المكتبة العقائدية » ثم اهتديت (تحقيق وتعليق مركز الأبحاث العقائدية) (لـ محمد التيجاني السماوي)


ثم اهتديت - تاليف : الدكتور محمد التيجاني السماوي(ص 241 - ص 270)

(١) الصحابة في صلح الحديبية

مجمل القصّة أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) خرج في السنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه، فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب، وأحرم هو وأصحابه بذي الحليفة، وقلّدوا الهدي ليعلم قريشا أنّه إنّما جاء زائرا معتمرا وليس محاربا، ولكنّ قريشا بكبريائها خافت أن يسمع العرب بأنّ محمّدا دخل عنوة إلى مكّة وكسر شوكتها، فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ودّ العامري، وطلبوا منه أن يرجع في هذه المرّة من حيث أتى على أن يتركوا له مكّة في العام القادم ثلاثة أيّام، وقد اشترطوا عليه شروطا قاسية قبلها رسول اللّه‏ لاقتضاء المصلحة التي أوحى بها إليه ربّه عزّ وجلّ.

ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التّصرف من النبي، وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطّاب فقال : ألست نبي اللّه‏ حقا؟

قال : بلى.

قال عمر : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟

قال : بلى، قال عمر : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟

قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) : إنّي رسول اللّه‏ ولست أعصيه وهو ناصري،

قال عمر : أولست كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟

قال : بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟

قال عمر : لا.

قال : فإنّك آتيه ومطوّف به.

ثُمّ أتى عمر بن الخطّاب إلى أبي بكر فقال : يا أبا بكر أليس هذا نبي اللّه‏ حقّا؟

قال : بلى، ثمّ سأله عمر نفس الأسئلة التي سألها رسول اللّه‏، وأجابه أبو بكر


الصفحة 242

بنفس الأجوبة قائلاً له : أيّها الرجل، إنّه لرسول اللّه‏ وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه(1).

ولمّا فرغ رسول اللّه‏ من كتاب الصلح قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثمّ أحلقوا، فواللّه‏ ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يمتثل لأمره منهم أحد؛ فدخل خباءه ثمّ خرج فلم يكلّم أحدا منهم بشيء حتّى نحر بُدنةً بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلمّا رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضا(2).

هذه مجمل قصّة الصلح في الحديبية، وهي من الأحداث المتفق عليها عند

____________

1- لا أدري لماذا هذه المراجعة الثانية لأبي بكر، ألا يطمئنّ قلب عمر بن الخطّاب بكلام النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)؟ وهل يثق بكلام أبي بكر ويطمئنّ له أكثر من النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)؟! ولا أدري لماذا يغضب عمر من كلام النبي ولا يغضب من أبي بكر لما أجابه نفس الجواب، ذكر البخاري في كتاب التفسير في سورة الفتح: «فقال (صلي الله عليه و آله وسلم): يا بن الخطّاب إنّي رسول اللّه‏ ولن يضيّعني اللّه‏ أبدا، فرجع متغيّظا فلم يصبر حتّى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحقّ..؟ قال: يا بن الخطّاب، انّه رسول اللّه‏ ولن يضيّعه اللّه‏ أبدا»، وفي السيرة الحلبية ٣: ٢٨ «ولقي عمر من ذلك الشروط... أمرا عظيما، وجعل يردّ على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)الكلام...».

2- وردت هذه القصّة بأسانيد وألفاظ مختلفة راجع: صحيح البخاري ٢: ٩٧٤ كتاب الشروط، باب شروط الجهاد، وأيضا كتاب التفسير في تفسير سورة الفتح، مسند أحمد ٣: ٤٨٦، ٤: ٣٣١، المصنّف للصنعاني ٥: ٣٣٩، صحيح ابن حبّان ١١: ٢٢٤، تفسير الطبري ١٣: ١١٧، تفسير ابن كثير ٤: ٢١٣، البداية والنهاية ٤: ٢٠٠، السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٢٢٠، المعجم الكبير للطبراني ٢٠: ١٤، الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٧، نيل الأوطار للشوكاني ٨: ١٨٧، السيرة الحلبية ٣: ٢٨.


الصفحة 243

الشيعة والسنّة، وقد ذكرها المؤرّخون وأصحاب السير كالطبري، وابن الأثير، وابن سعد وغيرهم كالبخاري ومسلم.

وأنا لي هنا وقفة، فلا يمكن لي أن أقرأ مثل هذا ولا أتأثّر، ولا أعجب من تصرّف هؤلاء الصحابة اتّجاه نبيّهم، وهل يقبل عاقل قول القائلين بأنّ الصحابة رضي اللّه‏ عنهم كانوا يمتثلون أوامر رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)وينفّذونها، فهذه الحادثة تكذّبهم وتقطع عليهم ما يرومون، هل يتصوّر عاقل بأنّ هذا التصرف في مواجهة النبيّ هو أمر هيّن أو مقبول أو معذور؟!

قال تعالى : ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً (1).

فهل سلّم عمر بن الخطّاب هنا، ولم يجد في نفسه حرجا ممّا قضى الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)؟! أم كان في موقفه تردّد في ما أمر النبي وخصوصا في قوله : أولست نبي اللّه‏ حقّا أولست كنت تحدثنا إلى آخره؟!

وهل سلّم بعدما أجابه رسول اللّه‏ بتلك الأجوبة المقنعة؟

كلا لم يقتنع بجوابه وذهب يسأل أبا بكر نفس الأسئلة، وهل سلّم بعدما أجابه أبو بكر ونصحه أن يلزم غرز النبي؟ لا أدري إذا كان سلّم بذلك أو اقتنع بجواب النبي أو بجواب أبي بكر!! وإلاّ لماذا تراه يقول عن نفسه : « فعملت لذلك أعمالاً.. »(2).

____________

1- سورة النساء: ٦٥.

2- ورد في صحيح ابن حبّان ١١: ٢٢٤ «قال عمر بن الخطّاب: فعملت في ذلك أعمالاً، يعني في نقض الصحيفة»، وقال ابن حجر في فتح الباري ٥: ٢٥٥ «قال بعض الشرّاح: قوله: أعمالاً، أي من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب، ولم يكن ذلك شكّا من عمر بل طلبا لكشف ما خفي عليه وحثّا على إذلال الكفّار...».
أقول: إنّ عمر اعترف بنفسه بالشك حيث قال: «ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذٍ» انظر المصنّف لعبد الرزاق ٥: ٣٣٩، صحيح ابن حبّان ١١: ٢٢٤، المعجم الكبير للطبراني ٢٠: ١٤، تفسير الطبري ٢٦: ١٢٩، الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٧، تفسير الثعلبي ٩:٦٠، ولا ريب أنّ هذه الجملة دالّة على أنّ عمر كان شاكّاً في دينه، ولا شكّ أن الشكّ في الدين كفر، والتعصّب الأعمى لتقديس عمر بن الخطّاب وغيره الكثير من الشخصيات المصطنعة ادّى بابن حجر العسقلاني مع تعلات عمر هذه واعترافاته وشكوكه إلى جعله الأعلم بشؤون الدين ومصالحه من رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)؟!!
وذكر الآلوسي في تفسيره ١٣: ٢٧٣ «فلمّا تأخر ذلك (أي تأخّر تعبير الرؤيا التي رآها النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) في دخول مكة) قال على طريق الاعتراض عبد اللّه‏ بن أُبي، وعبد اللّه‏ بن نفيل ورفاعة بن الحرث: واللّه‏ ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام. وقد روي عن عمرقال نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه»!
ولا ندري لماذا تأثر عمر بالمنافقين وأخذ يردّد كلامهم، ونحن نأخذ برواية الآلوسي ونترك درايته.
وفي الأزمنة الأخيرة ظهرت نابتة تدّعي لنفسها العلم، وتطلق الكلمات بدون تثبت، حتّى تجرّأت وأخذت تطعن في أهل البيت عليهم‏السلام، فلما راوا صنائع الخليفة عمر بن الخطّاب المزرية في صلح الحديبية، وكيفية اعتراضه على الرسول الاكرم (صلي الله عليه و آله وسلم)، ومكالمته بشدّة وغلظة، وعدم اقتناعه بما قاله (صلي الله عليه و آله وسلم)، واقراره بأنّه فعل أفعالاً وأعمالاً يعلمها اللّه‏ سبحانه وتعالى، وفوق ذلك كُلّه إقراره بأنّه ما شك في الإسلام إلاّ ذلك اليوم الذي صالح فيه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مع مشركي قريش، فلمّا رأى أنصار عمر بن الخطّاب ومحبيه هذه الأفعال الشنيعة والأعمال الغريبة التي تستوقف القارى‏ء للتأمّل حتّى أخذوا بالطعن بعميد أهل البيت عليهم‏السلاموهو الإمام علي عليه السلامفقالوا: علي بن أبي طالب لم يمتثل أمر رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) عندما أمره بمحو اسمه من كتاب الصلح؟ فإذن لم يخالف النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) عمر فقط وإنّما علي بن أبي طالب خالف النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وعصى أمره؟!
وفي الجواب نكتفي بنقل كلام الإمام الشوكاني والنووي فإنّهما قد أجادا في دفع هذا الوهم:
قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٢٢٩: «قال الآسنوي: قد اشتهر زيادة سيّدنا قبل محمّد عند أكثر المصلّين، وفي كون ذلك أفضل نظر.
وقد روي عن ابن عبد السّلام أنّه جعله من باب سلوك الأدب، وهو مبني على أنّ سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال، ويؤيّده حديث أبي بكر حين أمره (صلي الله عليه و آله وسلم)أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدّم بين يدي رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، وكذلك امتناع علي عن محو اسم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك وقال: لا أمحو اسمك ابداً.. فتقريره (صلي الله عليه و آله وسلم) لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدّباً مشعر بأولويته»، وأيضاً نقله العظيم آبادي في عون المعبود ٣: ١٩١.
وقال النووي في شرح مسلم ١٢:١٢٦: «قوله: (فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لعلي: إمحه! فقال: ما أنا بالذي أمحاه)، هكذا هو في جميع النسخ بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه. وهذا الذي فعله علي رضى‏الله‏عنه من باب الأدب المستحب لأنّه لم يفهم من النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)تحتيم محو علي بنفسه ولهذا لم ينكر..».
ويقرّب من هذا الكلام ما ذكره ـ أيضاً ـ الجصاص في كتاب الفصول في الأُصول ٤: ٤٩٠، والصالحي الشامي في كتاب سبل الهدى والرشاد ٥: ٧٧.
وقال ابن حجر في فتح الباري ٧: ٥٠٣: «ثُمّ قال لعلي: إمح رسول اللّه‏، أي إمح هذه الكلمة المكتوبة من الكتاب.
فقال: لا واللّه‏ لا أمحوا أبداً.
وللنسائي من طريق علقمة بن قيس عن علي قال: كنت كاتب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)يوم الحديبية، فكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه‏، فقال سهيل: لو علمنا أنّه رسول اللّه‏ ما قاتلناه امحها، فقلت: هو واللّه‏ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)وإن رغم أنفك، لا واللّه‏ لا أمحوها، وكأن علّياً فهم أن أمره له بذلك ليس متحتماً فلذلك امتنع من امتثاله، ووقع في رواية يوسف بعد فقال لعلي: إمح رسول اللّه‏؟ فقال: لا واللّه‏ لا أمحاه أبداً. قال: فأرنيه، فأراه إيّاه فمحاه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)بيده، ونحوه في رواية زكريا عند مسلم وفي حديث علي عند النسائي وزاد وقال: أما أنّ لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر، فبشّر (صلي الله عليه و آله وسلم) إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك».
هذا ما ذكره علماء السنة في دفع هذا الإيهام الذي أورده في حقّ سيّد العترة الطاهرة علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومنه تعرف أنّ هذا يختلف تمام الاختلاف عمّا صدر من عمر بن الخطّاب من أفعال وتصرّفات شنيعة يندى لها الجبين، فعلي بن أبي طالب عليه السلام توقّف عن محو اسم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) من الصحيفة تأدّباً وإجلالاً وإكراماً له (صلي الله عليه و آله وسلم)، بينما عمر بن الخطّاب اعترض على كتاب الصلح، ولم يقنع بجواب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) فكلّم أبا بكر، وقد شكّ في النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)وأمر الدين، وذكر بأنّه فعل أفعالاً اللّه‏ أعلم بها.. إلى غير ذلك.
فأين فعل عمر بن الخطّاب المخالف للآداب والقيم الإسلامية من فعل علي ابن أبي طالب عليه السلام الموافق للأخلاق والموازين الأدبيّة، مالكم كيف تحكمون!!
بل إنّ الملاحظ بجدّ أنّ عمر بن الخطّاب قد شكّ في أمر النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلم)ولم يفكّر بأيّ شيء يخطر على باله بأنّ هنالك مصلحة أو غير ذلك أدّت إلى إبرام عقد الصلح، بينما علي بن أبي طالب كان ثابت الإيمان لم يتغير ولم يتبدّل وازداد قوّة، فلذلك رفض إمحاء اسم رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ؛ لأن يده لا تطيق مسح اسم النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلم).


الصفحة 244


الصفحة 245


الصفحة 246

فاللّه‏ وحده ورسوله يعلم ما هي الأعمال التي عملها عمر، ولا أدري سبب تخلّف البقية الباقية من الحاضرين بعد ذلك إذ قال لهم رسول اللّه‏ : قوموا فانحروا ثمّ أحلقوا، فلم يستمع إلى أمره أحد منهم، حتّى كرّرها عليهم ثلاث مرّات بدون جدوى.


الصفحة 247

سبحان اللّه‏! أنا لا أكاد أصدّق ما أقرأ، وهل يصل الأمر بالصحابة لهذه الحدّ في التعامل مع أمر الرسول، ولو كانت هذه القصّة مروية من طريق الشيعة وحدهم لعددتُ ما قالوا افتراء على الصحابة الكرام، ولكن القصّة بلغت من الصحّة والشهرة أن تناقلها كُلّ المحدّثين من أهل السنّة والجماعة أيضا، وبما أنّني ألزمت نفسي توثيق ما اتّفقوا عليه، فلا أراني إلاّ مسلّما ومتحيّرا : ماذا عساني أن أقول؟ وبماذا أعتذر عن هؤلاء الصحابة الذين قضوا مع رسول اللّه‏ قرابة عشرين عاما من البعثة إلى يوم الحديبية، وهم يشاهدون المعجزات وأنوار النبوّة؟ والقرآن يعلّمهم ليلاً ونهارا كيف يتأدّبون مع حضرة الرسول وكيف يكلّموه، حتّى هدّدهم اللّه‏ بإحباط أعمالهم إن رفعوا أصواتهم فوق صوته.

ويدفعني إلى الاحتمال بأنّ عمر بن الخطّاب هو الذي أثار بقيّة الحاضرين، ودفعهم إلى التردّد والتخلّف عن أمر الرسول ـ زيادة على اعترافه بأنّه عمل لذلك أعمالاً لم يشأ ذكرها ـ ما يردّده هو في موارد أُخرى قائلاً : ما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به... إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية(1).

____________

1- مسند أحمد ٤:٣٢٥، تاريخ الطبري ٢:٢٨٠، البداية والنهاية ٤:١٩٢، عيون الأثر ٢:١٢٠، السيرة النبويّة لابن كثير ٣:٣٢٠، السيرة الحلبية ٢: ٧٠٦.
قد يقول بعض إخواننا أهل السنة: سلّمنا انّ الصحابة فعلوا ما فعلوا لكنّ اللّه‏ تعالى أنزل بعد انصرافهم من الحديبية سورة الفتح وجاء فيها قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللّه‏ُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...» فاللّه‏ تعالى رضي عنهم وغفر لهم.
نقول في الجواب:
أولاً: هذه الآية ليست ناظرة إلى ما فعلوا من المخالفة لأمر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)والتشكيك في صحّة كلامه، بل إنّها ناظرة إلى قضيّة البيعة التي حصلت تحت الشجرة لما وصل إلى النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أنّ مشركي مكة قبضوا على عثمان ومن كان معه، فبايعوا النبي على الموت أو على أن لا يفرّوا، وقضية الصلح وشكّ عمر واعتراضه جاءت متأخرة عنها.
ثانيا: لقد قال تعالى في سورة الفتح قبل هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه‏َ يَدُ اللّه‏ِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّه‏َ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً» فاشترط تعالى في الأجر والرضى الوفاء وعدم النكث. وفي الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٤ وفتح القدير للشوكاني ٥: ٥٢: «وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: «لقد رضي اللّه‏... فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم قال: انّما نزلت السكينة على من علم منه الوفاء».
إذا فالآية مقيّدة وليست مطلقة.
ثالثا: إنّي أعتقد أنّ اللّه‏ تعالى قد غفر تلك الزلّة للصحابة المؤمنين الذين علم منهم الوفاء، ورضي عنهم، لكن لا ينقضي عجبي من قول عمر بن الخطّاب: «مازلت أصوم وأتصدّق...» فإذا كان في قضية الصلح غير مطمئن لقول النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لمّا اعترض عليه، واطمأنّ بقول أبي بكر لما أعاد عليه نفس جواب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، لا أدري لماذا لا يطمئن ولا يسكن لقول اللّه‏ تعالى حيث وعد أهل الحديبية بالجنة والرضوان؟! هل لكونه لم يكن من المبايعين تحت الشجرة؟! او لشكّه في شمول كلمة: «المؤمنين» في الآية له؟! أو لأنّه عندما صدرت هذه الجملة من عنده افتقد أبا بكر ليرشده وينزل السكينة والأمان على روعه، ويقول له: إنّ اللّه‏ قد رضي عنك فلا داعي لهذا التعب والعناء، كما أرشده في صلح الحديبية وبعدما قُبض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وفي مواطن أُخر؟!!


الصفحة 248

ممّا يشعرنا بأنّ عمر نفسه كان يدرك بعد الموقف الذي وقفه ذلك اليوم. إنّها قصّة عجيبة وغريبة ولكنّها حقيقية.


الصفحة 249

الصـحابة

ورزية يوم الخميس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــ

ـــــــــــ


الصفحة 250


الصفحة 251

(٢) الصحابة ورزية يوم الخميس

ومجمل القصّة : إنّ الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول اللّه‏ قبل وفاته بثلاثة أيّام، فأمرهم أنّ يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتابا يعصمهم من الضلالة، ولكنّ الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتّهمه بالهجر، فغضب رسول اللّه‏ وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئا، وإليك شيئا من التفصيل :

قال ابن عبّاس : يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتدّ برسول اللّه‏ وجعه، فقال : هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر : إنّ النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه‏، فاختلف أهل البيت واختصموا، منهم من يقول :

قرّبوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول : ما قال عمر.

فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) : قوموا عنّي، فكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرزية كلّ الرّزية ما حال بين رسول اللّه‏ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(1).

____________

1- أما قول عمر: «غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه‏» تجده في صحيح البخاري كتاب المرضى باب ١٧، كتاب العلم باب ٣٩، صحيح مسلم كتاب الوصية باب ٥، مسند أحمد ١: ٣٢٥، ٣٣٦، المصنّف لعبدالرزاق ٥: ٤٣٩، السنن الكبرى للنسائي ٣: ٤٣٣، ٤: ٣٦٠، صحيح ابن حبّان ١٤: ٥٦٢، الملل والنحل للشهرستاني ١: ٢٢، شرح النهج لابن أبي الحديد ٢: ٥٥، البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٢٤٧، دلائل النبوة للبيهقي ٧: ١٨١ ـ ١٨٣، الطبقات لابن سعد ٢: ٢٤٤، الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي: ٧٩٤.
أما بالنسبة إلى قولهم: «ما شأنه أهجر، استفهموه، يهجر، ليهجر» فانظر: صحيح البخاري ٤: ٦٦، ٥: ١٣٧، صحيح مسلم ٥: ٧٥، المصنّف لعبد الرزاق ٦: ٥٧، ١٠: ٣٦١، مسند الحميدي ١: ٢٤٢، مسند أحمد ١: ٢٢٢، السنن الكبرى للنسائي ٣: ٤٣٤، الطبقات لابن سعد ٢: ٢٤٢ ـ ٢٤٣، البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٢٤٧، الشفا للقاضي عياض ٢: ١٩٢، المعجم الكبير للطبراني ١١: ٣٥٢، تاريخ ابن خلدون ق٢ ج٢: ٦٢، شرح النهج لابن أبي الحديد ١٣: ٣١، الكامل لابن الأثير ٢: ٣٢٠، تاريخ الطبري ٢: ٤٣٦.
قال ابن الأثير في تعيين القائل «ما شأنه أهجر» في كتابه النهاية في غريب الحديث ٥: ٢٤٥ وكذلك أورد كلامه ابن منظور في لسان العرب ٥: ٢٥٤، قال: «ومنه حديث مرض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) «قالوا: ما شأنه أهجر» أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغيّر كلامه واختلط لأجل مّا به من مرض؟ وهذا أحسن ما يقال فيه، ولا يجعل إخبارا فيكون أما من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر، ولا يظن به ذلك»، وانظر أيضا منهاج السنة ٦: ٢٤، ٣١٥.
وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ٦٥ «فقال عمر: دعوا الرجل فإنّه ليهجر»، وفي السقيفة وفدك لأبي بكر الجوهري كما عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٦: ٥١: «فقال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، ثمّ قال: عندنا القرآن حسبنا كتاب اللّه‏».


الصفحة 252

هذه الحادثة صحيحة لا شك فيها، فقد نقلها علماء الشيعة ومحدّثوهم في كتبهم، كما نقلها علماء السنّة ومحدّثوهم ومؤرخوهم، وهي ملزمة لي على ما ألزمت به نفسي، ومن هنا أقف حائرا في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطّاب من أمر رسول اللّه‏، وأيّ أمر هو؟ أمر عاصم من الضلالة لهذه الأمّة، ولا شكّ أنّ هذا الكتاب فيه شيء جديد بالنسبة للمسلمين سوف يقطع عليهم كلّ شك(1).

