الخبر ( 2 ) .
7 - ب : محمد بن عبدالحميد ، عن أبي جميلة ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول سليمان "هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( 2 ) "قلت فاعطي الذي دعا به ؟ قال : نعم ، ولم يعط بعده إنسان ما اعطي نبي الله من غلبة الشيطان فخنقه إلى إبطه ( 4 ) حتى أصاب لسانه ( 5 ) يد رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لولا ما دعا به سليمان عليه السلام لاريتكموه ( 6 ) .
8 - فس : "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن "إلى قوله : "فلما
-بحار الانوار مجلد: 18 من ص 89 سطر 14 الى ص 97 سطر 14 قضى "أي فرغ "ولو إلى قومهم منذرين "إلى قوله : "اولئك في ضلال مبين ": فهذا كله حكاية عن الجن ، وكان سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه زيد بن حارثة يدعو الناس إلى الاسلام ، فلم يجبه أحد ولم يجد ( 7 ) من يقبله ، ثم رجع إلى مكة فلما بلغ موضعا يقال له : وادي مجنة .
تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به نفر من الجن ، فلما سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله استمعواله ، فلما سمعوا قراءته قال


______________________________________________________
( 1 ) اكترث للامر به .
ولا يكترث له : لا يعبأ به ولا يباليه .
( 2 ) علل الشرائع : 58 و 59 .
والاية في الاسراء : 65 .
( 3 ) ص : 35 .
( 4 ) سارية خ ل .
أقول : وفى المصدر : سوابطه .
( 5 ) بلسانه خ ل .
( 6 ) قرب الاسناد : 81 .
( 7 ) ولم يجد أحدا خ ل .
( * )

[ 90 ]


بعضهم لبعض : "أنصتوا "يعني اسكتوا "فلما قضى "أي فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من القراءة "ولو إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوابه " إلى قوله : "اولئك في ضلال مبين "فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلموا وآمنوا وعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله شرائع الاسلام فأنزل الله ( 1 ) على نبيه "قل اوحي إلي أنه استمع نفر من الجن "السورة كلها ، فحكى الله قولهم وولى رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم منهم ، وكانوا يعودون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في كل وقت ، فأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يعلمهم ويفقههم فمنهم مؤمنون وكافرون وناصبون ويهود ونصارى ومجوس وهم ولد الجان ( 2 ) .
9 - قب : ابن جبيرقال : توجه النبي صلى الله عليه وآله تلقاء مكة وقام بنخلة في جوف الليل يصلي ، فمر به نفر من الجن فوجدوه يصلي صلاة الغداة ويتلو القرآن فاستمعوا إليه ، وقال آخرون : امر رسول الله صلى الله عليه وآله أن ينذر الجن فصرف الله إليه نفرا من الجن من نينوى .
قوله : "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ": وكان بات في وادي الجن وهو على ميل من المدينة ، فقال عليه السلام : إني امرت أن أقرأعلى الجن الليلة ، فأيكم يتبعني ، فاتبعه ابن مسعود وساق الحديث مثل ما رواه الطبرسي .
وروي عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين ، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسلا إلى قومهم ، وقال زر بن حبيش : كانوا سبعة منهم زوبعة ، وقال غيره : وهم مسار و يسار وبشار والازد وخميع ( 3 ) .
10 - قب : لما سار النبي صلى الله عليه وآله إلي وادي حنين للحرب إذا بالطلائع قد رجعت والاعلام والاولوية قد وقفت ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : يا قوم ما الخبر ؟ فقالوا : يا رسول الله حية عظيمة قد سدت علينا الطريق كأنها جبل عظيم ، لا يمكننا من المسير ، فسار


______________________________________________________
( 1 ) في المصدر : فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يطلبون شرائع الاسلام ، فأنزل الله اه ( 2 ) تفسير القمى : 623 و 624 .
( 3 ) مناقب آل أبي طالب 1 ، 44 .
( * )