[ 31 ]

وضعت ليأكلوا أقبل ظبي من الصحراء يبغم ( 1 ) فدنا من أبي فقالوا : يا ابن رسول الله ما يقول هذا الظبي ؟ قال : يشكو أنه لم يأكل منذ ثلاث شيئا فلا تمسوه حتى أدعوه ليأكل معنا ، قالوا : نعم فدعاه فجاء فأكل معهم فوضع رجل منهم يده على ظهره فنفر ، فقال أبي : ألم تضمنوا لي أنكم لا تمسوه ؟ فحلف الرجل أنه لم يرد به سوءا فكلمه أبي وقال للظبي : ارجع فلا بأس عليك فرجع يأكل حتى شبع ثم بغم وانطلق ، فقالوا : يا ابن رسول الله ما قال ؟ قال : دعا لكم وانصرف .
24 قب ( 2 ) يج : روي عن أبي الصباح الكناني قال : سمعت الباقر عليه السلام يقول : خدم أبوخالد الكابلي علي بن الحسين برهة من الزمان ، ثم شكا شدة شوقه إلى والدته وسأله الاذن في الخروج إليها ، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : يا كنكر إنه يقدم علينا غدا رجل من أهل الشام له قدر وجاه ومال وابنة له قد أصابها عارض من الجن وهو يطلب معالجا يعالجها ويبذل في ذلك ماله ، فاذا قدم فصر إليه أول الناس وقل له : أنا اعالج ابنتك بعشرة آلاف درهم ، فانه يطمئن إلى قولك ويبذل في ذلك ، فلما كان من الغد قدم الشامي ومعه ابنته وطلب معالجا فقال أبوخالد : أنا اعالجها على أن تعطيني عشرة آلاف درهم فإن أنتم وفيتم وفيت على أن لا يعود اليها أبدا ، فضمن أبوهاله ذلك ، فقال علي بن الحسين : إنه سيغدر بك قال : قد ألزمته ، قال : فانطلق فخذ باذن الجارية اليسرى وقل : يا خبيث يقول لك علي بن الحسين اخرج من هذه الجارية ولا تعد إليها ، ففعل كما أمره فخرج عنها وأفاقت الجارية من جنونها ، فطالبه بالمال فدافعه ، فرجع إلى علي بن الحسين عليها السلام فقال له : يا باخالد ألم أقل لك إنه يغدر ، ولكن سيعود إليها فاذا أتاك فقل : إنما عاد إليها لانك لم تف بما ضمنت ، فان وضعت عشرة آلاف على يد علي ابن الحسين عليهما السلام فاني اعالجها على أن لايعود أبدا ، فوضع المال على

___________________________________________________________________
( 1 ) بغالم الظبية صوتها ، وهى بغوم اذا صاحت إلى ولدها بأرخم ما يكون من صوتها ( مجمع البحرين ، القاموس ) .
( 2 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 286 بتفاوت كثير .

[ 32 ]

يد علي بن الحسين عليهما السلام ، وذهب أبوخالد إلى الجارية فأخذ باذنها اليسرى ثم قال : يا خبيث يقول لك علي بن الحسين : اخرج من هذه الجارية ولا تتعرض لها إلا بسبيل خير ، فانك إن عدت أحرقتك بنار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة ، فخرج وأفاقت الجارية ولم يعد إليها ، فأخذ أبوخالد المال ، وأذن له في الخروج إلى والدته ، فخرج بالمال حتى قدم على والدته ( 1 ) .
25 يج : روي أن الحجاج بن يوسف لما خرب الكعبة بسبب مقاتلة عبدالله بن الزبير ، ثم عمروها فلما اعيد البيت وأرادوا أن ينصبوا الحجر الاسود فكلما نصبه عالم من علمائهم ، أو قاض من قضاتهم ، أو زاهد من زهادهم يتزلزل ويضطرب ولا يستقر الحجر في مكانه ، فجاءه علي بن الحسين عليهما السلام وأخذه من أيديهم وسمى الله ثم نصبه ، فاستقر في مكانه ، وكبر الناس ( 2 ) .
ولقد الهم الفرزدق في قوله ( 3 ) : يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم 26 يج : روي أن فاطمة بنت علي بن أبي طالب لما رأت ما يفعله ابن أخيها قالت لجابر : هذا علي بن الحسين عليهما السلام بقية أبيه انخرم أنفه ، وثفنت جبهتاه وركبتاه ، فعليك أن تأتيه وتدعوه إلى البقيا على نفسه ، فجآء جابر بابه وإذا ابنه محمد أقبل ، قال له : أنت والله الباقر وأنا أقرئك سلام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له : إنك تبقى حتى تعمى ثم يكشف عن بصرك ، الخبر بتمامه ( 4 ) .