____________

1- والشيء الجديد هو ما أراد كتابته (صلي الله عليه و آله وسلم) بعدما بيّنه شفاها مرارا عديدة من الوصاية بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ولو كتب هذا الكتاب، لما حصل الضلال بين المسلمين كما في الحديث الشريف.
قد يقول قائل: بان هذا الكتاب لو كان فيه شيء جديدٌ لما تركه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، لأنّه مأمور بتبليغ أوامر اللّه‏ سبحانه وتعالى، مضافاً إلى أنّ النبي قد بلغ كلّ شيء طبقاً لقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». هذا من جانب.
ومن جانب آخر هذا الأمر لم يكن واجب التبليغ وإلاّ لو كان واجب التبليغ يلزم إمّا القول بأنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لم يبلغ وعصى أمر اللّه‏، أو القول إنّه بلّغ وكلاهما باطل، أمّا الباقي فنعرف أنّ الرسول لم يكتب ذلك الكتاب، أمّا الاوّل فباطل أيضاً لأنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لا يمكنه أن يعصي أوامر اللّه‏ سبحانه وتعالى، وخصوصاً الأُمور المرتبطة بتبليغ الرسالة، وأمّا ا لثاني فالمعروف أن الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) لم يكتب هذا الكتاب فمن هذا وذاك يفهم أنّ هناك أمراً مهمّا ولم يكن ذا ضرورة أراد النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أن يبلّغه، أو بتعبير أدق أن يخبر الناس به، لكنّه وقع كلام بين الحاضرين فلم يذكره النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)لعدم أهمّيته، وعدم ثبوت شأن مهم له.
ويتبيّن من هذا الكلام أن تهويل هذه المسألة وإعطائها حجماً كبيراً، بحيث نجعلها مثلبة على الصحابة وبالخصوص عمر بن الخطّاب، ومؤشّراً على وجود انحراف فيهم أمراً مبالغاً فيه، وتضخيماً للشيء فوق حجمه!
هذا ما ذكر في الكتب التي اعترضت على الدكتور التيجاني ككتاب كشف الجاني: ٧٧، وكتاب بل ضللت: ٣٨، وكتاب الانتصار للصحب والآل: ٧٥.
وللجواب على هذا الكلام نقول: إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) قد بيّن لأمّته جميع ما تحتاجه من الأُمور التي تقرّبها إلى الهداية وتبعّدها عن الضلال، وبين كلّ شيء يحتاجه الناس في حياتهم العلمية سواءً الفردية منها او الاجتماعية.. فلم يبقِ شيء في الشريعة خافياً لم يبيّنه الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله وسلم)، لكنّه أراد أن يبيّن شيئاً كان قد ذكره سابقاً لكن الآن يريد بيانه بطريقة أُخرى وبإسلوب جديد، بحيث يقطع الأمور على كلّ مشككّ وعلى كلّ مرجف ولا يبقى نزاع حول ذلك الأمر.. وذلك الأمر الذي أراد أن يبيّنه الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله وسلم) كان مرتبطاً بصميم الدين وروحه، حيث كان كتاباً لن تضلوا بعده أبداً! كتاباً يحمل الهداية التي لا يضل المسلم بعدها.. فأراد النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أن يقيّد مصباح الهداية ويضعه في موضع آمنٍ يكون مرجعاً لطالبيه وبغية لقاصديه، إلى جنب الاعتماد على الأقوال والأحاديث الشريفة التي ذكرها، فلذلك وصف هذا الكتاب بأنّه الحصن المنيع والسور الأمين لحماية الإيمان من الانحراف أو الزيغ والضلال.. فلذلك كان أمراً جديداً باعتبار الأسلوب الذي يريد طرحه إلى الناس والطريقة التي يريد استخدامها لإيصال ذلك الأمر اليهم.
لكن الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) وجّه بالاعتراض وعدم القبول، كما تشير إلى ذلك رواية الإمام أحمد حيث تقول: «إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلّون بعده أبداً، فخالف عليها عمر بن الخطّاب حتّى رفضها» مسند أحمد بن حنبل ٣: ٣٤٦، في رواية الطبراني عن عمر بن الخطّاب قال: «لمّا مرض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) قال: إدعوا لي بصحيفة ودواة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً، فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة. ثمّ قال: ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً، فقال النسوة من وراء الستر: إلا تسمعون ما يقول رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)!
فقلت: إنكن صويحبات يوسف إذا مرض رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) عصرتنّ أعينكن واذا صحّ ركبتنّ عنقه، فقال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «أحزنتني فإنّهنّ خير منكم» المعجم الأوسط ٥: ٢٨٨، مجمع الزوائد ٩:٣٤.
ولأجل هذا الاعتراض امتنع رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) من كتابة ذلك الكتاب.
وقبل الدخول في هذا البحث نرجع إلى قائل هذه المقولة من هو؟
إذا رجعنا إلى الروايات نجدها وردت بصيغ مختلفة واليكها:
١ ـ ما أخرجه البخاري عن ابن عبّاس ١: ٣٢ أنّ عمر بن الخطّاب قال: «إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)غلبه الوجع».
٢ ـ في مسند أحمد بن حنبل ٣: ٣٤٦ قال: «فخالف عليها عمر بن الخطّاب حتّى رفضها» وصرّح محقّق الكتاب بصحّته.
٣ ـ وفي مسند أحمد بن حنبل ٦: ٤٧ قال عمر: «حسبنا كتاب اللّه‏».
٤ ـ في رواية الطبراني المتقدّمة ٥: ٢٨٨ قال عمر: «فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة».
هذا ما ورد في بعض الروايات التي صرحت باسم عمر بن الخطّاب.
أمّا الروايات التي لم تصرّح بالإسم ووردت بلفظ قالوا أو قال، ففي بعضها أنّهم قالوا: «ما له أهجر»، وفي بعضها قالوا: «يهجر»، وفي بعضها قال بعضهم: «إن نبي اللّه‏ ليهجر»... إلخ.
ونحن إذا أردنا اتّباع القواعد العقلائيّة في فهم الروايات، ومعرفة قائل الكلمة في مورد بحثنا لابدّ لنا من حمل الروايات المبهمة على الروايات المفسّرة، فالروايات التي وردت فيها «فقال بعضهم» تفسر بأنّ القائل عمر بن الخطّاب نفياً لتلك الروايات المصرّحة باسم القائل، وتبقى الروايات المصرّحة بلفظ الجمع (فقالوا، أو قالوا) فهذه الروايات إمّا أن نقول: بانه صدر من الصحابة قولان فقول قاله عمر بن الخطّاب، وقول قال بعض الصحابة الآخرين الذين يوافقون عمر بن الخطّاب الرأي.
ويشهد لذلك أنّه في الرواية التي ذكرت تنازع القوم واختلافهم حول طلب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ذكرت بأنّ بعضهم قال ما قال عمر بن الخطّاب!
فإذن كان لعمر مؤيدون وموافقون له في الرأي، فمن القريب جدّاً أنّ يكونوا ذكروا مقالة عمر بن الخطّاب إمّا مقارنة له أو بعدما قالها.
ولو قبلنا بالتعدد، وأن الكلمة قبلت من أكثر من شخص، فلا محذور من الالتزام بذلك وأنّ الكلام ذكر مرتين، مرّة من قبل عمر بن الخطّاب، ومّرة من قبل بعض الصحابة الموافقين له في الرأي.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ العلماء الشرّاح للحديث ذكروا بأنّ القائل لهذا الكلام ـ على اختلاف في تحديد الألفاظ ـ هو عمر بن الخطّاب.
قال صاحب الفتح ٧: ٧٤٠: «.. وصمّم عمر على الامتناع لمّا قام عنده من القرائن بأنّه (صلي الله عليه و آله وسلم) قال ذلك عن غير قصدٍ جازم»!!
وقال النووي ١١: ١٣٢: «إنّما قصد عمر التخفيف على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)حين غلبه الوجع..».
وقال ابن الاثير: «الهجر: بالضم هو الخنا والقبيح من القول، ولا تقولوا هجر: أي فحشاً. وهجر يهجر هجراً بالفتح اذا اختلط في كلامه واذا هذى.. ومنه حديث مرض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)قالوا: ما شأنه أهجر.. والقائل كان عمر» النهاية في غريب الحديث والأثر ٥: ٢٤٥.
وقال سبط بن الجوزي: «... ولمّا مات رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) قال قبل وفاته بيسير: ائتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي! فقال عمر: دعوا الرجل فإنّه ليهجر» تذكرة الخواص: ٦٥.
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي: «قال النقيب: وممّا جرّأ عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن علي ما كان يسمعه من الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) في أمره، أنّه إنكر مراراً على الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)أموراً.. من الأمور التي كان يرى فيها المصلحة ممّا هي خلاف النصّ وذلك نحو إنكاره: في الصلاة على عبد اللّه‏ بن أبي المنافق، وإنكاره فداء أُسارى بدر، وإنكاره عليه تبرّج نسائه للناس، وإنكاره قضية الحديبية، وإنكاره أمان العبّاس لأبي سفيان بن حرب، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة، وإنكاره أمره بالنداء من قال لا إله إلاّ اللّه‏ دخل الجنّة، وإنكاره أمره بذبح النواضح، وإنكاره على النساء بحضرة رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) وهيبتهن له دون رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)إلى غير ذلك من أمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث.
ولو لم يكن إلاّ إنكاره قول رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في مرضه: ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم ما لا تضلون بعدي، وقوله ما قال، وسكوت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)عنه.
وأعجب الأشياء أنّه قال ذلك اليوم: حسبنا كتاب اللّه‏، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار، فبعضهم يقول: القول ما قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، وبعضهم يقول القول ما قال عمر، فقال رسول اللّه‏ وقد أكثروا اللغط، وعلت الاصوات: قوموا عنّي، فما لنبي أن يكون عنده هذا التنازع فهل بقي للنبّوة مزية أو فضل..؟!
فمن بلغت قوّته وهمّته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر لمصلحة رآها ويعدل عن النصّ؟!
ومن الذي كان ينكر عليه ذلك وهو في القول الذي قاله للرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)في وجهه غير خائف من الأنصار ولا ينكر عليه أحد.. وهو أشدّ من مخالفته النصّ في الخلافة وأفضع وأشنع» شرح نهج البلاغة ١٢: ٨٨.
وقال ابن حزم الأندلسي بعد إيراده الحديث: «قال أبو محمّد: هذه زلة العالم التي حذر منها الناس قديماً، وقد كان في سابق علم اللّه‏ أن يكون بيننا الاختلاف وتضلّ طائفة وتهتدي بهدي اللّه‏ أُخرى، فلذلك نطق عمر ومن وافقه بما نطقوا به، ممّا كان سبباً إلى حرمان الخير بالكتاب الذي لو كتبه لم يضلّ بعده..» الأحكام ٧: ٩٨٤.
فهذه الكلمات وغيرها تزيل الريب من كون المطلق للكلام هو الخليفة عمر بن الخطّاب.
وبعد ذلك يطرح السؤال التالي: لماذا لم يكتب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) الكتاب حتّى على فرض رفض الصحابة له؟
والجواب على هذا الكلام: إنّ الصحابة بعدما اختلفوا فيما بينهم، وبعد اتّهامهم للرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) بالهجران فقد رفعوا بذلك موضوعيّة الكلام، وأصبح الكتاب لا قيمة له مادام قائله يهجر أو مشكوك الصحة!
فلذلك ورد في بعض الروايات أنّهم قالوا: «إلاّ نأتيك بما طلبت؟
قال: أوبعد ما قال؟! فلم يدع به» الطبقات الكبرى ٢:٢٤٢.
فالنبي (صلي الله عليه و آله وسلم) عرف أن لا قيمة لكتابة ذلك الكتاب بعدما سلبوا منه الوعي والسلامة من الهذيان حينما قالوا: انّه يهجر!!
وهذه الكلمة من النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) قرينة ـ أيضاً ـ على أنّ القائل هو عمر بن الخطّاب لأنّ النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلم) قال: «أوبعد ما قال؟»، أيّ أوبعد ما أطلق كلمته المشؤمة وإتهامه الباطل.. وبعدما أوقع الشك في النفوس، ومعه لا ينفع كتابة الكتاب لأنّه أصبح صادراً من نبي مشكوك الصحة والسلامة، لا من نبي سالم معافى.
ثُمّ اذا كان الشاهد على كتابة الكتاب حاله التشكيك فيه والطعن في نبّيه فكيف يكون حال غيره، من الذين يأتون بعدهم ويأخذون بما حفظوه ونقلوه؟!
فلا يبقى له قيمة تذكر ولا تركن النفس في الاعتماد عليه والرجوع إليه عند اختلاف الأهواء وظهور البدع.. وكُلّ ذلك يرجع إلى أمرٍ بسيط إلاّ وهو الشكّ في صحة الرسول حينما قال الكلام وبيّنه.. بل كيف يقبله المسلم اللاحق مادام صحابته الحاضرين عنده والمشاهدين له قد طعنوا فيه، وحكموا بعدم أهليّته للكلام فضلاً عن الإيصاء بامرٍ يرتبط بالهداية والضلال فإنّ العقلاء يشكّكون في هذا الكلام ولا يقبلوه ولا يرجعون إليه بل يكون حينئذٍ الإيصاء به مضرّاً وليس نافعاً.
هذا كُلّه على فرض التسليم له بالمجيء بالدواة والكتف بعد اللفظ الذي حصل، وإلاّ فهم بقوا على إصرارهم وعنادهم في عدم احضار الدواة والكتف، ولهذا صاحت النسوة ما لكم قرّبوا لرسول اللّه‏ الكتاب، فزجروهنّ وقابلوهنّ بالرفض.
إذن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لم يصرّ على كتابة الصحيفة التي لا يضلّوا بعدها أبداً لأنّ قولهم: (هجر او أهجر) يمكن أن يكون مقدّمة يشكّ بها البعض فيما سيكتبه الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)، بمعنى أن الرسول كتب ما كتب وهو في حالة لا تسمح له بذلك، والتشكيك مكتوب، ربما يتعدّى هذا المكتوب إلى مكتوب آخر تحت هذه الحجّة.
ويمكن أن يكون ترك كتابة الكتاب لأنّ الرسول لما أكثروا اللغط والاختلاف عنده علم أنّ الاختلاف واقع من بعده لا محالة كما أخبره ربّه، ولأجل ذلك اكتفى بما أقامه عليهم قبل ذلك من الحجج.
وممّا تقدّم يتضح الجواب على سؤال آخر وهو: إنّ كتابة الكتاب لم تكن واجبة وإلاّ لما تركها النبي (صلي الله عليه و آله وسلم).
فاننا نقول: بان كتابة الكتاب كانت واجبة، وهذا أمر واضح لمن راجع الحديث وتمعّن فيه، وممّا يدلل على ذلك عدّة أمور.
١ ـ وصف الكتاب بأنّه لا تضلّوا بعده أبداً. فاذن الكتاب كان فيصلاً بين الهداية والضلالة، وكان مشعل النور الذي يضيء لمن اتّبعه ويضلّ من تخلّف عنه، ولذلك قال ابن حزم كلمته المتقدّمة من أنّ منع كتابة الكتاب ادّت إلى حرمان الخير.
٢ ـ اختلاف القوم فيما بينهم فحزب أيدّ عمر وقسم أيدّ الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)، وهذا يدل على جديّة الموضوع وأنّه أراد ان يكتب للأمة كتاباً مّهماً، وإلاّ لو كان أمراً عابراً لما كان هنا داع لهذا الاختلاف!
٣ ـ طرد الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) لهم بعدما تنازعوا وأكثروا من اللغط، وهذا يدلّ على جديّة الموضوع ـ أيضاً ـ ، إذ لو كان أمراً عابراً لا معنى لأن يغضب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)ويطرد صحبه المحبّين له من عنده، خصوصاً وهو في آخريات أيّامه الشريفة!
٤ ـ وصفه للنسوه اللاتي طلبن تقريب الكتاب إلى رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بأنهنّ خير منهم، لأنّهنّ يردن تقريب الدواة والقلم للرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) وهم رفضوا ذلك، فلأجل ذلك وصفهنّ الرسول بأنهنّ خيرٌ منهم، وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ على جديّة الأمر ولزومه.
٥ ـ بكاء ابن عبّاس - رضوان اللّه‏ تعالى عليه - وتسميته لذلك اليوم بأنّه رزية خير دليل على جديّة الأمر، وأنّه أراد أن يكتب كتاباً مهمّاً، وكان واجباً وضروريّاً لأنّه الفيصل بين الهداية والضلالة، والبصر والعمى.


الصفحة 253 إلى 258


الصفحة 259

ولنترك قول الشيعة : بأنّ الرسول أراد أن يكتب اسم علي خليفة له، وتفطّن عمر لذلك فمنعه، فلعلّهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئيّا، ولكن هل نجد تفسيرا معقولاً لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتّى طردهم(1)،

____________

1- جاء في مسند أحمد ١: ٣٢٥: «فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف وغمّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)قال: قوموا عنّي...»، وفي لفظ الطبقات لابن سعد ٢: ٢٤٤: «وغمّوا رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، فقال: قوموا عنّي»، وفي لفظ أنساب الأشراف للبلاذري ٢: ٢٣٦: «فغمّ ذلك رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)وأضجره، وقال: إليكم عنّي، ولم يكتب شيئا».


الصفحة 260

وجعلت ابن عبّاس يبكي حتّى يبلّ دمعه الحصى ويسمّيها أكبر رزيّة.

أهل السنة يقولون بأنّ عمر أحسّ بشدّة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحه!

هذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلاً عن العلماء، وقد حاولت مرارا وتكرارا إلتماس بعض الأعذار لعمر، ولكنّ واقع الحادثة يأبى عليّ ذلك، وحتّى لو أبدلتْ كلمة يهجر « والعياذ باللّه‏ » بلفظة « غلبه الوجع » فسوف لن نجد مبرّرا لقول عمر : « عندكم القرآن »، و« حسبنا كتاب اللّه‏ ».

أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول اللّه‏ الذي أنزل عليه؟

أم أنّ رسول اللّه‏ لا يعي ما يقول ـ حاشاه ـ ؟

أم أنّه أراد بأمره ذلك أنّ يبعث فيهم الاختلاف والفرقة « أستغفر اللّه‏ »؟

ثُمّ لو كان تعليل أهل السنّة صحيحا، فلم يكن ذلك ليخفى على رسول اللّه‏ حسن نيّة عمر، ولشكره رسول اللّه‏ على ذلك وقرّبه، بدلاً من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عنّي.

وهل لي أن أتسائل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبويّة، ولم يقولوا بأنّه يهجر؟

ألأنّهم نجحوا بمخطّطهم في منع الرسول من الكتابة، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم، والدليل على أنّهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته (صلي الله عليه و آله وسلم)، وانقسموا إلى حزبين، منهم من يقول : قرّبوا إلى رسول اللّه‏ يكتب لكم ذلك الكتاب، ومنهم من


الصفحة 261

يقول : ما قال عمر، أي إنّه « يهجر »(1).

والأمر لم يعدّ بتلك البساطة يتعلّق بشخص عمر وحده، ولو كان كذلك لأسكته رسول اللّه‏ وأقنعه بأنّه لا ينطق عن الهوى، ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الأمّة وعدم ضلالتها، ولكن الأمر استفحل واستشرى ووجد له أنصارا كأنّهم متّفقون مسبقا، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف، ونسوا أو تناسوا قول اللّه‏ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ(2).

____________

1- انظر: صحيح البخاري كتاب المرضى باب ١٧، صحيح مسلم كتاب الوصية باب ٥، دلائل النبوّة للبيهقي ٧: ١٨٣، مسند أحمد ١: ٣٢٥، المصنّف للصنعاني ٥:٤٣٨، السنن الكبرى للنسائي ٣:٤٣٣، السيرة النبويّة لابن كثير :٤٥١، الطبقات لابن سعد ٢: ٢٤٤.
وجاء في مجمع الزوائد للهيثمي ٤: ٣٩١، ٨: ٦٠٩: «عن عمر قال: لما مرض النبي قال: ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي أبدا، فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة، ثمّ قال: ادعوا لي بصحيفة أكتب كتابا لا تضلّوا بعده أبدا...»، وفي لفظ آخر أيضا ٤: ٣٠٩، ٨: ٦٠٩، «عن جابر قال: إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلّون بعده أبدا، قال: فخالف عليها عمر بن الخطّاب...».
قال السيّد ابن طاووس في الطرائف: ٤٣٥ «ومن طريف ما في هذا الحديث المذكور وأسراره أنّه يشهد انّ الطعن في قول نبيّهم والردّ عليه والقدح فيه إنّما كان من عمر وحده، وأنّه هو ابتدأ به، بدليل قوله: «فقال قوم: القول ما قاله النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، وقال قوم: القول ما قاله عمر»، فما أطرف هذه الغفلة من القوم الذين قالوا القول ما قاله عمر، إنّ هذا ممّا يبكي الأولياء ويضحك الأعداء».

2- سورة الحجرات: ٢.


الصفحة 262

وفي هذه الحادثة تعدّوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه (صلي الله عليه و آله وسلم) بالهجر والهذيان ـ والعياذ باللّه‏ ـ، ثمّ أكثروا اللغط والاختلاف، وصارت معركة كلامية بحضرته.

وأكاد أعتقد بأنّ الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) عدم الجدوى في كتابة الكتاب، لأنّه علم بأنّهم لن يحترموه، ولم يمتثلوا لأمر اللّه‏ فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته، وإذا كانوا لأمر اللّه‏ عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين(1).

واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لأنّه طعن فيه في حياته، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته، وسيقول الطاعنون : بأنّه هَجْرٌ من القول، ولربّما سيشكّكون في بعض الأحكام التي عقدها رسول اللّه‏ في مرض موته، إذ إنّ اعتقادهم بهجره ثابت.

