[341]

استخراج ذي الثدية فأتعبه أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة ( 1 ) ، فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه وإذا وجهه أربد ( 2 ) وإذا رجله في يدي ، فجذبتها وقلت : هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الاخرى وجررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج ، فكبر علي عليه السلام بأعلى صوته ثم سجد فكبر الناس كلهم ( 3 ) .
وروى عثمان بن سعيد ، عن يحيى التيمي ، عن الاعمش ، عن إسماعيل بن رجاء قال : قام أعشى باهلة - وهو يومئذ غلام حدث - إلى حديث علي عليه السلام ( 4 ) وهو يخطب ويذكر الملاحم ، فقال : يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة ! فقال علي عليه السلام : إن كنت آثما فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف ، ثم سكت ، فقام رجال فقال ( 5 ) : ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ قال غلام يملك بلدتكم هذه ، لا يترك لله حرمة إلا انتهكها ، يضرب عنق هذا الغلام بسيفه ، فقالوا : كم يملك يا أمير المؤمنين ؟ قال : عشرين إن بلغها ، قالوا : فيقتل قتلا أم يموت موتا ؟ قال : بل يموت حتف أنفه بداء البطن ، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه ! قال إسماعيل ابن رجاء : فوالله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد احضر في جملة الاسرى الذين اسروا من جيش عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث بين يدي الحجاج ، فقرعه ووبخه و استنشده شعره الذي يحرض فيه عبدالرحمن على الحرب ، ثم ضرب عنقه في هذا المجلس ( 6 ) .
*

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر بعد ذلك وركب بغلة رسول الله وقال : اطرح على كل قتيل منهم قصبة اه .
( 2 ) تريد الرجل : تعبس وتغير لونه .
فهو أربد .
وفي المصدر بعد ذلك : وإذا هو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت : فاذا خرير ماء عند موضع دالية ، فقال عليه السلام : فتش هذا ، ففتشته فاذا قتيل قد صار في الماء اه .
( 3 ) شرح النهج 1 : 249 .
( 4 ) في المصدر : إلى علي عليه السلام .
( 5 ) : فقالوا .
( 6 ) : في ذلك المجلس .
( * )

[342]

وروى محمد بن علي الصواف ، عن الحسين بن سفيان ، عن أبيه ، عن شمير بن سدير الازدي قال : قال علي عليه السلام لعمرو الحمق الخزاعي أين نزلت يا عمرو ؟ قال : في قومي ، قال : لا تنزلن فيهم ، قال : أفأنزل في بني كنانة جيراننا ؟ قال : لا ، قال : أفأنزل في ثقيف ؟ قال : فما تصنع بالمعرة والمجرة ؟ قال : وماهما قال : عنقان من نار يخرجان من ظهر الكوفة ، يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل ، فقلما يفلت منه أحد ويأتي العنق الاخرى فتأخذ على الجانب الاخرى ( 1 ) من الكوفة فقل من يصيب منهم ، إنما هو يدخل الدار فتحرق ( 2 ) البيت والبيتين : قال : فأين أنزل ؟ قال : انزل في بني عمرو بن عامر من الازد ، قال : فقام قوم حضروا هذا الكلام و قالوا : ما نراه ( 3 ) إلا كاهنا يتحدث بحديث الكهنة ؟ فقال : يا عمرو وإنك لمقتول بعدي ، وإن رأسك لمنقول ، وهو أول رأس ينقل في الاسلام ، والويل لقاتلك ، أما إنك لا تنزل بقوم إلا أسلموك ( 4 ) برمتك إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الازد فإنهم لن يسلموك ولن يخذلوك ، قال : فوالله ما مضت [ من ] الايام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في أحياء العرب خائفا مذعورا ، حتى نزل في قومه من بني خزاعة ، فأسلموه فقتل وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام ، وهو أول رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد .
وروى إبراهيم بن ميمون الازدي عن حبة العرني قال : كان جويرية بن مسهر العبدي صالحا ، وكان لعلي عليه السلام صديقا ، وكان علي عليه السلان يحبه ، ونظر يوما إليه وهو يسير فناداه : يا جويرية الحق بي ، فإني إذا رأيتك هويتك .
قال إسماعيل بن أبان : فحدثني الصباح عن مسلم حبة العرني قال : سرنا مع علي عليه السلام يوما ، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيدا ، فناداه : يا جويرية *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر : ويأتى العنق الاخر فيأخذ على الجانب الاخر .
( 2 ) : فيحرق .
( 3 ) : قال فقال قوم حضروا هذا الكلام : مانراه اه .
( 4 ) : سلموك .
( * )

