الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة الإمام المهدي

فهرس الكتاب


 

الفصل الثاني

في انتظار الامام المهدي عليه السلام

 

الأبعاد الحياتية للعقيدة بالإمام المهدي عليه السلام

( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الاَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (النور / 54-57 )

من المناسبات والأحداث العظيمة التي يجب على كل مؤمن ومسلم، وعلى وجه الخصوص الاخوة المؤمنون الرساليون الذين يشكلون طليعة المجتمع والأمة، الاستفادة القصوى منها واستخلاص الدروس والعبر والوعي المسؤول من وحيها؛ مناسبة ليلة النصف من شعبان، حيث ولادة النور الإلهي المحمدي، ولادة إمامنا الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، فزاد هذه الليلة كرامة الى كرامتها، وهذا الشهر شرفا وعظمة إلى شرفه وعظمته .

 

بصائر المعرفة بالامامة والإمام

فمناسبة شريفة كريمة تتمثل بميلاد خاتم الأوصياء وإمام العصر والشفيع الذي لا يزال ناظرا ورقيباً، سيدنا وإمامنا المهدي المنتظر عجل الله فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه؛ مناسبة كهذه لابد أن تكون محطة تزود وانطلاق للمؤمنين الرساليين ، وحافزا قويا للتقدم والقفز الى الأمام على طريق التطور الإيجابي، والانبعاث المتواصل من عمق الأمل والطموح الرسالي المستمد من وجود الإمام عجل الله فرجه، ونبذ السكون والانفلات من قوقعة الجمود .. وذلك عن طريق أكثر من رؤية وبصيرة إيمانية يجب أن نستفيدها من هذا البحر الزاخر ، والفيض الإلهي المتدفق .

فلو عرف الإنسان مستوى درجة الإمامة ، والمقام الأرفع والأسمى لها؛ ولو عرف أن الإمام والامامة هي الدرجة التي تسبق والتي تلحق درجة النبوة. فإبراهيم عليه السلام كان نبياً ورسولاً من أولي العزم حينما امتحنه الله سبحانه بأشد الامتحانات؛ بالنيران التي القي فيها فصبر وسلم لله تعالى. بالهجرة، حيث ترك زوجته وطفله الرضيع عند البيت الحرام اذ لا ماء ولا زرع وسكن، وبأمره أن يذبح ابنه بيده ، وغيرها من الابتلاءات العظيمة. هنالك فقط وبعد أن اجتاز إبراهيم عليه السلام كل الامتحانات، جعله الله سبحانه إماما ( وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ) .

فإذا عرفنا هذه الحقيقة، وعرفنا أن مولانا المهدي عجل الله فرجه هو إمام، أي انه في هذا المستوى العظيم والدرجة الرفيعة، وأنه حي يتعايـش معنــا ويرانا من حيث لا نراه، وأنه مطلع على أحوالنا ويراقب صفحات أعمالنا التي تعرض عليه يومياً، وأننا بحاجة ماسة إليه، لبركاته ونوره وحبه و.. ليشفع لنا ذنوبنا ولنهتدي به جادة الحق والصواب ويوحدنا وينقذنا من صحراء التيه والضياع، من الانكسار والذلة، إذا عرفنا ذلك، فلابد ان نستفيد من هذه المعرفة عدة بصائر، ولنتساءل عن كيفية إقامة علاقة حقيقية تربطنا بالإمام عجل الله فرجه، وكيف نمتن هذه العلاقة؟ وهل أن الحجة عليه السلام هو الذي لا يريد إقامة مثل هذه العلاقة معنا أم أننا نحن الذين لا نريد ولا نسعى إليها ؟

في هذا الجانب ينقل أحد العلماء أنه وبينما كان يشتغل بالتدريس في النجف الاشرف إذ جاءه رجل من أهل القرى البعيدة وطلب الدراسة من اليوم التالي. وفي أحد الأيام صادف أن فقد العالم خاتمه، ففتش كل زوايا بيته فلم يعثر عليه، فأصبح مغموما لأنه كان متعلقا بهذا الخاتم، ولكنه عندما حضر لإلقاء أحد الدروس على طلبته قام ذلك الطالب الجديد فقال لـه: ياسيدنا، إن خاتمك موجود في غرفتك، وفي الموضع الفلاني بالتحديد فتعجب العالم من معرفة الطالب بأمر خاتمه ، ومعرفته بالمكان الموجود فيه بالتحديد،. الا أنه كتم عجبه وذهب إلى بيته فرأى الخاتم هنالك في الغرفة كما أخبره الطالب ومرت الأيام والليالي فحدث أن أضاع العالم شيئاً معيناً في بيته أيضاً، فحدثت مشادة بينه وبين زوجته بسبب ذلك ، وكما في المرة الأولى جاء السيد العالم الى مكان الدرس ، فإذا بنفس الطالب يقول لـه: بأن الشيء الذي فقدته هو في المكان الكذائي من بيتك. وبعد انتهاء الدرس ذهب العالم إلى البيت فوجد ما أضاعه في نفس المكان الذي أخبره عنه ذلك الرجل. يقول هذا الفقيه: بأنني كنت في غاية العجب من أمر هذا الرجل ، فأنا متأكد بان لا أحد يعلم بأنني أضعت ما أضعت ، كما أني فتشت بيتي مراراً فلم أعثر على ما فقدته قبل أن يخبرني هو بذلك ، فذهبت اليه وقلت: يا أخي من أين تأتي بهذه الأخبار العجيبة ؟ فقال لي: أنا أيضا لا أعرف، ولكنه أحد أصحابي أراه في الشارع واسلم عليه ، هو الذي أخبرني بذلك. يقول العالم : فشكرته وطلبت منه إذا ما رأى ذلك الشخص ثانية أن يقول له بأن السيد ( العالم ) يريد أن يصل بخدمتك، فجاءني في اليوم التالي وقال: بانه نقل رغبة السيد لصاحبه فرد عليه بالقول : قل للسيد أن يصبح آدميا حتى أصل أنا بخدمته !

وينقل السيد الفقيه أنه سأل الطالب عمن يكون وما هي قصته وأعماله وسلوكه الذي أوصله الى هذه الدرجة، بحيث أصبح يلتقي بالإمام الحجة عجل الله فرجه، فذكر لـه بأنه أحد أبناء شيوخ العشائر ، وأن والده رجل يفعل المنكرات من قتل ونهب و ..، وأنه ( أي الابن ) ينكر أفعال والده ولكنه لا يملك القدرة على مقاومته. وبعد أن مات والده في إحدى الليالي كان منصب رئاسة العشيرة سينتقل إليه حسب العادات والتقاليد العشائرية في مثل هذه الحالة ، ولأنه يخشى أن يكون مثل والده إن هو تسلم المنصب فيقوم بفعل المنكرات والمحرمات ، بقي تلك الليلة يفكر حتى الصباح ويخير نفسه بين الدنيا والآخرة ، فقرر في نهاية الأمر أن يترك عشيرته وبيته ويهرب من هذه المسؤولية الى النجف الأشرف ليكون طالباً للعلم عند هذا العالم. لقد فرّ هذا الرجل الصالح من الرئاسة المنكرة، ومن حطام الدنيا الفاني؛ فر بدينه وأخذ يرى الإمام المهدي عجل الله فرجه ( تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً)

 

توثيق عرى العلاقة بالإمام المنتظر

نعم؛ إن الإمام موجود معنا وقريب منا، ولكن الأعمال السيئة والمنكرات هي التي تحجب أبصارنا عن رؤيته، وتسد أسماعنا عن سماع كلامه ، وسماع جوابه عندما نزوره ونسلم عليه مثلاً ، وكذلك جميع الأئمة الأطهار عليهم السلام. وإن الله سبحانه قريب منا، أقرب مما نتصوره بعقولنا الغافلة وأحاسيسنا المحدودة. ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، وكما يقول الإمام السجاد عليه السلام في دعائه. "وإنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك "(1). فهو تعالى ليس ببعيد عنا ، ولكننا نحن البعيدون عنه سبحانه نتيجة لسوء أعمالنا ..

إذن؛ فالإمام عجل الله فرجه موجود معنا، والواجب أن نصلح أنفسنا لنشعر بوجوده ونعمق علاقتنا به ، بل قد نحظى بشرف رؤيته واللقاء به في بعض الأوقات والأماكن، فذلك شيء ممكن بإذن الله تعالى . ولكن كيف يمكننا أن نصلح أنفسنا ونزيد من ارتباطنا وحرارة علاقتنا به عجل الله فرجه ؟

هناك عدة خطوات يمكن أن نقوم بها في هذا السبيل، وهي خطوات بإمكان كل شخص منا القيام بها بتوفيق الله له، وبلا صعوبات وتعقيد، إذا ما صمّمنا وامتلكنا الإرادة الإيمانية لذلك، منها:

1- زيارة الإمام عجل الله فرجه والسلام عليه بعد الانتهاء من أداء صلاة الصبح ، ولو بجملة واحدة هي: السلام عليك يا مولاي يا صاحب الزمان .

2- كذلك وبعد الفراغ من كل صلاة، وكما ندعوا لأنفسنا وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا المؤمنين، لابد من الدعاء للإمام عليه السلام ولو بقدر قليل من الأدعية الكثيرة المعروفة في هذا الخصوص .

3- وحتى عند تجمعنا وجلوسنا للحديث والتشاور و..، يجب أن يكون دعاؤنا للإمام والتطرق الى ذكره ولو بعد الانتهاء من أحاديثنا الخاصة؛ فهو أيضا عجل الله فرجه ذاكر من يذكره، وداع لمن دعا له.

