الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام والمشتهر ب‍ (فقه الرضا)

[65]

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله عليه محمد خاتم النبيين و على آله الطاهرين الطيبين، الفاضلين الاخيار، وسلم تسليما.

يقول عبدالله علي بن موسى الرضا: أما بعد: إن أول ما افترض الله على عباده، وأوجب على خلقه معرفة الوحدانية، قال الله تبارك وتعالى: (وما قدروا الله حق قدره) (1)، يقول: ما عرفوا الله حق معرفته.

ونروي عن بعض العلماء عليهم السلام، أنه قال تفسير هذه الآية: (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان)(2) ما جزاء من أنعم الله عليه بالمعرفة إلا الجنة (3).

وأروي أن المعرفة: التصديق والتسليم والاخلاص، في السر والعلانية.


___________________________________

1- الانعام 6: 91 .

2 - الرحمن 55: 60 .

3 - رواه - باختلاف يسير - الصدوق في الامالي: 316 / 7، والتوحيد: 22 / 7 و 28 / 29، والقمي في تفسيره 2: 345، والشيخ الطوسي بسندين في أماليه 2: 44 و 182.

[66]


وأروي أن حق (1) المعرفة أن يطيع ولا يعصي ويشكر ولا يكفر.

وروي أن بعض العلماء سئل عن المعرفة، هل للعباد فيها صنع؟ فقال: لا.

فقيل له: فعلى مايثيبهم؟ فقال: من عليهم بالمعرفة، ومن عليهم بالثواب (2)، (ثم مكنهم) (3) من الحنيفية التي قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) (4) فهي عشر سنن: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فأما التي في الرأس: فالفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وأما التي في الجسد فنتف (5) الابط، وتقليم الاظافير، وحلق العانة، والاستنجاء، والختان (6).

وإياك أن تدع الفرق، إن كان لك شعر، فقد روي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: " من لم يفرق شعره، فرقه الله بمنشار من النار في النار " (7).

فإن وجدت بلة في أطراف إحليلك، وفي ثوبك، بعد نتر (8) إحليلك وبعد وضوئك، فقد علمت ما وصفته لك (9)، من مسح أسفل أنثييك ونتر إحليلك ثلاثا، فلا تلتفت إلى شئ منه، ولا تنقض وضوء‌ك له، ولا تغسل منه ثوبك، فإن ذلك من الحبائل (10) والبواسير (11).


___________________________________

1 - ليس في نسخة " ش "

2 - قرب الاسناد: 151، باختلاف في ألفاظه، وفيه: عن أبي الحسن الرضا عليه السلام.

3 - في نسخة " ض ": ولكنها، وفيها بياض قدر ستة أسطر.

4 - النساء 4: 125

5 - في نسخة " ض " و " ش ": فنبط، تصحيف، صوابه ما أثبتناه من هامش نسخة " ض "

6 - رواه الصدوق في الهداية: 17، وفيه من: " قال الله عزوجل لنبيه..

"، وفي الخصال: 271 / 11، مسندا إلى الامام الكاظم عليه السلام، وفيه " خمس من السنن في الرأس "، وروى نحوه القمي في تفسيره 1: 9 5، وأخرج المجلسي في البحار 76: 67 في باب " السنن الحنيفية " عدة أحاديث بهذا المضمون.

7 - الهداية: 17، والفقيه 1: 76 / 330، وقرب الاسناد: 34.

8 - النتر: جذب الشئ بجفوة، ومنه نتر الذكر في الاستبراء، وهو استخراج بقية البول منه.

" مجمع البحرين - نتر - 3: 487 ".

9 - كذا، ولم يتقدم منه شئ.

10 - الحبائل: عروق ظهر الانسان، وحبائل الذكر عروقه، انظر " مجمع البحرين - حبل 5:348".

11 - ورد مؤداه في الهداية: 18، والكافي 3: 19 / 1 و 2، والتهذيب 1: 28 / 71، والاستبصار 1: 9 / 137.

[67]


ولا تغسل ثوبك ولا إحليلك من مذي ووذي (1)، فإنهما بمنزلة البصاق والمخاط (2).

ولا تغسل ثوبك إلا مما يجب عليك في خروجه إعادة الوضوء.

ولا يجب عليك إعادته (3) إلا من بول، أو مني، أو غائط، أو ريح تستيقنها (4)، فإن شككت في ريح أنها خرجت منك أو لم تخرج، فلا تنقض من أجلها الوضوء إلا أن تسمع صوتها أو تجد ريحها(5).