أستغفر اللّه‏ وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم، وكيف لي أن

____________

1- ويظهر من بعض الروايات أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) كان يكرّر ذلك الطلب، ففي رواية
ابن عباس أنّه كان يوم الخميس أي قبل وفاته (صلي الله عليه و آله وسلم) بعدة أيّام، وفي رواية جابر كما في مجمع الزوائد للهيثمي ٤: ٢١٤: «إنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب...» وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى... ورجال الجميع رجال الصحيح، وفيه أيضا ٩: ٣٣٣ عن عمر بن الخطّاب انّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) كرّر طلبه بإحضار الكتاب مرّتين، وفي لفظ الطبراني في المعجم الكبير ١١: ٣٠ عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابا لا يختلف فيه رجلان، قال: فأبطأوا بالكتف والدواة فقبضه اللّه‏». وفي لفظ ابن سعد في الطبقات ٢: ٢٤٤ «فقالت زينب زوج النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): ألا تسمعون النبي يعهد إليكم؟ فلغطوا، فقال: قوموا، فلمّا قاموا قبض النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مكانه».


الصفحة 263

أقنع نفسي وضميري الحرّ بأنّ عمر بن الخطّاب كان عفويّا، في حين أنّ أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل، حتّى بلّ دمعهم الحصى وسمّوها رزية المسلمين.

ولهذا فقد خلصتُ إلى أن أرفض كلّ التعليلات التي قُدمت لتبرير ذلك، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذّبها لأستريح من مأساتها، ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها، ولم تحسن تبريرها.

وأكاد أميل إلى رأي الشيعة في تفسير هذا الحدث، لأنّه تعليل منطقي وله قرائن عديدة، وإنّي لا زلت أذكر إجابة السيّد محمّد باقر الصدر عندما سألته : كيف فهم سيّدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول كتابته وهو استخلاف علي ـ على حد زعمكم ـ ، فهذا ذكاء منه(1).

قال السيّد الصدر : لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر، لأنّه سبق لرسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) أن قال مثل هذا، إذ قال لهم : « إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه‏ وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا »، وفي مرضه قال لهم : « هلمّ أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا ».

ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول اللّه‏ يريد أن يؤكّد ما ذكره في

____________

1- ذكر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد مسندا كما في شرح النهج لابن أبي الحديد ١٢: ٢١ محاورة ابن عبّاس مع عمر وفيها قال عمر: «لقد كان من رسول اللّه‏ في أمره ذرو من قول لا يثبت حجّة ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الإسلام...».
وفيه أيضا ١٢: ٧٩ في حوار آخر مع ابن عبّاس قال عمر: «إنّ رسول اللّه‏ أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفا من الفتنة».


الصفحة 264

غدير خم كتابيّا، وهو التمسّك بكتاب اللّه‏ وعترته، وسيّد العترة هو علي، فكأنّه (صلي الله عليه و آله وسلم) أراد أنّ يقول : « عليكم بالقرآن وعلي »، وقد قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكر المحدّثون(1).

وكان أغلبية قريش لا يرضون بعليّ لأنّه أصغر القوم، ولأنّه حطّم كبرياءهم، وهشّم أنوفهم، وقتل أبطالهم، ولكنّهم لا يجرؤون على رسول اللّه‏ إلى الحد الذي حصل في صلح الحديبية، وفي المعارضة الشديدة للنبيّ عندما صلّى على عبد اللّه‏ بن أبيّ المنافق(2)، وفي عدّة مواقف أخرى سجّلها التاريخ، وهذا الموقف منها.

وأنت ترى أنّ المعارضة لكتابة الكتاب في مرض النبي شجّعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة، ومن ثمّ الإكثار من اللغط في حضرة الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم).

إنّ هذه المقولة جاءت ردّا مطابقا تماما لمقصود الحديث، فمقولة : « عندكم القرآن »، « حسبنا كتاب اللّه‏ » مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسّك بكتاب اللّه‏ وبالعترة معا، فكأن المقصود هو : حسبنا كتاب اللّه‏ فهو يكفينا، ولا حاجة لنا بالعترة.

وليس هناك تفسير معقول غير هذا بالنسبة إلى هذه الحادثة، اللّهم إلاّ إذا كان

____________

1- قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» رواه الحاكم في المستدرك ٣: ١٢٤ وصحّحه ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك، ورواه الطبراني في المعجم الصغير ١: ٢٥٥، والأوسط ٥: ١٣٥، ورواه السيوطي في الجامع الصغير ٢: ١٧٧.

2- أنظر: صحيح البخاري ٢: ٧٦، كتاب الكسوف، باب في الجنائز، وصحيح مسلم ٧: ١١٦، باب فضائل عمر، سنن ابن ماجة ١: ٤٨٧، سنن أبي داود ٢: ٥٧، المستدرك للحاكم ١: ٣٤١.


الصفحة 265

المراد هو القول بإطاعة اللّه‏ دون إطاعة رسوله، وهذا أيضا باطل وغير معقول..

وأنا إذا طرحت التعصّب الأعمى والعاطفة الجامحة، وحكّمت العقل السليم، والفكر الحرّ، لملت إلى هذا التحليل، وذلك أهون من اتّهام عمر بأنّه أوّل من رفض السنّة النبويّة بقوله : « حسبنا كتاب اللّه‏ ».

وإذا كان بعض الحكّام قد رفض السنّة النبويّة بدعوى أنّها متناقضة، فإنّه اتّبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين، مع أنّي لا أحمّل عمر وحده مسؤولية هذه الحادثة وحرمان الأُمّة من الهداية، وحتّى أكون منصفا في حقّه أحمّلها هو ومن معه من الصحابة الذين قالوا مثل مقالته، وعضدوا بذلك موقفه معارضة لأمر رسول اللّه‏.

وإنّي لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمرّ بها وكأنّ شيئا لم يكن، مع أنّها من أكبر الرزايا كما سمّاها ابن عبّاس(1).

وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي وتصحيح خطئه، ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول اللّه‏، وعلى حساب الإسلام ومبادئه.

ولماذا نهرب من الحقيقة، ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا؟ لماذا لا نعترف بأنّ الصحابة بشر مثلنا، لهم أهواء وميول وأغراض، ويخطئون ويصيبون؟

____________

1- لا يقال: «بأنّ قول ابن عبّاس هذا اجتهاد منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده».
فانّا نقول: إنّ اجتهاد ابن عباس جاء موافقا للنصّ حيث أراد النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)أن يكتب ما يعصم الأمّة من الضلال والاختلاف، فمنع بعض الصحابة واتهامهم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)كان من أعظم الرزايا والمصائب، ولكن اجتهاد عمر جاء مخالفا للنصّ ومعارضا له ومانعا إيّاه، وهو الذي سبّب الاختلاف والفرقة، فأيّ اجتهاد هذا؟!


الصفحة 266

ولا يزول عجبي إلاّ عندما أقرأ كتاب اللّه‏ وهو يروي لنا قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما لاقوه من شعوبهم في المعاندة رغم ما يشاهدونه من معجزات.. ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(1).

لقد صرتُ أدرك خلفية موقف الشيعة من الخليفة الثاني الذي يحمّلونهمسؤولية الكثير من المآسي التي وقعت في حياة المسلمين، منذ رزية يوم الخميس التي حرمت الأمّة من كتاب الهداية الذي أراد الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) أن يكتبه لهم، والاعتراف الذي لا مناص منه هو : أنّ العاقل الذي عرف الحقّ قبل معرفة الرّجال، يلتمس لهم في ذلك عذرا، أمّا الذين لا يعرفون الحقّ إلاّ بالرّجال فلا حديث لنا معهم(2).

____________

1- سورة آل عمران: ٨.