4- تخصيص يوم واحد في الأسبوع، وبالذات يوم الجمعة لقراءة الأدعية والزيارات الخاصة بالإمام، كدعاء الندبة، ودعاء العهد ، وإحدى الزيارات الخاصة به .

5- وحتى في مشاكلنا والأزمات التي نواجهها يوميا، والأحداث المفاجئة التي قد نتعرض لها فنتضايق منها.. فإن من الجميل والواجب أن ندعو الله سبحانه ببركة الإمام الحجة أن ييسر لنا أمورنا ويقضي حوائجنا .

إن كل ذلك وغيره من الخطوات الإيجابية المطلوبة، يجعلنا نعايش حضور الإمام عجل الله فرجه ونكوّن معه علاقة صميمية. ومرحلة بعد مرحلة، ودرجة بعد أخرى، سنجد أن نورانية الإمام الشريفة المباركة ستجذبنا إليها وتأخذ بأيدينا وتدفعنا الى الإمام ، وقد نحظى في يوم ما بلقائه والتزود من فيض نور وجوده وبركته. فنحن كما ندعو له ونسلم عليه ونزوره و..، فهو أيضا يفعل ذلك تجاهنا، وبذلك نبني علاقتنا به وتستمر هذه العلاقة وتنمو وتتكامل .

 

العقيدة بالإمام الحجة

إن العقيـدة بالإمام المهدي عجل الله فرجه يجب أن تخـلق تطوراً في حياتنا ، ولكن كيف نستفيد من هذه العقيدة لتحقيق ذلك؟

لقد جاءت سورة (النور) لتنظيم العلاقات في المجتمع ، وبين الأسرة الواحدة بالذات، حيث يأتي الحديث في بدايتها عن المجتمع والعلاقات الاجتماعية والمعالجات والعقوبات للمفاسد التي تطرؤ على هذه العلاقات.. ( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) كذلك تأتي فيها آيات حول الاستخلاف في الأرض ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ) وفيها أيضا حديث عن بيت النبوة ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)

فما هي العلاقة بين قضية النبوة والإمامة من جهة، وبين العلاقات الاجتماعية من جهة أخرى ؟

أن الإنسان عندما يريد أن يحسن أخلاقه وسلوكه وعلاقاته وطريقة معاملته مع الآخرين، فلابد أن يكون لديه برنامج ما ليسير عليه؛ أن تكون له أسوة وقدوة ونموذج يحتذي به ويتبعه. فإذا كنا نريد أن نقوّم ونطوّر مجتمعنا، فلابد أن تكون لدينا علاقة مع إمام ، مع حجة. وبتعبير آخر، لا بد أن يكون أمامنا ضوءاً نتحرك على أساس حركته وكشفه للواقع. فأهم شيء في قضية علاقتنا بالإمام الحجة عجل الله فرجه هو أنه يجب أن نبرمج حياتنا بمختلف جوانبها وسلوكياتها على أساس العقيدة به، وعلى أساس قبوله أو رفضه لما نقوم به في هذه الحياة .

فلو أنا ذهبنا على سبيل المثال الى وليمة عند أحد الشخصيات المعروفة كأن يكون مرجعاً وعالماً كبيراً، أو شخصية جهادية بارزة ، فمن الطبيعي أن الإنسان سينظر الى حركات وسكنات تلك الشخصية ، وكيف يتناول الطعام أو الشراب مثلا.. فهو ينظر اليه ويراقبه ليتعلم منه ويتخذ منه قدوة لـه. ونحن ما دمنا نعتقد بوجود الإمام المهدي عجل الله فرجه، فلماذا لا نفكر فيما يقبل به، وما الذي يرفضه منا ؟ وهل نحن نقوم بالأعمال التي تلقى قبوله، أم تلك التي تؤذيه؟

أذن؛ لابد أن ننظم سلوكنا الاجتماعي مع الاخرين ومع أنفسنا والأقربين منا على ضوء ما يريده الإمام منا من تنظيم لسلوكياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية ، وقد يقول البعض بأننا لا نعرف سلوك وأخلاق وأعمال الإمام المنتظر عجل الله فرجه، كيف يأكل ويشرب ويلبس ويتكلم..

يجب أن نعرف بأن الإمام الحجة عجل الله فرجه هو خلاصة الأئمة الطاهرين من قبله ، فكلهم محمد صلى الله عليه وآله، وكما يقول الحديث الشريف: " أولنا محمد ، أوسطنا محمد، آخرنا محمد"، فكل الأئمة عليهم السلام يمثلون اتجاها واحداً، وشخصية واحدة، وهدفا واحدا ، وان اختلفت الظروف والخصوصيات لكل واحد منهم عليهم السلام. لذلك إذا ما أردنا الاستفادة من هذا السراج الوضاء، ومن هذا البرنامج السامي، فيجب أن نبرمج حياتنا على أساس متين، وهو أن الإمام الحجة عجل الله فرجه قدوة وأسوة يجب أن نتبعها. ولذلك لابد أن نتساءل في هذا الجانب، هل أن الإمام يختار شخصاً ليكون من أعوانه وأنصاره ، وهذا الشخص يقضي ليله بلعب القمار حتى الصباح مثلا ، ولا يصلي صلاة الصبح ، وذو أخلاق وعرة سيئة مع عائلته ومع الناس الآخرين؟

بالطبع لا؛ فانه يختار اناساً مؤمنين طيبين ، رهبان الليل وفرسان في النهار ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قائمون، صائمون، متضرعون ، وفي قمة الأخلاق الكريمة. لذا يجب أن نهتم بأنفسنا ونزكيها بالأخلاق والأعمال الصالحة ونصلح من شأنها، لا أن يكون جلّ اهتمامنا هذه الحجب المادية التي سرعان ما تبلى وتنفى جانباً، أويكون اهتمامنا منصّباً على ما يقول الناس فينا. فمثل هذه الاهتمامات تصبح عائقا أمامنا وسبباً لعدم تطورنا وتقدمنا وتزكية أعمالنا ونفوسنا.

الانتظار مفهوم رسالي نهضوي

يتصور البعض أن مفهوم الانتظار مفهوم رجعي جامد يدعونا الى السكون والسكوت عن الظالمين والعياذ بالله ، في حين أن العكس هو الصحيح. فلو نظرنا الى التاريخ لوجدنا أن الشيعة منذ البداية وحتى يومنا الحاضر، ويسبقون حتى ساعة الظهور المباركة، أصحاب الثورات وأهل النهضات والمقاومة الرسالية للظلم والظالمين، وما ذلك إلا لعقيدتهم بالإمام الحجة عجل الله فرجه، والمفهوم الرسالي الإيجابي للانتظار لديهم.

فهذه العقيدة وهذا المفهوم هما اللذان يعطيان الأمل والحيوية للإنسان، لأن هناك قانون أو سنة الهية تتمثل في أن الذي يكون مظلوماً، أو الذي يكون مع الحق فإن الله ناصره. وهذه السنة تتحقق في أجلى صورها بالإمام الحجة عجل الله فرجه، لأنه عبد صالح وولي لله سبحانه ، ومع الحق، ولأنه مظلوم ومضطر وصابر و .. وأي إنسان تتحقق فيه هذه السنة الإلهية، وهذه الصفات بنسبة معينة، فإن الله سبحانه ينصره بمقدار تلك النسبة .

والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله هو أول من بشر المسلمين بظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه، حيث أن هناك أكثر من إحدى وخمسين رواية مذكورة عن النبي صلى الله عليه وآله في كتب علماء السنة فقط تتحدث عن الإمام المهدي عجل الله فرجه، ومن بين علماء السنة من كتب كتاباً خاصاً عنه عليه السلام في سنة 127 هـ أي قبل أن يولد ، مثلما كتب علماء الشيعة عنه أيضا قبل ولادته. وبالإضافة الى الشيعة فإن أكثر علماء السنة الموجودين حالياً يذكرون في كتبهم بأن العقيدة بالإمام المهدي عجل الله فرجه جزء من العقائد الإسلامية الثابتة. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله هو المبشر الأول بالحجة عجل الله فرجه.

إن الإيمان بالمهدي عجل الله فرجه كامل مكمل للمنظومة الإمامية، فكما أن الطائرة لا يمكنها التحليق في الجو اذا أصابها عطب أو خلل في أحد جناحيها أو أجهزتها العديدة التي تكون بمجموعها وحدة واحدة لا يمكن الاستغناء عن إحداها أو إلغائها، وكما أن الذي يؤمن بالزكاة والحج والخمس ولكنه لا يؤمن بالصلاة وينكرها يعتبر كافراً وليس مسلماً لأنه يفتقد جزءاً رئيسياً من منظومة الإيمان .. كذلك الذي لا يؤمن بالإمام الحجة عجل الله فرجه فهو لديه مشكلة رئيسية وخلل عميق في ركن أساس من الإيمان ، ولذلك لا ينصره الله تعالى .

فالإيـمان بالحجة، والإيمان بأن الله سينصر المظلوم ، والثائر القائم بالحق الذي يدعو الى الله سبحانه ، هذا الإيمان هو الذي يبعث النهضة في صفوف المسلمين، حيث نرى أن الشيعة الرساليين في جنوب لبنان قد طردوا الصهاينة ولا يزالون يجابهون العدو بروح التضحية والأمل بالنصر بفضل كلمة يا مهدي أدركني. وهذا الإيمان بصاحب الزمان عجل الله فرجه هو الذي أعطاهم الحيوية والأمل بالنصر والسعي له !

