المكتبة العقائدية » زواج أم كلثوم (لـ علي الشهرستاني)



مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 7742088 (251) (0098)

الفاكس : 7742056 (251) (0098)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 (33) (00964)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :0-42-8629-964

زواج أم كلثوم

تأليف

السيد علي الشهرستاني

الطبعة الأولى - 2000 نسخة

سنة الطبع: 1425هـ

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *


الصفحة 3

المقدمة


الحمدُ لله ربّ العالمين، والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، واللعنة على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

والحمدُ لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين (عليهم السلام)، ووفّقنا للدفاع عن حريم أهل البيت (عليهم السلام) بما أُتينا من قوّة بيان وبنان.

وبعد، في أسفارنا الكثيرة للبلدان الإسلاميّة والأوربيّة، كنّا كثيراً ما نلتقي بإخواننا في الدين أتباع مدرسة الخلفاء، ويدور البحث بيننا في المسائل العقائدية الخلافية بين المسلمين. وفي مقدّمتها مسألة الإمامة والخلافة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، التي تعدّ أهم مسألة عقائدية خلافية بين المسلمين، ومنها تفرّعت المسائل الخلافية الاُخرى.

وأوّل ما يثيره الإخوة السنّة ويتهموننا به، هو عدم وجود أيّ خلاف وتباغض بين الإمام علي (عليه السلام) وعمر بن الخطّاب، ويجعلون الدليل على مدّعاهم هذا هو تزويج علي (عليه السلام) ابنته اُمّ كلثوم لعمر بن الخطّاب.

وأتذكّر في سفرتي الأخيرة إلى تونس واجهني أحد علمائهم ـ وقد ثار في وجهي مغضباً بعد أن دار بيننا نقاش حادّ حول موضوع الإمامة ـ قائلاً لي: لو خطب سيّدنا عمر ابنتك هل تزوّجه؟


الصفحة 4
قلت: طبعاً لا.

قال: أنت أفضل، أم سيّدنا علي كرّم الله وجهه؟

قلت: سبحان الله!!! الجواب معلوم وواضح لكلّ أحد.

فقال: سيّدنا علي كرم الله وجهه زوّج اُم كلثوم لسيّدنا عمر (رضي الله عنه)، أليس هذا دليل على عدم وجود التنافر بينهما؟ أنتم الشّيعة اختلقتم هذه الأحاديث وزوّرتم التاريخ.

وبدأت اُوضّح له هذه المسألة وملابستها، واختلاف أقوال العلماء سنّة وشيعة. إلا أنّه لم يكن له استعداد لسماع كلامي؛ لأنّه من الذين ختم الله على قلوبهم.

وكان قد اجتمع عدد من الشباب حولنا يستمعون لحوارنا فكان همّي الوحيد هو ايصال كلامي لهم، لا لهذا الرجل العنيد، وبحمد الله اقتنع بعضهم بأدلّتنا، وأوعدني البعض الآخر بدراسة هذه المسألة والنظر في مصادرها.

وعلى كلّ حال، فإنّ كثيراً من علماء المخالفين يستدلّون بهذه القضية على عدم وجود أيّ تنافر بين الإمام علي (عليه السلام) وعمر بن الخطاب.

وكأنّهم نسوا أو تناسوا الأحاديث والوقائع التاريخية الكثيرة التي تثبت التنافر والتباعد بينهما، والتي منها قول الزهراء (عليها السلام) لأبي بكر وعمر حينما دخلا منزلها: « نشدتكما الله ألَم تسمعا رسول الله يقول: رضى فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني »؟!.


الصفحة 5
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق وهي تقول: « والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة اُصلّيها ».

ثم خرج أبو بكر وهو يقول: «كلّ منكم يبيت معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي ».

وقد كتب الكثير من علمائنا رسائل مستقلّة في هذه المسألة كان آخرها هذه الرسالة، الصغيرة في حجمها الكبيرة في محتواها، التي خطّها يراع أخونا وصديقنا العزيز العلامة المحقّق الحاج السيّد علي الشهرستاني «حفظه الله ورعاه» وقد أجاد فيها، وأضاف لما كتبه السابقون أبحاثاً بكراً، وتوصّل إلى نتائج لم يتوصّل إليها الذين سبقوه في هذا المضمّار، فعدّت هذه الرسالة ـ كما سمعتُ من بعض الفضلاء أصحاب هذا الفنّ ـ أفضل ما كتب في هذه المسألة الخلافية، وتلقّى مركزنا رسائل كثيرة تشيد بهذا المجهود العلمي وتثني على مؤلّفها الجليل.