2- وهنا شبهة كثيرا ما يثيرها القوم ذودا عن صاحبهم، فيقولون: «إذا لم يمتثل عمر أمر النبي باحضار الكتاب، فعليّ أيضا لم يمتثل أمره يوم الحديبية حينما أمره بمحو اسمه».
قلت: إنّ الأخبار في هذا الأمر مضطربة جدا، ففي بعضها لم يسمّ الكاتب ولم يعيّن، وفي بعضها أنّ الكاتب كان عليّ عليه السلام، وفي أُخرى كان المشركون هم الذين يكتبون كما في المصنّف لابن أبي شيبة ٨: ٥٠٧.
والذي نستفيده من مجموع الأخبار الواردة في صلح الحديبية أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)كان يملي وكان غيره يكتب، فالنبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لما قال للكاتب: اكتب بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم، أو قال له اكتب محمّد رسول اللّه‏، اعترض عليه سهيل وأبى، ثمّ غيّر (صلي الله عليه و آله وسلم)وقال: اكتب كذا، وكُلّ هذا كان قبل أن يكتب الكاتب ما أملاه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم).
ففي صحيح البخاري كتاب الشروط باب ٦٠٢، وفي غير البخاري أيضا: «.. فدعا النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)الكاتب فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): اكتب بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم، قال سهيل: أمّا الرحمن فواللّه‏ ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللّهم كما كنت تكتب... فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): اكتب باسمك اللّهم، ثمّ قال: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه‏، فقال سهيل: واللّه‏ لو كنّا نعلم انّك رسول اللّه‏ ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمّد بن عبداللّه‏، فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): إنّي رسول اللّه‏ وإن كذبتموني، اكتب محمّد بن عبد اللّه‏.
وجاء في لفظ آخر: «فقال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) لعليّ: اكتب بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم، فأمسك سهيل بيده فقال: ما نعرف الرحمن، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، فقال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): اكتب باسمك اللّهم فكتب، فقال: هذا ما صالح محمّد رسول اللّه‏ أهل مكة، فأمسك سهيل بيده فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولاً، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد اللّه‏...» أنظر: تفسير الطبري ١٣: ١٠٩ ح٢٤٤٢٣، والدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧٥ سورة الفتح نقله عن النسائي ومسند أحمد والحاكم وقد صححه، وأبي نعيم في الدلائل وابن مردويه.
وأنت ترى أنّ الرسول كان يملي، وسهيل كان يعترض، وكان الكاتب يكتب بعدما يعترض سهيل وبعدما يغيّر النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) املاءه، وهذا هو المعقول، والمتفق عليه عند أرباب السير والتاريخ. أما ما رواه البخاري أيضا في كتاب المغازي باب ١٦٠ وما رواه غيره بنفس الألفاظ تقريبا من أنّ عليا عليه السلام امتنع من الإمحاء، فقد جاء في نفس الخبر مباشرة هكذا: «فأخذ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى محمّد بن عبداللّه‏...» فأنت ترى أنّه صريح في نسبة الكتابة إلى رسول اللّه‏، وهذا ما يخالف صريح القرآن واتّفاق الأمّة بأنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)كان أميّا ولم يكتب شيئا قط، فهذا الحديث مردود بمخالفته القرآن ولا يعتد به، ويبقى ما ذهبنا إليه هو الصحيح دون غيره.
وقد ذكر عثمان الخميس في كشف الجاني: ٧٧ عدة إشكالات على الإمام علي عليه السلامواعتبرها مؤاخذات عليه، ونحن نكتفي بما أجاب الشيخ عبداللّه‏ الدشتي في كتابه رزية الخميس في الإجابة على هذه التوهمات الموجودة في ذهن عثمان الخميس، قال: ٢٦٢.
«قيل: «فإننا لا نحصي لعلي بن أبي طالب سيّئة واحدة من كتب الفريقين بينما نجد لغيره مساوئ كثيرةٍ في كتب أهل السنة كالصحاح وكتب السير والتاريخ».
وردّ الكاتب ردّا قبيحا وقال: «ترددت في الكتابة عنها - أخطاء علي - ... وفي النهاية ترجّح عندي أن أذكرها لإسكات أصوات تعالت بالباطل وفي الحقيقة إنّ المآخذ التي على علي في كتب الشيعة أعظم بكثير بل لا تقارن بما في كتب السنّة».
نقول: كان أسلافه أكثر تأدّبا وأقرب للحقائق فقد نقل ابن الجوزي في (المنتظم): «عن أبي سعيد الخرقي قال: حدثني عبد اللّه‏ بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي قلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثُمّ قال: يا بني، إيش أقول فيهما، إعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فوضعوا له فضائل كيداً منهم له» المنتظم ٣:٣٧٢، وأورده كذلك ابن حجر في (فتح الباري) (فتح الباري ٧:١٠٥)، وقال جلال الدين السيوطي في (تاريخ الخلفاء) (تاريخ الخلفاء ١٩٩).
وأمّا هذا الناصب الذي تجرّأ وسطّر مطالب هي أوهن من بيت العنكبوت وليست في الحقيقة إلاّ مخازٍ للكاتب لا مآخذ على إمام المتقين عليه السلام.
وهو لم يكتف بنقل روايات لا قيمة لها وفق المقاييس الحديثية والرجاليّة عند الشيعة أو لادلالة لها على مدّعياته، بل تجده يزيف في النقل كي يثبت ويوصم عليا عليه السلامبما يدور في خلده المريض.
إنّ من يقول لا نحصي لعلي سيّئة واحدة، لا يرد عليه بروايات ضعيفة أو موضوعة في بعض الكتب ثُمّ يقال له إنّ هذه سيئات ثبتت لعلي عليه السلام.
وهنا نذكر بأنّه يشتم ويسب ويلعن الكاذبين على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)حينما ينقل حديث من مسند أحمد بن حنبل أو غيره من المسانيد والسنن، لأنّ الناقل لم يتحقّق من صحته، وفي الوقت نفسه يقوم هو بذات الفعل، فينقل روايات من كتب الشيعة دون التحقّق من كونها صحيحة عندهم أم لا؟ بل يستند إلى مجرد وجودها في كتبهم على إثبات أن الشيعة يقبلون بها، كم هو أعمى من يشتم الغير لأفعال لا يتوّرع هو عن القيام بأشدّ منها؟ وأمّا الموارد التي ذكرها.
أولا: الموارد التي ذكرها من كتب السنة:
المورد الأوّل: قال: روى البخاري عن عكرمة قال: إنّ عليّاً حرق قوما فبلغ ابن عبّاس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) قال: لا تعذبوا بعذاب اللّه‏ ولقتلتهم كما قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) من بدّل دينه فاقتلوه.
نقول: مادام صرّح بأنّ الراوي للحديث هو عكرمة فمن الجدير عرض ما ذكره ابن حجر العسقلاني عن عكرمة هذا في مقدمته على شرح البخاري حينما يتعرّض لرجال البخاري الذين طعن فيهم، يقول:
«عكرمة أبو عبد اللّه‏ مولى ابن عبّاس احتجّ به البخاري وأصحاب السنن، وتركه مسلم فلم يخرّج له سوى حديث واحد في الحجّ مقروناً بسعيد بن جبير، وإنّما تركه مسلم لكلام مالك فيه، وقد تعقّب جماعة من الأئمّة ذلك وصنّفوا في الذّب عن عكرمة... فأما أقوال من وهاه فمدارها على ثلاثة أشياء: على رميه بالكذب، وعلى الطعن فيه بأنّه كان يرى رأي الخوارج، وعلى القدح فيه بأنّه كان يقبل جوائز الأمراء فهذه الأوجه الثلاثة يدور عليها جميع ما طعن به فيه...» مقدّمة فتح الباري :٤٢٥.
ثم أخذ ابن حجر في عدّ من كذب عكرمة فقال:
«فالوجه الأوّل فيه أقوال فأشدّها ما روي عن ابن عمر أنّه قال لنافع: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس، وكذا ما روى عن سعيد بن المسيّب أنّه قال ذلك لبُرد مولاه، فقد روى ذلك عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن سعيد بن المسيّب، وقال إسحاق بن عيسى بن الطباع سألت مالكا أبلغك أنّ ابن عمر قال لنافع: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس، قال: لا، ولكن بلغني أنّ سعيد بن المسيب قال ذلك لبُرد مولاه، وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد دخلت على علي بن عبد اللّه‏ بن عباس وعكرمة مقيّد عنده، فقلت: ما لهذا؟ قال: إنّه يكذب على أبي، وروى هذا أيضا عن عبد اللّه‏ بن الحارث أنه دخل على علي، وسئل ابن سيرين عنه، فقال: ما يسوءني أن يدخل الجنّة ولكنه كذّاب، وقال عطاء الخراساني قلت لسعيد بن المسيب: إنّ عكرمة يزعم أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) تزوّج ميمونة وهو محرم؟ فقال: كذب مخبثان.
وقال فطر بن خليفة قلت لعطاء: إنّ عكرمة يقول سبق الكتاب الخفّين، فقال: كذب سمعت ابن عباس يقول: أمسح على الخفين وإن خرجت من الخلاء، وقال عبد الكريم الجرزي: قلت لسعيد بن المسيب: إن عكرمة كره كري الأرض؟ فقال: كذب، سمعت ابن عبّاس يقول: إنّ أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء.
وقال وهب بن خالد: كان يحيى بن سعيد الأنصاري يكذّبه، وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه، وقال الربيع: قال الشافعي وهو يعني مالكاً سيّء الرأي في عكرمة، قال: لا أرى لأحد أن يقبل حديث عكرمة، وقال عثمان بن مرّة قلت للقاسم: إنّ عكرمة قال: كذا، فقال: يا بن أخي، إنّ عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه عشيّة.
وقال الأعمش عن إبراهيم لقيت عكرمة فسألته عن البطشة الكبرى، فقال: يوم القيامة، فقلت: إنّ عبد اللّه‏ يعني ابن مسعود كان يقول البطشة الكبرى يوم بدر، فبلغني بعد ذلك أنّه سئل عن ذلك فقال: يوم بدر.
وقال القاسم بن معن بن عبد الرحمن: حدثني أبي حدثني عبد الرحمن، قال: حدث عكرمة بحديث فقال: سمعت ابن عبّاس يقول كذا وكذا، قال فقلت: يا غلام، هات الدواة قال: أعجبك؟ فقلت: نعم، قال: تريد أن تكتبه؟ قلت: نعم قال: إنّما قلته برأيي.
وقال ابن سعد: كان عكرمة بحراً من البحور، وتكلم الناس فيه، وليس يحتجّ بحديثه فهذا جميع ما نقل عن الأئمّة في تكذيبه على الإبهام» مقدّمة فتح الباري :٤٢٥.
فهل يمكن بعد ذلك الالتفات إلى الدفاع عن البخاري في الاعتماد عليه كما حاول أن يقوم بذلك ابن حجر وبعض المتعبّدين بصحّة كُلّ ما في البخاري؟
ثُمّ إنّ ابن حجر نفسه في كتاب الجهاد من (الفتح) قال: «وفي رواية ابن أبي عمر ومحمّد بن عباد عن الإسماعيلي جميعاً عن سفيان قال: رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعماراً الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين حرقهم علي فقال أيوب: فذكر الحديث، فقال عمار: لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثُمّ دخّن عليهم» فتح الباري ٦:١٥١.
إذن هناك من ينكر الحادثة وإنّه لم يكن إحراق في البين.
وذهب ابن جرير الطبري في كتابه (تهذيب الآثار) (تهذيب الآثار: ٧٠)، مسند علي عليه السلامأن الذي حدث هو قتلهم ثُمّ إحراق جيفهم، وأورد أخبار كثيرة تثبت ذلك، وذكر خبر الغلاة وفيه: « فضرب أعناقهم، ثُمّ حفر لهم حفر النار وألقاهم فيها» نفس المصدر السابق: ٨٢.
إضافة إلى ذلك فهناك سؤال: على فرض صحّة الحديث من أين الجزم بصحة رأي ابن عبّاس وخطأ علي عليه السلام؟
لاحظ ما ذكره ابن حجر في (الفتح) في كتاب استتابة المرتدّين: «فبلغ ذلك عليّاً، فقال: ويح أم ابن عبّاس، كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم، وهو محتمل أنّه لم يرض بما اعترض عليه ورأى أنّ النهي للتنزيه كما تقدم بيان الاختلاف فيه، وسيأتي في الحديث الذي يليه مذهب معاذ في ذلك وأنّ الإمام إذا رأى التغليظ بذلك فعله، وهذا بناء على تفسير كلمة ويح بأنها رحمة فتوجّع له لكونه حمل النهي على ظاهره فاعتقد التحريم مطلقاً فأنكر» فتح الباري ١٢:٢٧١.
وقال ابن حجر: «قوله (فأمر به فقتل) في رواية أيوب فقال: واللّه‏ لا أقعد حتّى تضربوا عنقه، وفي رواية الطبراني التي أشرت إليها: فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها. ويمكن الجمع بأنّه ضرب عنقه ثُمّ ألقاه في النار، ويؤخذ منه أنّ معاذاً وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار وإحراق الميت بالنار، مبالغة في إهانته، وترهيباً عن الاقتداء به» نفس المصدر السابق: ٢٧٤.
المورد الثاني: قال: روى البخاري عن علي بن أبي طالب: أنّ رسول اللّه‏ طرقني وفاطمة ليلة فقال: ألا تصليّان؟ فقلت: يا رسول اللّه‏ أنفسنا بيد اللّه‏ فإذا شاء أنّ يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثُمّ سمعته وهو مولّ يضرب فخذه وهو يقول: «وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيٍْ جَدَلاً».
نقول: الحديث صحيح وفق المقاييس الرجالية المشهورة عند علماء الحديث من أهل السنّة، ولكن اشتهار علي عليه السلام بالعبادة وقيام الليل هو أمر معروف عند جميع العلماء، ويكفي ذلك لكي يوصف هذا الحديث بالشذوذ؟ لكنها ضوابط ذكروها لكي تجري في بعض الروايات دون الأخرى والمقياس هو الأهواء، والشذوذ واضح إلى درجة ترى أن علماءهم يصرّحون بورود الإشكال على المتن مع تبنّيهم لصحّة الرواية.
قال الآلوسي في تفسيره بعد نقله الرواية المذكورة: لا شبهة في الحديث إلا أنّ فيه إشكالاً يعرف بالتأمّل، ولا يدفعه ما ذكره النووي حيث قال: المختار في معناه أنّه تعجّب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا ولهذا ضرب فخذه، وقيل: قال (صلي الله عليه و آله وسلم)ذلك تسليماً لعذرهما وأنه لا عتب، تفسير الآلوسي ٩:٤٣٢.
فترى أنّ المحاولات التي يسعى بها علماء السنة في شرح الحديث تنبع من شذوذ الحديث ونكارة متنه في حق علي عليه السلام، وكم من حديث صحيح الإسناد يرفضونه لأنّه شاذّ ومع ذلك يقبلون مثل هذا الحديث ويضعونه في الصحاح.
ألا يرون أنّ هذا الحديث ينافي قوله تعالى في حق الصحابة: «تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللّه‏ِ وَرِضْوَاناً» الفتح: ٢٩، وعلي عليه السلام أوّلهم ودخوله فيهم متّفق عليه بين الشيعة والسنة، ولذا ترى بعضهم حاول أن يبيّن الحادثة المزعومة بشكل لا يبدو فيها منقصة لعلي عليه السلام.
فقد نقل ابن حجر في (فتح الباري) عن ابن بطال عن المهلّب قال : «فيه أنّه ليس للإمام أن يشدّد في النوافل حيث قنع (صلي الله عليه و آله وسلم) بقول علي رضى‏الله‏عنه: أنفسنا بيد اللّه‏، لأنّه كلام صحيح في العذر عن التنفّل ولو كان فرضا ما عذره، قال: وأما ضربه فخذه وقراءته الآية فدالّ على أنّه ظن أنّه أحرجهم فندم على إنباههم كذا» فتح الباري ٣:١١.
وذكر ابن حجر في (الفتح): «ونقل ابن بطال عن المهلّب ما ملخصه أن عليا لم يكن له أن يدفع ما دعاه إليه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) من الصلاة بقوله ذلك بل كان عليه الاعتصام بقوله، فلا حجّة لأحد في ترك المأمور انتهى، ومن أين له أن عليا لم يمتثل ما دعاه إليه فليس في القصة تصريح بذلك، وإنما أجاب علي بما ذكر اعتذارا عن تركه القيام بغلبة النوم، ولا يمتنع أنه صلّى عقب هذه المراجعة إذ ليس في الخبر ما ينفيه.
وقال الكرماني حرّضهم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) باعتبار الكسب والقدرة الكاسبة ، وأجاب علي باعتبار القضاء والقدر، قال: وضرب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) فخذه تعجّباً من سرعة جواب علي، ويحتمل أن يكون تسليماً لما قال.
وقال الشيخ أبو محمّد بن أبي جمرة: في هذا الحديث من الفوائد مشروعيّة التذكير للغافل خصوصاً القريب والصاحب، لأنّ الغفلة من طبع البشر فينبغي للمرء أن يتفقّد نفسه ومن يحبّه بتذكير الخير والعون عليه، وفيه أنّ الإعتراض بأثر الحكمة لا يناسبه الجواب بأثر القدرة، وأن للعالم إذا تكلّم بمقتضى الحكمة في أمر غير واجب أن يكتفي من الذي كلّمه في احتجاجه بالقدرة، يؤخذ الأوّل من ضربه على فخذه، والثاني من عدم إنكاره بالقول صريحا، قال: وإنّما لم يشافهه بقوله «وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيٍْ جَدَلاً»الكهف:٥٤، لعلمه أنّ عليّاً لا يجهل أن الجواب بالقدرة ليس من الحكمة، بل يحتمل أن لهما عذراً يمنعهما من الصلاة فاستحيا علي من ذكره، فأراد دفع الخجل عن نفسه وعن أهله فاحتجّ بالقدرة، ويؤيّد رجوعه (صلي الله عليه و آله وسلم) منهم مسرعاً.
قال: «ويحتمل أن يكون علي أراد بما قال استدعاء جواب يزداد به فائدة، وفيه جواز محادثة الشخص نفسه بما يتعلق بغيره، وجواز ضربه بعض أعضائه عند التعجّب وكذا الأسف» فتح الباري ١٣:٣١٤، انتهى كلام ابن حجر.
والقارى‏ء يرى التكلّف والجهد المبذول في شرح الحديث بالشكل الذي يحرص فيه علماء الحديث أن لا يتعارض مع العلم بعبادتة وخضوعه عليه السلامللنبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وبين رفضه القيام للصلاة، كُلّ ذلك لتقيدهم بمقولة أن كُلّ ما في كتاب البخاري صحيح، هذه المقولة التي لم يرد فيها كتاب ولا سنّة، وأمّا أهل الجهالة فكُلّ جهدهم الإساءة إلى علي عليه السلام لأنّهم من سنخ معاوية.
علّة الحديث:
ويغلب على الظن أنّ علّة الحديث هو ابن شهاب الزهري عالم البلاط الأموي، فقد نقل عنه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) الواقعة التالية والكلام للزهري قال: «قال لي ـ عبد الملك بن مروان ـ قد فرضت لك فرائض أهل بيتك، ثُمّ التفت إلى قبيصة فأمره أن يثبت ذلك في الدواوين، ثُمّ قال: أين تحبّ أن يكون ديوانك مع أمير المؤمنين هاهنا أم تأخذه ببلدك، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أنا معك فإذا أخذت الديوان أنت وأهل بيتك أخذته.
قال: فأمر بإثباتي ونسخة كتابي أن يوقع بالمدينة...، قال: ثُمّ خرج قبيصة بعد ذلك قال: إنّ أمير المؤمنين قد أمر أن يثبت في صحابته وأن يجرى عليك رزق الصحابة وأن يرفع فريضتك إلى أرفع منها فأكرم باب أمير المؤمنين... ولزمت عسكر عبد الملك وكنت أدخل عليه كثيراً، قال: وجعلني عبد الملك فيما يسائلني يقول من لقيت فجعلت أسمي له وأخبره بمن لقيت من قريش لا أعدوهم... قال: وتوفي عبد الملك بن مروان فلزمت الوليد بن عبد الملك حتّى توفي ثُمّ سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك، فاستقضى يزيد ابن عبد الملك على قضائه الزهري وسليمان بن حبيب المحاربي جميعاً قال: ثُمّ لزمت هشام بن عبد الملك. قال: وحجّ هشام سنة ست ومائة وحجّ معه الزهري فصيّره هشام مع ولده يعلمهم ويفقههم ويحدّثهم ونجح معهم فلم يفارقهم حتّى مات بالمدينة» تاريخ دمشق ٥٥:٣٢٤.
وقال ابن عساكر: «قال - الزهري ـ : فخرجت فتجهّزت حتّى قدمت المدينة، فجئت سعيد بن المسيب في مجلسه في المسجد، فدنوت لأسلم عليه فدفع في صدري، وقال: انصرف وأبى أن يسلّم علي. قال: فخشيت أن يتكلم بشيء يعيبني به فيرويه من حضره قال: فتنحيت ناحية قال: واتّبعته ليخلو، فلمّا خلا وبقي وحده مشيت إلى جنبه فقلت: يا أبا محمّد، ما ذنبي أنا ابن أخيك ومن مؤديك؟ قال: فما زلت أعتذر إليه وأتنصل إليه وما يكلمني بحرف وما يردّ علي بكلمة حتّى إذا بلغ منزله واستفتح ففتح له فأدخل رجله ثُمّ التفت إلي فقال: أنت الذي ذهبت بحديثي إلى بني مروان؟» نفس المصدر السابق: ٢٩٨.
ونقل ابن عساكر في نفس الجزء:
«عن نافع بن مالك عمّ مالك بن أنس قال: قلت للزهري: أما بلغك أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)قال: «من طلب شيئاً من العلم الذي يراد به وجه اللّه‏ يطلب به شيئاً من عرض الدنيا دخل النار»؟ فقال الزهري: لا ما بلغني هذا عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)! فقلت له: كُلّ حديث رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بلغك؟
قال: لا.
قلت: فنصفه؟
قال: عسى.
قلت: فهذا في النصف الذي لم يبلغك» تاريخ دمشق ٥٥: ٣٦٦.
ونقل عن الشافعي قوله:
«يقولون نحابي ولو حابينا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذاك أنّا نجده يروي عن سليمان بن أرقم» نفس المصدر السابق: ٣٦٨.
ونقل: عن يزيد بن الهذلي عن مكحول قال: «إنّما الزهري عندنا بمنزلة الجراب يؤكل جوفه ويلقى ظرفه».
وعن علي بن حوشب الفزاري قال: «سمعت مكحولاً وذكر الزهري، فقال: كُلّ كليله وكانت به لكنة، قال يزيد: قل قليله أي رجل هو لولا أنّه أفسد نفسه بصحبة الملوك» نفس المصدر السابق: ٣٦٨.
ونقل عن عمرو بن رديح قال: «كنت مع ابن شهاب الزهري نمشي فرآني عمرو بن عبيد فلقيني بعد فقال: ما لك ولمنديل الأمراء يعني ابن شهاب...» نفس المصدر السابق: ٣٦٨.
ومن هنا قدح فيه ابن معين كما في (تهذيب التهذيب) عند ترجمته للأعمش قال: «حكى الحاكم عن ابن معين أنّه قال: أجود الأسانيد الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه‏، فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري، فقال: تريد من الأعمش أن يكون مثل الزهري؟ الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني أمية والأعمش، فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع عالم بالقرآن» تهذيب التهذيب: ٤:١٩٥.
وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبو داود حدثنا شعبة قال : «خرجت أنا وهشيم إلى مكّة... فلما قدمنا مكة مررت به وهو قاعد مع الزهري فقلت: أبا معاوية من هذا؟
قال: شرطي لبني أميّة، فلمّا قفلنا، جعل يقول حدّثنا الزهري فقلت: وأين رأيته؟
قال: الذي رأيتـه معي.
قلت: أرني الكتاب فأخرجه فخرقته» سير أعلام النبلاء ٧:٢٢٦.
وروى ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن إبراهيم الجعفري قال: كنت عند الزهري أسمع منه فإذا عجوز قد وقفت عليه فقالت: يا جعفري لا تكتب عنه فإنّه مال إلى بني أميّة وأخذ جوائزهم.
فقلت: من هذه؟
قال: أختي رقية خرفت.
قالت: خرفت أنت، كتمت فضائل آل محمد. تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٢٨.
فهل بعد كُلّ تلك الخدمة للزهري في البلاط الأموي ولآل مروان الذين انشغلوا بسب علي عليه السلام مدّة سبعين عاماً على منابرهم وكتمان فضائل آل البيت عليهم‏السلاموذلك للبغض الشديد لعلي عليه السلام يمكن أن تقبل رواية من الزهري في حقّ علي عليه السلامولمجرد أن البخاري نقلها في صحيحه؟
المورد الثالث: قال: يثير الشيعة دائماً مسألة إغضاب أبي بكر لفاطمة على قصّة فدك ويقولون إنّ أبا بكر أغضب فاطمة ومن أغضب فاطمة، أغضب رسول اللّه‏، ومن أغضب رسول اللّه‏ أغضب اللّه‏، ثُمّ نقل عن مسلم خبر خطبة علي عليه السلامإبنة أبي جهل وتأذي فاطمة... إلى أن يقول: من الذي أغضب فاطمة؟
نقول: هذا الكلام يمكن أن ينفع من يتعبّد بصحّة كُلّ ما في البخاري ومسلم ويضع عقله والعلم جانباً، وأما من لا يؤمن بهذه الأسطورة المنسوجة في الفكر السنّي، فلا يسلّم بصحّة ما ورد من خطبة علي إبنة أبي جهل وغضب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)تبعاً لغضب إبنته.
ومن يتأمّل في الرواية لابدّ أن يتساءل كيف يكون النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مرسل من ربه بشريعة ثُمّ يكون أوّل الناس الذين يرفضون تطبيق أحكامها التي تؤذيهم، ويجهر بذلك على المنابر وأمام الملأ لكون فاطمة «بضعة منه يؤذيها ما يؤذيه»؟
فماذا بقي من كونه أسوة وقدوة وضعه اللّه‏ تعالى للناس جميعا؟!
إنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) أوّل الناس في رفض الأهواء والتسليم لحكم اللّه‏ عزّ وجلّ، وكيف تكون فاطمة سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة عليهاالسلامبقول النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)ثُمّ هي تغضب من حلال أحلّه اللّه‏، وهل الإيمان يكون بتحكيم الهوى في قبول الأحكام؟
أو هل هذه أخلاق رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في صحيح مسلم؟
أو هل هذه هي التربية النبويّة لفاطمة عليهاالسلام؟
وهل نتمسك برواية ونعتبر صحّتها لأنّ مسلم رواها في صحيحه بينما نرتضي أنّ يطعن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في ولائه لأحكام ربّه؟!
نعم، نحن بين خيارين أنّ نحكم بأنّ الرواية غير صحيحة وإنّ وردت فيما سمّيت بالصحاح، أو نقول: أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يترفّع أن يطبّق أحكام اللّه‏ على نفسه في الحالات التي تؤذيه، وفي اختيار الأمر الأوّل السلامة لديننا.
هذا من جهة متن ومعنى الحديث، أمّا من جهة السند: فالحديث في البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة مروي عن طريق المسوّر بن مخرمة، وانفرد الترمذي بروايته عن ابن الزبير.
أما رواية الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن عبد اللّه‏ بن الزبير ففي ذلك يقول ابن حجر في فتح الباري: «وخالفهم أيوب فقال: عن أبي مليكة، عن عبد اللّه‏ بن الزبير، أخرجه الترمذي وقال: حسن،... والذي يظهر ترجيح رواية الليث لكونه توبع ولكون الحديث قد جاء عن المسوّر من غير رواية ابن أبي مليكة» فتح الباري:٩:٣٢٧.
وكذلك قال: «... أخرجه الترمذي وصحّحه وقال: يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعاً، ورجّح الدارقطني وغيره طريق المسوّر والأوّل أثبت بلا ريب، لأنّ المسوّر قد روى في هذا الحديث قصّة مطولة قد تقدّمت في باب أصهار النبي (صلي الله عليه و آله وسلم).
نعم، يحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط أو سمعها من المسوّر فأرسلها» فتح الباري ٧:١٠٥.
وهذا الأخير هو الصحيح والظاهر، ولو سلّم أنّه سمعه من ابن الزبير فهو والمسوّر سواء في العداء لأهل البيت عليهم‏السلام كما سيأتي.
نعم، روى الحاكم الخبر في المستدرك: ٣:١٧٣، ولكن بسند مرسل عن سويد بن غفلة، وعلّق الذهبي في التلخيص على الخبر: بأنّه مرسل قوي، وقال في (سير الأعلام) عن سويد: قيل له صحبة ولم يصحّ، ورواه عن أبي حنظلة رجل من أهل مكّة وعلق عليه الذهبي بقوله: مرسل، وروى ثالثاً الخبر عن عبد اللّه‏ بن الزبير سير أعلام النبلاء: ٤:٧٠.
فالحقّ أنّه لا يوجد صحابي ينقل الخبر غير المسوّر، وقد صرّح في الرواية بقوله: «سمعت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: إنّ فاطمة منّي...».
قال ابن حجر في (الفتح):
«قال ابن سيّد الناس: هذا غلط والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ كالمحتلم، أخرجه من طريق يحيى بن معين عن يعقوب بن إبراهيم بسنده المذكور إلى علي بن الحسين، قال: والمسوّر لم يحتلم في حياة النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، لأنّه ولد بعد ابن الزبير فيكون عمره عند وفاة النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) ثمان سنين» فتح الباري: ٩:٣٢٧.
وقال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة المسوّر: «... ووقع في صحيح مسلم من حديثه في خطبة علي لإبنه أبي جهل قال المسوّر: سمعت النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)وأنا محتلم يخطب الناس فذكر الحديث وهو مشكل المأخذ، لأنّ المؤرّخين لم يختلفوا أنّ مولده كان بعد الهجرة، وقصّة خطبة علي كانت بعد مولد المسوّر بنحو من ست سنين أو سبع سنين فكيف يسمى محتلماً...» تهذيب التهذيب:١٠:١٣٧.
أفلا تعجب أيّها القارئ خطبة يذكر بها رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) أمراً مثل هذا لا يحفظه من الصحابة إلاّ صحابي كان عمره ست أو سبع سنين حين الخطبة !!
وقد أجاد ابن حجر التعليق على قول المسوّر بن مخرمة لعلي بن الحسين حين قدومه المدينة من عند يزيد بن معاوية حين مقتل الحسين بن علي رحمة اللّه‏ عليه: «هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ فقلت - أي علي بن الحسين - له: لا، فقال: هل أنت معطي سيف رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)؟ فإنّي أخاف أن يغلبك القوم عليه؟ وأيّم اللّه‏ لئن أعطيتنيه لا يخلص إليهم أبداً حتّى تبلغ نفسي، إنّ علي بن أبي طالب خطب إبنة أبي جهل على فاطمة، وساق الخبر المروي في البخاري.
قال ابن حجر في (الفتح): «ولا أزال أتعجّب من المسوّر كيف بالغ في تعصّبه لعلي ابن الحسين حتّى قال: إنّه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحداً منه حتّى تزهق روحه، رعاية لكونه ابن فاطمة محتجّاً بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أنّ ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين لما فيه من إيهام غضّ من جدّه علي بن أبي طالب حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة حيث اقتضى أن يقع من النبي في ذلك من الإنكار ما وقع.
بل وأتعجب من المسوّر تعجباً آخر أبلغ من ذلك وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصّة حتّى قتل بأيدي ظلمة الولاة» فتح الباري:٩:٣٢٧.
فابن حجر يورد أمرين:
الأوّل: كيف يذكر المسوّر لعلي بن الحسين ما يجرح عواطفه بهذه القصّة في الوقت الذي يريد إظهار ما في نفسه من حبّ له، كتمهيد لطلب سيف رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)منه؟
الثاني: إذا كان هذا الحب لآل النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) عند المسوّر لماذا لم يساهم في نصرة الحسين عليه السلام ضد ظلمة الولاة بنفسه في حين أنّه يدّعي أنّه يبذل نفسه للسيف، هل السيف أهم وأشرف من آل الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)؟!
وهنا حاول ابن حجر أن يبرّر تصرّف المسوّر بما لا يجدي.
ثُمّ ذكر ابن حجر إشكالاً آخر يخدش الرواية في كتاب فرض الخمس في بيان مناسبة ذكر قصّة السيف مع خطبة علي لإبنة أبي جهل: «... وقال الكرماني: مناسبة ذكر المسوّر لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه السيف من جهة أنّ رسول اللّه‏ كان يحترز عمّا يوجب وقوع التكدير بين الأقرباء، أي فكذلك ينبغي أنّ تعطيني السيف حتّى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أنّ رسول اللّه‏ كان يراعي جانب بني عمّه العبشميين فأنت أيضاً راع جانب بني عمّك النوفليين لأنّ المسوّر نوفلي فتح الباري: ٦:٢١٤.
ثُمّ قال ابن حجر: «كذا قال، والمسوّر زهري لا نوفلي (وهو ردّ ابن حجر على الكرماني)، قال: أو كما رسول اللّه‏ كان يحبّ رفاهيّة خاطر فاطمة عليهاالسلام فأنا أيضاً أحبّ رفاهيّة خاطرك لكونك ابن ابنها فاعطني السيف حتّى أحفظه لك.
قلت: وهذا الأخير هو المعتمد وما قبله ظاهر التكلّف، وسأذكر إشكالا يتعلّق بذلك في كتاب المناقب» انتهى كلام ابن حجر.
وهذا المعتمد عند ابن حجر مردود بأنّه إذا كان ذكر القصّة ليظهر المسوّر لعلي بن الحسين عليه السلام أنّه يحبّ رفاهيّة خاطره فأيّ خصوصيّة للسيف، فعلي بن الحسين عليه السلام قد قدم إلى المدينة بعد مقتل الحسين عليه السلام بحرم رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)من نساء ثكلى وأطفال يتامى، فهل رفاهيّة الخاطر وإظهار المحبّة لأبناء فاطمة عليهاالسلامفي مثل هذا الحال يكون في ضمان حفظ سيف رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)من أيدي الظلمة فقط؟
وعلى فرض صحّة القصّة كيف نجيب على هذه التساؤلات؟
إذ تضمّنت خطبة النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) على المنبر كما ذكر البخاري عبارة: «وإنّي لست أحرّم حلالاً ولا أحلّ حراماً، ولكن واللّه‏ لا تجتمع بنت رسول اللّه‏ وبنت عدو اللّه‏ أبداً».
ونتساءل ما معنى هذا الكلام؟ فهل يعقل أن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يظهر بهذا المظهر الحادّ في رفض حكم عامّ من أحكام اللّه‏ العامّة لأنّها ستطبّق على ابنته.
والنبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أقرّ بأنّ عليّاً عليه السلام لم يرتكب حراماً، فأقصاه أن يكون النهي تنزيهياً مراعاة لفاطمة الزهراء عليهاالسلام ولكنه مع ذلك صعد المنبر وأعلن القصّة على الملأ وشهّر بعلي عليه السلام، فهل هذا الأمر يتلاءم مع شأن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)الذي ثبت من أنّه «كان إذا بلغه عن الرجل الشي لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا»، وكذلك ورد عنه «كان رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) قلّ ما يواجه رجلاً في وجهه بشيء يكرهه».
وقد التفت ابن حجر إلى هذه الناحية حيث قال: «وكان النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) قل أن يواجه أحداً بما يعاب به»، ثُمّ اعتذر قائلاً: «ولعله إنّما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة عليهاالسلام» فتح الباري: ٧:٨٦.
نعم، الأمر معقول مع وجود حكم خاص بفاطمة عليهاالسلام، فيحرم الزواج على سيّدة نساء العالمين، وبناء على كون الأمر على هذا النحو الطبيعي أن يصرّح رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بذلك، كما أنّه لا يتناسب مع قوله إنّي لا أحرّم حلالاً، ولا مع تصوير الأمر بأنّه خاصّ بالمورد بملاحظة عبارة لا تجتمع بنت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)مع بنت عدو اللّه‏ بحيث لو كان غيرها لما اعترض، ولا مع عبارة إنّي أخاف أن تفتن في دينها.
نعم، السياق المعقول لمثل ذلك بناء على الرؤية السنيّة هو ما رواه الحاكم في (المستدرك) من أن عليّاً استشار النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وقال له : أتأمرني بها، فقال: لا فاطمة مضغة مني ولا أحسب إلاّ و أنّهاتحزن وتجزع، فقال علي: لا آتي شيئا تكرهه. المستدرك على الصحيحين: ٣:١٧٣، ولكن كما قلنا هو خبر مرسل.
ويكفي لرفض الخبر ما رواه الشيخ الصدوق في (الأمالي) كما عن (البحار) عن علقمة قال: قلت للصادق عليه السلام: يا بن رسول اللّه‏، إنّ الناس ينسبوننا إلى عظائم الأمور، وقد ضاقت بذلك صدورنا؟ فقال عليه السلام : «يا علقمة إنّ رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط، وكيف تسلمون ممّا لم يسلم منه أنبياء اللّه‏ ورسله وحجّج اللّه‏ عليهم‏السلام... ألم ينسبوا نبينا محمّدا (صلي الله عليه و آله وسلم) إلى أنّه شاعر مجنون؟ ألم ينسبوه إلى أنّه هوى امرأة زيد بن حارثة فلم يزل بها حتّى استخلصها لنفسه؟...
وما قالوا في الأوصياء أكثر من ذلك ألم ينسبوا سيّد الأوصياء عليهم‏السلام إلى أنّه يطلب الدنيا والملك؟... ألم ينسبوه إلى أنّه عليه السلام أراد أن يتزوج إبنة أبي جهل على فاطمة عليهاالسلام وأن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) شكاه على المنبر إلى المسلمين فقال: إنّ عليّاً يريد أن يتزوج إبنة عدو اللّه‏ على إبنة نبي اللّه‏ ! ألا إنّ فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ومن سرها فقد سرني ومن غاظها فقد غاظني» بحار الأنوار: ٧٠:٢.
المهم أن الحديث مرفوض عند الشيعة متناً وسنداً، وقد أشار ابن حجر إلى ذلك في (الفتح) حينما ذكر تكذيب السيّد المرتضى للخبر لأنّه من رواية المسوّر وكان فيه انحراف عن علي عليه السلام فتح الباري: ٧:٨٦.
فالعلة كُلّ العلة في المسوّر، فيكفي أولاً كونه من جنود عبد اللّه‏ بن الزبير الذي أضلّ أباه وزينّ له حرب علي في معركة (الجمل)، بل الخوارج ينتهلون منه قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) : «وقد انحاز إلى مكّة مع ابن الزبير وسخط إمرة يزيد وقد أصابه حجر منجنيق في الحصار، قال الزبير بن بكار كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه،... قال عروة: فلم أسمع المسوّر ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه... وعن عطاء بن يزيد كان ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسوّر بمكة» سير أعلام النبلاء: ٣:٣٩١.
ونقل ابن عساكر في (تاريخ دمشق): «عن الزبير بن بكر: وكانت الخـوارج تخشى المسوّر بن مخرمة وتعظّمه وينتحلون رأيه» تاريخ دمشق: ٥٨:١٦١.
نعم، يمكن أن يكون هناك أصل للخبر تمثل في إشاعة بثّها المنافقون حول علي عليه السلامبأنّه تقدّم لخطبة إبنة أبي جهل أذيّة لهما، فبين رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)أنّ مثل هذا لا يجوز بالنسبة إلى زوج سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام، فلا تؤذى بمثل هذا الأمر.
فقد روى الصدوق في (العلل) كما عن البحار عن أبي عبد اللّه‏ الصادق عليه السلام: «جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم) فقال لها: أما علمت أنّ عليّاً قد خطب بنت أبي جهل... قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): فما دعاك إلى ما صنعت؟
فقال علي: والذي بعثك بالحق نبيّا ما كان منّي ممّا بلغها شيء ولا حدثت بها نفسي» بحار الأنوار: ٤٣:٢٠١، لكن الخبر ضعيف السند منكر المضامين.
بقيت لدينا مسألة إغضاب أبي بكر للزهراء عليهاالسلام، فنحن أمام قضية منطقيّة واضحة، نرجو من علماء أهل السنة أن يبيّنوا الخطأ إذا كانت هناك مغالطة في البين أن أبا بكر أغضب فاطمة عليهاالسلام كما في الصحيح بشكل غير قابل للتأويل، ومن أغضب فاطمة عليهاالسلام أغضب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ومن أغضبه (صلي الله عليه و آله وسلم)أغضب اللّه‏ تعالى.
ولنقل أنّ عليّاً عليه السلام أيضاً أغضب فاطمة عليهاالسلام كما تعتقدون ألم يؤيّد رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)فاطمة عليهاالسلام مع أنّ الأمر كان حلالاً لعلي عليه السلام، فلماذا لا تخطّأون أبا بكر مع فرض أنّ الأمر جائز له؟! ألم يكن تسليم فدك جائزا له فلماذا لم يرضها ويعطها فدكاً كما أرضاها علي عليه السلام وترك الخطبة؟! بل تقولون إنّ عثمان أرضى قرابته ومنهم مروان فأقطعهم فدكاً، وقد روى ذلك ابن حجر في (فتح الباري) فتح الباري:٦:٢٠٤.
المورد الرابع: ذكر ما روي عن البراء بن عازب في صحيح البخاري ونقله العلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار) من تفاصيل صلح الحديبية، قال: لمّا صالح رسول اللّه‏ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب بينهم كتاباً فكتب محمّد رسول اللّه‏ فقال المشركون: لا تكتب رسول اللّه‏ لو كنت رسولاً لم نقاتلك فقال لعلي: امحه، فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بيده، واعتبر امتناع علي عليه السلامعن الكتابة معصية منه لرسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم).
نقول: مرّ سابقا الحديث في هذا الموضوع، وعبارة «ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بيده» التي نسبها للمجلسي في (بحار الأنوار) ذكرها المجلسي بحار الأنوار: ٣٨:٣٢٨، نقلاً لرواية البخاري فلا يصحّ اعتبار المذكور في البحار مصدراً آخر للرواية، فضلاً عن أنّ العبارة في تلك الصفحة «قال: لا واللّه‏ لا أمحوك أبداً»، ونقل البحار للرواية من مصادر العامّة لم يكن خافياً في الصفحة ولكنه تعامّ وتعصب، فالمجلسي في الباب ٦٧ المعنون بأنّ عليّاً عليه السلامكان أخصّ الناس برسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ذكر الرواية بالشكل التالي:
٣٩ - وروى ابن الأثير في جامع الأصول عن البخاري ومسلم بسنديهما عن البراء ابن عازب... ونقل الخبر.
وأمّا عبارة علي عليه السلام المنقولة في (بحار الأنوار) نقلاً عن (أعلام الورى) أي من مصادر الشيعة فهي: «يا رسول اللّه‏ إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوّة» بحار الأنوار:٢٠:٣٦٢، وقد مرّ الحديث عن هذا الأمر فيما سبق فليراجع.
المورد الخامس: روي عن مسند أحمد عن علي أنّه أتى النبي فقال إن أبا طالب مات ، فقال له النبي: اذهب فواره، فقال علي: إنّه مات مشركا، فقال رسول اللّه‏: اذهب فواره.
قال: «لو وقع هذا من عمر أو أبي بكر لقالوا كيف لا ينفّذون أمر رسول اللّه‏ وهل هم يعلّمون رسول اللّه‏؟».
نقول: الرواية التي فيها زيادة قول علي عليه السلام «إنّه مات مشركاً» والتي اعتبرها اعتراضاً من علي عليه السلام على النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)، رواها أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب (مسند أحمد بن حنبل: ٢:١٥٣ ـ ٧٥٩)، وذكرت مرّة أخرى (نفس المصدر السابق:٣٣٢ برقم١٠٩٣)، عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب، ولكن ليس فيها زيادة «إنّه مات مشركاً»، وروى الخبر أحمد مرتين عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، الأولى تحت رقم ٨٠٧ والثانية تحت رقم ١٠٧٤ ولم تذكر فيهما الزيادة السابقة.
قال محقّق الكتاب معلّقاً على السند الأوّل المتضمّن للزيادة: «إسناده ضعيف ناجيّة ابن كعب هو الأسدي كما حقّقه الحافظ في (التهذيب) قال ابن المديني: لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي إسحاق وهو مجهول ولم يوثّقه غير العجلي، وقد وهم الحافظ في (التقريب) فقال عنه: ثقة! وأمّا قوله في (التهذيب) إنّ ابن حبّان ذكره في (الثقات) فهو وهم منه أيضاً فإنّه ليس فيه وإنّما ذكره في (المجروحين) ٣:٥٧، وقال: ناجيّة بن كعب من أهل الكوفة وهو الأسدي يروي عن علي، روى عنه أبو إسحاق وأبو حسان الأعرج كان شيخاً صالحاً إلاّ أنّ في حديثه تخليطاً لا يشبه حديث أقرانه الثقات عن علي فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإنّ احتجّ به محتجّ أرجو أنّه لم يجرح في فعله ذلك.
قلنا: وقد ضعّف الحديث البيهقي في (السنن)، وتبعه النووي في (المجموع) ٥:١٤٤، فضعّفه ونقل البيهقي عن علي بن المديني أنّه قال: في إسناده بعض الشيء»، انتهى كلام المحقّق.
وكم حديث في مسند أحمد فيه دلالة على الحقّ ردّه هذا الكاتب لضعف سنده، ولكنّه هنا حينما يبلغ الحديث موضعاً صرّح هو بأنّه «وقفت عندها كثيراً وتردّدت في الكتابة فيه... هل يجوز أن أذكر ما أراه من مآخذ على علي رضى‏الله‏عنه ... مع أنّي لا أقصد الإساءة» لا يأبه بالسند، وينقل ما شاء للإساءة إلى أمير المؤمنين وإن لم يدلّ على المطلوب بمتنه أو كان ضعيفاً في سنده.
وأغلب الظن أنّ زيادة «مات مشركاً» توهّم من شعبة، فقد روى الخطيب في (تاريخ بغداد) عن أبي بكر الأثرم قال: سمعت أبا عبد اللّه‏ - ابن حنبل ـ يقول: «كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلاّ شيئا قليلاً وربّما وهم في الشيء» تاريخ بغداد: ٩:٢٦٠).
ويظهر أنّه كان متعصّباً ضد علي عليه السلام فقد ذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء): «قال أمية بن خالد قلت لشعبة: إنّ أبا شيبة حدثنا عن الحكم عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى أن صفين شهدها من أهل بدر سبعون رجلاً قال: كذب أبو شيبة، لقد ذاكرت الحكم فما وجدنا أحداً شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت» سير أعلام النبلاء: ٧:٢٢١.
قال الذهبي: قلت: قد شهدها عمّار بن ياسر والإمام علي أيضاً.
كما ذكر الخطيب ما يدلّ على رفضه أن ينشر الحديث المنقول عن علي عليه السلامفقد روى في (تاريخ بغداد) عن أبي داود الطيالسي أنّه قال :
«كنا عند شعبة بن الحجاج في البيت وجراب معلق، فالتفت فإذا هو في السقف، فقال: «ترون ذلك الجراب؟ واللّه‏ لقد كتبت فيه عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) لو حدثتكم به لرقصتم» تاريخ بغداد: ٩:٢٦١.
فلماذا يمتنع عن ذلك، مع أن وثاقة الحكم وعبد الرحمن من المسلمات عندهم؟!
هذا من جهة السند.
وأما من ناحية متن الحديث، فالروايات في هذا الشأن من دون تلك الزيادة كُلّها تكمّل أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) علّم عليّاً عليه السلام دعاءاً عدّ من خصائص علي عليه السلام.
فتتمّة الحديث: «قال اذهب فواره ثُمّ لا تحدث شيئاً حتّى تأتيني، قال: فواريته ثُمّ أتيته، قال: اذهب فاغتسل ثُمّ لا تحدث شيئا حتّى تأتيني قال: فاغتسلت ثُمّ أتيته قال: فدعا لي بدعوات ما يسرّني أن لي بها حمر النّعم وسودها».
ولذلك جعل النسائي في (السنن الكبرى) هذه الرواية تحت باب «ما خصّ به النبي عليّاً من الدعاء» وفيها يقول علي عليه السلام: «لما رجعت قال لي كلمة ما أحبّ أن لي بها الدنيا فاغتسلت ودعا لي بدعوات ما يسرّني ما على الأرض بشيء منها» السنن الكبرى للنسائي: ٥:١٥١.
فعلى فرض صدور تلك الجملة من علي عليه السلام، ألا يمكن أن تعتبر كقول الملائكة «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» (البقرة: ٣٠)، هل اعتبره أحد العلماء اعتراضا من الملائكة ومأخذاً عليهم كما حاول أن يتخذه مأخذاً على علي عليه السلام.
المورد السادس: قال: روى البخاري دخل العبّاس وعلي على عمر فقال العبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا.... فاستبّ علي وعبّاس... قال: كيف يسبّ علي عمّه العبّاس؟
قال ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري): «(فقال عبّاس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا) زاد شعيب ويونس (فاستبّ علي وعبّاس)، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض (اقض بيني وبين هذا الظالم، استبّا)، وفي رواية جويرية (وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن)، ولم أر في شي من الطرق أنّه صدر من علي في حق العباس شيء بخلاف ما يفهم قوله في رواية عقيل (استبّا)» فتح الباري: ٦:٢٠٥.
إذ الرواية في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب حكم ألفي بلفظ «فأذن لهما، فقال عبّاس: يا أمير المؤمنين، فاقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن» صحيح مسلم: ٣:١٣٧٧)، ولم ينسب إلى علي عليه السلام أنّه صدر شيء منه اتّجاه عمّه.
ثم تابع ابن حجر قائلا: «واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث وقال: لعل بعض الرواة وهم فيها، وإن كانت محفوظة، فأجود ما تحمل عليه أنّ العبّاس قالها دلالاً على علي لأنّه عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عمّا يعتقد أنّه مخطئ فيه وأن هذه الأوصاف يتّصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمد قال: ولابدّ من هذا التأويل لوقوع ذلك بمحضر الخليفة ومن ذكر معه ولم يصدر منهم إنكار لذلك مع ما علم من تشدّدهم في إنكار المنكر» (فتح الباري الصفحة السابقة).
وقال ابن حجر في (الفتح): «قال ابن التّين: معنى قوله في هذه الرواية (استبّا) أي نسب كُلّ واحد منهما الآخر إلى أنّه ظلمه، وقد صرّح بذلك في هذه الرواية بقوله (اقض بيني وبين هذا الظالم) قال: ولم يرد أنّه يظلم الناس وإنّما أراد ما تأوله في خصوص هذه القصّة ولم يرد أن عليّاً سبّ العبّاس بغير ذلك لأنّه صنو أبيه، ولا أنّ العبّاس سبّ عليّاً بغير ذلك لأنّه يعرف فضله وسابقته، وقال المازري: هذا اللفظ لا يليق بالعبّاس وحاشا عليّاً من ذلك فهو سهو من الرواة، وإن كان لابدّ من صحّته فليؤّول بأن العبّاس تكلّم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر...» فتح الباري: ١٣:٢٨٠.
