[171]
فلما كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر ، وفرغنا من الصلاة
وجلس السيد سلمه الله في مجلس الافادة للمؤمنين وإذا أنا أسمع هرجا ومرجا
وجزلة ( 1 ) عظيمة خارج المسجد ، فسألت من السيد عما سمعته ، فقال لي : إن
امراء عسكرنا يركبون في كل جمعة من وسط كل شهر ، وينتظرون الفرج
فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي ، فخرجت لرؤيتهم ، وإذاهم جمع كثير يسبحون
الله ويحمدونه ، ويهللونه عزوجل ، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمرالله
والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهدي الخلف الصالح ، صاحب الزمان عليه السلام .
ثم عدت إلى مسجد السيد سلمه الله فقال لي : رأيت العسكر ؟ فقلت : نعم
قال : فهل عددت امراءهم ؟ قلت : لا قال : عدتهم ثلاث مائة ناصروبقي ثلاثة عشر
ناصرا ، ويعجل الله لوليه الفرج بمشيته إنه جواد كريم .
قلت : يا سيدي ومتى يكون الفرج ؟ قال : يا أخي إنما العلم عندالله
والامر متعلق بمشيته سبحانه وتعالى حتى أنه ربما كان الامام عليه السلام لا يعرف ذلك
بل له علامات وأمارات تدل على خروجه .
من جملتها أن ينطق ذوالفقار بأن يخرج من غلافه ، ويتكلم بلسان عربي
مبين : قم ياولي الله على اسم الله ، فاقتل بي أعداءالله .
ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلهم الصوت الاول : أزفت الازفة يا معشر
المؤمنين ، والصوت الثاني : ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد عليهم السلام والثالث بدن
يظهر فيرى في قرن الشمس يقول : إن الله بعث صاحب الامر م ح م د بن الحسن
المهدي عليه السلام فاسمعوا له وأطيعوا .
فقلت : يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الامر
عليه السلام أنه قال لما امر بالغيبة الكبرى : من رآني بعد غيبتي فقد كذب
فكيف فيكم من يراه ؟ فقال : صدقت إنه عليه السلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة
أعدائه من أهل بيته وغير هم من فراعنة بني العباس ، حتى أن الشيعة يمنع بعضها
___________________________________________________________
ص 171 ) ( 1 ) من قولهم : "جزل الحمام : صاح "فالمراد بالجزلة صياح الناس ولغتهم .
*
[172]
بعضا عن التحدث بذكره ، وفي هذالزمان تطاولت المدة وأيس منه الاعداء
وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم ، وببركته عليه السلام لا يقدر أحد من الاعداء على
الوصول إلينا .
قلت : يا سيدي ! قد روت علماء الشيعة حديثا عن الامام عليه السلام أنه أباح
الخمس لشيعته ، فهل رويتم عنه ذلك ؟ قال : نعم إنه عليه السلام رخص وأباح الخمس
لشيعته من ولد علي عليه السلام وقال : هم في حل من ذلك ، قلت : وهل رخص للشيعة
أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العامة ؟ قال : نعم ، ومن سبي غير هم لانه عليه السلام
قال : عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم ، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التي
سميتها لك .
وقال السيد سلمه الله : إنه يخرج من مكة بين الركن والمقام في سنة وتر
فلير تقبها المؤمنون .
فقلت : يا سيدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج
فقال لي : اعلم يا أخي أنه تقدم إلي كلام بعودك إلى وطنك ، ولا يمكنني وإياك
المخالفة ، لانك ذوعيال وغبت عنهم مدة مديدة ، ولا يجوز لك التخلف عنهم أكثر
من هذا ، فتأثرت من ذلك وبكيت .
وقلت : يا مولاي وهل تجوز المراجعة في أمري ؟ قال : لا ، قلت : يا مولاي
وهل تأذن لي في أن أحكي كلما قد رأيته وسمعته ؟ قال : لا بأس أن تحكي للمؤمنين
لتطمئن قلوبهم ، إلا كيت وكيت وعين مالا أقوله .
فقلت : يا سيدي أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه عليه السلام ، قال : لا ، ولكن
اعلم يا أخي أن كل مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه ، فقلت : يا
سيدي أنا من جملة عبيده المخلصين ، ولا رأيته .