___________________________________________________________________
( 1 ) الخرايج والجرايح 195 بتفاوت ، وأخرجه الكشى أيضا في رجاله كما في اختيار الرجال ص 80 بتفاوت في ترجمة أبى خالد الكابلى .
( 2 ) الخرائج والجرايح ص 195 .
( 3 ) هذا البيت من قصيدة تزيد أبياتها على أربعين بيتا قالها الفرزدق الشاعر في مدح الامام السجاد عليه السلام وقد ذكرها ما يقرب من عشرين عالما من حفاظ السنة ومؤرخيهم وسيأتى تفصيل الكلام عن ذلك في محله ان شاء الله .
( 4 ) لم نعثر عليه في الخرايج ولعله من السقط في المطبوعة .

[ 33 ]

27 يج : روي ، عن ظريف بن ناصح قال : لما كانت الليلة التي خرج فيها محمد بن عبدالله بن الحسن ، دعا أبوعبدالله بسفط وأخذ منه صرة قال : هذه مائتا دينار عزلها علي بن الحسين من ثمن شئ باعه لهذا الحدث الذي يحدث الليلة في المدينة ، فأخذها ومضى من وقته إلى طيبة ، وقال : هذه حادثة ينجو منها من كان عنها مسيرة ثلاث ليال ، وكانت تلك الدنانيرنفقته بطيبة إلى قتل محمد بن عبدالله ( 1 ) .
28 قب : أبوالمفضل الشيباني في أماليه ، وأبوإسحاق العدل الطبري في مناقبه ، عن حبابة الوالبية قالت : دخلت على علي بن الحسين عليه السلام وكان بوجهي وضح ( 2 ) فوضع يده عليه فذهب ، قالت : ثم قال : يا حبابة ما على ملة إبراهيم غيرنا وغير شيعتنا وسائر الناس منها براء ( 3 ) .
جابر ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى ( هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) فقال : يا جابرهم بنو امية ويوشك أن لايحس منهم من أحد يرجى ولا يخشى ، فقلت : رحمك الله وإن ذلك لكائن ؟ فقال : ما أسرعه سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول : إنه قد رأى أسبابه ( 4 ) .
كافي الكليني : أبوحمزة الثمالي قال : دخلت : على علي بن الحسين عليه السلام فاحتبست في الدار ساعة ، ثم دخلت البيت وهو يلتقط شيئا وادخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت ، فقلت : جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقط أي شئ هو ؟ فقال : فضلة من زغب الملائكة ، فقلت : جعلت فداك وإنهم

___________________________________________________________________
( 1 ) كسابقه ، وقد اخرجه الصفار في بصائر الدرجات : الباب الثالث من الجزء الرابع بتفاوت ، وطيبة : اسم ضيعة كانت للامام الصادق عليه السلام ذكرها معتب مولاه في حديث له مذكور في بصائر الدرجات : الحديث الثالث من الباب الثامن من الجزء الخامس .
( 2 ) تعنى البرص .
( 3 و 4 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 276 .