وأمّا الكرماني فقد قال في شرحه لصحيح البخاري: «(استبّا) أي تخاشنا في الكلام وتكلّما بغليظ القول كالمستبّين» (شرح صحيح البخاري للكرماني - مجلد ١٢ - ج٢٥ ص٥٠).
وأمّا القاضي عياض فقد قال في (إكمال المعلم): «وقول العبّاس: (اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الخائن الغادر) قال الإمام - المازري - اللفظ الذي وقع من العبّاس لا يليق بمثله، وحاشا عليّاً منه أنّ يكون به بعض هذه الأوصاف فضلاً عن كلّها أو أن يلّم بها ولسنا نقطع بالعصمة إلاّ للنبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أو لمن شهد له بها لكنّا مأمورون بتحسين الظن بالصحابة (رض)، ونفي كُلّ رذيلة عنهم، وإضافة الكذب لرواتها عنهم، إذا استدّت طرق التأويل. وقد حمل بعض الناس هذا الرأي على أنّ أزال من نسخته ما وقع في هذا الحديث من هذا اللفظ، وما هو بعده ممّا هو في معناه تورّعاً عن إثبات مثل هذا، أو لعلّه يحمل الوهم على رواته» إكمال المعلم: ٦:٧٧.
انظر أخي كيف يشكّك علماء السنّة في صحّة نسبة هذا الأمر إلى العبّاس ، وكيف يستعجل إنسان بجهالته ويقطع بنسبة هذا الأمر إلى علي عليه السلام، فهؤلاء التفتوا إلى أن إثبات مثل هذه الأقوال إلى الصحابة يضرّ بعدالتهم وقدسيّتهم التي يؤمنون بها، وأمّا الجاهل فلا يستطيع أن يلتفت إلى ذلك لأنّ ولعه بإثبات أخطاء لعلي عليه السلامأعماه.
ثمّ يتابع المازري كلامه قائلاً: «وإن كان هذا اللفظ لابدّ من إثباته ولا يضاف الوهم إلى رواته فأمثل ما حمل عليه أنّه صدر من العبّاس على جهة الإدلال على ابن أخيه، لأنّه في الشرع أنزل منزلة أبيه، وقال في ذلك ما لا يعتقد أنه مخطئ فيها أو أنّ هذه الأوصاف وقع فيه على مذهبه من غير قصد لها بل كان علي رضى‏الله‏عنهمتأوّلاً فيها...».
وتابع كلامه قائلاً: «ومن الدليل على أنّ هذه الطريقة هي التي تسلك في التأويل أو ما في معناها أن مجلساً حضر فيه عمر بن الخطّاب رضى‏الله‏عنه وهو أمير المؤمنين وقد عرف من تشدّده في الحدود والأعراض وبعده عن المداهنة ما فاة به الناس وفيه عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد (رض) ثُمّ قال هذا ولا ينكره منكر... وما ذلك إلاّ لما تأوّلناه من أنّهم فهموا بقرينة الحال أنّه قال ما لا يعتقد على جهة المبالغة في الزجر لعلي رضى‏الله‏عنه وزاد له حرمة الأبّ والأبّ لا ينبغي أن ينصف منه في العرض هذا عندي وجه تأويل ما وقع في هذا» انتهى ما نقله القاضي عن المازري.
هذا ما يراه علماء الحديث وشرّاح البخاري ومسلم في هذا الأمر وكُلّ التبرير منصبّ على أنّه أمر صدر من العبّاس دون علي عليه السلام، لأنّه المقدار المعلوم عندهم.
المورد السابع: قال ـ بعد نقل رواية لمسلم ـ : كثيرا ما يقول الشيعة كيف يمكن أن يكون عمر خليفة للمسلمين، وهو لا يعرف حكم التيمّم؟ ونحن نقول هذا علي بن أبي طالب لا يعرف حكم المذي.
نقول: هذا الأمر الذي جعله من المآخذ على الإمام علي عليه السلام، هو في غاية الغرابة، فهل يستوي من يجهل حكم شرعي - على مبناهم بصحّة هذا الخبر، لأنّه في صحيح مسلم - في عصر رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) فيسأل عنه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)إمّا مباشرة أو بواسطة مع وجود العذر، مع من يجهل حكم شرعي بأهمّيّة التيمّم وسعة الابتلاء به، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان على نزول حكمه وتبليغه إلى الناس؟! بل حكمه بيّن في القرآن الكريم، و يفترض أن خليفة المسلمين على اطّلاع بآياته وأحكامه؟!
وقد روي أنّه عليه السلام كان يحتاط في ذلك بحيث سبّب الأذى والمشقّة لنفسه عليه السلاموفي ذلك يقول ابن حجر في (فتح الباري): «ووقع في رواية لأبي داود والنسائي وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي، قال: كنت رجلا مذّاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتّى تشقّق ظهري، فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) : لا تفعل» فتح الباري: ١:٣٨٠.
ويقول: «... وفيه استعمال الأدب من ترك المواجهة بما يستحى منه عرفاً، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلّق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها» فتح الباري: ١:٣٨١).
فابن حجر يرى تصرّف علي عليه السلام من حسن الأدب وتوقير الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)، فانظر إلى الرؤية السليمة إلى النصّ، وقارنها بالكلمات التي يشم منها رائحة النصب.
وأمّا عن موقف عمر المختلف تماماً، فيذكر ابن حجر في (فتح الباري) رواية البخاري: «عن شقيق بن سلمة قال: كنت عند عبد اللّه‏ - عني ابن مسعود - وأبي موسى فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ فقال عبد اللّه‏: لا يصلّي حتّى يجد الماء. فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): «كان يكفيك هكذا فضرب النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) بكفيه الأرض...» قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمّار كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد اللّه‏ ما يقول، فقال: إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم، فقلت لشقيق: فإنّما كره عبد اللّه‏ لهذا؟ قال: نعم.
ثم قال ابن حجر: «وفيه جواز التيمّم للجنب بخلاف ما نقل عن عمر وابن مسعود» نفس المصدر السابق: ١:٤٥٥.
إذاً لعمر رأي في مقابل الحكم الشرعي الذي بلّغه رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)للناس، والذي ذكره القرآن في آية التيمّم، فهل يشبه حال من جهل الحكم ومنعه الحياء لمكان إبنة رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) من السؤال عنه - لو أردنا التنزّل وقبول الخبر - وشقّ على نفسه باحتياطات ثقيلة كالاغتسال في الشتاء، فهل حاله حال من نزلت آية التيمّم في زمن الرسالة النبويّة، ثمّ بعد عقد من الزمان يسأله رجل ـ كما يروي مسلم في صحيحه كتاب الحيض باب التيمّم ـ فيقول: إنّي أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصلّ.
لا أعرف كيف نفسّر فتوى خليفة المسلمين بترك الصلاة عند عدم وجود الماء، مع وجود آية التيمّم الصريحة في القرآن؟
فعلي عليه السلام حينما جهل الحكم كان فرداً في الأمّة ولم يرد نصّ في المورد الذي سأل عنه، بينما عمر حينما قال هذا الرأي كان خليفة المسلمين، وأفتى بخلاف حكم نزل فيه نصّ قرآني واضح، هذا ما يؤاخذ عليه عمر.
ثانياً: الموارد التي ذكرها من كتب الشيعة:
قال: «أمّا المآخذ التي على علي بن أبي طالب من كتب الشيعة فإنّي أستغفر اللّه‏ كثيراً من ذكرها لأنّها تدلّ على خبث طوية من رواها».
نقول: كتابه على الأغلب مبنيّ على اتّهام الشيعة بأنّ استدلالاتهم لم تبتن وفق المصادر المعتبرة عند السنّة والروايات الصحيحة، ويرمي الآخرين بالكذب على اللّه‏ ورسوله (صلي الله عليه و آله وسلم)لأنّه لم يتحرّ الدقّة في تصحيح علماء السنّة للحديث المستدلّ به.
لذا فمن الغريب أن يقوم هو بنفس الأمر الذي ذمّ الآخرين عليه، فاستدلّ بروايات موجودة في كتب الحديث عند الشيعة مثل كتاب (بحار الأنوار) والذي يصرّح علماء الشيعة بأنّها كتب جامعة للحديث لا أكثر، وهي متروكة لأهل التحقيق والبحث لتمييز الصحيح من غيره فيها.
فهلاّ حكم على نفسه بالأحكام السابقة وشَتَمَها؟ نترك الأمر للمنصفين
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
والأعجب من ذلك أنّه يعبّر عن رواة الشيعة وكتّابها الذين نقلوا الأخبار بأنّ رواياتهم لها تدلّ على خبث الطوية في حين أنّك سترى أنّ منها ما يوجد في المصادر الروائية للسنّة، بل بعضها في الصحاح، والأغرب أنّك ترى ذلك في أوّل الأمثلة التي يوردها، فانظر معي أيّها القارئ:
المورد الأول:
نقل عن (البحار) خبراً عن علي عليه السلام، قال: سافرت مع رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)... وكان له لحاف ليس له لحاف غيره، ومعه عائشة، وكان رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ينام بيني وبين عائشة ليس علينا ثلاثتنا لحاف غيره، فإذا قام إلى صلاة الليل يحطّ بيده اللحاف من وسطه بيني وبين عائشة حتّى يمسّ اللحاف الذي تحتنا...
والأدهى من ذلك أنّهم يروون في الكافي عن أبي عبداللّه‏، قال: في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد يجلدان مائة جلدة.
نقول: والمجلسي صاحب كتاب (بحار الأنوار) بدوره نقل الرواية عن كتاب (الاحتجاج) للشيخ الطبرسي الذي ينقل الخبر معلّقاً عن سليم بن قيس، وجلّ روايات (الاحتجاج) محذوفة الإسناد ممّا يفقدها قدراً كبيراً من القيمة، والخبر موجود في واحد من نسخ كتاب سليم بن قيس المشهور والمتداول دون النسخ الأخرى.
والعجب أنّ مثل تلك الرواية وردت مصحّحة في مصادر السنة، فهل تصفح هذا الكاتب كتاب (المستدرك) للحاكم يوماً، ورأى أيّ مثالب وضعت لرسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)على أنّها مناقب للصحابة؟ وإليك هذا المثال:
روى الحاكم في (المستدرك) في مناقب الزبير بن العوام، عن عبد اللّه‏ بن الزبير، عن أبيه، قال: «أرسلني رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في غداة باردة فأتيته وهو مع بعض نسائه في لحافه فأدخلني في اللحاف فصرنا ثلاثة».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. (المستدرك على الصحيحين ـ ج٣ ص٤١٠).
فما تقول في مثل هذه الرواية المذكورة في مصدر سنّي كتب بقصد جمع الروايات الصحيحة، بل أقرّ الذهبي بصحّة الخبر، فهل تجرء الآن وتقول إنّها تدلّ على خبث طوية الحاكم النيسابوري والذهبي، أم تتراجع عن شتائمك؛ لأنّ القائل من أتباع مذهبك، أليس من الأولى أن تقول: لعن اللّه‏ من صحّح هذه الرواية قبل أنّ تقول لعن اللّه‏ من وضعها.
والأدهى ذكر الكاتب لرواية الكافي من أنّ الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد يجلدان مائة جلدة، فالعجب من هذا العمى أو التعامي الذي يجعله يوحّد بين روايتين إحداهما واضحة في كونهما عاريين تحت اللحاف بقرينة شروح العلماء وقرينة الروايات الأخرى في الباب، مثل الرواية العاشرة التي تنصّ على أنّ عليّاً عليه السلام كان إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين جلدهما حدّ الزاني. (الكافي ـ ج٧ ص١٨٢)، والثانية صريحة بأنّه إذا قام إلى صلاة الليل يحطّ بيده اللحاف من وسطه حتّى يمس اللحاف الفراش الذي تحتنا.
المورد الثاني:
نقل عن (البحار) قول علي عليه السلام: «غدا علينا رسول اللّه‏، ونحن في لفاعنا فقال: السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثُمّ قال: السلام عليكم فسكتنا».
قال الكاتب: فكيف لا يردّ السلام على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) مرّتين؟
نقول: الحديث نقله المجلسي عن (علل الشرائع) للصدوق (علل الشرائع - ج٢ ص٦٥)، وفي رواته: أبي الورد بن تمامة، والحريري وهو سفيان، وأحمد ابن الحسن القطّان، والحسن بن علي بن الحسين السكري، والحكم بن أسلم كلّهم مجهولون، لم نعثر لهم على ترجمة.
فأيّ قيمة لحديث هذا سنده، نعم، بقيّة الرواية وهي تعليم النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)التسبيح للزهراء وعلي عليهما السلام عوضاً عن طلب الخادم متواتر عند الفريقين في روايات متعدّدة.
كما أنّ تتمّة الرواية فيها ما يشعر بأنّ عدم ردّ السلام على النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)مرّتين كان بسبب اعتبارهم السلام من خلف الباب نوع استئذان، وعدم الإجابة يعبّر عن عدم وجود إذن بالدخول: «فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثمّ قال: السلام عليكم فسكتنا، فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك، يسلّم ثلاثا فإن أذن له وإلاّ انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول اللّه‏ ادخل...»
فقوله: «وقد كان يفعل ذلك، يسلّم ثلاثا فإن أذن له وإلاّ انصرف» مشعر بأنّ عادة القوم كانت كذلك، فالسلام من وراء الباب لم يكن إلاّ للاستئذان في الدخول.
ويدلّ عليه ما رواه النسائي في السنن الكبرى عن علي عليه السلام: «كانت لي منزلة من رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كُل سحر، فأقول: السلام عليك يا نبيّ اللّه‏ فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلاّ دخلت عليه» (السنن الكبرى للنسائي - ج٥ ص١٤١ (٨٥٠٣) ).
قال محقّق الكتاب: إسناده ثقات غير عبد اللّه‏ صدوق.
وفي مصادر السنّة ذكرت روايات صحيحة يمتنع فيها عمر عن ردّ السلام، فقد روى مسلم في صحيحه كتاب الآداب باب الاستئذان عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً حتّى وقف فقال: أنشدكم اللّه‏! هل سمع أحد منكم رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يقول «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلاّ فارجع» قال أبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطّاب أمس ثلاث مرّات، فلم يؤذن لي فرجعت، ثمّ جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أنّي جئت فسلمت ثلاثاً، ثمّ انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ على شغل، فلو استأذنت حتّى يؤذن لك؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، قال: فواللّه‏ لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيّن بمن يشهد لك على هذا...» (صحيح مسلم - ج٣ ص١٦٩٤ ح٣٤).
وروى «جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطّاب فقال: السلام عليكم، هذا عبد اللّه‏ بن قيس فلم يأذن له فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعري، ثمّ انصرف...» (نفس المصدر السابق - ح٣٧).
قال ابن حجر قد ذكر في فتح الباري عند شرحه لما رواه البخاري : عن أبي سعيد، قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنّه مذعور، فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت ...:»
وفي الحديث أيضاً أنّ لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن لا يأذن، سواء سلّم مرّة أو مرّتين أم ثلاثاً، إذا كان في شغل له ديني أو دنيوي يتعذّر بترك الآذن معه للمستأذن...» (فتح الباري - ج١١ ص٣١).
وروى الترمذي عن أبي سعيد، قال: استأذن أبو موسى على عمر فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر واحدة، ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر ثنتان، ثمّ سكت ساعة، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثلاث، ثمّ رجع...»، وروى مثله مسلم في صحيحه (صحيح مسلم - ج٣ ص١٦٩٥).
وقال أبو بكر بن العربي في (عارضة الأحوذي) ـ عند شرحه للحديث السابق الوارد في باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة ـ: «قول عمر واحدة ثنتان ثلاثاً يعدّدها، دليل على أنّه يجوز للرجل السامع للاستئذان أن لا يردّ، ولا يأذن إذا كان ذلك لغرض صحيـح ومقصـود بيّن» (عارضة الأحوذي - ج٥ ص١١٩).
ألا تعجب أيّها القارئ، فابن العربي يستنبط من فعل عمر عدم الوجوب إذا كان بقصد الاستئذان، وأمّا هذا الجاهل فيرى فعل علي عليه السلام خطأ، ولا يمكن استنباط حكم من أفعاله.
وروى أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب كم مرّة يسلّم الرجل، عن قيس بن سعد، قال: زارنا رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في منزلنا فقال: «السلام عليكم ورحمة اللّه‏» فرّد سعد ردّا خفيّاً، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)فقال: ذره يكثر علينا من السلام، فقال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «السلام عليكم ورحمة اللّه‏»، فردّ سعد ردّاً خفيّاً، ثمّ قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «السلام عليكم ورحمة اللّه‏»، ثمّ رجع رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)واتبعه سعد فقال: يا رسول، إنّي كنت أسمع تسليمك وأردّ عليك ردّاً خفيّاً لتكثر علينا من السلام...» (سنن أبي داود - ج٤ ص٥١٥)، وفي آخرالرواية لم يرد أيّ ردع من رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) بل أنّه قال في آخر الرواية: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة»، أليس كلّ ذلك دليل على أنّ السلام إذا كان بقصد الاستئذان لا يجب ردّه؟ وهل الردّ إخفاتاً يعّد ردّاً في الفقه؟
المورد الثالث:
نقل في ذكر المآخذ على الإمام علي عليه السلام رواية وردت في (بحار الأنوار) عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في قصة إصلاحه بين علي وفاطمة عليهما السلام: «يا أبا الحسن، إيّاك وغضب فاطمة، فإنّ الملائكة تغضب لغضبها وترضى لرضاها».
نقول: انظر وتعجّب من قوله إن ما ينقله من مصادر الشيعة، يستدلّ برواية نقلها المجلسي عن مناقب ابن شهرآشوب، ولكن بمراجعة الرواية تجد أنّ ابن شهرآشوب يصرّح في أوّلها بأنّه نقلها عن ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد)، وهو بدروه ذكر كلاّ من عبد اللّه‏ بن الزبير ومعاوية ابن أبي سفيان في سندها - والأوّل من قادة معركة الجمل ضدّ الإمام، والثاني يكفي ذكر اسمه لمعرفة عدائه لعلي عليه السلام - وبعد هذا كلّه نقل ابن شهرآشوب في (المناقب) تعليق ابن بابويه - الشيخ الصدوق - حيث قال: هذا غير معتمد، لأنّهما منزّهان عن أن يحتاجا أن يصلح بينهما رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) (المناقب ـ ج٣ ص٣٨٢)، والعلاّمة المجلسي نقل الرواية عن ابن شهرآشوب، ونقل معها تعليقة ابن بابويه، فهل هناك شي من الأمانة عند هذا الناقل، الحكم للقاريء.
المورد الرابع:
نقل عن (بحار الأنوار) قصّة في نفس الموضوع عن فاطمة الزهراء عليهاالسلامأنّها «وضعت خمارها على رأسها تريد النبي تشكو إليه عليّاً».
ويكفي ضعفاً في السند وجود شريك، وهو شريك، بن عبد اللّه‏، قال السيّد الخوئي رحمه‏اللهفي (المعجم): كان قاضياً معاصراً للصادق عليه السلام، قيل للصادق عليه السلام: إنّ شريكاً يردّ شهادتنا، فقال عليه السلام: لا تذلّوا أنفسكم...، وروى الكشّي عن زرارة، قال: شهد أبو كريبة الأزدي ومحمّد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة - وهو قاض - فنظر في وجههما مليّاً، ثمّ قال: جعفريان فاطميان!! فبكيا، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضون بأمثالنا أن يكونوا من إخوانهم لما يرون من سخف ورعنا، ونسبتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن يكونوا من شيعته، فإن تفضّل وقبلنا فله المنّ علينا والفضل فينا، فتبسّم شريك، ثمّ قال: إذا كانت الرجال فليكن أمثالكما بأولئك أجيزها هذه المرّة، قال: قال: فحججنا فخبّرنا أبا عبد اللّه‏ عليه السلام بالقصّة فقال: ما لشريك؟ شركه اللّه‏ يوم القيامة بشراكين من نار (معجم رجال الحديث - ج٩ ص٢١).
وقال السيّد الخوئي رحمه‏الله : «أقول: المتحصّل من ذلك أنّه كان يوالي عليّاً وينقم على معاوية، وهل كان يفضّله على من تقدّمه؟ فيه ترديد من جهة التهافت فيما روي عنه في ذلك، ثمّ الظاهر من قول أحمد كان شديداً على أهل الريب والبدع، هو ما صرّح به في الروايات المتقدّمة من أنّه كان يردّ شهادة من ينتمي إلى جعفر بن محمّد عليه السلام فكان له معهم عداء، وإن كان هو يعتقد بجلالة جعفر بن محمّد عليه السلاملو صحّ ما ذكره الكشي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني» (نفس المصدر السابق: ٢٥)، هذا على مباني الشيعة والمفترض أنّه يبني عليها.
وأمّا على مباني السنّة ففي السند ليث بن أبي سليم، قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): «قال ابن أبي حاتم سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به هو مضطرب الحديث، قال: وقال أبو زرعة: ليث بن أبي سليم ليّن الحديث، لا تقوم به الحجّة عند أهل العلم بالحديث» (تهذيب التهذيب ـ ج٨ ص٤١٨).
وفضلاً عن ذلك فهناك عدّة مجهولين في السند، فلا نعرف كيف قطع بمضمون الرواية، وهل بمثل هذا السند تثبت مؤاخذة على علي عليه السلام.
المورد الخامس:
نقل رواية عن (بحار الأنوار) فيها عن علي عليه السلام: «أنا جنب اللّه‏ وكلمته، وقلب اللّه‏ وبابه الذي يؤتى منه، ادخلوا الباب سجّداً أغفر لكم خطاياكم وأزيد المحسنين، وبي وعلى يدي تقوم الساعة، وفيّ يرتاب المبطلون، وأنا الأوّل وأنا الآخر والظاهر والباطن وبكلّ شيء عليم».
ثمّ قال: «ماذا أبقيتم للّه‏؟ ولا شكّ أنّ هذا الكلام كفر صريح وعلي بريء منه».
نقول: لم نفهم كيف عدّ ذلك من المؤآخذات على علي عليه السلام، لأنّ الفرض أنّ الأمر من كتب الشيعة، وهم يرفضون مثل هذا الخبر، فهل لو كذب على أمير المؤمنين بكلام لم يقله يعتبر هذا من أخطائه، فهلاّ اعتبرت الكذب على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)خطأ الرسول، شيئا من التعقّل.
وأمّا الرواية فقد رواها المجلسي عن (مناقب) ابن شهرآشوب، وهو نقلها مرسلة من دون سند عن علي عليه السلام، ولو فرض أنّ هناك من الشيعة من قَبِل الخبر فهو يفسّره بتفسير لا يتنافى مع التوحيد، فهذا ابن شهرآشوب نقل تفسيراً للرواية بما لا يتنافى مع التوحيد، ولا يعني ذلك قبوله للخبر، وقد تجاهل الكاتب ذكره، قال المجلسي:
«شرح ذلك عن الباقر عليه السلام: (أنا جنب اللّه‏ وكلمته وأنا قلب اللّه‏) يعني أنا سراج علم اللّه‏ (وأنا باب اللّه‏) يعني من توجّه بي إلى اللّه‏ غفر له وقوله: (بي وعلى يدي تقوم الساعة) يعني الرجعة قبل القيامة، ينصر اللّه‏ في ذرّيّتي المؤمنين، (وأنا الأوّل) أوّل من آمن برسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)(وأنا الآخر) آخر من نظر فيه لمّا كان في لحده، (وأنا الظاهر) ظاهر الإسلام، (وأنا الباطن) بطين من العلم (وأنا بكلّ شيء عليم) فإنّي عليم بكلّ شيء أخبر اللّه‏ به نبيّه، فأخبرني به» (بحار الأنوار ـ ج٣٩ ص٣٤٩)، فكيف يقال لمثل هذا الشيعي: إنّ هناك مؤاخذة على علي عليه السلام في مصادرك.
وألفاظها تشبه إلى حد كبير خطبة (البيان) التي نسبت لعلي عليه السلام، والمذكورة في كتاب (مشارق أنوار اليقين) وقد سئل السيّد الخوئي رضى‏الله‏عنه عنها في (صراط النجاة): «ما رأيكم بخطبة البيان المنسوبة للإمام علي عليه السلام؟ الجواب: لا أساس لها واللّه‏ العالم» (صراط النجاة ـ ج١ ص٤٧١).
المورد السادس:
قال ـ بعد أن ذكر رواية في (بحار الأنوار) عن ردّ الشمس لعلي عليه السلام ـ: «كيف يؤخّر صلاة العصر حتّى تغيب الشـمس؟».
نقول: حادثة ردّ الشمس لعلي عليه السلام صحيحة، وردت في مصادر السنّة وصحّحها بعض علمائهم.
قال ابن حجر في (فتح الباري):