والقرآن الكريم عندما يتكلم عن قضية الاستخلاف في الأرض لا يخصص ذلك بالإمام الحجة عجل الله فرجه بل يعممه، لأن سنة الله في الأرض تحققت مرة لبني إسرائيل حينما أنقذهم الله بموسى بن عمران عليه السلام، وتحققت للنبي صلى الله عليه وآله والمسلمين على عهده الشريف ، وستتحقق إنشاء الله في عهد الإمام المنتظر عجل الله فرجه. فالأرض لا تتحرر بكاملها إلا بعد قيام إمامنا عليه الصلاة والسلام .

فوائد عصر الغيبة الكبرى

لابد أن نعرف أن مثل الإمام الحجة عجل الله فرجه بيننا كمثل الشمس التي قد تحجبها الغيوم، إلا أن نورها لابد ان ينفذ إلينا مهما تكاثفت السحب، وحرارتها ودفئها لابد أن يصلا إلينا، فمعينها باق ومستمر رغم تلك الغيوم والحجب.

وقلب الإنسان المؤمن يعيش ويحيى بوجود حجة الله في أرضه كعيشه وحياته وسط النهار الذي حجبت الغيوم شمسه. فالإمام المهدي عليه السلام هو شمس المؤمن المحجوبة عنه.

وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه؛ ما هي الفوائد والثمار والمنافع التي يمكن أن نستفيد منها، ونحصل عليها الآن في عصر الغيبة الكبرى؟

ومن اجل الإجابة على هذا التساؤل لابد ان نمهد لـه بالقول: أن زمن ما بعد ظهور الحجة عليه السلام سوف تعمّ فيه الفائدة والمنافع للجميع، بل ولكل الأحياء على الأرض حتى تشمل الملائكة والجن وكل موجود عاقل. وقد جاء في بعض الروايات أن إبليس عليه اللعنة قد أُمهل هو الآخر إلى يوم الوقت المعلوم، الذي يفسر بأنه يوم الظهور وخروج المهدي عليه السلام، ذلك لأن إبليس كان قد طلب أمهاله إلى يوم القيامة، ولكنّ الله تبارك وتعالى لم يجبه إلى ذلك، وإنما أمهله إلى يوم معيّن وهو - كما تقول الروايات- يوم ظهور الإمام الحجة عليه السلام، حيث سيُقمع في ذلك اليوم الموعود إبليس، وكل شياطين الأرض ، وعندها ينعم الإنسان والوجود كله بالخير والسعادة.

وهكذا ففي عصر الغيبة الكبرى، أو عصر الانتظار ثمرة معنوية ، وفائدة روحية نستلهمها من خلال عقيدتنا بالإمام المهدي عليه السلام ، وهذا هو مجمل فلسفة الانتظار الذي نعيشه في عصر الغيبة، ويمكننا إجمال هذه الفائدة والثمرة المعنويّة والروحية بثلاثة أمور أساسية هي:

أ- الفائدة الناجمة عن نفس عقيدتنا بالإمام الحجة عجل الله فرجه.

ب- محبتنا وولاؤنا له عليه السلام.

ج- تأييده لنا في المواقف الحرجة، وساعات العسرة.

 

سبيل الانتفاع بالإمام الحجة

وهنا قد يسأل سائل: كيف السبيل إلى الاستزادة، والانتفاع من نور هذه الشمس التي حجبتها غيوم الدهر السوداء؟

والجواب على هذا السؤال تتضمنه النقاط التالية:

1- انتظار الفرج

والحديث عن هذا الانتظار طويل وذو شجون، ولكننا نستطيع أن نوضح مفهومه من خلال ضرب المثل التالي: أن الواحد منّا عندما ينتظر ضيفاً عزيزاً عليه يقدم إليه فان حالته ووضعه سيكونان غير الحالة والوضع الطبيعيتين، حيث سترتسم معالم اللهفة والشوق على وجهه، فنجده يترقب قدوم الضيف عليه دقيقة بعد اخرى، وعيناه مشدودتان إلى الطريق بعد أن يكون قد هيّأ في بيته كل ما تستلزمه الضيافة الكريمة من فراش جيد وطعام وشراب لذيذين، وما إلى ذلك... فكل هذه الأمور إلى جانب الأمور المعنوية التي يعيشها الإنسان تعكس معنى الانتظار.

فإن كان هذا الاستعداد للصديق العادي الذي يأتيك زائراً، فكيف الحال بالنسبة لإمام معصوم يأتي لينقذ البشرية المعذبة، وينجّيها مـن آلامها ومعاناتها. وهمومهـا إلى الأبد، أفلا تنتظره القلوب والأرواح قبل الأبدان؟

أن ساعة الظهور هي أمر غيبي حُجب عنّا، وعن الإمام عليه السلام نفسه، فلا يعلمها إلا الله سبحانه. فنحن لا ندري هل ستحل هذه الساعة بعد شهر أو سنة أو ربما دهر، فذلك في علم الله وحده كما أكدت على ذلك الكثير من الروايات، ولذلك فما على المؤمن المنتظر إلا أن يدعو دائماً للتعجيل في ظهوره عجل الله فرجه. وهذه الدعوة يجب أن لا تكون مجرد ترديد لسان فحسب ، بل دعاءً نابعاً من الصميم ، ومن أعماق القلب الملهوف، التوّاق إلى ظهور الفرج ليعكس ويتجسد في سلوك الداعي وأعماله وجهاده الذي يبرهن من خلاله على صدق دعوته، وشوقه إلى ظهور المهدي، والله سبحانه وتعالى يقول: ( إدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فلا يستخفّن مؤمن عامل بدعائه فيقول: وما قيمة دعائي؟ فللدعاء أهميته ودوره في تعجيل ظهوره عليه السلام، وحدوث الفرج.

فالخالق جل وعلا يدعو عباده إلى الدعاء، والإلحاح في الطلب، حيث يقول: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ إدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) ، وفي موضع آخر يقول عز من قائل:

( وَإِذَا سَاَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)

فالله تبارك وتعالى يستجيب لدعوة عبده المؤمن إذا اخلص العبادة والدعاء، فهو سبحانه يحب إلحاح الملحّين. فلا ينسى أحد منّا عندما يفرغ من كل صلاة يؤدّيها أن يدعو بتعجيل الفرج بظهور مهدي أهل البيت عليه السلام ، وهذا ما يجب أن يتخذه كل مؤمن صادق الولاء لأهل بيت العصمة منهاجاً وسيرة، ألا وهو الدعاء بالفرج في عصر الانتظار فهو لا محالة يقرّب الفرج.

2- تعزيز روحيّة الإنسان المؤمن

والأمر التالي يتمثل في الفائدة المعنوية وتعزيز الروحية لدى المؤمن، إذ أن مجرّد الإيمان والاعتقاد بوجوده وحضوره عليه السلام في هذا العالم رغم عدم معرفة شخصه، فإن ذلك من شأنه أن يخلق الأمل والطموح لدى المؤمنين، ويهوّن لديهم المصاعب والمعضلات، ويزيل همومهم وآلامهم.. ولذلك فإن المؤمنين الصادقين لم يعرفوا الهزيمة والانكسار المعنوي في صراعهم مع أهل الباطل والكفر والعدوان والإلحاد.

بلى؛ قـد ينهزمون عسكرياً فلا ينالون النصر في معركة ما، ولكن هذه الهزيمة لا يمكن أن تنال من معنوياتهم وروحياتهم ما دامت الغلبة في نهاية المطاف لا تكون لأهل الظلم والجور، ومادام هناك في هذا العالم إمام لابد من أن يظهر ويأخذ بثأر ومظلومية كل المظلومين على امتداد تاريخ العمل والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل.

3- بركة دعاء الإمام لأتباعه

فكما نحن ندعو له عليه السلام بالفرج والظهور، ونصرة الله له، وأن يكون قائده وناصره ودليله وعينه، فأنه عجل الله فرجه يدعـو بدوره لأبناء أمته ومحبيـه ومواليـه، ولعل أكثر النعــم التي نعيشها ولا نكاد نحس بها أو لا تخطر على بالنا هي من بركات دعاء الإمام لنا؛ فلعل العديد من الكوارث التي نكره وقوعهـا ولكنّهـا مقدّرة في العلم الإلهي يجري عليها البداء ببركة دعـاء الإمام المهدي عجل الله فرجه، فتزول أو يخفّف وطأهـا وأثرهـا.

4- الأجر والثواب الإلهيان

فالله تبارك وتعالى يكتب لنا الأجر الجزيل لرسوخ عقيدتنا بالمهدي، ولدعائنا الكثير الدائم لـه بالظهور ووقوع الفرج بهذا الظهور المبارك، وقد جاء في الحديث الشريف: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"، وجاء أيضاً: "أفضل العبادة انتظار الفرج"، فلولا انتظار الفرج ليأس المؤمنون من جهادهم وعملهم في سبيل الإسلام ورفعة كلمته، ولضاقت صدورهم حيـن وقوع البلايا والمصائب وتوالي المحن والآلام عليهم؛ بلى لولا انتظار الفرج لما وثبوا إلى ساحات العمل والجهاد والبذل والتضحية بالمال والأنفس في سبيل الله.

فلا يبررن أحد تقاعسه وتكاسله ويدّعي أن لا فائدة ولا جدوى من الجهاد والعمل، إن كان يؤمن ويعتقد بإمامه المهدي عليه السلام، وانتظار ظهوره، وحلول الفرج. فالمنتظر لظهور إمامه عليه السلام يعتبر كل جهد يبذلـه في سبيل الله تعالى ريحانة يغرسها على طريق الظهور، يستقبل بها إمامه الظاهر لا محالة، والذي سيملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، وهذه حقيقة ثابتة.