فقال لي : بل رأيته مرتين مرة منها لما أتيت إلى سر من رأى وهي أول مرة
جئتها ، وسبقك أصحابك وتخلفت عنهم ، حتى وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك
فارس على فرس شهباء ، وبيده رمح طويل ، وله سنان دمشقي ، فلما رأيته حفت
[173]
على ثيابك فلما وصل إليك قال لك : لا تخف اذهب إلى أصحابك ، فانهم ينتظرونك
تحت تلك الشجرة فأذكرني والله ما كان فقلت : قد كان ذلك يا سيدي .
قال : والمرة الاخرى حين خرجت من دمشق تريد مصرا مع شيخك
الاندلسي ، وانقطعت عن القافلة ، وخفت خوفا شديدا ، فعارضك فارس على فرس
غراء محجلة ، وبيده رمح أيضا ، وقال لك : سرو لا تخف إلى قرية على يمينك
ونم عند أهلها الليلة ، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه ، ولا تتق منهم فانهم
مع قرى عديدة جنوبي دمشق ، مؤمنون مخلصون ، يدينون بدين علي بن أبيطالب
والائمة المعصومين من ذريته عليهم السلام .
أكان ذلك يا ابن فاضل ؟ قلت : نعم - و ذهبت إلى عند أهل القرية ونمت
عندهم فأعزوني وسألتهم عن مذهبم ، فقالوا لي - من غير تقية مني - : نحن على
مذهب أميرالمؤمنين ، ووصي رسول رب العالمين علي بن أبي طالب والائمة
المعصومين من ذريته عليهم السلام فقلت لهم : من أين لكم هذاالمذهب ؟ ومن أوصله
إليكم ؟ قالوا : أبوذرالغفاري رضي الله عنه حين نفاه عثمان إلى الشام ، ونفاه
معاوية إلى أرضنا هذه ، فعمتنا بركته ، فلما أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة
فجهزوا معي رجلين ألحقاني بها ، بعد أن صرحت لهم بمذهبي .
فقلت له : يا سيدي هل يحج الامام عليه السلام في كل مدة بعد مدة ؟ قال لي :
يا ابن فاضل ! الدنيا خطوة مؤمن ، فكيف بمن لم تقم الدنيا إلا بوجوده ووجود
آبائه عليهم السلام ، نعم يحج في كل عام ويزور آباءه في المدينة والعراق ، وطوس ، على
مشرفيها السلام ، ويرجع إلى أرضنا هذه .
ثم إن السيد شمس الدين حث علي بعدم التأخير بالرجوع إلى العراق
وعدم الاقامة في بلاد المغرب ، وذكر لي أن ذراهمهم مكتوب عليها لا إله إلا الله
محمد رسول الله علي ولي الله محمد بن الحسن القائم بأمر الله .
وأعطاني السيد منها
خمسة دراهم وهي محفوظة عندي للبركة .
ثم إنه سلمه الله وجهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى
[174]
تلك البلدة التي أول ما دخلتها من أرض البربر ، وكان قد أعطاني حنطة وشعيرا
فبعتها في تلك البلدة بمائة وأربعين دينارا ذهبا ، من معاملة ( 1 ) بلاد المغرب ولم
أجعل طريقي على الاندلس امتثالا لامر السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه
وسافرت منها مع الحجج المغربي ( 2 ) إلى مكة شرفها الله تعالى وحججت ، وجئت
إلى العراق واريد المجاورة في الغري على مشرفيها السلام حتى الممات .
قال الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني : لم أرلعلماء الامامية
عندهم ذكرا سوى خمسة : السيد المرتضى الموسوي ، والشيخ أبوجعفر الطوسي
ومحمد بن يعقوب الكليني ، وابن بابويه ، والشيخ أبوالقاسم جعفربن سعيد الحلي .
هذا آخر ما سمعته من الشيخ الصالح التقي والفاضل الزكي علي بن فاضل
المذكور أدام الله إفضاله وأكثر من علماء الدهر وأتقيائه أمثاله ، والحمدلله أولا
وآخرا ، ظاهرا وباطنا ، وصلى الله على خير خلقه سيدالبرية ، محمد وعلى آله الطاهرين
المعصومين وسلم تسليما كثيرا .
بيان : "اللقلقة "بفتح اللامين : الصوت ، والقفل بالتحريك اسم جمع
للقافل ، وهو الراجع من السفر ، وبه سمي القافلة قوله : "تنوف "أي تشرف
وترتفع وتزيد .
أقول : و لنلحق بتلك الحكاية ، بعض الحكايات التي سمعتها عمن قرب
من زماننا .
