الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة الإمام الرضا

فهرس الكتاب

 

مولد النور

لقدا اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بصيانة العلاقة بين الرجل والمرأة وحرص كل الحرص أن تكون هذه العلاقة على أسس متينة من الطهارة والعفة والشرف وركّز كل التركيز على تهيئة المرأة الصالحة لأنّه يرى أنّ المرأة السيئة والماجنة لا تنشئ جيلاً هادفاً ورائداً وبما أنّ الإسلام ذو نظرة مستقبلية هادفة شجب كل أعمال الرذيلة والفحشاء ورمى من وراء ذلك إلى وضع النظريات التربوية الصالحة في خلق جيل إسلامي واعٍ.

والشيء الطبيعي أنّ المرأة الصالحة بمثابة الأرض الطيبة إذا زرعت بها زرعاً صافياً من الزؤان، وحرثتها الحراثة الصحيحة، وتهيأ لها الجو والمناخ الطبيعي، سوف يحصد منها الإنسان أفضل، محصول، وكذلك المرأة الصالحة إذا كان زوجها صالحاً وكانت العلاقة بينهما قائمةً على أساس من ذكر الله حتى في ساعة الخلوة بينهما سوف تكون نتيجة اللقاح الجنسي وجود الثمرات الإنسانية الرائعة.

ولم يكتف الإسلام بإيجاد هذه النظريات في الذهن والتصوّر بل خرج بل إلى عالم الحقيقة من خلال سلوك القادة المبدئيين من الأئمة من أهل بيت العصمة والطهارة من علي (عليه السلام) حتى آخر الأئمة، فهم نهجوا هذا النهج من أجل خلق جيل إسلامي طاهر بعيد عن كل معاني الفحش والرذيلة. وقد كانت (حميدة البربرية) زوجة الإمام الصادق (عليه السلام) منعوتة من قبله (عليه السلام) بأنّها عالمة غير معلّمة وهي أم أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) هذه المرأة الفاضلة المهذبة كانت قد اشترت جارية مولدة من أشراف العجم واسمها (تكتم)(1) وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها (حميدة) حتى إنّها ما جلست بين يديها منذ ملكتها إخلالاً لها ويروي الشيخ المفيد قصة لطيفة في شأنها والرواية عن هشام بن أحمد قال:

قال لي أبو الحسن الأول أي الكاظم (عليه السلام): هل علمت أحداً من أهل المغرب قدم؟ قلت: لا، قال: بلى، قدم رجل من أهل المغرب المدينة. فانطلق بنا فركب وركبت معه حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق، فقلت له: أعرض علينا، فعرض علينا سبع جوار كل ذلك يقول أبو الحسن: لا حاجة لي فيها، ثم قال: أعرض علينا، فقال: ما عندي إلاّ جارية مريضة، فقال: ما عليك أن تعرضها! فأبى عليه وانصرف.

ثم أرسلني من الغد فقال لي: قل كم غايتك فيها؟ فإذا قال لك كذا وكذا، فقل له: قد أخذتها. فأتيته فقال: ما كنت أريد أن أنقصها من كذا وكذا! فقلت: قد أخذتها، قال: هي لك، ولكن أخبرني من الرجل الذي كان معك بالأمس؟ قلت: رجل من بني هاشم قال: من أي بني هاشم؟ قلت: ما عندي أكثر من هذا. فقال: أخبرك إنّي لما اشتريتها من أقصى المغرب فلقيتني امرأﺓ من أهل الكتاب، فقالت: ما هذه الوصيفه معك؟ قلت: اشتريتها لنفسي فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك، إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض فلا تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد غلاماً، لم يولد بشرق الأرض، ولا غربها مثله، قال: فأتيته فلم تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى ولدت الرضا (عليه السلام)(2).