ونحن لو نظرنا إلى كل المجاهدين والعاملين في طريق الإسلام وفي مجالات الخير والصالحات لوجدناهم جميعاً ممّن يحبّون الإمام، وينتظرون خروجه وفرجه، وهذا يعود إلى كون قلوبهم حيّة طريّة عامرة بالإيمان والأمل .

وهنا أعـود لأذكّر على أن مـجرّد انتظار الفـرج من شأنه أن يخلق الحيوية والنشاط والأمل لدى المؤمن، فيحفزه على العمل والنشاط الدؤوب والبذل وخوض غمار العمل والجهاد، فنراه ينفق ماله في الخيرات ومشاريع الخير والصلاح إن كان ذا مال، أو يجنّد نفسه وطاقاته إن كان صاحب جسم قوي ونشاط، أو يوظف فكره وقابلياته ومواهبه على هذا الطريق إن كان ذا ثقافة وعلم وأدب وفن.

وهكذا فان انتظار الفرج هو الأمر الأول الذي نستفيد منه كفائدة معنوية من فوائد عصر الغيبة الكبرى.

أما الأمر الأساسي الثاني فهو حبّنا للإمام عليه السلام وولاؤنا له. فالإنسان الذي يؤمن بفلسفة الغيبة ولديه اليقين بوجود الإمام وكونه ناظراً على أعمالنا وسلوكنا وتعاملنا مع المجتمع والأمة في الحياة، فإنه يكون على صلة قلبية وروحية مع الإمام؛ أي أنه يصبح ويمسي محباً، ذائباً في إمامه وقائده الذي غيّبته الدهور عنه، فحرمته حلاوة لقائه ، والتمتع برؤيته .

ونحن كشيعة مؤمنين نعتبر الإمام المنتظر النموذج الأعلى لنا، ولما كان هذا الإمام مغيباً عنا كان علينا الرجوع إلى ممثّليه الشرعيين، ومن ينوب عنه في غيبته وهم العلماء والفقهاء والمراجع العظام، نتبعهم ونقلّدهم ونعمل بوصاياهم على أساس من النيابة أو الوكالة. فالإمام مفروض الطاعة ولا جدال في طاعته واتباعه ، أما الوكيل أو النائب عنه فانه واجب الطاعة أيضاً مادام مستقيماً على خط الإمام ونهجه، وفي حالة انحرافه - لا قدّر الله - ولو بأدنى مقدار فان على الأمة أن تميل عنه إلى من هو أعدل منه، وأكثر استقامة وورعاً وتقوى.

وهكذا فان الإمام الحجة عليه السلام هو المقياس لدى الشيعة، وهذه العقيدة هي التي أعطت الفكر الشيعي، وأغنته بالحيوية والاستقامة والثبات، ولذلك لم نجد في تأريخ التشيع أن مرجعاً ما انحرف عن الطريقة بأن جبن، أو صار عميلا، أو خان دينه وأمته، ذلك لأن أبناء الأمة المؤمنة بمهديِّها تراقب بكل دقة مراجعها وسيرتهم وهم يؤدون ما عليهم من التكاليف الشرعية؛ فهم لا محالة سيسقطون من أعين الجماهير أن انحرفوا عن الطريقة أدنى انحراف. فعلاقة الشيعة بمراجعهم لم تكن في يوم من الأيام علاقة شخصية عاطفية، بل هي علاقة قيم ومبادئ، وعلاقة نيابة عن إمامهم الغائب الذي هو قدوتهم الأولى والأخيرة، ومثالهم الحقيقي.

 

الفوائد الحقيقية

وبعد؛ فهذه هي المنافع الظاهرة من الغيبة وانتظار الفرج وهي ما يمكن تسميتها بالفوائد العامة، ثم هناك المنافع والفوائد الخفية التي لا يحس بها، ولا يلمسها إلا أهل الفضل والعرفان.

فكثيرة هي المواقف والظروف العسيرة التي مرّ بها الشيعة أو المسلمون وربما البشرية جمعاء، والتي كادت أن تتحول إلى أهوال لشدتها، فكان الإمام الحجة بدعائه وبمنزلتـه عنـد الله سبحانه وتعالى سبباً لإنقاذها وخلاصها من تلك الأهوال والمواقف العسيرة وهذا مالا يدركه إلا أولو الأبصار من أهل العلم والعرفان.

أننا جميعاً جلوس على مائدة الحجة المنتظر عجل الله فرجه؛ فممّا لا ريب فيه أنه مهيمن على كل أوضاع الأرض وأهوالها، وقد كانت لـه هذه الهيمنة بفضل الله وقدرته ورحمته، ولذلك ينبغي علينا الالتزام بالمفردات التالية:

1- تغيير السلوك

والذي أرجوه أن نعاهد الله جل جلاله منذ هذه اللحظة على أن نغيّر سلوكنا. فقد يغيب عن بالنا، أو ربما يجهل الكثير منا إن أعماله وسلوكه يطّلع عليها الإمام عليه السلام في كل يوم وليلة كما تؤكد على هذه الحقيقة الكثير من الروايات الشريفة؛ فإن كان قد صدر منا خير وصلاح سرّه ذلك، وإن كان شراً أو إثماً اساءه وأحزنه. وإذا أردنا أن نفهم معنى هذا السرور أو الشعور بتلك الإساءة فلنرجع إلى مشاعرنا وأحاسيسنا عندما نلمس المعصية والإساءة من أولادنا، ومن ذلك ندرك أحاسيس إمامنا ومشاعره تجاهنا نحن كشيعة ندعي ولاءه وحبّه ثم نسيئه ونحزنه بمعاصينا، وانحرافاتنا وتقاعسنا وتبريراتنا.

فليكن سلوكنا سلوك المنتظرين الحقيقيين لـه عليه السلام، ولنتمثل حقيقة الانتظار فنصلح نفوسنا وأخلاقنا وسلوكياتنا وتعاملنا مع إخواننا الآخرين، ونجعلها بالشكل الذي يتطابق مع روح الانتظار.

2- الاستعداد النفسي والجسمي

لنكن مستعدّين نفسياً وجسمياً على الدوام، ذلك لان ظهور الإمام -كما بيّنا- لا يعرف أوانه، ومن ذلك نفهم السرّ في أن بعض العلماء والمراجع يجعلون سيوفهم تحت وسادتهم كي يكونوا مستعدين في أية لحظة عندما يظهر الموعود، فما السيف إلا رمز للاستعداد الجسدي.

وبناء على ذلك ينبغي أن يكون لدينا استعداد قتالي هو من الضرورات بالنسبة إلى الشيعة، فيجب على الشيعي أن يكون مهيئاً مدرباً نشطاً مستعداً للتضحية على طول الخط، بالإضافة إلى الاستعداد الأخلاقي، والتزكية النفسية, فالحجة المنتظر إنما يريد أناساً طاهرين مخلصين، وهذا ما يجب أن نبنيه في أنفسنا، ونخلقه في اطباعنا وأخلاقنا.

3- التبشير بالإمام

أي أن نعمل منذ الآن على التبشير بالإمام عليه السلام، وبيان حقيقة الانتظار وفلسفتها ، ولنعلّم أطفالنا ونعرّفهم بالمهدي عليه السلام وغيبته وفوائد هذه الغيبة حسب ما تستوعبه مداركهم؛ أي أن نبسّط المفاهيم ونقرّبها إلى أذهانهم كي يعوا هذه العقيدة، ويترعرعوا في ظلِّها شيئاً فشيئاً؛ فلعل أوان الظهور يكون من نصيبهم، وزمانهم.

وكل ذلك - كما أوضحنا- يكمن في فهمنا واتباعاً لأمرين أساسيين هما:

1- دعاؤنا بتعجيل ظهور الإمام عليه السلام.

2- استيعاب حقيقة الإمام عليه السلام وفلسفة الانتظار.

واستيعاب هذين الأمرين ربما يكفي لوحده لأن يغير أوضاع المسلمين، ويجعلهم أكثر التصاقاً بأئمتهم ، والقيم التي عملوا وجاهدوا من أجلها، وأكثر إتباعاً لمناهجهم، وتقفّي آثار العلماء والمراجع اللذين ينوبون عنهم، وبذلك يصبح المسلمون قوة منيعة كالبنيان المرصوص.

 

المفهوم الحقيقي لانتظار الإمام المهدي عليه السلام

لأنّ رحمة الله سبقت غضبه، ولأنها وسعت كل شيء، ولأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليرحمه لا ليعذبه، فقد جعل عاقبة هذه الحياة الحسنى، وقضى أن يختمها بأفضل يوم وأحسن عهد، وذلك حين ظهور الإمام الحجة بن الحسن المنتظر عجل الله فرجه.

ولقد اخبرنا الله عز وجل في آيات عديدة بهذه الحقيقة الثابتة، ومن ضمنها قولـه تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)

علاقتنا بالإمام المنتظر

ولاريب أن هذه الحقيقة لم تقع بعد، وأن الإنسانية ما تزال تنتظر ذلك اليوم الأغرّ الذي يرفرف فيه لواء العدل والحق فوق أرجاء العالم أجمع، ولكن كيف يتحقق هذا الهدف، وما هي مسؤولية الإنسان اتجاهه، وما هي علاقته أساساً بهذا المنقذ المنجي الذي سيظهر الله تعالى به دينه على الدين كلّه، وبتعبير آخر؛ ما هي العلاقة التي يجب أن نقيمها ونحن نعيش عصر الغيبة بسيّدنا ومولانا الإمام المهدي عليه السلام؟؟

وللإجابة على هذه الأسئلة لابد أن نقول أن القرآن يفسّر بعضه بعضاً؛ فالله عز وجل يقول بعد الآية السابقة: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فهذه الآية توحي لنا بحقيقتين مهمتين:

الظهور يتحقق على أيدي المؤمنين المجاهدين

1- ان تحقيق هذا الهدف يتم على يد أولئك المؤمنين الذين قرروا أن يكونوا مجاهدين حقاً، وان يعقدوا صفقة تجارية رابحة مع ربهم، يجاهدون من خلالها بأنفسهم وأموالهم لينجيهم الرب من العذاب الأليم، ولينالوا رضوانه.