وأحصى السيّد الشهرستاني في رسالته هذه ثمانية أقوال في هذه المسألة، وبحثها بحثاً علمياً دقيقاً من ثلاثة وجوه: الجانب التأريخي، والجانب الفقهي، والجانب العقائدي.

وأثبت بالأدلّة القطعية: أنّ هذا الزواج وإن وقع فهو لا يعدّ فضيلة ولا منقبة لعمر بن الخطاب، بل بالعكس يدلّ على تنافر وتباغض بين الطرفين، وخير دليل على ذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام): « ذلك فرجٌ عَصَبْناه».


الصفحة 6
وبعد طباعة الكتاب وتوزيعه في مختلف دول العالم نفدت نسخه بسرعة، لذلك ارتأى مركز الأبحاث العقائدية إعادة طبعه ثانية، بعد أن أجرى المؤلّف الكريم بعض التعديلات على طبعته الأولى، فجاءت هذه الطبعة مصححة ومنقّحة ومزيدة.

ونحن إذ نقوم بطباعة الكتاب ونشره ثانية نتمنّى لأخينا الكريم السيّد المؤلّف دوام الصحة والعافية والموفقيّة التامّة لخدمة المذهب الحقّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والحمد لله ربّ العالمين.

محمّـد الحسّـون

مركز الأبحاث العقائديّة

28 جمادى الآخرة 1427هـ

site.aqaed.com/Mohammad

[email protected]







الصفحة 7

مقدمة المركز

إنّ الإسلام منهج حياتي كامل لهداية البشرية إلى الحق وإرشادها إلى ما يوصلها إلى الكمال المطلوب.

ولا يخفى أنّ الفهم الخاطئ لأي مفردة من مفردات هذا المنهج الرباني يؤدّي إلى انحراف البشرية عن جادة الحق وعرقلة حركتها نحو الكمال.

ومن هنا تكون القراءات الخاطئة لهذا الدين الحنيف هي السبب في الابتعاد عن الحق، نتيجة التمسك بالمفاهيم المنسوبة في الظاهر إلى الإسلام والبعيدة في الواقع عما يبتغيه الإسلام، فيكون مصير أتباع هذه القراءات الخاطئة التخبّط في المتاهات والالتحاق بمن يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

ولهذا بذل علماء المسلمين المهتمّين بمعرفة الحق غاية جهدهم ـ على مرّ العصور ـ لتنقيح الإسلام عن الشوائب العالقة به، وتطهيره من المفاهيم الدخيلة عليه، ودرء الشبهات المثارة حوله من:

أولا: خارج الدائرة الإسلامية، وهي الشبهات المطروحة من قبل ذوي


الصفحة 8
الانتماءات غير الإسلامية.

وثانياً: داخل الدائرة الإسلامية، وهي الشبهات المطروحة من قبل أتباع المذاهب الإسلامية.

وما "سلسلة ردّ الشبهات" التي يصدرها "مركز الأبحاث العقائدية" برعاية المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى السيد السيستاني ـ دام ظله ـ إلاّ مساهمة جادة وخطوة هادفة للبحث بحياد وموضوعية تامة لمعرفة القراءات الإسلامية الصحيحة وتمييزها عن غيرها، ومن ثم المبادرة إلى ردّ القراءات الخاطئة التي عرّفت مختلف المفاهيم الإسلامية تعريفاً خاطئاً لا يتناسب مع حقيقة الإسلام الصحيح الذي جاء به الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد بذلنا قصارى جهدنا أن تكون بحوث هذه السلسلة بحوثاً موضوعية ومنزهة من التعصّب والتقليد الأعمى، لتكون ثمرتها الوصول إلى نتائج لم تتحكّم بها العاطفة المتحيّزة أو النزعة المتعصبة أو الرؤية الموروثة أو التصورات السابقة.

كما أننا وطّنا أنفسها على التمسّك بنتائج البحوث والدراسات ولو كانت هذه النتائج مخالفة للموروث والمفاهيم السائدة في بيئتنا الاجتماعية.