[ 34 ]

ليأتونكم ؟ فقال : يا أبا حمرة إنهم ليزاحمونا على متكائنا ( 1 ) .
أبوعبدالله بن عياش في المقتضب ، عن سعيد بن المسيب في خبر طويل ، عن ام سليم صاحبة الحصى قال لي : يا ام سليم أئتيني بحصاة ، فدفعت إليه الحصاة من الارض فأخذها فجعلها كهيئة الدقيق السحيق ، ثم عجنها فجعلها ياقوتة حمراء ثم قالت بعد كلام : ثم ناداني يا ام سليم ، قلت : لبيك قال : ارجعي فرجعت فاذا هو واقف في صرحة داره وسطا فمد يده اليمنى فانخرقت الدور والحيطان وسكك المدينة وغابت يده عني ، ثم قال : خذي يا ام سليم فناولني والله كيسا فيه دنانير وقرط من ذهب وفصوص كانت لي مو جزع في حق لي ( 2 ) في منزلي فإذا الحق حقي ( 3 ) .
بيان : الصرح : القصر وكل بناء عال .
29 قب : كتاب الانوار : إنه عليه السلام كان قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد عليهما السلام وهو طفل إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر فسقط فيها فنظرت إليه امه فصرخت وأقبلت نحو البئر تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول : يا ابن رسول الله غرق ولدك محمد ، وهو لا ينثني عن صلا ته ، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر فلما طال عليها ذلك ، قالت : حزنا على ولدها ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله ؟ فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها ، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها ، وكانت لاتنال إلا برشاء ( 4 ) طويل فأخرج ابنه محمدا عليه السلام على يديه يناغي ويضحك ، لم يبتل له ثوب ولاجسد بالماء ، فقال : هاك يا ضعيفة اليقين بالله ، فضحكت لسلامة ولدها وبكت لقوله عليه السلام

___________________________________________________________________
( 1 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 277 ، والحديث في الكافى ج 1 ص 393 بتفاوت .
( 2 ) الحق : من الحقة بالضم ، وهى وعاء من خشب ، الجمع حق وحقوق واحقاق وحقاق ( القاموس ) .
( 3 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 277 .
( 4 ) الرشاء : ككساء الحبل ( القاموس ) .

[ 35 ]

يا ضعيفة اليقين بالله فقال : لا تثريب عليك اليوم لو علمت أني كنت بين يدي جبار لوملت بوجهي عنه لمال بوجهه عني أفمن يرى راحما بعده ( 1 ) .
30 د : مثله ، وفي آخره : أفمن ترى أرحم لعبده منه .
توضيح : الارجاء جمع الرجا وهو ناحية البئر ، ويقال : ناغت الام صبيها أي لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة .
31 ضه : في خبر طويل عن سعيد بن جبير قال أبوخالد الكابلي : أتيت علي بن الحسين عليهما السلام على أن أسأله هل عندك سلاح رسول الله ؟ فلما بصربي قال : يا أبا خالد أتريد أن اريك سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قلت : والله يا ابن رسول الله ما أتيت إلا لاسألك عن ذلك ، ولقد أخرتني بما في نفسي قال : نعم ، فدعا بحق كبير وسفط ، فأخرج لي خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أخرج لي درعه ، وقال : هذا درع رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرج إلي سيفه ، وقال : هذا والله ذوالفقار ، وأخرج عمامته وقال : هذه السحاب ، وأخرج رايته ، وقال : هذه العقاب ، وأخرج قضيبه ، وقال : هذا السكب ، وأخرج نعليه ، وقال : هذان نعلا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأخرج رداءه وقال : هذا كان يرتدي به رسول الله صلى الله عليه وآله ويخطب أصحابه فيه يوم الجمعة ، وأخرج لي شيئا كثيرا ، قلت : حسبي جعلني الله فداك ( 2 ) .
32 قب : العامري في الشيصبان ، وأبوعلي الطبرسى في إعلام الورى ( 3 ) عبدالله بن سليمان الحضرمي في خبر طويل إن غانم بن ام غانم دخل المدينة ومعه أمه ، وسأل هل تحسنون رجلا من بني هاشم اسمه علي ؟ قالوا : نعم هو ذاك

___________________________________________________________________
( 1 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 278 .
( 2 ) لم نجد هذا الحديث في مظانه من المصدر ، نعم ورد فيه قول الصادق عليه السلام ان عندى سيف رسول الله وان عندى لراية رسول الله صلى الله عليه وآله الخ .
( 3 ) لم نعثر عليه في النسختين المطبوعتين بايران قديما سنة 1312 وحديثا سنة 1379 ، ولعل في المطبوعتين نقص .
والافان نسخة الام من هذا الكتاب ( اعلام الورى ) وهى بخط مؤلفها كانت عند المجلسي ، رحمهما الله تعالى .