فمنها ما أخبرني جماعة عن السيد الفاضل أمير علام قال : كنت في بعض
الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغري على مشرفها السلام وقد ذهب كثير
من الليل ، فبينا أنا أجول فيها ، إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدسة
فأقبلت إليه فلما قربت منه عرفت أنه استاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا
أحمد الاردبيلي قدس الله روحه .
___________________________________________________________
ص 174 ) ( 1 ) المعاملة : قد يطلق ويراد به ما يتعامل به من الدينار والدرهم
( 2 ) الحجج بضمتين : جمع للحجاج شاذ - اللسان - .
*
[175]
فأخفيت نفسي عنه ، حتى أتى الباب ، وكان مغلقا ، فانفتح له عند وصوله
إليه ، ودخل الروضة ، فسمعته يكلم كأنه يناجي أحدا ثم خرج ، واغلق الباب
فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجه نحو مسجد الكوفة .
فكنت خلفه بحيث لا يراني حتى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي
استشهد أميرالمؤمنين صلوات الله عليه عنده ، ومكث طويلا ثم رجع وخرج من
المسجد وأقبل نحو الغري .
فكنت خلفه حتى قرب من الحنانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه ، فالتفت
إلي فعرفني ، وقال : أنت مير علام ؟ قلت : نعم ، قال : ما تصنع ههنا ؟ قلت : كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن واقسم عليك بحق صاحب القبر
أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة ، من البداية إلى النهاية .
فقال : اخبرك على أن لا تخبربه أحدا ما دمت حيا فلما توثق ذلك مني
قال : كنت افكر في بعض المسائل وقد أغلقت علي ، فوقع في قلبي أن آتي
أميرالمؤمنين عليه السلام وأسأله عن ذلك ، فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما
رأيت فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك ، فسمعت
صوتا من القبر : أن ائت مسجد الكوفة وسل عن القائم عليه السلام فانه إمام زمانك
فأتيت عند المحراب ، وسألته عنها واجبت وها أنا أرجع إلى بيتي .
ومنها ما أخبرني به والدي رحمه الله قال : كان في زماننا رجل شريف صالح كان
يقال له : أمير إسحاق الاستر ابادي ، وكان قد حج أربعين حجة ماشيا وكان قد اشتهر
بين الناس أنه تطوى له الارض .
فورد في بعض السنين بلدة إصفهان ، فأتيته وسألته عما اشتهر فيه ، فقال :
كان سبب ذلك أني كنت في بعض السنين مع الحاج متوجهين إلى بيت الله الحرام
فلما وصلنا إلى موضع كان بيننا وبين مكة سبعة منازل أو تسعة تأخرت عن القافلة
لبعض الاسباب حتى غابت عني ، وضللت عن الطريق ، وتحيرت وغلبني العطش
حتى أيست من الحياة .
[176]
فناديت : يا صالح يا أبا صالح أرشدونا إلى الطريق يرحمكم الله فتراءى لي في
منتهى البادية شبح ، فلما تأملته حضر عندي في زمان يسير فرأيته شابا حسن الوجه
نقي الثياب ، أسمر ، على هيئة الشرفاء ، راكبا على جمل ، ومعه أداوة ، فسلمت
عليه فرد علي السلام وقال : أنت عطشان ؟ قلت : نعم فأعطاني الاداوة فشربت
ثم قال : تريد أن تلحق القافلة ؟ قلت : نعم ، فأردفني خلفه ، وتوجه نحو مكة .
وكان من عادتي قراءة الحرز اليماني في كل يوم ، فأخذت في قراءته
فقال عليه السلام في بعض المواضع : اقرأ هكذا ، قال : فما مضى إلا زمان يسير حتى قال
لي : تعرف هذا الموضع ؟ فنظرت فاذا أنا بالابطح فقال : انزل ، فلما نزلت رجعت
وغاب عني .
فعند ذلك عرفت أنه القائم عليه السلام فندمت وتأسفت على مفارقته ، وعدم معرفته
فلما كان بعد سبعة أيام أتت القافلة ، فرأوني في مكة بعد ما أيسوا من حياتي
فلذا اشتهرت بطي الارض .
قال الوالد - رحمه الله - : فقرأت عنده الحرز اليماني وصححته وأجازني
والحمد لله .
ومنها ما أخبرني به جماعة عن جماعة عن السيد السند الفاضل الكامل
ميرزا محمد الاستر ابادي نورالله مرقده أنه قال : إني كنت ذات ليلة أطوف حول
بيت الله الحرام إذ أتى شاب حسن الوجه ، فأخذ في الطواف ، فلما قرب مني
أعطاني طاقة ورد أحمر في غير أوانه ، فأخذت منه وشممته ، وقلت له : من أين
-بحار الانوار مجلد: 48 من ص 176 سطر 19 الى ص 184 سطر 18
يا سيدي ، قال : من الخرابات ثم غاب عني فلم أره .