وعلى هذا فليس من الصحيح الاعتقاد بان مسائل غيبية لابد أن تتدخل لتغيير مسار الحياة. فالله تعالى يقول: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ثم يقول بعد ذلك مباشرة: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيم) .

ثـم يستمر السياق الكريم ليبيّن ماهيّة هذه التجارة، في قوله تعالى: ( تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ...) . فالقضية -إذن- تتعلق بالإنسان، فهو الذي يجب أن يحمل راية الجهاد، ويضحّي بماله، ونفسه. ليحصل بذلك على الجنّة، وينجي نفسه من النار حتى تتحقق إرادة الله في إظهار دينه على الدين كله.

الجهاد على نوعين

2- الجهاد في سبيل الله على نوعين؛ نوع يأتي من خلال فورة عاطفية مرحلية، فيبادر الناس إلى حمل الرايات وينادي المنادون بالجهاد بسبب تأثرهم بالأجواء المحيطة بهم، فيندفعون إلى ساحة المواجهة.

وهناك نوع آخر من الجهاد هو الذي يحقق المسيرة الحضارية، ويجعل الإنسان يصل إلى الهدف الأسمى من خلق الكون، ألا وهو إظهار الدين على الأرض كلّها. وتحقيق هذا الهدف الأسمى، وهو غلبة الدين الإلهي على كل الأفكار والمبادئ الوضعية فهو يتطلب فئة باعت نفسها لله عز وجل، ودخلت في صفقة تجارية معه لا تراجع عنها سواء كانت هناك رايات ترفع للجهاد أم لم تكن، وسواء كانت هناك أجواء تحرّض على الجهاد أم لم تكن.

 

الجهاد طبيعة المؤمنين

أن مثل هؤلاء المؤمنين يتمتعون بطبيعة جهادية، فنراهم يبحثون عن الجهاد في كل أفق سواء كانت الظروف مواتية أم لا، لأنهم يعتبرون الجهاد الجسر الأقرب إلى الجنة، والطريق الأقصر لرضوان الله، والسبيل الأفضل للنجاة من النار، ومن الذنوب المتراكمة على النفس.

فكل إنسان لابد أن يرد نار جهنم، فنحن واقعون فيها شئنا أم أبينا، وهذا ما أكدت عليه مصادر التشريع الإسلامي كقوله تعالى: ( وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) (مريم/71-72)

 

النجاة من النار هدف المؤمنين الأعلى

وعلى هذا فإن الهدف الأسمى، والتطلع المهم للإنسان المؤمن يتمثلان في النجاة من النار. وهكذا الحال بالنسبة إلى المجاهدين فهم يسعون لتحقيق هذا الهدف، ولكن بطريق اقصر، وقول الله تعالى: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ) يدّل على ذلك، لأن الخطاب موجّه إلى المؤمنين لا إلى المسلمين أو عامّة الناس، ولأن الحديث موجّه إلى المؤمنين فقد أصبح يمتلك مستوى رفيعاً يتمثل في مخاطبة الإنسان الذي يبحث عن النجاة. أما الإنسان الذي لا يعرف معنى لجهنم، ولا يؤمن بالآخرة، ولا يفكر في الخلاص من نار جهنم، فالحديث لا يمسه بشيء.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن أن الحديث موجّه إلى المؤمنين، فلماذا يؤكد النداء الإلهي مرة أخرى على قضية الإيمان؟ وللجواب على هذا السؤال نقول: أن هذا التأكيد ربما يكون توجيهاً إلى الدرجات العلى من الإيمان.

 

ما يأخذه الإنسان المؤمن

أن كلّ ما ذكر في الآية السابقة كان متعلّقاً بما يعطيه الإنسان المؤمن، إما بالنسبة إلى ما يأخـذه فهو ما يبيّنــه الله جــل وعـلا في القسم الثاني من الآية الكريمة، والذي نذكره من خـلال النقـاط التاليـة:

1- غفران الذنوب ( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) ؛ وهو أهم هدف يسعى المؤمنون لتحقيقه، ذلك لأننا جميعاً مذنبون في حق أنفسنا، ولو غفلنا عن هذه الذنوب فإن عقاب الله لا يضل ولا ينسى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وباعتبار أننا جميعاً مذنبون، فلابد أن نبحث عن طريقة للنجاة تتمثل في الجهـاد مـن النـوع الثاني -كما أشـرنا إليه- والذي يقضي ان يكون الإنسان مجنداً لله، ومتطوعاً ومخلصاً في سبيله.

2- دخول الجنة؛ ( وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم) ُ.

والقرآن الكريم يقرر أن الإنسان ليس بإمكانه إدراك معنى الجنات، ولكنها -باختصار- هي الفوز العظيم، فهي ليست بساتين عادية، أو سقوفاً من فضة، وبيوتاً من ذهب، لأن جميع هذه المظاهر أمور بسيطة لا أهمية لها، والمهم في كل ذلك أنها الفوز العظيم الذي يحققه الإنسان متمثلاً في نيل رضوان الله.

3- النصر المـؤزر ( وَأُخْرَى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب) ؛ وهذه من النتائج المهمة التي يبذل الإنسان المؤمن جهوده من أجل تحقيقها، حيث يشرع في الجهاد، ويصمم على مقارعة أعداء الله.

 

الجهاد في كل الظروف والأحوال

ثم يستمر السياق القرآني الكريم ليؤكد على صفة الإخلاص المطلق لله عز وجل، ونصرة الحق، حيث يقول تعالى: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ) ؛ أي على الإنسان المؤمن أن يكون جندياً في جيش الحق، متطوّعاً في جند الله، متفرغاً في سبيله، وبالتالي أن يكون إنساناً يبحث عن كل ما يمتّ إلى الجهاد بالصلة، وعن أي مظلوم أو حق سليب أو أمة مستضعفة يدافع عنها.

 

الحواريون قدوة المؤمنين

وللإنسان المؤمن في هذا المجال أسوة حسنة بالحواريين الذين قال عنهم الله تعالى: ( كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ اَنصَارُ اللَّهِ) .فالحواريون - كما يبدو من هذه الآية - تقدموا مرحلة مهمة، فعيسى عليه السلام أمرهم أن يكونوا أنصار إلى الله، ولكنهم تقدموا مرحلة وقالوا: نحن أنصار الله؛ أي أننا سلكنا هذا الطريق، ومضينا فيه إلى درجة بحيث وصلنا إلى النتيجة، فأصبحنا أنصار الله جلّت قدرته، ولذلك قال تعالى في بداية الآية: ( كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ) .

يستأنف السياق القرآني الكريم مُبيّناً لنا معنى (أنصار الله) قائلاً: ( قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ اَنصَارُ اللَّه فَآمَنَت طَآئِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَكَفَرَت طَآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)

ونحـن لو تدبـرنا في كلمـة ( ظاهرين ) وربطناها مع العبارة السابقة ( ليظهره على الدين كله) لاستنتجنا أن أنصار الله الحقيقيون هم الذين يمكن ان نضرب بهم مثلاً من واقع الحواريين الملتفّين حول عيسى بن مريم عليه السلام، وهؤلاء هم الذين سيظهر الله تعالى بهم دينه فوق هذا الكوكب. ثم انّ هذه الآية تجيبنا على سؤال سبق وأن طرحناه آنفاً وهو: ما هي علاقتنا بالإمام الحجة عجل الله فرجه.

 

الإمام الحجة شمس مغيَّبة

أن الأحاديث والروايات تبين أن الإمام المنتظر هو كالشمس المغيّبة وراء السحب، فهي ترسل أشعتها، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يراها، ولا يعرف في أي منطقة من هذه السماء الواسعة هي موجودة، فهي تبث الخير والبركة إلى الأرض ولكن من موقع مجهول.

وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمام الحجة عجل الله فرجه ، فهو موجود بيننا إلى درجة أنه عندما يظهر فأن الجميع سيشعر أنهم رأوه في أماكن مختلفة، كما أشارت إلى ذلك الأحاديث الواردة في هذا الصدد، ولذلك فإن على الإنسان المؤمن أن يكون مؤدباً وملتزماً بالأحكام الإسلامية وخاصة في مجلس الدعاء والعزاء والعلم وفي البقع والأماكن المقدسة، لأن الإمام المنتظر عجل الله فرجه قد يكون من بين الحاضرين.

ولذلك فإن من أهم ما يشعر به الإنسان المؤمن فيما يرتبط بعلاقته بالإمام الحجة عجل الله فرجه هو تأدّبه وتهذيبه لنفسه، لأنه يعلم أن الإمام المهدي الذي هو إمامه، وشفيع ذنوبه، وقائده إلى الجنة في الآخرة، تعرض عليه كل يوم أعمال المؤمنين جميعاً، فإذا وجد إنساناً من شيعته يذكر الله تعالى باستمرار، ويفعل الخير، ويسعى إلى الصالحات، فأنه يستبشر، ويغمره الفرح، ويدعو له، أما إذا وجد أن صحيفته سوداء فانه يحزن ويتأثر.