[ 36 ]

فدلوني على علي بن عبدالله بن فقلت له : معي حصاة ختم عليها علي والحسن والحسين عليهم السلام وسمعت إنه يختم عليه رجل اسمه علي فقال علي بن عبدالله بن العباس : يا عدو الله كذبت على علي بن أبي طالب وعلى الحسن والحسين ، وصار بنو هاشم يضربونني حتى أرجع عن مقالتي ، ثم سلبوا مني الحصاة فرأيت في ليلتي في منامي الحسين عليه السلام وهو يقول لي : هاك الحصاة يا غانم وامض إلى علي ابني فهو صاحبك ، فانتبهت والحصاة في يدي ، فأتيت إلى علي بن الحسين عليهما السلام فختمها وقال لي : إن في أمرك لعبرة فلا تخبر به أحدا ، فقال في ذلك غانم بن ام غانم : أتيت عليا أبتغي الحق عنده * وعند علي عبرة لا احاول فشد وثاقي ثم قال لي اصطبر * كأني مخبول عراني خابل فقلت لحاك الله والله لم أكن * لاكذب في قولي الذي أنا قائل وخلى سبيلي بعد ضنك فأصبحت * مخلاة نفسي وسربي سابل فأقبلت يا خير الانام مؤمما * لك اليوم عند العالمين اسائل وقلت وخير القول من كان صادقا * ولا يستوي في الدين حق وباطل ولا يستوي من كان بالحق عالما * كآخر يمسي وهو للحق جاهل فأنت الامام الحق يعرف فضله * وإن قصرت عنه النهى والفضائل وأنت وصي الاوصيا محمد * أبوك ومن نيطت إليه الوسائل ( 1 ) بيان : ثم قال لي : أي قائل أو علي بن عبدالله ، والخبل فساد العقل والجن وقال الجوهري : لحاه الله أي قبحه ولعنه انتهى ، والضنك : الضيق ، والسرب بالفتح والكسر الطريق وبالكسر البال والقلب والنفس ، وفي البيت يحتمل الطريق والنفس ، وقوله : سابل إما بالباء الموحدة ، قال الفيروزآبادي : ( 2 ) السابلة من الطرق : المسلوكة والقوم المختلفة عليها ، أو بالياء المثناة من تحت .

___________________________________________________________________
( 1 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 278 .
( 2 ) القاموس المحيط ج 3 ص 392 .

[ 37 ]

33 قب كتاب الارشاد ( 1 ) الزهري قال سعيد بن المسيب : كان الناس لا يخرجون من مكة حتى يخرج علي بن الحسين ، فخرج وخرجت معه فنزل في بعض المنازل فصلى ركعتين سبح في سجوده فلم يبق شجر ولا مدر إلا سبحوا معه ففزعت منه فرفع رأسه ، فقال : يا سعيد أفزعت ؟ قلت : نعم يا ابن رسول الله ، قال : هذا التسبيح الاعظم ، وفي رواية سعيد بن المسيب : كان القراء لايحجون حتى
-بحار الانوار جلد: 42 من صفحه 37 سطر 6 إلى صفحه 45 سطر 6 يحج زين العابدين عليه السلام وكان يتخذ لهم السويق الحلو والحامض ، ويمنع نفسه فسبق يوما إلى الرحل فألفيته وهو ساجد ، فوالذي نفس سعيد بيده لقد رأيت الشجر والمدر والرحل والراحلة يردون عليه مثل كلامه ( 2 ) .
وذكر [ فصاحة ] الصحيفة الكاملة عند بليغ في البصرة فقال : خذوا عني حتى املي عليكم وأخذ القلم وأطرق رأسه فما رفعه حتى مات .
حلية أبي نعيم ، وفضائل أبي السعادات : روى أبوحمزة الثمالي ، ومنذر الثوري ، عن علي بن الحسين عليه السلام قال : خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكيت عليه ، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ، ثم قال : يا علي بن الحسين ! ما لي أراك كئيبا حزينا ؟ أعلى الدنيا حزنك ؟ فرزق الله حاضر للبر والفاجر ، قلت : ما على هذا حزني وإنه لكما تقول ، قال : فعلى الآخرة ؟ فهو ودع صادق يحكم فيه ملك قاهر فعلام حزنك ؟ قال : قلت : أتخوف من فتنة ابن الزبير ، قال : فضحك ثم قال : يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه ؟ قلت : لا ، قال .
يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا خاف الله فلم ينجه ؟ قلت : لا ، فقال : يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟ قلت : لا ، ثم نظرت فإذا ليس قد امي أحد ، وكان الخضر عليه السلام ( 3 ) .