ومنها ما أخبرني به جماعة من أهل الغري على مشرفه السلام أن رجلا من
أهل قاشان أتى إلى الغري متوجها إلى بيت الله الحرام ، فاعتل علة شديدة حتى
يبست رجلاه ، ولم يقدر على المشي ، فخلفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصلحاء
كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالروضة المقدسة ، وذهبوا
إلى الحج .
[177]
فكان هذا الرجل يغلق عليه الباب كل يوم ، ويذهب إلى الصحاري للتنزه
ولطلب الدراري التي تؤخذ منها ، فقال له في بعض الايام : إني قد ضاق صدري
واستوحشت من هذا المكان ، فاذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث
شئت .
قال : فأجابني إلى ذلك ، وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه
خارج النجف فأجلسني هناك وغسل قميصه في الحوض وطرحها على شجرة كانت
هناك ، وذهب إلى الصحراء ، وبقيت وحدي مغموما افكر فيما يؤول إليه أمري
فاذا أنا بشاب صبيح الوجه ، أسمر اللون ، دخل الصحن .
وسلم علي وذهب
إلى بيت المقام ، وصلى عند المحراب ركعات ، بخضوع وخشوع لم أر مثله قط
فلما فرغ من الصلاة خرج وأتاني وسألني عن حالي فقلت له : ابتليت ببلية ضقت
بها لا يشفيني الله فأسلم منها ، ولا يذهب بي فأستريح ، فقال : لا تحزن سيعطيك الله
كليهما ، وذهب .
فلما خرج رأيت القميص وقع على الارض ، فقمت وأخذت القميص وغسلتها
وطرحتها على الشجر ، فتفكرت في أمري وقلت : أنا كنت لا أقدر على القيام
والحركة ، فكيف صرت هكذا ؟ فنظرت إلى نفسي فلم أجد شيئا مما كان بي
فعلمت أنه كان القائم صلوات الله عليه ، فخرجت فنظرت في الصحراء فلم أر أحدا
فندمت ندامة شديدة .
فلما أتاني صاحب الحجرة ، سألني عن حالي وتحير في أمري فأخبرته بما
جرى فتحسر على مافات منه ومني ، ومشيت معه إلى الحجرة .
قالوا : فكان هكذا سليما حتى أتى الحاج ورفقاؤه ، فلما رآهم وكان معهم
قليلا ، مرض ومات ، ودفن في الصحن ، فظهر صحة ما أخبره عليه السلام من وقوع
الامرين معا .
وهذه القصة من المشهورات عند أهل المشهد ، وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم .
[178]
ومنها ما أخبرني به بعض الافاضل الكرام ، والثقات الاعلام ، قال : أخبرني
بعض من أثق به يرويه عمن يثق به ، ويطريه أنه قال : لما كان بلدة البحرين
تحت ولاية الافرنج ، جعلوا واليها رجلا من المسلمين ، ليكون أدعى إلى تعميرها
وأصلح بحال أهلها ، وكان هذا الوالي من النواصب وله وزير أشد نصبا منه يظهر
العداوة لاهل البحرين لحبهم لاهل البيت عليهم السلام ويحتال في إهلاكهم وإضرارهم
بكل حيلة .
فلما كان في بعض الايام دخل الوزير على الوالي وبيده رمانة فأعطاها
الوالي فاذا كان مكتوبا عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله أبوبكر وعمر وعثمان
وعلي خلفاء رسول الله "فتأمل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا
يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر ، فتعجب من ذلك وقال للوزير : هذه آية
بينة ، وحجة قوية ، على إبطال مذهب الرافضة ، فما رأيك في أهل البحرين .
فقال له : أصلحك الله إن هؤلاء جماعة متعصبون ، ينكرون البراهين ، وينبغي
لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة ، فان قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب
الجزيل بذلك ، وإن أبوا إلا المقام على ضلالتهم فخيرهم بين ثلاث : إما أن يؤدوا
الجزية وهم صاغرون ، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البينة التي لا محيص لهم عنها
أو تقتل رجالهم وتسبى نساءهم وأولادهم ، وتأخذ بالغنيمة أموالهم .