والجدير بالذكر أنّ هذه السلسلة لا تختص بمعالجة الشبهات المثارة داخل الدائرة الإسلامية فحسب، بل تقوم أيضاً بمعالجة الشبهات المثارة من خارج الدائرة الإسلامية، من قبيل شبهات سائر الأديان، والتي منها شبهات المستشرقين، أو الإشكاليات التي أثيرت خلال طرح بعض القضايا المعاصرة، كالعولمة والحداثة وغيرهما.


الصفحة 9
أضف إلى ذلك أنّ هذه السلسلة غير مختصة بالتأليف، بل هي تشمل تحقيق التراث المهتم بردّ الشبهات، بشرط أن يتم هذا التحقيق وفق المناهج الحديثة للتحقيق.

ومن أهم الشبهات التي أُثيرت داخل الدائرة الإسلامية، وطرحت بين المذاهب الإسلامية، هي مسألة "زواج عمر من أم كلثوم بنت الإمام علي (عليه السلام) ".

وتقرير محل النزاع هو:

أنّ بعض المسلمين حاول من خلال إثبات هذا الزواج أن يستدل على حسن علاقة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مع الخلفاء، ومن ثمّ الاستنتاج على صحة خلافتهم.

وفي المقابل شكّك البعض الآخر من المسلمين في وقوع هذا الزواج، وقال بأنّه ـ على فرض وقوعه ـ لا يدل على حسن العلاقة بين أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والخلفاء.

وناقش هذا الموضوع علماء المسلمين من القدماء والمعاصرين، كلّ واحد منهم حسب منهجه الخاص به في البحث:

فمن الجاحظ وابن عبد ربه وابن حزم وجلال الدين الدواني، إلى الدهلوي والخطيب ومحمد مال الله وإحسان إلهي ظهير، الذين حاولوا إثبات هذا الزواج، والاستدلال به على صحة خلافة الخلفاء.

ومن الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي والسيد ابن طاووس، إلى المقدّس الأردبيلي والعلاّمة المجلسي والمحقق التستري والسيد ناصر حسين اللكهنوي والشيخ البلاغي، الذين شككوا في هذا الزواج، وأنه ـ على فرض وقوعه ـ لا يدلّ على حسن علاقة أئمة أهل


الصفحة 10
البيت (عليهم السلام) مع الخلفاء، حتى أنّ بعضهم ألّف في ذلك كتاباً مستقلاًّ.

كما عقد المركز ندوة مستقلة تناولت هذا الموضوع من جوانب مختلفة، تمّ عرضها على شبكته العالمية على الانترنيت، ثم طبعها ضمن "سلسلة الندوات العقائدية ـ 29".

وعالج المركز أيضاً هذا الموضوع في شبكته على الانترنيت ـ قسم الأسئلة العقائدية ـ عن طريق إجابته على مختلف الأسئلة التي وصلت إليه من أنحاء العالم حول هذا الموضوع.

وهذا الكتاب الذي قدّمه المؤلّف ـ حفظه اللّه ـ إلى المركز ليكون باكورة هذه السلسلة، هو خطوة أخرى قام بها المؤلّف العلاّمة المحقق السيدعلي الشهرستاني، لتمييز وردّ الشبهات المثارة حول هذه المسألة.

والملاحظة الملفتة للنظر في أُسلوب طرح هذا الكتاب: أنّ المؤلّف بيّن فيه الأقوال التي ذكرها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وأتباع الخلفاء في هذا المجال، ثم تناولها بالبحث الموضوعي وناقشها بحياد تام.

كما تناول المؤلّف بعض جوانب هذا البحث بصورة لم تطرح فيما سبق بهذا التفصيل، منها:

  بحث عمر ودعوى القرابة.

  بحث عمر وتزّوجه من النساء.

  قضية المغيرة بن شعبة وربطها بالموضوع.

  دور أعداء الإمام علي (عليه السلام) في تطبيق وتطبيع هذا الزواج المفترض.

  كيفية دخول الروايات في المصادر الشيعية في البحث الفقهي فيما يتعلّق بأمّ كلثوم.