فإذا أخذنا هذه الحقائق التي أجمع المؤلفون على صحتها وهي أنّ هذه الجارية من أفضل النساء عقلاً وأدباً وتمسكاً بتعاليم الدين مع اقتران الإمام الزاهد العابد الراكع الساجد الذي لم يعرف التاريخ أكثر منه زهداً وورعاً في الحياﺓ صاحب هذه النفس الطاهرﺓ التي لم تتلوث بمعصية من معاصي الله حتى في عالم التصوّر والتفكّر إذا اقترنت بهذه المرأﺓ المصفاﺓ فماذا سيحدث؟

وطبيعي سوف تنجب هذه الفاضلة كما قالت المرأة الكتابية خيرة أهل الأرض علماً وورعاً وزهداً وفهماً وشرفاً، ولقد كان علي الرضا (عليه السلام) حائزاً على كل شرف وفضيلة، وبعيداً من كل سفه ورذيلة سما به الكمال والجلال، وعلت به المفاخر والمناقب، وتشرّفت باسمه الأعواد والمنابر، فهو الشريف ابن الشريف إلى نهاية الشرف وذروته، وهو رأس الفضل وسنامه وهو عنوان الأدب وقمّته، وهو تاج الفخار وعمّته، من لا يضاهيه في حياته بعد أبيه إنسان، منه الفصاحة تفتحت أكمامها وتفرعت أقسامها فهو الشجرة الطاهرة الزاكية والثمرة الناضجة الراقية وهو أنشودة الحياة في هذا الوجود وأفضل هذا العالم الموجود، ولا غرو فهو ابن الأئمة الميامين الذين طابت أصولهم وعلت فروعهم، حتى أحلوا المساحة الواسعة من ساحة الفخار والهضبة العالية من مكان المجد فأورقت في ساحة العز أشجارهم وتدفقت فيها أنهارهم فكانوا مجمعاً لكل كمال ومكاناً لكل وقار وجلال.

موئل المجد

لقد اهتم علماء التربية بتهيئة الأجواء المناسبة والملائمة لنمو الشخصية الإنسانية نموّاً طبيعياً كما اهتمّ علماء الطب كذلك لنموّ الإنسان في جسده نموّاً طبيعياً.

ولقد فرق العلماء بين شخصيتين إحداهما تربية امرأﺓ فاضلة والأخرى تربية امرأﺓ سيئة. وبين شخصين أحدهما يتوفّر له الغذاء المادي الكامل والآخر الذي لا يتوفّر له إلاّ البؤس والشقاء.

فقالوا: أمّا الأولان فسيكونان كاملين من جميع الجوانب أي من الناحية النفسية والجسدية والخلقية وما إلى ذلك.

وأمّا الآخران فسيكونان ناقصين مشوهين خلقياً وجسدياً وبالتالي ينشأ المجتمع الهزيل الضعيف لأنّه يتكون من هذه الأفراد المشوهة الهزيلة ولهذا تحاول هذه الفئة الإنسانية المصلحة أن تحدّ من جشع المحتكرين ليؤمنوا لأصحاب الدخل المحدود وضعاً معيشياً مقبولاً ليعيش فيه أولاده عيشة غذائية ليس فيها نقص للمواد الضرورية التي يتوقف عليها نظام الحياﺓ.

كما أنّهم يحاولون بذلك كل ما يمكنهم الخلق جيل نسوي رفيع المستوى في الخُلق والالتزام والطهارة لتنشأ الأجيال في ظل هذه النماذج الخيرة وهي تحمل سمة أخلاقية رفيع المستوى، وأهل البيت (عليهم السلام) أول من سنّ للناس هذه القاعدة التربوية المتكاملة في عالمي الجسد والروح فمن ناحية نزعوا إلى وضع خطة تربوية ناجحة، ومن ناحية أخرى وقفوا المواقف الصارمة من الظلمة المستغلين أقوات الشعوب الضعيفة بينما هم يتجشأون شبعاً وكظة وبطنة نرى بالجانب الآخر من الوجود الإنساني جماعة يتضورون جوعاً وسغباً وعطشاً وإذا قرأ الإنسان تعاليم أهل البيت في هذين الميدانين يأخذه العجب والانبهار من كثرﺓ ما يجد من تعاليم قيمة في هذا الجانب وإذا كانوا قد اهتموا بالناس إلى هذه الدرجة فهل يتركون أولادهم ولا يقيّمون لهم المنهج الصحيح.