___________________________________________________________________
( 1 ) لم نعثر عليه في نسخة الارشاد المطبوعة بايران سنة 1308 وهى التى راجعناها في التعليق في المقام .
( 2 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 279 .
( 3 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 279 ، واخرجه الراوندى في الخرايج والجرايح ص 196 .

[ 38 ]

إبراهيم بن أدهم وفتح الموصلي قال كل واحد منهما : كنت أسيح في البادية مع القافلة ، فعرضت لي حاجة فتنحيت عن القافلة ، فإذا أنا بصبي يمشي فقلت : سبحان الله بادية بيداء وصبي يمشي ، فدنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت له : إلى أين ؟ قال : اريد بيت ربي ، فقلت : حبيبي إنك صغير ليس عليك فرض ولا سنة ، فقال : يا شيخ ما رأيت من هو أصغر سنا مني مات ؟ ! فقلت : أين الزاد والراحلة ، فقال : زادي تقواي ، وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي ، فقلت : ما أرى شيئا من الطعام معك ؟ فقال : يا شيخ هل يستحسن أن يدعوك إنسان إلى دعوة فتحمل من بيتك الطعام ؟ قلت : لا ، قال : الذي دعاني إلى بيته هو يطعمني ويسقيني ، فقلت : ارفع رجلك حتى تدرك ( * ) فقال : علي الجهاد وعليه الابلاغ أما سمعت قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ( 1 ) .
قال : فبينا نحن كذلك إذ أقبل شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض حسنة فعانق الصبي وسلم عليه ، فأقبلت على الشاب وقلت له : أسألك بالذي حسن خلقك من هذا الصبي ؟ فقال : أما تعرفه ؟ هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فتركت الشاب وأقبلت على الصبي ، وقلت : أسألك بآبائك من هذا الشاب ؟ فقال : أما تعرفه ؟ هذا أخي الخضر يأتينا كل يوم فيسلم علينا ، فقلت : أسألك بحق آبائك لما أخبرتني بما تجوز المفاوز بلا زاد ؟ قال : بل أجوز بزاد ، وزادي فيها أربعة أشياء قلت : وما هي ؟ قال : أرى الدنيا كلها بحذافيرها مملكة الله ، وأرى الخلق كلهم عبيدالله وإماءه وعياله ، وأرى الاسباب والارزاق بيدالله ، وأرى قضاء الله نافذا في كل أرض الله ، فقلت : نعم الزاد زادك يا زين العابدين ، وأنت تجوز بها مفاوز الآخرة فكيف مفاوز الدنيا ( 2 ) .

___________________________________________________________________
( * ) يعنى ارفع رجلك أورحلك على المركوب ، واركب مطيتى حتى تدرك الحج .
( ب ) .
( 1 ) سورة العنكبوت الاية : 69 .
( 3 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 280 .

