الكوفة

 

إحدى المدن المهمة في العراق، كانت معقلاً لأنصار أهل البيت ومغرساً للشيعة، وقد اتّخذها علي عليه السلام عاصمة لحكومته. ورويت في فضلها أحاديث كثيرة. وطبقاً لما نقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه وصفها بحرم علي بن أبي طالب، وفسرها بأنها هي "طور سينين" الوارد ذكره في القرآن(سفينة البحار498:2).

 

تقع الكوفة على جانب الفرات الأوسط غرباً، أسّسها سعد بن أبي وقّاص بعد وقعة القادسية أيّام عمر بن الخطاب، وازدهرت هي والبصرة في الحكومة الأموية. وكانت تسمى قديماً "كوفان". وقيل: سميت الكوفة لاستدارة بنائها، ويقال: تكوّف القوم، إذا اجتمعوا واستداروا، وقيل أيضاً أن اسم الكوفة يعني الرملة الحمراء.

 

شيّد المسلمون بعد فتحهم العراق مدينة الكوفة لتكون مركزهم وقاعدتهم التي ينطلقون منها نحو الشرق، وبمرور الزمن أصبحت للكوفة مكانة مهمّة في مجال السياسة والحرب، وإلى جوار الكوفة غدت كربلاء مكاناً لقلّة من الناس امتهنوا الزراعة في المناطق القريبة من موارد المياه. وكان يقال للكوفة "كوفة الجند" أيضاَ(موسوعة العتبات المقدسة46:8)

بعد امتناع الإمام الحسين عليه السلام عن البيعة وخروجه إلى مكةّ، كتب رؤساء شيعة الكوفة إليه يدعونه للقدوم إليهم. فأرسل إليهم مسلم بن عقيل مندوباً عنه، فبايعه الثوريون من أهلها.   

 

ولكن أدّى مجيء ابن زياد إلى قلب الوضاع، ولم يسمحوا للحسين بالوصول إلى الكوفة.

كان النسيج الاجتماعي في الكوفة يتكوّن يوم ذاك من خليط متباين من العناصر المختلفة، فكان فيها شيعة علي وأبنائه، وفيها من ينهجون نهج الخوارج، ولم تكن خالية من أنصار بني أُميّة. إضافة إلى ما كان يتّسم به المجتمع الكوفي في ذلك الوقت من الانتهازية والانهزاميّة والتأثّر بالدعايات. وقد وقف الأشخاص الأثرياء فيها أمثال الأشعث بن قيس، وعمرو بن حريث، وشبث بن ربعي إلى جانب عبيد الله بن زياد. فكانت هذه العناصر المختلفة والقوام المتنوعة وغير المتجانسة وغير المنسجمة والتي تتكون الأكثرية منها من المهاجرين إلى هذه المدينة التي كانت قد أُنشئت حديثاً، سبباً في عدم الاستقرار السياسي فيها.

 

كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي وقد استغل ابن زياد هذه الظاهرة وسيطر على المدينة عبر استمالة رؤساء القبائل فيها. وهذه الزوبعة التي آثارها ابن زياد كانت السبب الذي أبطل كلّ تلك الكتب والدعوات وأدى إلى تشتت آلاف الأيدي المبايعة للإمام الحسين عليه السلام.

 

وقعت حادثة كربلاء قريباً من هذه المدينة، والجيش الذي خرج لقتال الحسين كان يتألف بشكل أساسي من أهاليها وبعد انتهاء الواقعة جيء بسبايا أهل البيت إليها، وفيها ألقت زينب الكبرى عليها السلام خطبة أحالت فرحة أهل الكوفة إلى حزن وعزاء. ومن هذه المدينة خرج التوابون بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وفيها أيضاً كان خروج المختار. ومثلما حارب أهل الكوفة إلى جانب علي عليه السلام في معركتي الجمل وصفّين، كانت لهم أيضاً مشاركة واسعة في جميع الثورات والمواقف المناهضة للأمويين.

 

شهدت الكوفة أحداثاً وتطورات سياسية واضطرابات كثيرة ومهمة، ففيها نهض حجر بن عدي وأصحابه وقتل، وقتل فيها أيضاً عمرو بن الحمق الخزاعي. وفي الكوفة صلب ميثم التمّار بأمر ابن زياد. وقتل فيها أيضاً رُشيد الهجري وكان من خلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وفي هذه المدينة وقعت جرائم ومذابح الحجّاج بن يوسف الثقفي بحق شيعة علي عليه السلام مثل قنبر وكميل وسعيد بن جبير و . . .إلخ. وفيها أيضاً كان خروج ومقتل زيد بن علي بن الحسين عليه السلام في محلة الكناسة.

 

و فيها أيضاً وقعت ثورات العلويين في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة كثورة ابن طباطبا العلوي، وخروج أبي السرايا في زمن المأمون، وثورة القرامطة، وما إلى ذلك. وتقع في الكوفة قبور شخصيات مثل: كميل بن زياد، والخباب بن الأرت، والأحنف بن قيس، وسهل بن حنيف الأنصاري، وغيرهم(للإطلاع على مزيد من المعلومات عن تاريخ الكوفة راجع: "تاريخ الكوفة" للسيد حسن البراقي النجفي، وكتاب: موسوعة المصطفى والعترة، محسن الشاكري 109:2)

 

و في هذه المدينة يقع مسجد الكوفة وهو من أعظم وأقدس المساجد وبقاع الأرض، وموضعه كما تشير بعض الروايات كان دار إبراهيم ونوح، ومصلّى إبراهيم، ومصلّى الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، ومحل عصا موسى، وشجرة اليقطين، وخاتم سليمان، وهو الموضع الذي جرت فيه سفينة نوح، وفيه قبور الأنبياء والمرسلين والأوصياء، وفي مسجد الكوفة دكّة القضاء وهي المنصّة التي كان يجلس عليها أمير المؤمنين للقضاء.

 

قال عنها الإمام الصادق عليه السلام: ". . . تربة تحبّنا ونحبّها اللّهم ارم من رماها وعاد من عاداها"(سفينة البحار 499:2).