[343]

الحق بي لا أبا لك ، ألا تعلم أني أهواك واحبك ؟ قال : فركض نحوه ، فقال له : إني محدثك بامور فاحفظها ، ثم اشتركا في الحديث سرا ، فقال له جويرية : يا أمير المؤمنين إني رجل نس ( 1 ) ، فقال : أنا اعيد عليك الحديث لتحفظه ، ثم قال له في آخر ما حدثه إياه : يا جويرية أحبب حبيبنا ما أحبنا فإذا أبغضنا فأبغضه ، وابغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبه ، قال : فكان ناس ممن يشك في أمر علي عليه السلام يقولون : أنراه جعل جويرية وصيه كما يدعي هو من صية رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : يقولون ذلك لشدة اختصاصه له حتى دخل على علي عليه السلام يوما وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه ، فناداه جويرية : أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك ، قال : فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال : واحدثك يا جويرية بأمرك أما والذي نفسي بيده لتعتلن إلى العتل الزنيم ، فليقطعن يدك ورجلك ، وليصلبنك تحت جذع كافر ، قال : فوالله ما مضت الايام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية ، فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانبه ابن معكبر ( 2 ) وكان جذعا طويلا ، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه .
وروى إبراهيم في كتاب الغارات عن أحمد بن الحسن الميثمي قال : كان ميثم التمار مولى علي عليه السلام عبدا لامرأة من بني أسد ، فاشتراه علي عليه السلام ( 3 ) وأعتقه و قال له : مااسمك ؟ قال : سالم ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم ، قال : صدق الله ورسوله وصدقت ، هو اسمي ( 4 ) ، قال : فارجع إلى اسمك ودع سالما ، ونحن نكنيك به ، فكناه أبا سالم .

-بحار الانوار مجلد: 37 من ص 343 سطر 19 الى ص 351 سطر 18 قال : وقد كان أطلعه علي عليه السلام على علم كثير وأسرار خفية من أسرار الوصية فكان ميثم يحديث ببعض ذلك ، فيشك فيه قوم من أهل الكوفة ، وينسبون عليا *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر : نسى .
( 2 ) : إلى جانب جذع ابن معكبر .
( 3 ) : فاشتراه على منها .
( 4 ) : فهو والله اسمى .
( * )

[344]

عليه السلام في ذلك إلى المخرفة والايهام والتدليس ، حتى قال له يوما بمحضر من خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص : يا ميثم إنك تؤخذ بعدي وتصلب ، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما حتى تخضب لحيتك ، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة فيقضى عليك ، فانتظر ذلك ، والموضع الذي تصلب فيه على دار ( 1 ) عمرو بن حريث ، إنك لعاشر عشرة ، أنت أقصرهم خشبة ، وأقربهم من المطهرة - يعني الارض - ولارينك النخلة التي تصلب على جذعها ، ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين ، فكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول : بوركت من نخلة ، لك خلقت ولي بنت ، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي على السلام حتى قطعت ، فكان يرصد جذعها ويتعاهده ويتردد إليه ويبصره ، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إني مجاورك فأحسن جواري ، فلا يعلم عمرو ما يريد ، فيقول له : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم ؟ قال : وحج في السنة التي قتل فيها ، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها ، فقالت له : من أنت ؟ قال : عراقي ، فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت : أنت هيثم ؟ قال : بل أنا ميثم ، فقالت : سبحان الله والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي بك عليا في جوف الليل ، فسألها عن الحسين بن علي عليهما السلام فقالت : هو في حائط له ، قال : أخبريه أني أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله ، ولا أقدر اليوم على لقائه ، واريد الرجوع ، فدعت بطيب فطيبت لحيته ، فقال لها : أما إنها ستخضب بدم ، قالت : من أنبأك هذا ؟ قال : أنبأني سيدي ، فبكت ام سلمة وقالت : إنه ليس بسيدك وحدك هو سيدي وسيد المسلمين أجمعين ، ثم ودعته ، فقدم الكوفة فاخذ وادخل على عبيدالله بن زياد ، وقيل له : هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب ، قال : ويحكم هذا الاعجمي ؟ قالوا : نعم ، فقال له عبيدالله : أين ربك ؟ قال : بالمرصاد قال : قد بلغني اختصاص أبي تراب لك ، قال : قد كان بعض ذلك ، فما تريد ؟ قال : *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر : على باب دار عمرو بن حريث .
( * )