فاستحسن الوالي رأيه ، وأرسل إلى العلماء والافاضل الاخيار ، والنجباء
والسادة الابرار ، من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة ، وأخبرهم بما رأى
فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف : من القتل والاسر وأخذ الاموال أو أخذ الجزية
على وجه الصغار كالكفار ، فتحيروا في أمرها ، ولم يقدروا على جواب ، وتغيرت
وجوههم وارتعدت فرائصهم .
فقال كبراؤهم : أمهلنا أيها الامير ثلاثة أيام لعلنا نأتيك بجواب ترتضيه
وإلا فاحكم فينا ما شئت ، فأمهلهم ، فخرجوا من عنده خائفين مرعوبين متحيرين .
فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك ، فاتفق رأيهم على أن يختاروا
[179]
من صلحاء البحرين وزهادهم عشرة ، ففعلوا ، ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا
لاحدهم : اخرج الليلة إلى الصحراء واعبدالله فيها ، واستغث بام زماننا ، وحجة
الله علينا ، لعله يبين لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء .
فخرج وبات طول ليلته متعبدا خاشعا داعيا باكيا يدعو الله ، ويستغيث
بالامام عليه السلام ، حتى أصبح ولم ير شيئا ، فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية
الثاني منهم ، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر ، فازداد قلقهم وجزعهم .
فأحضروا الثالث وكان تقيا فاضلا اسمه محمد بن عيسى ، فخرج الليلة الثالثة
حافيا حاسر الرأس إلى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى ، وتوسل إلى الله
تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البلية عنهم واستغاث بصاحب الزمان .
فلما كان آخر الليل ، إذا هو برجل يخاطبه ويقول : يا محمد بن عيسى مالي
أراك على هذه الحالة ، ولماذا خرجت إلى هذه البرية ؟ فقال له : أيها الرجل دعني
فإني خرجت لامر عظيم وخطب جسيم ، لات أذكره إلا لامامي ولا أشكوه إلا إلى
من يقدر على كشفه عني .
فقال : يا محمد بن عيسى ! أنا صاحب الامر فاذكر حاجتك ، فقال : إن كنت هو فأنت تعلم قصتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك ، فقال له : نعم ، خرجت لما
دهمكم من أمر الرمانة ، وما كتب عليها وما أوعدكم الامير به ، قال : فلما سمعت
ذلك توجهت إليه وقلت له : نعم يا مولاي ، قد تعلم ما أصابنا ، وأنت إمامنا وملاذنا
والقادر على كشفه عنا .
فقال صلوات الله عليه : يا محمد بن عيسى إن الوزير لعنه الله في داره شجرة رمان
فلما حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرمانة ، وجعلها نصفين
وكتب في داخل كل نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعهما على الرمانة ، وشدهما
عليها وهي صغيرة فأثر فيها ، وصارت هكذا .
فاذا مضيتم غدا إلى الوالي ، فقل له : جئتك بالجواب ولكني لا ابديه إلا في دار
الوزير فإذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك ، ترى فيها غرفة ، فقل للوالي : لا اجيبك
[180]
إلا في تلك الغرفة ، وسيأبى الوزير عن ذلك ، وأنت بالغ في ذلك ولا ترض إلا بصعودها
فاذا صعد فاصعد معه ، ولا تتركه وحده يتقدم عليك ، فاذا دخلت الغرفة رأيت
كوة فيها كيس أبيض ، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه
الحيلة ، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلية الحال .
وأيضا يا محمد بن عيسى قل للوالي : إن لنا معجزة اخرى وهي أن هذه الرمانة
ليس فيها إلا الرماد والدخان وإن أردت صحة ذلك فاءمر الوزير بكسرها ، فاذا
كسرها طار الرماد والدخان على وجهه ولحيته .
فلما سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام ، فرح فرحا شديدا وقبل بين يدي
الامام صلوات الله عليه ، وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور .
فلما أصبحوا مضوا إلى الوالي ففعل محمد بن عيسى كل ما أمره الامام وظهر
كل ما أخبره ، فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى وقال له : من اخبرك بهذا ؟ فقال :
إمام زماننا ، وحجة الله علينا ، فقال : ومن إمامكم ؟ فأخبره بالائمة واحدا بعد
واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الامر صلوات الله عليهم .
فقال الوالي : مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
وأن الخليفة بعده بلا فصل أميرالمؤمنين علي عليه السلام ثم أقر بالائمة إلى آخرهم
عليهم السلام وحسن إيمانه ، وأمر بقتل الوزير واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن
إليهم وأكرمهم .
قال : وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عندهم معروف
يزوره الناس .