وإن استيقنت أنها خرجت منك، فأعد الوضوء، سمعت وقعها (6) أو لم تسمع، و شممت ريحها أو لم تشم (7).

فإن شككت في الوضوء وكنت على يقين من الحدث فتوضأ (8).

وإن شككت في الحدث، فإن كنت على يقين من الوضوء فلا ينقض الشك اليقين إلا أن تستيقن الحدث(9)، وإن كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري أيهما سبق فتوضأ (10).

(وإن توضأت وضوء‌ا تاما، وصليت صلاتك أو لم تصل، ثم شككت فلم تدر أحدثت أو لم تحدث، فليس عليك وضوء، لان اليقين لا ينقضه الشك) (11).

وإياك أن تبعض الوضوء، وتابع بينه، كما قال الله تبارك وتعالى (12)، إبدأ


___________________________________

1 - الوذي: بالذال المعجمة.

ماء يخرج عقيب إنزال المني " مجمع البحرين - وذا - 1: 433 "، وفي نسخة " ش ": وودي.

2 - ورد مؤداه في الفقيه 1: 39 / 150، والمقنع: 5، وعلل الشرايع: 296 / 3، والكافي 3: 9 3/1، والتهذيب 1: 17 / 40 و 41، والاستبصار 1: 91 / 293 و 294.

3 - في نسخة " ض " إعادة، وما أثبتناه من نسخة " ش " هو الصواب.

4 - ورد مؤداه في الفقيه 1: 37 / 137، والمقنع: 4، والهداية: 18، والكافي 3: 36 / 6، والتهذيب 1: 8 / 2 1.

5 - ورد مؤداه في الفقيه 1: 37 / 139، والمقنع: 7، والكافي 3: 36 / 3، والتهذيب 1: 347 / 1017 و 1018، والاستبصار 1: 90 / 8 28 و 289.

6 - الوقع: الصوت " لسان العرب - وقع - 8: 402 ".

7 - ورد مؤداه في قرب الاسناد: 92، والبحار 10: 284 عن كتاب علي بن جعفر.

8 - ورد مؤداه في الهداية: 17، والتهذيب 1: 102 / 268، والكافي 3: 33 / 1.

9 - ورد مؤداه في الفقيه 1: 37 / 139، والخصال: 619، والتهذيب 1: 8 / 11.

0 1 - ورد مؤداه في المقنع: 7، والمقنعة: 6.

11 - ما بين القوسين ليس في نسخة " ض " وورد مؤداه في المقنع: 7.

12 - إشارة إلى آية الوضوء في سورة المائدة 5: 6.

[68]


بالوجه، ثم باليدين، ثم بالمسح على الرأس والقدمين (1).

فإن فرغت من بعض وضوئك، وانقطع بك الماء من قبل أن تتمه، ثم أوتيت بالماء فأتمم وضوء‌ك، إذا كان ما غسلته رطبا، فإن كان قد جف فأعد الوضوء، فإن جف بعض وضوئك، قبل أن تتمم الوضوء، من غير أن ينقطع عنك الماء فامض على ما بقي، جف وضوؤك أو لم يجف (2).

وإن كان عليك خاتم فدوره عند وضوئك، فإن علمت أن الماء لا يدخل تحته فانزع (3).

ولا تمسح على عمامة، ولا على قلنسوة، ولا على خفيك (4)، فإنه أروي عن العالم عليه السلام: لا تقية في شرب الخمر، ولا المسح على الخفين (5)، ولا تمسح على جوربك إلا من عذر، أو ثلج تخاف على رجليك.

ولا ينقض الوضوء إلا ما يخرج من الطرفين (6).

ولا ينقض القئ، ولا القلس (7)، والرعاف، والحجامة، والدماميل، والقروح وضوء‌ا (8).

وإن احتقنت أو حملت الشياف، فليس عليك إعادة الوضوء (9).

فإن خرج منك مما احتقنت أو احتملت من الشياف، وكانت بالثفل (10)، فعليك الاستنجاء والوضوء، وإن لم يكن فيها ثفل فلا استنجاء عليك ولا وضوء.

وإن خرج منك حب القرع، وكان فيه ثفل، فاستنج وتوضأ، وإن لم يكن فيه


___________________________________

1 - الفقيه 1: 28 / 89.

2 - أورده الصدوق في الفقيه 1: 35، باب 13 عن رسالة أبيه، والمقنع: 6.

3 - ورد مؤداه في المقنع: 6، والكافي 3: 45 / 14.

4 - ورد مؤداه في الهداية: 17، والفقيه 1: 29 / 94، والتهذيب 1: 361 / 1090.