[345]

وإنه ليقال : إنه قد أخبرك بما سيلقاك ، قال : نعم إنه أخبرني ( 1 ) أنك تصلبني عاشر - عشرة وأنا أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة ، قال : لاخالفنه ، قال : ويحك كيف تخالفه إنما أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل و أخبر جبرئيل عن الله ؟ فكيف تخالف هؤلاء ؟ أما والله لقد عرفت الموضع الذي اصلب فيه أين هو من الكوفة ، وإني لاول خلق الله الجم في الاسلام بلجام كما يلجم الخيل ، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد : إنك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين عليه السلام ، فتقتل هذا الجبار الذي نحن في سجنه ، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخديه ، فلما دعا عبيدالله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيدالله يأمره بتخلية سبيله ، وذلك أن اخته كانت تحت عبدالله بن عمر بن الخطاب ، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد ، فشفع فأمضى شفاعته ، فكتب بتخلية سبيل المختار على البريد فوافى البريد وقد اخرج ليضرب عنقه فاطلق ، وأما ميثم فاخرج بعده ليصلب ، و قال عبيدالله : لامضين حكم أبي تراب فيه ، فلقيه رجل فقال له : ما كان أغناك عن هذا يا ميثم ؟ ! فتبسم وقال : لها خلقت ولي غذيت ، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث ، فقال عمرو : لقد كان يقول : إني مجاورك وكان يأمر جاريته كل عشية أن تكنس تحت خشبته وترشه وتجمر بمجمرة تحته فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني امية وهو مصلوب على الخشبة فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد ، فقال : ألجموه ، فالجم ، فكان أؤل خلق الله الجم في الاسلام ، فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دما ، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات ، وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين عليه السلام العراق بعشرة أيام .
قال إبراهيم : وحدثني إبراهيم بن العباس النهدي قال : حدثني مبارك البجلي ( 2 ) عن أبي بكر بن عياش قال : حدثني المجالد عن الشعبي عن زياد بن *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر بعد ذلك : قال ما الذى أخبرك انى صانع بك ؟ قال : أخبرنى اه .
( 2 ) في ( ك ) : العجلى خ ل .
( * )

[346]

النصر الحارثي قال : كنت عند زياد وقد اتي برشيد الهجري - وكان من خواص أصحاب علي عليه السلام - فقال له زياد : ماقال لك خليلك إنا فاعلون بك ؟ قال تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني ، فقال زياد : أما والله لاكذبن حديثه ، خلوا سبيله ، فلما أراد أن يخرج قال : ردوه لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك ، إنك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيت ، اقطعوا يديه ورجليه ، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم فقال : اصلبوه خنقا ( 1 ) في عنقه ، فقال رشيد : وقد بقي لي عندكم شئ ما أراكم فعلتموه ، فقال زياد : اقطعوا لسانه ، فلما أخرجوا لسانه ( 2 ) قال : نفسوا عني أتكلم كلمة واحدة ، فنفسوا عنه فقال : والله هذا تصديق خبر أمير المؤمنين ، أخبرني بقطع لساني ، فقطعوا لسانه وصلبوه .
وروى أبوداود الطيالسي ، عن سليمان بن زريق ، عن عبد العزيز بن صهيب قال : حدثني أبوالعالية قال : حدثني مزرع صاحب علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : ليقبلن جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم ، قال أبوالعالية : فقلت : ( 3 ) لانك لتحدثني بالغيب ! فقال : احفظ ما أقوله لك ، فإنما حدثني به الثقة علي بن أبي طالب عليه السلام وحدثني أيضا شيئا آخر : ليؤخذن ( 4 ) فليقتلن وليصلبن بين شرفتين من شرف المسجد ، فقلت له : إنك لتحدثني بالغيب ! فقال : احفظ ما أقول لك ، قال أبوالعالية : فوالله ما أتت علينا جمعة حتى اخذ مزرع فقتل ، وصلب بين شرفتين من شرف المسجد .
قلت : حديث الخسف بالجيش قد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن ام سلمة رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : يعوذ قوم بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم ، فقلت : يا رسول الله لعل فيهم المكره أو الكاره ، فقال : *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) خنقه خنقا : شد على حلقه حتى يموت .
( 2 ) في المصدر : فلما اخرجوا لسانه ليقطع .
( 3 ) : فقلت له .
( 4 ) : ليؤخذن رجل .
( * )