«وقع في (الأوسط) للطبراني من حديث جابر أنّ النبي أمر الشمس فتأخّرت ساعة من نهار» وإسناده حسن، ووجه الجمع أنّ الحصر محمول على ما مضى للأنبياء قبل نبيّنا (صلي الله عليه و آله وسلم) فلم تحبس الشمس إلاّ ليوشع، وليس فيه نفي أنّها تحبس بعد ذلك لنبيّنا (صلي الله عليه و آله وسلم)، وروى الطحاوي والطبراني في (الكبير) والحاكم والبيهقي في (الدلائل) عن أسماء بنت عميس أنّه (صلي الله عليه و آله وسلم) دعا لمّا نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر، فردّت الشمس حتّى صلّى علي، ثمّ غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، وكذا ابن تيميّة في كتاب الردّ على الروافض في زعم وضعه واللّه‏ أعلم» (فتح الباري - ج٦ ص٢٢٢).
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الصواعق المحرقة) عند ذكر فضائل علي عليه السلام: «ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس ردّت عليه لمّا كان رأس النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)في حجره، والوحي ينزل عليه، وعلي لم يصلّ العصر فما سري عنه (صلي الله عليه و آله وسلم)إلا وقد غربت الشمس، فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فطلعت بعد ما غربت، وحديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في (الشفاء) وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره، وردّوا على جمع، قالوا: أنّه موضوع، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردّها في محلّ المنع، بل نقول: كما أنّ ردّها خصوصيّة، كذلك إدراك العصر الآن أداء خصوصيّة وكرامة لعلي» (الصواعق المحرقة: ١٩٧).
وقال السيوطي في كتابه (اللآلئ المصنوعة) حينما يتعرّض لسند رواية ردّ الشمس لعلي عليه السلام: «قلت: فضيل الذي أعلى به الطريق الأوّل ثقة صدوق احتجّ به مسلم في صحيحه، وأخرج له الأربعة وعبد الرحمن بن شريك، وإن وهّاه أبو حاتم، فقد وثّقه غيره، وروى عنه البخاري في الأدب..، ثمّ الحديث صرّح جماعة من الأئمّة والحفّاظ بأنّه صحيح، قال القاضي عياض في (الشفاء): أخرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أنّ النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فذكر هذا الحديث.
قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات، وحكى الطحاوي أنّ أحمد ابن صالح كان يقول لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنّه من علامات النبوّة، انتهى ما في (الشفاء)» (اللآلئ المصنوعة - ج١ ص٣٠٨).
ثمّ قال السيوطي:
«وممّا يشهد بصحّة ذلك قول الإمام الشافعي رضى‏الله‏عنه وغيره ما أوتي نبي معجزة إلاّ أوتي نبيّنا نظيرها، أو أبلغ منها، وقد صحّ أنّ الشمس حبست على يوشع ليالي قاتل الجبّارين، فلابدّ أن يكون لنبيّنا (صلي الله عليه و آله وسلم) نظير ذلك فكانت هذه القصّة نظير تلك واللّه‏ أعلم» (نفس المصدر السابق - ج١ ص٣١٢).
هذا وقد ثبت في مصادر الشيعة ردّ الشمس لعلي عليه السلام مرّة أخرى بعد وفاة رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) سنذكرها عند إيراد كلام الشيخ المفيد في (الإرشاد).
وأمّا الرواية التي نقلها الكاتب من (البحار) (بحار الأنوار - ج٤١ ص١٦٦)، فضعيفة السند، وليس الحديث فيها عن المرّتين اللتين ذكرهما الشيخ المفيد في الإرشاد ، والرواية التي نقلت في طريقها كلّ من: القطّان شيخ الصدوق مجهول، وهو من العامّة غالباً، وعبد الرحمن بن محمّد الحسني مجهول.
وفرات بن إبراهيم صاحب التفسير، قال عنه محقّق التفسير: «صفحات التاريخ لم تنقل إلينا من حياته شيئا، ولم تفرد له الكتب الرجاليّة التي بأيدينا ترجمة لا بقليل ولا كثير، ولم تذكره حتّى في خلال التراجم» (تفسير فرات بن إبراهيم:١٠)، وقال المحقّق التستري في (قاموس الرجال): «أقول وقد طبع تفسيره في هذه الأعصار إلاّ أنّ الغريب عدم ذكر الكشّي والشيخ في الرجال والفهرست والنجاشي له أصلاً» (قاموس الرجال - ج٨ ص٣٧٦).
والفزاري هو جعفر بن محمّد بن مالك البزّار الفزاري، تعارض فيه الجرح والتعديل.
وابن سعيد الهاشمي في السند الثاني، هو شيخ الصدوق الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي مجهول.
وأمّا مسألة تأخير صلاة العصر حتّى تغيب الشمس، فقد وردت في الروايات التي صحّحها علماء السنّة، ولم يشكل الغالب منهم هذا الإشكال عدا ابن تيميّة وأمّا ابن كثير في تاريخه حينما يشير إلى رواية شاذّة في أنّ علي شغلته قسمة الغنائم عن صلاة العصر، يقول: «فإن كان هذا ثابتاً على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمّداً لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلاً على جواز ذلك ويكون أقطع في الحجّة» (البداية والنهاية - ج٦ ص٩٠).
فمثل ابن كثير يعتبر أنّ فعل علي عليه السلام وحده حجّة وهذا دأب كل من يحسن الأدب أمام أمثال الإمام علي عليه السلام.
فعلى قول رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) : اللّهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، فهذا إقرار لعلي عليه السلام على فعله.
ولكن مع ذلك كلّه فالرواية الأسلم من مصادر الشيعة أنّ عليّاً عليه السلام صلّى من جلوس إيماءً، وردّت الشمس لكي يصلّي صلاة تامّة من الركوع والسجود، فقد نقل الشيخ المفيد في الإرشاد: «وممّا أظهره اللّه‏ تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ما استفاضت به الأخبار، ورواه علماء السيرة والآثار، ونظّمت فيه الشعراء الأشعار: رجوع الشمس له عليه السلاممرّتين: في حياة النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) مرّة، وبعد وفاته مرّة أخرى.
وكان من حديث رجوعها عليه في المرّة الأولى ما روته أسماء بنت عميس وأمّ سلمة زوج النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وجابر بن عبد اللّه‏ الأنصاري وأبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة: أن النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) كان ذات يوم في منزله، وعلي عليه السلامبين يديه إذ جاءه جبريل عليه السلام يناجيه عن اللّه‏ سبحانه، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام فلم يرفع رأسه عنه حتّى غابت الشمس فاضطرّ أمير المؤمنين عليه السلاملذلك أن يصلّي صلاة العصر جالسا يومئ بركوعه وسجوده إيماءً، فلمّا أفاق من غشيته، قال لأمير المؤمنين عليه السلام: أفاتتك صلاة العصر؟ قال له: لم أستطع أن أصلّيها قائماً لمكانك يا رسول اللّه‏، والحال التي كنت عليها في استماع الوحي فقال له: ادع اللّه‏ حتّى يردّ عليك الشمس لتصلّيها قائماً في وقتها كما فاتتك، فإنّ اللّه‏ تعالى يجيبك لطاعتك اللّه‏ ورسوله فسأل أمير المؤمنين عليه السلاماللّه‏ في ردّ الشمس فردّت...» (الإرشاد - ج١ ص٣٤٥).
ثمّ ذكر المرّة الثانية قائلاً:
«وكان رجوعها بعد النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أنّه لمّا أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابّهم ورحالهم، فصلّى عليه السلام بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتّى غربت الشمس وفاتت الصلاة كثيراً منهم، وفات الجمهور فضل الاجتماع معه، فتكلّموا في ذلك فلمّا سمع كلامهم فيه سأل اللّه‏ تعالى أن يردّ الشمس عليه؛ لتجتمع كافّة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه اللّه‏ في ردّها عليه» (الإرشاد ـ ج١ ص٣٤٦).
وكذلك نقل العلاّمة المجلسي في (البحار) قول الشيح الصدوق تعليقاً على رواية ظاهرها أنّه لم يصلّ: «ولعلّه صلّى إيماءً قبل ذلك أيضاً» (بحار الأنوار - ج٤١ ص١٦٧).
المورد السابع:
ذكر رواية نقلها العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار، قال: إنّ فيها كلام بذي منسوب للإمام علي عليه السلام.
نقول: الرواية التي نقلها ذكرها المجلسي في (البحار) عن (الاختصاص) و(البصائر)، وسند الصفار صاحب (البصائر) عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز عن غير واحد منهم بكّار بن كردم وعيسى بن سليمان، عن أبي عبد اللّه‏ عليه السلام قال: سمعناه وهو يقول: جاءت امرأة شنيعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وهو على المنبر، وقد قتل أباها وأخاها فقالت: هذا قاتل الأحبة، فنظر إليها فقال لها: يا سلفع ياجريئة يا بذية يا مذكرة يا التي لا تحيض كما تحيض النساء يا التي على هنّها شي مبين مدلي» (نفس المصدر السابق - ج٤١ ص٢٩٣)، والرواية تذكر عند ذكر كرامات أمير المؤمنين عليه السلام إذ أخبر المرأة بشيء مستور عن الناس، بل في آخر الرواية قالت: «يا ويلها اطّلع منها علي بن أبي طالب عليه السلامعلى شيء لم يطّلع عليه إلاّ أمّي أو قابلتي».
وفي السند عمر بن عبد العزيز، قال عنه النجاشي: مخلط، ولا معارض لما قاله النجاشي إلاّ على مبنى السيّد الخوئي في تفسير القمي، وبكّار بن كردم وعيسى ابن سليمان مجهولان، فالرواية ضعيفة، ولكن هناك عدّة روايات تنقل الواقعة، ولكن بتفاصيل متفاوتة يمكن معها القول بأنّها عدّة وقائع، ولكنّه احتمال بعيد، منها ما نقله في (البحار) (بحار الأنوار - ج٢٤ ص١٢٩)، عن (بصائر الدرجات ) عن محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام وفي مورد آخر (نفس المصدر السابق:١٢٦)، عن جابر عن الباقر عليه السلام، وفي ص٣٥٧، عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنّا وقوفاً على رأس أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، وهو يعطي العطا في المسجد، إذ جائته امرأة...، وفي: ٣٥٩، عن الحارث‏الأعور، قال: كنت ذات يوم مع أمير المؤمنين في مجلس القضاء إذا أقبلت امرأة...، ورواه ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) قال: وروى محمّد بن جبلّة الخيّاط عن عكرمة، عن يزيد الأحمسي أنّ عليّاً عليه السلامكان جالساً في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث، إذ أقبلت امرأة مختمرة لا تعرف... (شرح ابن أبي الحديد - ج٢ ص٢٨٨)، وهذه الكثرة تعطياطمئناناً بوقوع الحادثة، وأنّ أمير المؤمنين أخبر عن أمر مغّيب عن الناس، لذا في نهاية رواية الأصبغ التي في (البصائر) أنّ عمرو بن حريث سأله: فمن أين علمت ذلك؟ فقال: إنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) علّمني ألف باب من الحلال والحرام ممّا كان ومما كائن إلى يوم القيامة، كلّ باب يفتح ألف باب حتّى علمت علم المنايا والبلايا والقضايا وفصل الخطاب، وحتّى علمت المذكرات من النساء والمؤنّثين من الرجال.
وأمّا الألفاظ التي اعتبرها شتماً فهي سلفع، قال العلاّمة المجلسي: السلفع: الصخابة (بحار الأنوار - ج٢٤ ص١٢٧)، قال ابن الأثير في (النهاية): «سلفع في حديث أبي الدرداء (وشر نسائكم السلفعة) هي الجريئة على الرجال، وأكثر ما يوصف به المؤّنث، وهو بلا هاء أكثر» (النهاية في غريب الأثر - ج٢ ص٣٥١)، وأمّا جرية وبذية فمعناهما واضح، ولا يعدّ ذلك من الشتم إذا كانت كلّ تلك الصفات تتجاهر بها، وهي معروفة بها بين الناس كما هو واضح من الواقعة.
نعم، كشف أنّها لا تحيض كما تحيض النساء، وعلى هنها شي بيّن مدلّي، وهذا من كرامات أمير المؤمنين عليه السلام التي أراد أن يبيّن حكمه وعدله، إن صحّت تلك التفاصيل، وخاصّة أنّ الأمر الثاني لم يرد بأية رواية من الروايات الأخرى التي نقلت الواقعة.
عموماً قال العلاّمة المجلسي تعليقا على بعض الألفاظ التي وردت في الروايات التي نقلت الحادثة: «ولم أر السلفع والسلسع والمهيع والقردع بتلك المعاني التي وردت في هذه الأخبار، بل بعضها لم يرد بمعنى أصلاً، ولعلّها كانت من لغاتهم المولّدة، ويحتمل تصحيف الرواة أيضا» (بحار الأنوار - ج٤١ ص٢٩٣).
وفي الختام أنت الذي تريد أن تشكل على الشيعة بأنّ هناك كلمات يتبادر منها الشتم والسبّ، وكيف يمكن أن يصدر هذا من علي عليه السلام، وماذا تصنع بالرواية التي ينقلها مسلم في صحيحه، وتقرّون بصحّتها ويصرّح فيها أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) سب رجلين؟!
فقد روى مسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصلة، باب من لعنه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك عن عائشة، قالت: دخل على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)رجلان، فكلّماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه فلعنهما وسبّهما، فلمّا خرجا، قلت: يا رسول اللّه‏، من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان، قال: «وما ذاك؟» قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: «أو ما علمت ما شارطت عليه ربّي؟ قلت: اللهم! إنّما أنا بشر فأيّ المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً» (صحيح مسلم ـ ج٤ ص٢٠٠٧).
والمصيبة ليست فقط في أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يسبّ، بل إنّ سبّته فيها أجر وثواب !! ولكن الأمر واضح، فما وضعت أمثال هذه الروايات إلاّ كي تحوّل لعنات الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) لمثل معاوية إلى فضائل له !!.
المورد الثامن:
ذكر خبراً فيه قول الإمام علي عليه السلام لشخص اعترف بأنّه أوقب على غلام وطلب تطهيره: «يا هذا، إنّ اللّه‏ قد تاب عليك، فقم ولا تعاود شيئا مما فعلت».
قال: أليس هذا تعطيل لحدود اللّه‏؟
نقول: علّق العلاّمة المجلسي في (مرآة العقول) على الرواية بقـوله: «المشهور بين الأصحاب لو أقرّ بحدّ، ثمّ تاب كان الإمام مخيّراً في إقامته رجماً كان أو حدّاً، وقيّده ابن إدريس بكون الحدّ رجماً، والمعتمد المشهور» (مرآة العقول - ج٢٣ص٣٠٧).
وقد ورد في روايات أهل السنّة أنّ رسول اللّه‏ قد ترك الحدّ عن رجل اعترف بالحدّ، والرواية في صحيح البخاري، وذكرها أحمد بن حنبل في مسنده (مسند أحمد ابن حنبل ـ ج٥ ص٢٦٤)، روى البخاري في كتاب‏المحاربين من أهل الكفر، باب إذا أقرّ بالحدّ ولم يبن هل للإمام أن يستر عليه؟ عن أنس بن مالك رضى‏الله‏عنه قال: كنت عند النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) فجاءه رجل، فقال: يا رسول اللّه‏، إنّي أصبت حدّاً فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلّى مع النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) فلمّا قضى النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول اللّه‏، إنّي أصبت حدّاً فأقم فيّ كتاب اللّه‏، قال: أليس قد صلّيت معنا؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه‏ قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدّك» (صحيح البخاري ـ ج٨ ص٢٠٧).
لذا قال ابن حجر في (فتح الباري): «وقد يتمسّك به من قال أنّه إذا جاء تائباً سقط عنه الحدّ» (فتح الباري ـ ج١٢ ص١٣٤).
ثمّ قال في الصفحة التالية: «وقد تمسّك بظاهره صاحب الهدى، فقال للناس في حديث أبي امامة - أي المذكور قبل - ثلاث مسالك: أحدها أنّ الحدّ لا يجب إلاّ بعد تعيينه، والإصرار عليه من المقرّ به، والثاني أنّ ذلك يختصّ بالرجل المذكور في القصّة، والثالث أنّ الحدّ يسقط بالتوبة، قال: وهذا أصحّ المسالك، وقوّاه بأنّ الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعاً بخشية اللّه‏ وحده تقاوم السيئة التي عملها ؛ لأنّ حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دالّ على ارتداعه، فناسب رفع الحدّ عنه لذلك، واللّه‏ أعلم» (فتح الباري ـ ج١٢ ص١٣٥).
أقول: العاقل يقرأ شيئاً من الفقه قبل المجازفة في الكلام!!
المورد التاسع:
ذكر خبراً عن (بحار الأنوار) في قضاء الإمام علي عليه السلام عن امرأة قد تعلّقت برجل من الأنصار كانت تهواه، فأخذت بيضة، وصبّت البياض على ثيابها وبين فخذيها، فقام علي فنظر بين فخذيها فاتّهمها»، ثُمّ قال: كيف ينظر علي بين فخذي امرأة غريبة عنه؟
نقول: هنا ينكشف لك من يجب أن يوصم بأنّه كاذب مفتر، فالنصّ الأصليّ كما ورد في (بحار الأنوار): «فنظر أمير المؤمنين عليه السلام إلى بياض على ثوب المرأة وبين فخذيها فاتهمها» (بحار الأنوار ـ ج٤ ص٣٠٣).
فالنظر كان إلى البياض الذي أخذ من البيضة لا إلى جسم المرأة ، والمعنى نظر إلى بياض أخذ من ثيابها ومن بين فخذيها بقرينة فصبّ الماء الحارّ عليه في آخر العبارة، وهل يصبّ الماء الحارّ على فخذ المرأة؟! أتريد أوضح من هذه القرينة؟! لكنّه الدهر، حينما تصبح الجهالة علماً، ويكون لها أتباع.
والناقل حرّف العبارة إلى «فقام علي فنظر بين فخذيها فاتّهمها»، ويصعب على المرء ألاّ يرجع هذا التحريف المتعمّد إلى غير النصب والعداء لعلي عليه السلاموالذي أعماه ودعاه إلى بتر مقاطع من الخبر الوارد ليتلائم مع ما في نفسه.
المورد العاشر:
نقل رواية عن حبيب بن ثابت، قال: «كان بين علي وفاطمة كلام فدخل النبي... ولم يزل حتى أصلح بينهما».
نقول: الرواية تشبه ما ورد في المورد الثالث من مآخذه على الإمام علي من كتب الشيعة، وصاحب (كشف الغمّة) ينقل الروايات مرسلة، وذكرها العلاّمة المجلسي في (البحار) عن (علل الشرائع) للشيخ الصدوق، قال: عن القطّان، عن السكري، عن عثمان بن عمران، عن عبيد اللّه‏ بن موسى، عن عبد العزيز، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: «كان بين علي وفاطمة عليهاالسلامكلام...» (بحار الأنوار - ج٤٣ ص١٤٦).
ثمّ نقل العلاّمة المجلسي تعليق الشيخ الصدوق، قال: قال الصدوق رحمه‏الله: ليس هذا الخبر عندي بمعتمد، ولا هو لي بمعتقد في هذه العلّة لأنّ عليّاً وفاطمة عليهما السلام ما كان ليقع بينهما كلام يحتاج رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) إلى الإصلاح بينهما، لأنّه عليه السلام سيّد الوصيّين، وهي سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام مقتديان بنبي اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في حسن الخلق.
فإذا كان علماء الشيعة يردّون مثل هذه الروايات من رأس، فلا وجه للاستدلال بها من قبل باحث منصف.
وأحمد بن حسن القطّان شيخ الصدوق في الرواية، قال عنه السيّد الخوئي في (المعجم): ولا ببعد في أن يكون الرجل من العامّة، كما استظهر بعضهم (معجم رجال الحديث - ج٢ ص٨٦)، وباقي السند جلّهم مجهولون،ومنهم الراوي حبيب ابن أبي ثابت، ولكن الأخير له ترجمة وافية في المصادر الرجاليّة لأهل السنّة، قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب): قال ابن حبّان في (الثقات) كان مدلّساً، وكذلك قال ابن خزيمة في صحيحه، وحديثه هذا مرسل، فهو أدرك ابن عمر صبيّاً فكيف ينقل حادثة وقعت بين علي عليه السلاموفاطمة عليهاالسلام، قال في (التهذيب): وقال سليمان في قول حبيب: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر: ما علّمه بهذا، وهو صبي، ونافع أعلم منه بأمر ابن عمر (تهذيب التهذيب - ج٢ ص١٥٦).
ثمّ ذكر موارد أخرى اعتبرها مؤاخذات على الإمام من دون تفصيل ودون أن يذكر مصادرها، وقال بعدها: ومع ذلك كلّه لا تجد سنيّاً واحداً يطعن في علي، أمّا النواصب والخوارج فليسوا من أهل السنّة ولا وجود للنواصب الآن فيما أعلم.
نقول: لا ندري أيّ شيء ترك للنواصب، إن لم يكن ما فعله ينطلق من بغض مكنون في نفسه لأمير المؤمنين علي عليه السلام، فقد ذكر أوّلاً سلسلة من المؤاخذات المزعومة على الإمام عليه السلامفي كتب أهل السنّة، ثمّ ذكر مثلها من كتب الشيعة دون أن يدرس سنداً أو يحقّق متناً وفق المدارك المعتمدة والأصول الحديثّية والرجالّية في تصحيح الأحاديث عند علماء الشيعة، بل اكتفى بكونها موجودة في كتب الشيعة، ولكن حينما يذكر شيئاً من ذلك في حقّ عمر أو عثمان يسرع لتضعيف السند والبحث عن الأعذار.
وما دام يؤمن بأنّ عليّاً عليه السلام من الصحابة فليقرأ معنا هذه الأقوال لعلماء يعتقد بهم ويرى أقوالهم حجّة:
قال أحمد بن حنبل: «إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتّهمه على الإسلام» (البداية والنهاية - ج٨ ص١٤٨).
وروى الخطيب البغدادي في (الكفاية) عن أبي زرعة الرازي، قال : «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) فاعلم أنّه زنديـق» (الكفاية: ٦٧)، ألم يكن ما سبق انتقاصاً من صحابي، أم هو حرام على الشيعة حلال لكم.
وقال الإمام أبو نعيم: «فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)وزللهم ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة إلاّ مفتون القلب في دينه» (الإمامة لأبي نعيم: ٣٤٤).
ثمّ لنتأمّل كيف تغيّر وجه النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) حينما نال بعض الناس من علي عليه السلاملشي رأوه منه، فقد روى ابن حبّان في (صحيحه) (صحيح ابن حبّان - ج٦ ص٢٦٩)، والحاكم في (المستدرك) (المستدرك على الصحيحين - ج٣ ص١١٠). وصحّحه على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي، كما قال الألباني وأقرّهم على الصحّة في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة - ج٥ ص٢٦١)، وأبي يعلى في (المسند) (مسند أبي يعلى - ج١ ص٢٩٣)، وعلّق المحقّق حسين أسد بقوله: رجاله رجال الصحيح، والترمذي في (السنن) (سنن الترمذي - ج٥ ص٦٣٢)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلاّ من حديث جعفر بن سليمان، والنسائي في الخصائص (السنن الكبرى - ج٥ ص١٣٢)، وأحمد في (المسند) (مسند أحمد - ج٣٣ ص١٥٤)، ونصّ الحديث كما عن أحمد في (فضائل الصحابة): «عن عمران ابن حصين، قال: بعث رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) سريّة وأمّر عليهم علي ابن أبي طالب رضى‏الله‏عنهفأحدث شيئا في سفره، قال عفّان: فتعاقد أربعة من أصحاب محمّد (صلي الله عليه و آله وسلم)أن يذكروا أمره لرسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)فسلّمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال: يا رسول اللّه‏، إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام الثاني فقال: يا رسول اللّه‏، إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمّ قام الثالث فقال: يا رسول اللّه‏، إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه، ثمَّ قام الرابع فقال: يا رسول اللّه‏، إنّ عليّاً فعل كذا وكذا، قال: فأقبل رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) على الرابع وقد تغيّر وجهه، فقال: دعوا عليّاً دعوا عليّاً إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولّي كلّ مؤمن بعدي».
علّق عليه محقّق الكتاب بقوله : إسناده حسن ( فضائل الصحابة - ج٢ ص٧٤٩ (١٠٣٥) ).
ولنتأمّل كيف يطلق رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) القول بأنّ عليّاً مع الحقّ، فقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد عن أبي سعيد يعني الخدري، قال: كنّا عند بيت النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)في نفر من المهاجرين والأنصار فقال: «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: الموفون الطيّبون، إن اللّه‏ يحبّ الخفي التقي، قال: ومرّ علي بن أبي طالب فقال: «الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا» قال الهيثمي: «رواه أبو يعلى ورجاله ثقات» (مجمع الزوائد - ج٧ ص٢٣٤).