[ 39 ]

في كتاب الكشي قال القاسم بن عوف في حديثه : قال زين العابدين عليه السلام : وإياك أن تشد راحلة برحلها فان ماهنا مطلب العلم حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج ، ثم يبعث لكم غلاما من ولد فاطمة [ صلوات الله عليها ] تنبت الحكمة في صدره ، كما ينبت الطل ( * ) الزرع ، قال : فلما مضى علي بن الحسين عليه السلام حسبنا الايام والجمع والشهور والسنين ، فما زادت يوما ولا نقصت حتى تكلم محمد الباقرعليه السلام ( 1 ) .
وفي حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبدالله بن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال : يا ابن الحسين أنت الذي تقول إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لانه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ قال : بلى ثكلتك امك ، قال : فأرني أنت ذلك إن كنت من الصادقين ، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه ، فقال ابن عمر : يا سيدي دمي في رقبتك الله الله في نفسي فقال : هيه واريه إن كنت من الصادقين .
ثم قال : يا أيتها الحوت قال : فأطلع الحوت رأسه من الحجر مثل الجبل العظيم ، وهو يقول : لبيك لبيك يا ولي الله ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا حوت يونس يا سيدي قال : أنبئنا بالخبر قال : يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد إلا وقد عرض عليه ولا يتكلم أهل البيت ، فمن قبلها من الانبياء سلم وتخلص ، ومن توقف عنها وتمنع في حملها ، لقي ما لقي آدم من المعصية وما لقي نوح من الغرق ، وما لقي إبراهيم من النار ، وما لقي يوسف من الجب ، وما لقي أيوب من البلاء وما لقي داود من الخطيئة ، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه أن : يا يونس ، تول أميرالمؤمنين عليا والائمة الراشدين من صلبه في كلام

___________________________________________________________________
( * ) الطل : أخف المطر وأضعفه وهو انفع للزرع من الوابل ( ب ) .
( 1 ) معرفة اخبار الرجال ص 83 في ترجمة القاسم بن عوف وفيه : ( فان قل ماههنا يطلب العلم ) .

[ 40 ]

له قال : فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه وذهب مغتاظا ، فأوحى الله تعالى إلي أن التقمي يونس ولاتوهني له عظما ، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي أنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قد قبلت ولاية علي بن أبي طالب ، والائمة الراشدين من ولده ، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر ، فقال زين العابدين عليه السلام : ارجع أيها الحوت إلى وكرك ! واستوى الماء ( 1 ) .
حماد بن حبيب الكوفي القطان قال : انقطعت عن القافلة عند زبالة ( 2 ) فلما أن أجنني الليل أويت إلى شجرة عالية ، فلما اختلط الظلام إذا أنا بشاب قد أقبل عليه أطمار بيض يفوح منه رائحة المسك ، فأخفيت نفسي ما استطعت ، فتهيأ للصلاة ، ثم وثب قائما وهو يقول : يا من حاز كل شئ ملكوتا ، وقهر كل شئ جبروتا ، أولج قلبي فرح الاقبال عليك ، وألحقني بميدان المطيعين لك ، ثم دخل في الصلاة فلما رأيته وقد هدأت أعضاؤه ، وسكنت حركاته ، قمت إلى الموضع الذي تهيأ فيه إلى الصلاة ، فاذا أنا بعين تنبع فتهيأت للصلاة ثم قمت خلفه فاذا بمحراب كأنه مثل في ذلك الوقت ، فرأيته : كلما مر بالآية التي فيها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين ، فلما أن تقشع الظلام ، وثب قائما وهو يقول : يا من قصده الضالون فأصابوه مرشدا ، وأمه الخائفون فوجدوه معقلا ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلا ، متى راحة من نصب لغيرك بدنه ، ومتى فرح من قصد سواك بنيته ، إلهي قد تقشع الظلام ولم أقض من خدمتك وطرا ، ولامن حياض مناجاتك صدرا ، صل على محمد وآله وافعل بي أولى الامرين بك يا أرحم الراحمين ، فخفت أن يفوتني شخصه وأن يخفى علي أمره ، فتعلقت به ، فقلت : بالذي أسقط عنك هلاك التعب ، ومنحك شدة لذيذ الرهب ، إلا ما لحقتني منك جناح رحمة وكنف رقة فاني ضال ، فقال : لو صدق توكلك ما كنت ضالا ، ولكن

___________________________________________________________________
( 1 ) مناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 281 .
( 2 ) زبالة : اسم موضع بطريق مكة .