 

جوانب علاقتنا بالإمام

وعلى هذا فان علاقتنا بالإمام الحجة عجل الله فرجه لها عدة جوانب:

1- تهذيب الإنسان المؤمن لنفسه، واهتمامه باعماله وتصرفاته، وخصوصاً بالنسبة إلى من تطوّع في سبيل الله من العلماء والخطباء والمجاهدين، لأن علاقة هؤلاء بالإمام أكثر متانة من علاقة غيرهم به، فهم بمثابة ضباط في جيشه، فإن قدّر لهم الخروج في عهده، فلابد أن يراقبوا أنفسهم اشد المراقبة.

2- الانتظار الذي يعطي معنى (الإنذار)؛ بان يكون الجيش في حالة الإنذار القصوى، وإذا كان كذلك فهذا يعني أن يكون سلاحه وعتاده وصفوفه وتنظيماته في مستوى التحدي والانطلاق للعمل في أية لحظة، وهذا هو ما يعنيه (الانتظار).

وقد لا يكون الجيش الذي وضع تحت الإنذار الشديد محباً للقاء عدوه، فترى كل فرد منه يوجس خيفة من قدوم الأعداء، في حين أن المؤمنين الذين يعيشون تحت أعلى درجة للإنذار يحدو بهم الشوق دائماً إلى لقاء الإمام، وكلما أصبح عليهم يوم جديد سألوا الله عز وجل أن يكون هو موعد ظهور الإمام الحجة عليه السلام.

ولذلك فانهم مستعدون في كل لحظة لسلوك الطريق، وقد جاء في تاريخ علمائنا الذين عاشوا أيام السيوف والرماح أنهم كانوا يهيؤون لأنفسهم سيوفاً يتدربون عليها كل يوم جمعة بعيداً عن أعين السلطات استعداداً لظهور إمامهم، وإبقاءً منهم على الدرجة العالية من التدريب والاستعداد.

وهذا هو المفهوم الحقيقي للانتظار، فهو لا يعني الجمود، وان نجلس مكتوفي الأيدي، أو أن ننتظر حتى ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، ثم نتدرب على السلاح وننظم صفوفنا فهذا تصور خاطئ لا يرضى به الشرع ولا العقل، فقد قال الله جل وعلا فـي بدايـة السورة التي استعرضنا بعضاً من آياتها: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) .

فلابد -إذن- من أن نبادر إلى العمل من الآن استعداداً لظهور الإمام المنتظر عجل الله فرجه، ولذلك فان على كل إنسان مؤمن إن يجدد عهده مع الإمام في كل يوم عبر الأدعية والزيارات المأثورة.

3 - طاعة من أمر الإمام بطاعته؛ فالجندي في المعركة لاينتظر القائد الأعلى ليأتيه ويخبره بالأوامر والواجبات ولكن عبر مراتب القيادة، ونحن باعتبارنا نعيش في أيام الانتظار فان علينا أن نطيع من أمر الله تعالى والإمام بطاعتهم، متمثلين في الفقهاء العدول الذين هم نوّاب الإمام عجل الله فرجه.

 

كيف ننتظر الإمام المهدي عليه السلام؟

سنن الله تعالى تجري في الأولين كما جرت في الآخرين، وهي سنن واحدة لا تجد لها تحويلاً ولا تبديلاً، وفي القصص التي حدثت في تأريخ البشرية إشارات وأمثلة على ما سيجري في مستقبلها، والمستقبل الذي سوف تتجلى فيه سنن الله بصورة كاملة وشاملة هو المراد من خلق الإنسان.

 

المهدي خاتم الأوصياء

وإذا كان آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين هو نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله الذي ختمت به رسالات الله، فإن خاتم الأوصياء هو الآخر سوف تختصر فيه غايات الرسالات الإلهية، لأن الله عز وجل خلق الكون على سنّة التكامل والتسامي. فالأنبياء السابقون - مثلاً- لم يؤمن بهم إلا نزر يسير، وقلما وجد هؤلاء الأنبياء انتصاراً في حياتهم كما انتصر الله لرسـالته الخاتـمة على يـد رسـولنا الأعظـم صلى الله عليه وآله.

وإذا كان فتح الله الذي تجلى على يد النبي صلى الله عليه وآله أعظم فتح، فإن هذا يعني أن الرسالة سوف تتجلى في أفضل صورها، وأروع معانيها، وأصدق حقائقها على يد خاتم الأوصياء سيدنا وإمامنا المنتظر عجل الله فرجه. وهذه الرحلة الشاقة للبشرية لابد أن تنتهي بيوم النصر، وهذه هي إرادة الله تعالى، فالخلق هو خلقه، والمملكة مملكته، والأرض قبضته، ولأن هذه الدنيا إنما خلقت ليرحم الله فيها العباد.

الرحمة الإلهية تقتضي الظهور

ولأن الخالق عز وجل هو أرحم الراحمين، فلابد أن ينتهي الظلام، ولابد أن ينجلي الليل عن نهار مشرق، ولا مناص من أن ترسو سفينة البشرية على شاطئ السلام والأمن والرحمة، لأنه تعالى إنما خلق الخلق ليشملهم برحمته ومن المستحيل لمن يعرف رب العباد، ويعرف أسماءه الحسنى أن يعتقد أن هذه الدنيا وما فيها هي مراد الله، والهدف الذي خلق الكون من أجله. فحاشى لـه عز وجل أن يخلق البشر ليكونوا ألعوبة بيد الطغاة، ويرسفوا تحـت نير الظالميـن، وليكونـوا تحت سحابـة قاتمة من الفقر والمرض والحروب الطاحنة.

فلو فرضنا أن الله تعالى ترك هذه البشرية على ما هي عليه، فما هي - إذن- حكمة بعثة الأنبياء عليهم السلام، وما هي حكمة الكتب والرسالات إذا كان عز وجل يريد للبشرية أن تنتهي إلى ما انتهت إليه الآن؟

وبناءً على ذلك لابد أن تكون لرب العالمين حكمة، وهي أنه إنما أخر إذنه لوليه الأعظم وخاتم الأوصياء بالظهور لأن ظهوره هذا ستكون فيه غاية ونهاية وذروة التقدم البشري، ولذلك فقد أخر هذا الظهور.

الظهور هو السعادة الحقيقية

فإن وجدنا البشرية الآن تعاني العذاب، فإن بعد هذا العذاب رحمة. وإذا عاشت البشرية التفرقة ، فإن هذه التفرقة هي إرهاص للوحدة. ونحن نجد المجتمع البشري اليوم يتقدم خطوات واسعة في طريق التكنلوجيا، ولعل البعض يعتقد أن السعادة سوف تتحقق بهذه التكنلوجيا المتطورة في جميع المجالات، في حين أن هذه ليست سعادة، لأن البشر بحاجة إلى الوحي في الغايات والأهداف والأخلاق والمثل، فهم لا يستطيعون أن يتحركوا لوحدهم.

وهنا لابـد أن تأتـي رسالات الله عز وجل لتنقذ البشرية من هذه المحن، فالإنسان اليوم يستغل التكنلوجيا المتطورة التي توصّل إليها لضرب الأطفال، وقتل النساء، وتدمير المدن، وفي مجال آخر استطاع أن يتطور ويحصل على نتائج مدهشة في مضمار الاقتصاد والزراعة؛ فهو اليوم بمستطاعه أن يزرع في فدان واحد عشر مرات أكثر مما كان يزرعه سابقاً، وتلك مخازن القمح والذرة في أميركا ممتلئة، ولكننا نجد في نفس الوقت ثمانين مليون إنسان يعانون من الجوع، وعشرات الملايين من الأطفال يموتون سنوياً بسبب نقص التغذية وسوء الظروف الصحية.

وإزاء ذلك نرى الغربيين يصرفون أكثر من خمسين مليون دولار لإحراق وإتلاف المحاصيل الزراعية الفائضة عن حاجتهم! والسبب في ذلك ان الإنسان يعرف كيف يُغير الطبيعة ولكنه لا يعرف الهدف، ويجهل كيف يعيش كإنسان أو يتألم لآلام الآخرين.

لماذا آلت البشرية إلى هذا الوضع؟

ترى لماذا يحدث كل هذا؟

إن هذا العالم لا يعرف القيم، ويعاني الأمراض فيها، كرجل كلّ أعضائه سليمـة ولكنـه لا يملك العقـل. فالإنسان فـي هذا العصـر يتـحرك ولكنـه لا يعرف وجهته، وكما روي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: " ومن لم يكن عقله أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه"(2).

إنّ هذا هو حال البشرية اليوم، فهل خلقها الله تعالى لكي تعيش هكذا؟

وبناءً على ذلك فإن هذه التقنية وهذا التقدم الصناعي لا يمكن أن يعطيا الإنسان ما يريده. فهو يريد عيشة الرفاه والسعادة، وهذه السعادة مهددة اليوم بالأسلحة الفتاكة، بحيث أنه بمجرد أن يضغط الإنسان على زر واحد وإذا بالطائرات والصواريخ الحاملة للرؤوس النووية تهدم العالم كله.