[347]

يخسف بهم ، ولكن قال : يحشرون أو قال : يبعثون - على نياتهم يوم القيامة ، قال : فسئل أبوجعفر محمد بن علي أهي بيداء من الارض ؟ فقال : كلا والله إنها بيداء المدينة أخرج البخاري بعضه وأخرج مسلم الباقي .
وروى محمد بن موسى العنزي قال : كان مالك بن ضمرة الرواسي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وممن استبطن من جهته علما كثيرا .
وكان أيضا قد صحب أباذر فأخذ من عمله ، وكان يقول في أيام بني امية : اللهم لا تجعلني من الثلاثة ، فيقال له : وما الثلاثة ؟ فيقول : رجل يرمى به من فوق طمار ، ورجل تقطع يداه ورجلاه ولسانه ويصلب ، ورجل يموت على فراشه ، فكان من الناس من يهزأ به ويقول : هذا من أكاذيب أبي تراب ، قال : فكان الذي رمي به في طمار : هانئ بن عروة ، والذي قطع وصلب رشيد الهجري ، ومات مالك على فراشه ( 1 ) .
قال : وقال نصر بن مزاحم : حدثنا عبدالعزيز بن سباه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال : كنا مع علي عليه السلام في مسيره إلى الشام ، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، فانطلق بنا علي عليه السلام حتى أتى إلى صخرة مضرس في الارض كأنها ربضة عنز ، فأمرنا فاقتلعناها ، فخرج لنا من تحتها ماء ، فشرب الناس منه حتى ارتووا ، ثم أمرنا فأكفاناها عليه ، وسار الناس حتى إذا مضى قليلا ، قال عليه السلام : أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتتم منه ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فانطلقوا إليه فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي يرى ( 2 ) أنه فيه ، فطلبناه فلم نقدر على شئ ، حتى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم ؟ قالوا : ليس قربنا ماء ، فقلنا : بلى إنا شربنا منه ، قالوا : أنتم شربتم منه ؟ قلنا : نعم ، فقال صاحب *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) شرح النهج 1 : 254 - 257 .
( 2 ) في المصدر : نرى .
( * )

[348]

الدير : والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء ، ما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي ( 1 ) .
60 - نهج : وقال عليه السلام لما عزم على حرب الخوراج - وقيل له : إن القوم قد عبروا جسر النهروان - : مصارعهم دون النطفة ، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة .
قال السيد الرضي رضي الله عنه : يعني بالنطفة ماء النهر ، وهي أفصح كناية عن الماء ( 2 ) .
وقال ابن أبي الحديد : هذا الخبر من الاخبار التي تكاد تكون متواترة لاشتهاره ونقل الناس كافة له ، وهو من معجزاته وأخباره المفصلة عن الغيوب التي لا يحتمل التلبيس ، لتقييده بالعدد المعين في أصحابه وفي الخوارج ، ووقع الامر بعد الحرب من غير زيادة ولا نقصان ، ولقد كان له من هذا الباب مالم يكن لغيره ولمشاهدة الناس من معجزاته وأحواله المنافية لقوى البشر غلافيه من غلا ، حتى نسب إلى أن الجوهر الالهي حل في بدنه ، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام انتهى ( 3 ) .
61 - نهج : من خطبة له عليه السلام : أما بعد أيها الناس فأنا فقأت عين الفتنة ، و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها ، فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولاعن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها ومن يقتل من أهلها قتلا ويموت منهم موتا ، ولو قد فقد تموني و نزلت ( 4 ) كرائه الامور وحوازب الخطوب لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين ، وذلك إذا قلصت حربكم وشمرت عن ساق ، وضاقت الدنيا عليكم ضيقا *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) شرح النهج 1 : 366 .
( 2 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) : 116 .
( 3 ) شرح النهج 1 : 560 وقد لخصه المصنف .
( 4 ) في المصدر : ونزلت بكم .
( * )

[349]