الشيء الثابت عن الطاهرين المعصومين أنهم قبل أن يعظوا الناس بشيء يعملون به وبالأخص وهم قدوة الأنام ومعلمو البشرية.

إذاً فمن يكون والده وأستاذه ومربّيه (موسى بن جعفر) المعروف بطهارﺓ ذاته وكريم صفاته وأنّه يظلله جوّه البيتي المضمّخ بعبير الأوراد وترنّمات الدعاء وتسبيحات الصدّيقات وقراءﺓ القرآن هذا الجو السحري الحالم والندي الكريم سوف يخلق في الإنسان نفسية جديدﺓ وروحية عالية وأخلاقية مثلى لو كان بعيداً عن سلسلة التراث الديني الرفيع والأخلاقي البديع فكيف بمن تناقلته الأصلاب الطاهرة، والأرحام المطهّرة، ولم يتلوّث وهو في حجب الأستار بمعصية أفلا يكون بعد هذه الأجواء الطاهرة فريد عصره، ووحيد دهره، وأمثولة الفخار، وأغنية الليل والنهار، وكذلك كان علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

مدرسة العصمة

كل ظاهرة اجتماعية أو طبيعية يجد الإنسان لها تأويلاً غالباً ما يرتاح إليه، والناس قد ألفت هذه الظواهر وألفت تفسيرها، وربما تستغرب عندما تسمع بالظاهرﺓ العلمية الرائدﺓ والفريدﺓ عند أهل البيت ثم لا تجد لها تعليلاً ملائماً في الخارج. ونحن بنظرنا نقول: إنّ عدم الاقتناع بمثل هذه الظواهر الفريدة يعود إلى بعد الإنسان عن الخط السماوي الأصيل.

فإذا طرحنا هذه المسألة وقلنا لهؤلاء إنّ أي عالم من العلماء الماضين الذين أصبحوا مضرب الأمثلة في التبحر نجد في ترجمة حياته أنّه تتلمذ في النحو على فلان وفي الأدب على فلان وفى الفقه على فلان وهكذا ثم يصبح بعد ذلك أستاذاً فيموّل المشاريع العلمية بواسع ثروته ويرفدها من بحر عطائه. غير أنّ هذه الظاهرﺓ لا تنسجم مع حياﺓ الأئمة (عليهم السلام) حيث لم يعلم عن أحد منهم أنّه تأدّب على يد مؤدّب واع قدير أو أنّه دخل مدرسة ابتدائية ثم تطوّرت به إلى مراحلها العليا، ومع هذا فلم يوجد في العالم الإسلامي والإنساني أعلم من هؤلاء، لا في الفقه الإسلامي فحسب، بل في كل العلوم الكونية.

ولا تفسير لهذه الظاهرة الفريدة إلاّ أنّهم نماذج بشرية راقية اختصّهم الله سبحانه وتعالى بواسع علمه، وكانوا على جانب عظيم من الصفاء والطهارﺓ، فاستوعبوا جميع العلوم الكونية في مدّﺓ وجيزﺓ من الزمن، وعلى هذا يحمل قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (علّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب، من كل باب ينفتح ألف باب).

وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) رواية تفيد أنّ هؤلاء النماذج أعلم الناس صغاراً وأحلمهم كباراً، لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، وإنّهم أطايب عترتي.. الخ. وإلاّ كيف يمكن تفسير إمامة الإمام محمد الجواد (عليه السلام) وهو ابن تسع سنين تقريباً! وقد أفحم أكبر قاض في الدولة العباسية وبحضور جميع القواد من بني هاشم وغيرهم!! من هذا المنطلق نتحدث عن علم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لقد زقّ العلم زقاً من نبع أبيه الفياض، واستطاع وهو في صغره أن يتقن ويحظ كل العلوم الكونية والاجتماعية والإسلامية حتى إذا أصبح في ريعان شبابه الأستاذ الأكبر والمعلم الأول والأوحد قعد وفتح بيته للناس يعلمهم أحكام دينهم ويجيب على مسائلهم.

وقد روي عن الإمام موسى بن جعفر أنّه قال لبنيه:

(هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فاسألوه عن أديانكم وأحفظوا ما يقول لكم فإني سمعت أبي جعفر بن محمد غير مرﺓ يقول: إنّ عالم آل محمد لفي صلبك وليتني أدركته فإنّه سمي أمير المؤمنين علي).

وروي عن إبراهيم بن العباس الصولي أنّه قال: ما رأيت الرضا سئل عن شيء إلاّ علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب عنه، وكان جوابه كله وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد.

وعن رجاء بن أبى الضحاك وكان قد بعثه المأمون لإشخاص الرضا قال: ما رأيت رجلاً كان أتقى لله منه ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجل وكان لا ينزل بلداً إلاّ وقصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما وردت على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدت منه في ليله ونهاره وظعنه وإقامته.

فقال: بلى يا بن أبى الضحاك، هذا خير أهل الأرض وأعلمهم وأعبدهم(3).

وعن سنن ابن ماجة كما في (خلاصة تهذيب الكمال): كان سيد بني هاشم وكان المأمون يعظمه ويجلّه، وعهد له بالخلافة، وأخذ له العهد، ويقول المأمون في جوابه لبني هاشم: وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا، فما بايع له المأمون إلاّ مستبصراً في أمره، عالماً بأنّه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفةً، ولا أورع، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشدّ في ذات الله منه(4).

وعن أبي الصلت الهروي قال:

ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد من علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفـــضل وأقـــرّ عــلى نفسه بالقصور(5).

وعنه أيضاً:

ولقد سمعت علي بن موسى الرضا يقول: كنت أجلس بالروضة والعلماء في المدينة متوافرون، فإذا أعيى الواحد عن مسألة أشاروا إلىّ بأجمعهم وبعثوا إليّ بالمسائل فأجيب عليها.

وعن المأمون في حديث ولاية العهد: (ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض)(6).

وعن المناقب: لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا. يقول محمد بن عيسى اليقطيني جمعت من مسائله مما سئل عنه وأجاب فيه ثمانية عشر ألف مسألة، وقد روي عنه جماعة من المصنفين منهم أبو بكر الخطيب في تاريخه والثعلبي في تفسيره والسمعاني في رسالته وابن المعتز وغيرهم وبعد حوار علمي له مع المأمون قال علي بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمد بن جعفر وكان حاضر المجلس وتبعتهما فقال له: كيف رأيت ابن أخيك؟

فقال: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم.

فقال المأمون: إنّ ابن أخيك هذا من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) الذين قال فيهم النبي(صلى الله عليه وآله): (ألا إنّ أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلمهم كبار، ولا تعلموهم فإنّهم أعلم منكم ولا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم في باب ضلال)(7).

وفي كامل ابن الأثير: وذلك أنّه أي المأمون، نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً أفضل ولا أورع ولا أعلم منه(8).

 

1 - كشف الغمة ج 3 ص 104.

2 - الإرشاد ص 308.

3 - عيون أخبار الرضا ج 2 ص 180 – 183.

4 - البحار ج 49 ص 211 نقلاً عن كتاب الإمام الرضا لمحمد جواد فضل الله.

5 - البحار ص 100.

6 - الإرشاد للمفيد ص 311.

7 - عيون أخبار الرضا ح 1 ص 204.

8 - ابن الأثير ح 5 ص 183.