 

العلاج في مذهب أهل البيت عليهم السلام

ترى هل أنّ هذا الإنسان الذي يمتلك هذه التقنية القاتلة يتمتع بقيم كافية لتحديدها؟

إن التقدم الصناعي لم يعط للإنسان هذه الحقيقة، فأين -إذن- المنقذ؟

لقد خلق الله عز وجل الكون ليغمره برحمته، فأين تتجلى هذه الرحمة؟

ابحثوا في ديانات الأرض كلها لتجدوا أنها كلها تبشر بيوم الخلاص، وبإقامة حكومة الله في الأرض، ولكن ليس بتلك الصورة الواضحة والمؤكدة التي نجدها في الإسلام، وفي مذهب أهل البيت عليهم السلام خصوصاً؛ فهذا المذهب يتميز بأنه يزود الإنسان بأفق مشرق، ويقر في الإنسان الإيمان بحقيقة أن الله تعالى لابد أن يملأ هذه الأرض بالقسط والعدل والسلام والأمن بعد أن ملئت ظلماً وعدواناً.

لقد ادخر الله عز وجل رجلاً وضعه وراء ستار الغيب، وهذا الرجل موجود ومن الممكن أن يظهر في أية لحظة ليملأ الأرض بكل الخيرات والبركات ، وليكمل عقل الإنسان، وحينئذ تتحقق سعادته، ويغدو إنساناً كاملاً لا يريد أكثر من أن يعيش مرتاحاً، لا يعتدي على إخوانه، ولا يوجد في قلبه غل. فهذا الغلّ الذي في قلوبنا وسوء الظن، وهذه الأخلاق السيئة هي التي تفرّقنا ، ولا تدعنا نعيش بسلام فالسلام لا يقتصر فقط على السلام الخارجي، فهناك سلام في قلب الإنسان، والمجموعة التي لا تعيش أجواء المحبة لا يمكن أن تعيش السعادة، لأن النفس هي معدن السعادة وموطنها.

 

المعنى الحقيقي للانتظار

للانتظار ثلاث معانٍ متدرجة وهي:

1- انتظـار الفـرج؛ وهـو النقـطة المشـرقة التي تتجلى أمام الإنسان، فيتحرّك نحوها بالانتظار. فحركته يجب أن تكون باتجاه نقطة معينة؛ أي باتجاه تلك الغاية التي رسمها الله سبحانه وتعالى، وهذه الغاية هي التي تحددها فكرة انتظار الفرج الذي يشرق على القلوب دائماً بنور الأمل. فالإنسان الذي يعيش الأمل يؤمن بأن العاقبة للمتقين، وبالتالي فإن الله عز وجل سيمكن للصالحين، وتكون على أيديهم نهاية العتاة المتمردين، وهذه الفكرة تجعل قلبه في راحة وأمل، حتى في أحلك الظروف؛ لأن اليأس هو أخطر مشكلة يواجهها الإنسان، فهو يفقد الحياة عندما ييأس، نظراً إلى أن القنوط هو الموت العاجل، والخطيئة الكبرى.

وفي الحقيقة، فإن انتظار الفرج يعالج هذه المشكلة؛ مشكلة اليأس والقنوط، والدليل على ذلك أن الشيعة كانوا وما يزالون هم الأكثر رفضاً للظلم والطغيان، فالمناطق التي تسكنها الأغلبية المؤمنة بمذهب أهل البيت عليهم السلام ، الذين في قلوبهم نور من انتظار الفرج، وشعاع من نور الإمام الحجة عجل الله فرجه نراهم هم الذين يرفضون الظلم أكثر من غيرهم، وهم الذين يتصدّون للفساد، ويضحّون بأنفسهم قبل غيرهم، وعلى سبيل المثال؛ فعندما احتلت إسرائيل جنوب لبنان بادر المسلمون الشيعة في لبنان إلى مقاومة الاحتلال كما يعرف الجميع، وعندما قاوموا الاحتلال كان الشعار الذائع على أفواههم ( يا حجة بن الحسن، يا مهدي)، لأن قوات الكيان الصهيوني كانت جاءت لكي تبقى في لبنان، وهذا يعني انتهاك الأعراض، وتغيير الدين، وانتشار الفساد، فعرف الشيعة الحقيقة، لذلك اتجهوا إلى الإمام الحجة ، وحملوا السلاح في وجه المعتدين، حتى حققوا انتصارهم العظيم.

ونفس هذه الظاهرة وجدناها لدى الشيعة في العراق الذين قاوموا الظلم أيام الاحتلال البريطاني وقبله وحتى اليوم؛ وأذكر في هذا المجال أن مراسلاً فرنسياً سألني قائلاً: إن الشيعة في العراق أصيبوا بمشاكل أكثر من الأكراد، وتحملوا الدمار أكثر من غيرهم، فلماذا لم يقبلوا التفاوض مع النظام كما فعل غيرهم؟ فقلت: لأن الشيعة يمتلكون أملاً اسمه انتظار الفرج.

وفي الواقع فإن السبب الذي يجعلنا نحارب دائماً أننا نؤمن بفكرة الانتظار، ومن علامات وإشارات هذه الحقيقة أن ثورة العشرين قد تفجرت في ليلة الخامس عشر من شعبان، كما أن الانتفاضة الأخيرة ضد النظام الصدامي حدثت هي الأخرى في هذه الليلة، ذلك لأن هذه الليلة هي ليلة النور التي تذكرنا بأننا لسنا من الذين لا يمتلكون إماماً وراعياً، بل نحن نمتلك هذا الإمام والراعي، وهو ينظر إلينا، وهذه الفكرة هي التي تدفعنا إلى الامام. ولو أن الشيعة عرفوا قيمة انتظار الفرج حق معرفتها، واستوعبوها حق استيعابها، لما بقي شيعي واحد مظلوماً في الأرض، لأنهم سيرفضون في هذه الحالة الظلم، وسينصرهم الله عز وجل.

2- المعنى الثاني لانتظار الفرج، أننا عندما ننتظر هذا الفرج نوجه نظرتنا دائماً إلى القيادة، وإلى مركز القرار، وإلى الولاية الإلهية، ونجعل مقياسنا في ذلك الإمام الحجة عجل الله فرجه. وهذا ما ينعكس على قيادتنا الروحية المتمثلة في المرجعية، وما يفسر سبب كون القيادة الدينية لدى الشيعة هي الأزهد والأتقى والأعلم، والأقرب إلى المثل الإلهية.

ونحن عندما نستعرض القيادات الشيعية في العصور الأخيرة. فإننا نجد أشخاصاً من مثل العلامة الأنصاري، والميرزا حسن الشيرازي، والشيخ كاظم الأخوند والسيد الطباطبائي صاحب العروة الوثقى، والمرحوم آية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني، وأخيراً السيد الخوئي، والسيد الكلبايكاني (رضي الله تعالى عنهم أجمعين).

ترى كيف اكتشف الشيعة هذه النماذج، وكيف نمت هذه النماذج، حتى أصبحت قمماً مضيئة لا نجد لها نظيراً في العالم.

السبب أنهم يمتلكون قمة أعلى هي قمة الإمام الحجة عجل الله فرجه، وهذه الذروة السامقة والمتكاملة هي التي نعبّر عنهـا بـ (انتظار الفرج) لأن انتظار الفرج يجعلنا دائماً نسير نحو القمم المضيئة، ونحلّق حتى نصل إلى الآفاق البعيدة.

3- وأما المعنى الأعمق لانتظار الفرج، فهو أن يعيش كل واحد منا كما يريد لـه الإمام الحجة عجل الله فرجه أن يعيش، فكل واحد منا يحاول أن يجد لنفسه نموذجاً يقتدي به، وهذه صفة أصيلة في البشر، لكي يحوّل نفسه إلى صورة مصغرة لذلك النموذج الأسمى، ونحن عندما ندرك ان إمامنا الحجة المؤيد من السماء تتجسد فيه كل المثل العليا، فإننا سننتظر خروجه؛ أي نستقبله من خلال جعل أنفسنا بحيث يرضى عنا.

وفي هذا المجال يؤكد أئمتنا عليهم السلام أن صحيفة أعمالنا تعرض كل يوم على الإمام المنتظر عجل الله فرجه، وأننا بحاجة إليه في كل صغيرة وكبيرة؛ في الدنيا، وعند سكرات الموت، وعند النزول في القبر، وأن السؤال الأول الذي يوجّه إلينا هو عن إمامنا.

ونحن عندما نسمع أن صحائف أعمالنا تعرض كل يوم عليه ، فإننا سنحاول تهذيب أنفسنا أكثر فأكثر، وهذا هو المعنى الأصيل والحقيقي لانتظار الفرج، فهو يعني أن تستقبل الإمام الحجة عجل الله فرجه بأعمالك الحسنة، وبتهذيب نفسك وتزكيتها، وتنمية المعاني الخيرة فيها.

كيف نرضي الإمام المنتظر؟

فلنبرمج لأيام حياتنا، ونضع لها خططاً للتطوير والإصلاح، فمن تساوى يوماه فهو مغبون، ولنحاول أن نرى ما هو النقص فينا، فلقد منّ الله تعالى علينا بالعيش في بيوت مؤمنة تعوّدنا فيها على الصلاة والصيام وحضور المجالس، وهذه نعمة كبيرة، ولكن هل يكفي هذا أم أن أمامنا مدارج أخرى للتكامل يمكننا أن نرتقي من خلالها؟

إن علينا تحديد نقاط الضعف في شخصيتنا، والسعي لعلاجها، ومن ضمن نقاط الضعف التي نعاني منها؛ سوء الظن، الذي هو من أسوأ ما يبتلي به المؤمنون، وهذه فتنة لهم، وهي أسوأ الفتن، فنحن نعتقد دائماً أننا أهل الجنة وأن الآخرين مأواهم النار، فلنستغل ذكرى ميلاد الإمام الحجة عجل الله فرجه لإصلاح أنفسنا ، وإزالة هذه الخصلة السيئة من أنفسنا؛ الخصلة التي نهانا الله سبحانه عنها قائلاً: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ، والمؤمنون هم المخاطبـون في هذه الآية الكريمـة، ثم يستأنف تعالى قائلاً: ( وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضاً..) ، وللأسف فإن هذه الصفات السلبية معشّشة في نفوسنا، وعلينا أن نحاول ونجاهد من أجل اقتلاعها، لنعيش مؤمنين صالحين، ولنكون من المنتظرين حقاً لفرج إمام زماننا.