تستطيلون ( 1 ) أيام البلاء عليكم ، ثم يفتح الله لبقية الابرار منكم إن الفتن إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت نبهت ، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا ، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني امية فإنها فتنة عميا .
مظلمة ، عمت خطتها وخصت بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها ، وايم الله لتجدن بني امية لكم أرباب سوء بعدي ، كالناب الضروس تعذم بفيها وتخبط بيدها وتزبن برجلها وتمنع درها ، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضائر ( 2 ) ، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل ( 3 ) انتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه ، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية وقطعا جاهلية ، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى ، نحن أهل البيت منها بمنجاة ولسنا فيها بدعاة ، ثم يفرجها الله عنهم كتفريج الاديم بمن يسومهم خسفا ويسوقهم عنفا ويسقيهم بكأس مصبرة ، لا يعطيهم إلا السيف ولا يحلسهم إلا الخوف ، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لويرونني مقاما واحدا ولو قدر جزر جزور لاقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني ( 4 ) .
تبيين : فقأ العين : شقها وعدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم .
والغيهب : الظلمة وتموجه كناية عن عمومه وشموله للاماكن .
و اشتد كلبها أي شرها وأذاها ، يقال للقحط الشديد : الكلب ، وكذلك للقر الشديد .
قوله : "بناعقها "أي الداعي إليها ، يقال : نعق ينعق - بالكسر - أي صاح وزجر .
والمناخ بضم الميم مصدر أو اسم مكان من أناخ البعير .
الركاب : الابل التي تسار عليها ، الواحدة راحلة ولاواحدلها من لفظها .
والكرائه جمع الكريهة وهي الشدة .
وقال الجزري : الحوازب جمع حازب وهو الامر الشديد ( 5 ) .
وقوله عليه السلام : "لاطرق *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر : تستطيلون معه .
( 2 ) : أو غير ضائر بهم .
( 3 ) : الا كانتصار .
( 4 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 1 : 199 - 201 .
( 5 ) النهاية 1 : 222 .
( * )

[350]

كثير من السائلين "أي لشدة الامر وصعوبته ، حتى أن السائل ليبهت ويدهش فيطرق ولا يستطيع السؤال .
الفشل : الجبن .
وقال ابن أبي الحديد : قلصت يروى بالتشديد أي انضمت واجتمعت فيكون أشد وأصعب من أن ينفرق في مواطن متعددة ، وبالتخفيف أي كثرت وتزايدت من قلصت البئر أي ارتفع ماؤها وروي "إذا قلصت عن حربكم "أي إذا قلصت كرائه الامور وحوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها ( 1 ) .
قوله عليه السلام : وشمرت عن ساق "أي كشفت عن شدة ومشقة ، كقوله تعالى : "يوم يكشف عن ساق ( 2 ) "أو كناية عن قيام الحرب وتمام أسبابها ، فإنه كناية عن الاهتمام في الامر .
قوله عليه السلام : "إذا أقبلت شبهت "إي في ابتدائها تلتبس الامور ولا يعلم الحق من الباطل إلى أن تنقضي فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها .
وحام الطائر حول الماء يحوم حوما وحومانا أي دار ، شبه عليه السلام الفتن في دورانها ووقوعها من دعاة الضلال في بلد دون بلد بالرياح .
الخطة : الحال والامر وعمومها لانها كانت ولاية عامة وخصت بليتها بالصالحين والائمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، فالمبصر العارف للحق يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه وفي غيره ، وأما الجاهل المنقاد لهم فهو في راحة .
والناب : الناقة المسنة .
والضروس : السيئة الخلق .
والعذم : العض والاكل بجفاء .
والزبن : الدفع .
والدر في الاصل : اللبن ثم اطلق على كل خير ، وهو كناية عن منع حقوق المسلمين و الاستبداد بأموالهم .
قوله : "أو غير ضائر "يعني من لا ينكر أفعالهم .
والانتصار : الانتقام ، وقد جاء في كلامه عليه السلام تفسير انتصار العبد من ربه في غيره هذا الموضع حيث عقبه بقوله : "إذا شهد أطاعه وإذا غاب اغتابه ( 3 ) "والمرد بالصاحب هنا التابع .
والشوهاء : *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) شرح النهج 2 : 279 و 280 .
ونقله ملخصا .
( 2 ) سورة القلم : 42 .
( 3 ) راجع النهج ( عبده ط مصر ) 1 : 207 .
( * )