5 - المقنع: 6، والهداية: 7 1، والفقية 1: 30 / 95، باختلاف في ألفاظه.

6 - الهداية: 18.

7 - القلس: ما خرج من الحلق مل‌ء الفم أو دونه وليس بقئ " الصحاح - قلس - 3: 5 6 9 ".

8 - الهداية: 18، والفقيه 1: 37 / 137، والمقنع: 5، والكافي 3: 6 3 / 9، والتهذيب 1: 13 / 25.

9 - الفقيه 1: 39 / 148.

10 - الثفل: ما يخرج من البطن " مجمع البحرين - ثفل - 5: 329 ".

[69]


ثفل، فلا وضوء عليك ولا استنجاء (1).

وكل ما خرج من قبلك ودبرك، من دم، وقيح وصديد (2)، وغير ذلك، فلا وضوء عليك ولا استنجاء، إلا أن يخرج منك بول، أو غائط، أو ريح، أو مني (3).

وإن كان بك بول أو غائط أو ريح أو مني، وكان بك في الموضع الذي يجب عليه الوضوء قرحة، أو دماميل ولم يؤذك، فحلها واغسلها، وإن أضرك حلها فامسح يدك على الجبائر والقروح، ولا تحلها (ولا تعبث) (4) بجراحتك (5).

وقد نروي في الجبائر عن أبي عبدالله عليه السلام قال: " يغسل ما حولها " (6).

ولابأس أن يصلي بوضوء واحد صلوات الليل والنهار، ما لم يحدث (7).

ونروي أن أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم قال لابنه محمد بن الحنفية: يا بني قم فائتني بمخضب (8) فيه ماء للطهور، فأتاه.

فضرب بيده في الماء فقال: بسم الله (9) والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا، ثم استنجى فقال: اللهم حصن فرجي واعفه، واستر عورتي، وحرمه على النار.

ثم تمضمض فقال: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، وأطلق لساني بذكرك.

ثم استنشق فقال: اللهم لا تحرمني رائحة الجنة، واجعلني ممن يشم ريحها، وروحها وطيبها.

ثم غسل وجهه فقال: اللهم بيض وجهي، يوم تسود فيه الوجوه، ولا تسود وجهي، يوم تبيض فيه الوجوه.

ثم غسل يده اليمنى فقال: اللهم أعطني كتابي بيميني، والخلد (في الجنان) (10) بشمالي.


___________________________________

1 - ورد مؤداه في الفقيه 1: 37 / 138، والكافي 3: 36 / 5.

2 - صديد الجرح: ماؤه الرقيق المختلط بالدم قبل أن يصير مدة " الصحاح - صدد - 2: 496 ".

3 - الفقيه 1: 37 باختلاف في ألفاظه.

4 - في نسخة " ش ": " تعنت ".

5 - الفقيه 1: 29 / 93.

6 - الفقيه 1: 9 2 / 94.

7 - الهداية 18، المقنع: 6، الكافي 3: 63 / 4.

8 - المخضب: الاجانة التي تغسل فيها الثياب " مجمع البحرين - خضب - 2: 50 ".

9 - في نسخة " ش " زيادة: " وبالله ".

10 - ليس في نسخة " ض "

[70]


ثم غسل شماله فقال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات (1) النيران.

ثم مسح برأسه فقال: اللهم غشني برحمتك وبركاتك وعفوك.

ثم غسل قدميه فقال: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه (2) الاقدام، واجعل سعيي فيما يرضيك عني.

ثم التفت إلى ابنه فقال: يا بني فأيما (3) عبد مؤمن توضأ بوضوئي هذا، وقال مثل ما قلت عند وضوئه، إلا خلق الله من كل قطرة ملكا يسبحه، ويكبره ويحمده، ويهلله إلى يوم القيامة (4).

وأيما مؤمن قرأ في وضوئه (إنا أنزلناه في ليلة القدر) خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولا صلاة إلا بإسباغ الوضوء، وإحضار النية، وخلوص اليقين، وإفراغ القلب، وترك الاشغال، وهو قوله: (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) (5).


___________________________________

1 - المقطعات: الثياب " مجمع البحرين - قطع - 4: 380 ".

2 - ليس في نسخة " ض "

3 - في نسخة " ش ": " ما من "

4 - روي باختلاف يسير في الفقيه 1: 26 / 4 8، والمقنع: 3، وثواب الاعمال: 31، وأمالي الصدوق: 445 / 11، والكافي 3: 70 / 6، والتهذيب 1: 53 / 153، والمحاسن: 45.

5 - الانشراح 94: 7 و 8

[71]