ثمّ قوله (صلي الله عليه و آله وسلم) كما رواه أحمد في (فضائل الصحابة) عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يقول: «أيّها الناس، لا تشكوا عليّاً، فواللّه‏ لهو أخيشن في ذات اللّه‏ وفي سبيل اللّه‏»، قال المحقّق في الحاشية: إسناده صحيح (فضائل الصحابة - ج٢ ص٨٤٥).
وقوله (صلي الله عليه و آله وسلم) لعمرو بن شاس الأسلمي، وكان من أصحاب الحديبية كما روى ذلك الهيثمي في (مجمع الزوائد) حينما شكى علياً: «يا عمرو، واللّه‏ لقد آذيتني، قلت: أعوذ باللّه‏ من أذاك يا رسول اللّه‏، قال: بلى من آذى عليّاً فقد آذاني»، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني والبزّار باختصار، ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد - ج٩ ص١٢٩).
لذا فمن الغريب والعجيب أن يتجرّأ جاهل ليضع نفسه موقف الناقد لأفعال الإمام علي عليه السلام، ولكنّه على دين بني أميّة الذين آذوا اللّه‏ ورسوله (صلي الله عليه و آله وسلم)بإيذاء علي عليه السلام.
فقد روى الحاكم في (المستدرك) عن ابن أبي مليكة، قال: جاء رجل من أهل الشام فسبّ عليّاً عند ابن عباس، فحصبه ابن عباس فقال: يا عدّو اللّه‏، آذيت رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) «إنّ الذين يُؤْذُون اللّه‏ ورسولَه لَعَنَهم اللّه‏ُ فِي الدّنَيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مَهيناً» لو كان رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)حيّاً لآذيته» (المستدرك على الصحيحين - ج٣ ص١٢١)، والذي يُشعر بأمويّة الكاتب ترديدُه لمقولة معاوية مبرّراً حربه لعلي عليه السلام من أنّه لم يقتصّ من قتلة عثمان الأمر الذي سنتطرق له في النقطة التالية.
ومن انتقاداته الجريئة على الإمام علي عليه السلام قوله: إنّ الإمام علي عليه السلام لم يقتل قتلة عثمان.
نقول: إنّ المقولة السابقة هي أهمّ ادّعاءات معاوية وأتباعه من القاسطين، وهو شعارهم الذي كانوا يرفعونه في وجه الإمام عليه السلام، وفي هذا الصدد يتعجّب المرء كيف يمكن أن يكون الإنسان أعمى بحيث لا يكتفي في تصحيح موقف علي بما ورد في صحيح البخاري من قول رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، عمّار يدعوهم إلى اللّه‏ ويدعونه إلى النار» (صحيح البخاري - ج٤ ص٢٥)، وما رواه مسلم في باب ذكر الخوارج من كتاب الزكاة من قول رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ» (صحيح مسلم - ج٢ ص٧٤٥)، ألا يشمل ذلك في أنّها على حقّ في عدم الانشغال بالاقتصاص من قتلة عثمان.
قال ابن حجر في (فتح الباري): «حديث مسلم ومن وجه آخر عن أبي سعيد» تمرق مارقة عند الفرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحقّ «أخرجه هكذا مختصراً على وجهين، وفي قوله (صلي الله عليه و آله وسلم)» تقتل عمّار الفئة الباغية» دلالة واضحة على أنّ عليّاً ومن معه كانوا على الحقّ، وأنّ من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم» (فتح الباري - ج٦ ص٦١٩).
ألم يكن تأويلهم الخاطئ هو رؤيتهم بأنّ لهم الحقّ في المطالبة بقتلة عثمان، ويقول ابن حجر في (الفتح) حينما يذكر ما قاله الرافعي في (شرح الوجيز): «بأنّ الخوارج هم فرقة من المبتدعة خرجوا على علي حيث اعتقدوا أنّه يعرف قتلة عثمان، ويقدر عليهم ولا يقتصّ منهم لرضاه بقتله ومواطأته إيّاهم «يقول مصحّحاً كلامه: «وليس الوصف الأول في كلامه وصف الخوارج المبتدعة، وإنّما هو وصف النواصب أتباع معاوية بصفين» (نفس المصدر السابق - ج١٣ ص٥٣٧).
وننقل لك أيضاً رأي أحد المتعصّبين من علماء السنّة، يقول أبو بكر بن العربي في كتابه (العواصم من القواصم): «قاصمة، ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان، ويقولون: لا نبايع من يأوي القتلة... عاصمة، أمّا وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعاً، أمّا كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطـعاً، وأمّا الصـواب فيه فمع علـي...» (العواصم من القواصم - ص١٦٢).
ونقول: فلا نعرف من أين استقى هذا آراؤه إلاّ أن يكون من الخوارج أو النواصب، ونقول له ولمن هو على شاكلته: لو تركتم الانكباب على الآراء الأمويّة لابن تيميّة وأقواله لما وقعتم في مثل هذه الجناية على علـي عليه السلام.
وهنا نعرض رأي ابن كثير - وهو أيضا أموي المشرب - في توضيح موقف علي عليه السلاموتصحيحه وفق ما ذكره في تاريخه (البداية والنهاية) : «ولما استقرّ أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضى‏الله‏عنه وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأنّ هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنّه لا يمكنه ذلك يومه هذا» (البداية والنهاية - ج٧ ص٢٥٥).
ثمّ حينما ينقل محادثة القعقاع بن عمرو رسول الإمام علي عليه السلام للزبير وطلحة وعائشة: «فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أمّ المؤمنين فقال: أي أمّاه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني! الإصلاح بين الناس...، ثمّ قال لطلحة والزبير: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شي يكون؟ فواللّه‏ لئن عرفناه لنصطلحن ولئن انكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإنّ هذا إن ترك كان تركاً للقرآن، فقال القعقاع: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستّمائة رجل، فغضب لهم ستّة آلاف فاعتزلوكم...، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم، كان الذي حذّرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تدفعون وتجمعون منها» (نفس المصدر السابق - ص٢٦٥).
وهنا يعلّق ابن كثير: «يعني أنّ الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنّه يترتّب عليه مفسدة هي أربى منها، وكما أنّكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير لقيام ستّة آلاف في منعه ممّن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنّما أخرّ قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكّن منهم فإنّ الكلمة في جميع الأمصار مختلفة» (البداية والنهاية - ج٧ ص٢٦٥).
ومن عجيب ما عدّد على الإمام علي عليه السلام أنّه لم يحلق رأسه في الحديبية ولم ينحر.
نقول: لا يوجد في كتب التاريخ بأجمعها ما يمكن أن يستدلّ به على مدّعاه بصورة صريحة، نعم الظاهر أنّه اعتمد على الجملة المعروفة التي يذكرها أرباب الحديث والسير حين قال رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثمّ احلقوا»، وقول الراوي: فواللّه‏ لم يقم منهم أحد»، وهل تلزمنا بما في كتبكم، ولو صحت العبارة فإنّما هي وصف لحال جموع الناس ولا تشمل من نزل فيه قوله تعالى «وأنفسنا وأنفسكم» ومن قال فيه (صلي الله عليه و آله وسلم): «علي منّي وأنا منه» مراراً وفي مناسبات عدّة ، فعلي عليه السلام كان ساعده الأيمن الذي كتب به معاهدة الصلح مع المشركين، ولن تتخلّف يمين رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) عن متابعة أمره يوماً.
بل قد ذكرنا سابقا في محلّه رواية الترمذي في كتاب المناقب يصف بها رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)الإمام علي عليه السلام في نفس يوم الحديبية وقبل عقد الصلح مع سهيل بن عمرو، قال علي عليه السلام: «لمّا كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول اللّه‏، خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنّما خرجوا فراراً من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا، قال: فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقّههم، فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): يا معشر قريش، لتنتهنّ أو ليبعثنّ اللّه‏ عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن اللّه‏ قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول اللّه‏، فقال له أبو بكر: من هو يا رسول اللّه‏، وقال عمر : من هو يا رسول اللّه‏، قال: هو خاصف النعل وكان أعطى عليّاً نعله يخصفها...».
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (سنن الترمذي - ج٥ ص٦٣٤).
فإذا وصف النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) إرسال علي عليه السلام إلى المشركين بأنّه بعث من اللّه‏ تعالى، ثمّ اتّبعه بوصف «امتحن اللّه‏ قلبه على الإيمان» فلا يتخيّل عاقل أنّه يتخلّف عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) أو يعصيه، ولا يُدخِل عليّاً عليه السلام في ذلك العموم إلا أعمى القلب عن أدوار علي عليه السلام ومواقفه الواضحة في الاستجابة للرسول (صلي الله عليه و آله وسلم)وعدم التخلّف عنه قيد أنملة.
ومن عجيب ما تفّوه به أيضا قوله: إنّ الإمام علي عليه السلام أخطأ حينما صلّى التراويح عشرين ركعة.
نقول: إن كان الكلام على مبنى السنّة فهم يفتون بأن عدد التراويح عشرين ركعة، قال الجزيري في (الفقه على المذاهب الأربعة): «ويتبيّن أيضاً أنّ عددها - التراويح - ليس مقصوراً على الثمان ركعات التي صلاّها بهم بدليل أنّهم كانوا يكمّلونها في بيوتهم، وقد بين فعل عمر رضى‏الله‏عنه أنّ عددها عشرون حيث إنّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد» (الفقه على المذاهب‏الأربعة - ج١ ص٣٢٥).
بل روى البيهقي في سننه الكبرى خبراً عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) عن ابن عباس قال: «كان النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) يصلّي في شهر رمضان في غير جماعة بعشرين ركعة ووتر» ( السنن الكبرى للبيهقي - ج٢ ص٦٩٨ (٤٩٦) ).
ولكن الصحيح أنّه أمر حدّد من قِبَل عمر، فقد روى البيهقي في (السنن الكبرى) عن السائب بن يزيد، قال: «كانوا يقرأون على عهد عمر بن الخطّاب رضى‏الله‏عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرأون بالمئين، وكانوا يتوكّأون على عصيّهم في عهد عثمان بن عفّان رضى‏الله‏عنهمن شدّة القيام» (السنن الكبرى للبيهقي - ج٢ ص٦٩٨).
وقد قال الشيرازي في (المهذّب في الفقه الشافعي): «ومن السنن الراتبة قيام رمضان وهو عشرون ركعة بعشر تسليمات» ، وقال النووي في شرحه: «أمّا حكم المسألة فصلاة التروايح سنّة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنّها عشرون ركعة بعشر تسليمات» (المهذب في الفقه الشافعي - ج٤ - ص٣٧).
وقال ابن قدامة المقدسي في (الكافي) وهو في فقه الإمام أحمد : «وقام النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)بأصحابه ثلاث ليال، ثمّ تركها خشية أن تفرض، فكان الناس يصلّون لأنفسهم حتّى خرج عمر رضى‏الله‏عنه عليهم، وهم أوزاع يصلّون، فجمعهم على أبي ابن كعب، قال السائب بن يزيد: لمّا جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلّي بهم عشرين ركعة، فالسنّة أن يصلّي بهم عشرين ركعة في الجماعة لذلك» (الكافي لابن قدامة - ج١ ص١٨٠).
وأمّا ما روي من أنّ عليّاً صلّى التراويح عشرين ركعة فقد ذكره البيهقي في (السنن الكبرى): «وروينا عن شتير بن شكل، وكان من أصحاب علي رضى‏الله‏عنهأنّه كان يؤمّهم في شهر رمضان بعشرين ركعة، ويوتر بثلاث» (السنن الكبرى للبيهقي - ج٢ ص٦٩٩ (٤٦٩))، فالخبر غير مسند كما ترى، وذكر المتقي الهندي في (كنز العمال) عن ابن السائب أنّ عليّاً قام بهم في شهر رمضان، ونسبه لابن شاهين (كنز العمال - ج٨ ص٤١٠ رقم٢٣٤٧٦).
نعم، روى البيهقي في نفس المصدر السابق أنّ عليّاً أمر رجلاً أن يصلّي بالناس، قال: «وأمّا التراويح ففيما أنبأنا أبو عبد اللّه‏..، عن أبي الحسناء أنّ علي ابن أبي طالب أمر رجلاً أن يصلّي بالناس خمس ترويحات عشرين ركعة، قال البيهقي: وفي هذا الإسناد ضعف واللّه‏ أعلم» (السنن الكبرى للبيهقي - ج٢ ص٦٩٩)، وقال ابن حجر في (التقريب): أبو الحسناء مجهول، وروايته عن علي عليه السلاممرسلة (تقريب التهذيب - ج٢ ص٣٨٤).
نعم، ذكر البيهقي نحوه في الخبر السابق على الخبر المذكور لكن في سنده حمّاد بن شعيب، ذكره الذهبي في الميزان وقال: «ضعّفه ابن معين وغيره، وقال يحيى مرة: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أكثر حديثه ممّا لا يتابع عليه» (ميزان الاعتدال - ج١ ص٥٩٦).
ومن الواضح أنّ مثل هذه الصلاة لم تكن على عهد رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)، بل نهى عنها كما ذكر البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب، عن زيد بن ثابت رضى‏الله‏عنه قال: «احتجر رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) حجيرة مخصفة أو حصيراً فخرج رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) يصلّي فيها فتّتبع إليه رجال، وجاؤوا يصلّون بصلاته - وظاهره المتابعة لا الجماعة - ثمّ جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب فخرج إليهم مغضباً فقال لهم رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة» (صحيح البخاري - ج٨ ص٣٤).
وقد روى البخاري في كتاب الصوم، باب فضل من قام رمضان، قصّة استحداث هذه الصلاة في زمن عمر، وتسمية عمر لها بالبدعة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنّه قال: «خرجت مع عمر بن الخطّاب رضى‏الله‏عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، ثمّ عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله» (المصدر السابق - ج٣ ص٥٨).
وقد نقل البخاري قبلها قول ابن شهاب: «فتوفّي رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) والأمر على ذلك، ثُمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر» (المصدر السابق).
وأمّا إن كان النظر إلى رأي الشيعة، فهم يتّفقون مع الرواية التي تصرّح بأنّ التراويح بدعة أحدثها عمر إذ لا يجوز أن تصلّى النوافل جماعة.
فقد روى الكليني في (روضة الكافي) خطبة لأمير المؤمنين يذكر فيها البدع التي حدثت، إلى أن يقول عليه السلام: «واللّه‏ لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة، وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام، غيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعا، ولقد خفت أن يثوروا في ناحية عسكري...» (روضة الكافي - ص٥٢).
وقال السيّد المرتضى كما عن (تلخيص الشافي): «وقد روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلاملمّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة فتركوه واجتمعوا لأنفسهم، وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم الحسن عليه السلامفدخل عليهم المسجد- ومعه الدرّة - فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: واعمراه» (تلخيص الشافي - ج٤ ص٥٢).
فواللّه‏ لم أستطع أن أعرف بأيّ منطق يتحدّث حينما يقول: إنّ من المؤاخذات على علي صلاته التروايح عشرين ركعة؟!
ومن عجيب ما تفوّه به أنّ من أخطاء الإمام علي عليه السلام أنّه كان يلوذ برسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)في بدر.
نقول: إنّما قال علي عليه السلام ذلك كما في مسند أحمد (مسند أحمد - ج٢ ص٨١ ح٦٥٤)، لبيان أشجعية رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) في المعركة، وإلاّ فإنّ كتب التاريخ حافلة بما قام به علي عليه السلام في بدر وغيرها من معارك الإسلام الخالدة..، وقد مرّ ذكر ذلك عند الحديث عن شجاعته.
وإلى ذلك أشار ابن الأثير في تاريخه في بيان شجاعة رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم): «وقال علي ابن أبي طالب: كنّا إذا اشتدّ البأس أتّقينا برسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) فكان أقربنا إلى العدوّ»، ثمّ يعلقّ ابن الأثير: «وكفى بهذا شجاعة، أنّ مثل علي الذي هو هو في شجاعته يقول هذا، وقد تقدّم في غزواته ما يستدلّ به على تمكّنه من الشجاعة، وأنّه ما يقاربه فيها أحد» (الكامل في التاريخ - ج٢ ص١٧٠).
فالكلام قد وضع موضع المثل لبيان شجاعة النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله وسلم)، فهل فاته فهم ذلك الأمر الواضح، أم كان البحث عمّا ينقص من قدر الإمام عليه السلام هو همّه الشاغل؟
ذكر أنّ الإمام علي عليه السلام جلس بين رسول اللّه‏ وعائشة حتّى قالت عائشة: ما وجدت إلاّ فخذي.
لم أعرف كيف يعدّ هذا من المؤاخذات على الإمام علي عليه السلام؟! فالمتحدّث إن كان يتحدّث على مبنى السنّة فالرواية مكذوبة في نظرهم.
قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ليلى الغفارية قالت: «كنت أغزو مع النبي (صلي الله عليه و آله وسلم)فأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى، فلمّا خرج علي إلى البصرة خرجت معه، فلمّا رأيت عائشة أتيتها، فقلت: هل سمعت من رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)فضيلة في علي عليه السلام، قالت: نعم، دخل على رسول اللّه‏، وهو معي وعليه جرد قطيفة فجلس بيننا، فقلت: أما وجدت مكاناً هو أوسع لك من هذا، فقال النبي (صلي الله عليه و آله وسلم): يا عائشة، دعي لي أخي فأنّه أوّل الناس إسلاماً...، قال العقيلي: لا يعرف إلاّ لموسى ابن القاسم، قال البخاري: لا يتابع» (الإصابة في تمييز الصحابة - ج٨ ص١٨٣)، والحصيلة أنّ الرواية ضعيفة عندهم.
وإن كان يتحدّث على مبنى الشيعة، واعتبرنا أنّ الرواية صحيحة - كما هو المحتمل قوّياً لتعدّد طرقها - فالخطأ خطأ عائشة في تفوّهها بتلك الكلمات التي تعبّر عن بغضها لعلي عليه السلام.
فليس هناك خطأ في جلوس علي كما هو صريح الروايات التي أوردت الحادثة، فقد نقلها (البحار) في عدّة مواضع، منها عن كتاب (اليقين في إمرة أمير المؤمنين) عن جابر الجعفي قال: أخبرني وصي الأوصياء، قال: «دخل علي عليه السلام على النبي (صلي الله عليه و آله وسلم) وعنده عائشة، فجلس قريبا منها، فقالت: ما وجدت يا بن أبي طالب مقعداً إلاّ فخذي، فضرب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)على ظهرها، فقال: يا عائشة، لا تؤذيني في أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وأمير الغر المحجّلين، يقعده اللّه‏ غداً يوم القيامة على الصراط، فيدخل أولياءه الجنّة وأعداءه النار» (بحار الأنوار - ج٣٩ ص٢٠٠).
فالرواية صريحة في أنّه جلس قريباً منها، لا ملاصقاً لها، وإنّما هي بالغت في عبارتها فاعتبرت هذا القرب كأنّه جلوس على فخذها، لذا عنّفها رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)ولم يعنّف عليّاً عليه السلاملأنّها هي المخطئة لا علي، كما حاول أن يصوّر هذا الكاتب المتعامي.
ورواه العلاّمة المجلسي في (البحار) عن (أمالي) الطوسي، عن جندب بن عبد اللّه‏ البجلي، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «دخلت على رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)قبل أن يضرب الحجاب، وهو في منزل عائشة فجلست بينه وبينها، فقالت: يا ابن أبي طالب، ما وجدت لأستك مكاناً غير فخذي! امط عنّي، فضرب رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)بين كتفيها، ثمّ قال لها: ويل لك ما تريدين من أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين» (نفس المصدر السابق - ج٣٧ ص٣٣٦)، وهذه الرواية صريحة في أنّ الواقعة كانت قبل أن يضرب الحجاب.
نعم، ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي يظهر منه أنّ عائشة ورسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)كانا متلاصقين، وكأنّ مجيء علي عليه السلام، وإدناء الرسول (صلي الله عليه و آله وسلم) له، وجلوسه بقربه، أوجب ابتعادها عن رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم) ممّا أغاضها، فقالت ما قالت، وهي لا تعتبر رواية شيعيّة، فقد صرّح جلّ من ذكر ابن أبي الحديد بأنّه معتزلي، ووصفه بالتشيّع لا يعني أنّه لا يعتقد بالشيخين، بل شرحه ملي بمدح الشيخين والدفاع عنهما، وكثير من محدثي السنة وعلمائهم وصفوا بالتشيع، ولكن هذا لم يعن أبدا تركهم للاعتقاد بتقديم الشيخين على علي عليه السلام، قال ابن أبي الحديد في شرحه: «ثم كان بينها وبين علي عليه السلام في حياة رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)أحوال وأقوال كلّها تقتضي تهييج ما في النفوس نحو قولها له - وقد استدناه رسول اللّه‏ فجاء حتّى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان: أما وجدت مقعدا لكذا - لا تكني - إلا فخذي» (شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد - ج٩ ص١٩٤)، ونكرر أن الرواية لا تدل إلاّ على أنّ رسول اللّه‏ (صلي الله عليه و آله وسلم)استدناه فأوجب ذلك ابتعاد عائشة وجلوسه عليه السلام مكانها فغضبت وقالت العبارة المنقولة، لا أنهما تلامسا كما تصور الكاتب المتحامل.
ذكر أن الإمام علي عليه السلام تزوج بعد وفاة فاطمة بتسع ليال.
نقول: إن زواج علي عليه السلام بعد الزهراء عليهاالسلام كان بوصية منها وحددت أمامة بنت أختها كزوجة له، وقد ذكر ذلك المجلسي في (البحار) عن (روضة الواعظين): «... ثُمّ قالت: جزاك اللّه‏ عني خير الجزاء يا ابن عمّ رسول اللّه‏ أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي فإن الرجال لابدّ لهم من النساء» (بحار الأنوار - ج٤٣ ص١٩٢)، ورواه ثانية عن كتاب سليم (نفس المصدر السابق - ص١٩٧).
ويتّضح من النص الأول أن الزواج لرعاية الأولاد ولم يكن الحديث عن فرح أو بحث عن شهوة وخصوصاً مع لحاظ عمر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم إذ لم يتعد أكبرهم ثمان سنين، لذا لا يستبعد أن يكون الزواج بعد مدة قصيرة من رحيلها عليهاالسلام.
ولكن الكاتب نقل خبر زواجه بعدها بتسعة أيام من كتاب (بحار الأنـوار) للمجلسي ثُمّ علق الكاتب بقوله: «هذا هو المشهور في كتب الشيعة».
رغم أن المجلسي نقله عن (مناقب) ابن شهرآشوب (بحار الأنوار - ج٤٢ ص٩٢)، وهو بدوره نقله عن كتاب (قوت القلوب)، الذي عده ابن شهرآشوب من كتب العامة التي نقل منها، قال العلاّمة المجلسي في (البحار): «قال ابن شهرآشوب في (المناقب): كان جمع ذلك الكتاب بعد ما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع... فأمّا طرق العامة فقد صح لنا إسناد البخاري... إسناد (قوت القلوب) عن القطيفي عن أبيه عن أبي القاسم الحسن بن محمد عن أبي يعقوب يوسف بن منصور السيّاري... فأمّا أسانيد كتب أصحابنا فأكثرها عن الشيخ أبي جعفر الطوسي...» (نفس المصدر السابق - ج١ ص٦٦).
فالكتاب المنقول عنه ما ذكر هو لأحد علماء أهل السنّة، ولا ينتمي للشيعة بأيّ صلة، ومع ذلك يقول الكاتب بجرأة غريبة: «هذا هو المشهور في كتب الشيعة».
والكتاب ذكره الحاجي خليفة في (كشف الظنون) قال: «(قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحـيد) في التصوف لأبي طالب بن علي بن عطية العجمي ثُمّ المكي المتوفى سنة ٣٨٦...» كشف الظنون - ج٢ ص١٣٦١.


الصفحة 267 إلى 322

الصفحة السابقةالصفحة التالية