 

في استقبال الإمام المهدي عليه السلام

عندما يكون الجهاد في سبيل الله عز وجل. فإن الإنسان سوف لا يفرّق في هذه الحالة بين أمة وأخرى، وبين شعب وآخر، وتجمّع وتجمّع ثانٍ، وقد أوضح الله سبحانه هذه البصيرة القرآنية في الآيات التالية من سورة النساء:

( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيراً * الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلآ أَخَّرْتَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيب ٍقُلْ مَتـَاعُ الدُّنْيـَا قَلِيلٌ وَالاَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (النساء/75-77)

ونحن نجد في الآيات السابقة التي تحدد في مجملها أبعاد وملامح المجتمع الإسلامي الفاضل، آيتين متتاليتين تحدّثنا حول ضرورة نصرة المستضعفين أنى كانوا، وتبيّنان لنا أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، وعلى هذا فإن (سبيل الله) الذي تشير إليه الآية الثانية ليس إلا الدفاع عن حق المستضعفين الذي تشير إليه الآية الأولى.

وعندما يكون الدفاع عن المستضعفين هو سبيل الله، فإن ذلك يعني أن هذا الدفاع لا يخصّ مجتمعاً أو جماعة دون أخرى، فعندما يدافع الإنسان عن شعبه، فإن دفاعه هذا قد يكون في سبيل الله، وقد يكون في سبيل الطاغوت، كأن يكون في سبيل الوطن، أو القومية والعنصرية والتكبر.

وعلى سبيل المثال فإن المجتمع النازي في المانيا قدّم أكثر من عشرة ملايين قتيل في سبيل أحلامه العنصرية التوسعية، والمجتمع الصهيوني هو مجتمع حرب، فميزانية الحرب فيه تطغى على كل ميزانية أخرى، فكل إنسان في هذا المجتمع يعتبر مقاتلاً في سبيل هذا المجتمع، ولكن هل قتاله هذا في سبيل الله أم في سبيل الطاغوت؟

 

مجرد الحرب ليس جهاداً

إن مجرد الحرب والقتال، ومجرد خوض المعارك لا يعنيان أن العمل الذي يقوم به الإنسان مشروع، كما يشير إلى ذلك تعالى في قوله الكريم: ( الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) (النساء/ 76)؛ فهما معاً يخوضان القتال، ويقدمان التضحيات، ولكن أحدهما يقاتل في سبيل الله، والآخر في سبيل الطاغوت.

ترى كيف نميّز القتال الحق عن الباطل؟

الجواب: الهدف هو وسيلة التمييز، فإذا كان هذا الهدف متمثلاً في طائفة، أو شعب، أو قوم، أو أرض معينة… فإن هذا يعني أن القتال قد يكون في سبيل الطاغوت.

أما إذا كان الإنسان يدافع عن المستضعفين مهما كانوا، وأينما كانوا، فإن الأمر سيختلف، فهذا يعني أن هذا الإنسان يحارب من أجل الله وفي سبيله.

وفي هذا المجال علينا أن نقول إن الإمام الحجة عجل الله فرجه، إنما يأتي من أجل المستضعفين في الأرض، والذي نريد أن نبينه هنا أن وصول البشرية إلى درجة الدفاع عن المستضعفين يعني بلوغها القمة السامقة من الوعي والنضج الفكريين، فالإنسان -شاء أم أبى- لابد أن يكون محدداً ضمن إطار، سواء كان إطار الأرض أم الإقليم أم أي إطار آخر، فهناك- على سبيل المثال- رجل يدافع عن العراق، وآخر عن أفغانستان، وثالث عن لبنان… وهؤلاء يحق لهم أن يدافعوا عن أرضهم.

ولكن عندما يكون الدفاع عن الأرض فإن هناك واقعين يدفعان الإنسان معاً، وهما؛ دافع الإيمان، ودافع الوطنية؛ ولكن متى يصبح الدافع دافعاً وحيداً؟

الجواب: عندما يقال لك إن إنساناً مستضعفاً في نيكاراغوا، أو في ناميبيا، أو في الفلبين أو أي بلد آخر من بلدان هذه الأرض الشاسعـة يتعرّض اليوم للمأساة والحرمان، فتندفع لنصرتـه، وفـي هذه الحالة فقط سيكون جهادك في سبيل الله سبحانـه وتعالى.

أما إذا اندفعت للقتال في سبيل أرض، أو شعب، أو قوم، أو من اجل قضية دون قضية أخرى، في حين أن القضيتين تشتركان في ملاك واحد، ومقياس واحد، فإن قتالك هذا سيكون فيه نظر ؛ أي أنه سوف لا يكون خالصاً لوجه الله عز وجل.

إن القرآن الكريم يقول بصريح العبارة: ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيراً) (النساء/75).

وهذا يعني أن هؤلاء المستضعفين يستحقون الدفاع أيا كانت انتماءاتهم؛ سواء كانوا ملوّنين أم بيضاً، فقراء أم أغنياء، وسواء كانوا مؤمنين مخلصين أم لم يكونوا كذلك، بل المهم في هذا المجال أنهم مستضعفون.

وإذا كانت هذه الحقيقة صادقة، فإن هذا يشير إلى إن هناك فئة ستمهّد لظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه وإذا كانت هذه الحقيقة صادقة أيضاً، فإن الصراع بين جبهة الحق والباطل إذا بلغ ذروته، فإن الله تعالى سيأذن لوليه بالظهور. ونريد من بلوغ الصراع لذروته أن يتحول إلى صراع دوليّ وعالميّ، وهذا يعـني أننا نقترب بخطى حثيثة من اليوم الموعود إن شاء الله...

والسبب في ذلك أن الصراع في العصور الماضية كان محدوداً وإقليمياً، فهو لم يمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، في حين أن الصراع الآن يشمل العالم كله، فهذه الحروب يشترك فيها الأميريكيّون، والفرنسيون، والبريطانيون، والروس بالإضافة إلى من يدور في فلكهم، وفي جهة أخرى نجد أن المسلم العراقي والإيراني والأفغاني وسائر المسلمين في العالم يقفون في جبهة واحدة ضد جبهة الجاهلية، وهذا يعني أن الحق والباطل أصبحا يمثلان جبهتين عالميتين غير محدودتين بحدود إقليمية أو عنصرية وما إلى ذلك.

 

الصراع بين الإيمان والجاهلية يبلغ أوجه

إن الإنسان المؤمن يقاتل في سبيل الله؛ فالصراع أصبح صراعاً من جانب المؤمنين في سبيل الله دون إعارة أية أهمية إلى الاعتبارات الأخرى، ومن جهة أخرى فإن الجاهلية عبّأت اليوم طاقاتها من أجل الإبقاء على الطاغوت أيّاً كان، وهذه ميزة أخرى لا تتحقق إلا قبيل ظهور الإمام المنتظر عجل الله فرجه؛ فالأرض قد ملئت ظلماً وجوراً، وهذه الأرض يجب أن تملأ بحول الله وقوته بالقسط والعدل والسلام من قبل وليّ الله الأعظم، وهذه حقيقة ثابتة لابد أن تتحقق.

وهكذا؛ فإن الحرب اليوم أصبحت على جبهتين واسعتين؛ جبهة الحق، وجبهة الباطل. وبعبارة أخرى؛ صراع بين المؤمنين المجاهدين في سبيل الله والمستضعفين، وبين الكفار المقاتلين في سبيل الطاغوت.

فالذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله جلّ وعلا ، وبتعبير آخر؛ من أجل القيم، لا من أجل أرض، أو ذات، أو أيّة قيمة مادية أخرى، بل من أجل الإنسان المستضعف أنى كان.

وهناك في المقابل جبهة الجاهليّة التي تحارب من أجل الطاغوت. وقد دخلنا الآن مرحلة جديدة. فلو أردنا أن نقرّب ظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه فعلينا أن نعمل من أجل إنقاذ البشرية من هذه الحروب، والويلات والمآسي ، ولابد أن نصبح جنوداً وعاملين مخلصين في جبهة وليّ الأمر.

ونحن الآن علينا أن نسجل أسماءنا في قائمة أصحاب وأنصار وجنود الإمام المهدي عجل الله فرجه، وذلك من خلال تغيير الذات، والتجرد من الأنانيات، والتحوّل إلى إنسان يعمل في سبيل الله سبحانه، ويقاتل من أجله في أية أرض، ومن أجل أي إنسان مستضعف.

إن المسافة بيننا وبين ما نريد أن نصل إليه طويلة وشاسعة، ونحن نحتاج من أجل تحقيق أهدافنا إلى العمل الجاد الدؤوب، والاجتهاد والحيوية، وتزكية أنفسنا، وطرد الأطر الضيقة منها، وأن نجاهد من أجل ان نجعل نوايانا في جهادنا خالصة بشكل كامل لوجه الله الكريم.. ومن خلال هذه الخطوات الضرورية سنستطيع حينئذ أن نمهّد لظهور الإمام المنتظر عجل الله فرجه، ونكون من جنوده.

 

(1) دعاء ابي حمزة الثمالي.

(2) بحار الانوار، ج1، ص94، ح26.