وغيرها من المسائل التي طرحها في كتابه هذا الذي أجرى فيه قراءة


الصفحة 11
في نصوص زواج عمر من أم كلثوم بنت علي (عليه السلام)، وأجرى تحليلات دقيقة على النصوص التاريخية، وخرج بنتائج أهمّها:

  أنّ القول بوقوع الزواج ـ على فرض وقوعه ـ لا يضرّ المعتقد الشيعي بقدر ما يضرّ المعتقد السنّي، لأنّ هذا الزواج له مبرّر ديني ووجه شرعي عند الشيعة، لكنه يفقد أي مبرر ديني ووجه شرعي عند أهل السنّة.

  أنّ طرح هذه المسألة بين الحين والآخر لا يخدم الطرف السنّي، بل يشدّد الأزمة بين الطرفين ولا يحلّها، ويوقف القارئ الشيعي على ظلامة أهل البيت أكثر مما مضى.

  أنّ أمّ كلثوم المدّعى الزواج بها فيها الكثير من الغموض: في أصل وجودها، ومقدار عمرها، وأزواجها، وكيفية خطبة عمر لها، ووليّها في التزويج، وأولادها، و... فالقضية من البدء إلى الختام محلّ نقض وإبرام.

وفي الختام يدعو المركز العلماء والمفكّرين إلى المساهمة في رفد هذه السلسلة، ويعلمهم بأنّه قام بعدّة خطوات كمقدّمة لهذا المشروع، يجعلها في متناول أيديهم، وهي:

أولا: تجميع الشبهات المثارة من داخل الدائرة الإسلامية أو المطروحة من خارج الدائرة الإسلامية، وإجراء دراسة دقيقة حول هذه الشبهات، من أجل التوصّل إلى منشأ كلّ شبهة وسيرها التاريخي وتطوّرها، وقد تمّ هذا الأمر بعد أن أجرى المركز مسحاً ميدانياً للمئات من الكتب القديمة والحديثة.

وقد تم تنظيم هذه الشبهات حسب المواضيع وحسب الحروف الألف بائية.


الصفحة 12
ثانياً: تجميع الأدلّة وردّ الشبهات من مصادر المسلمين حول مختلف المواضيع العقائدية والمسائل الخلافية، وترتيبها حسب المواضيع وحسب الحروف الألف بائية، مع مراعاة الأقدم فالأقدم في هذه الأقوال، ليتعرّف الباحث على منشأ الأدلة وسيرها التاريخي وتطوّرها بمرور الزمان.

ثالثاً: أعدّ المركز قبل ذلك كلّه فهرسة موضوعية للكتب المختصّة بالعقائد والمعارف العامة والمسائل الخلافية، في بطاقات موزعة حسب الحروف الألف بائية.


مركز الأبحاث العقائدية   
فارس الحسون       
7 شعبان المعظم 1425 هـ


الصفحة 13

الإهداء:

إلى جدي رسول الله

وإلى أمي فاطمة الزهراء

وإلى آبائي الكرام أئمّة أهل البيت

وإلى كلّ مظلوم من ولد عليّ وفاطمة

وإلى من يريد الوقوف على حقائق التاريخ بروح علمية


أهدي هذا الجهد المتواضع

المؤلّف     


الصفحة 14

الصفحة 15


تمهيد





الصفحة 16

الصفحة 17
إنّ قضية تزويج أُمّ كلثوم ابنة الإمام عليّ بن أبي طالب من عمر بن الخطّاب من الأمور التي تُثار بين الحين والآخر، على شبكات الإنترنيت والصحف والمجلاّت، وهي ليست بالقضيّة الجديدة، بل هي من القضايا القديمة، وقدّ أُثيرت لأوّل مرّة في عهد الإمامين الباقر والصادق واستمرت حتّى يومنا هذا.

وبما أنّ المسألة ترتبط بالتاريخ من جهة، والفقه والعقائد من جهة أُخرى، فقد التزمنا دراسة هذه القضية مع ملابساتها الاجتماعية والتاريخية بقدر ما يسعنا الوقت في هذه العجالة.

لكن قبل بيان حقيقة الأمر لابُدّ من الإشارة إجمالاً إلى الأقوال المذكورة في هذه المسألة، كي يكون القارئ على بصيرة من ذلك، منبهينه على ان هذه الدراسة هي محاولة علمية بسيطة رجونا طرحها في الوسط الجامعي والمثقف، ولا نبغي من ورائه اثارة الفتنة بين المسلمين لانا احوج ما نكون إلى الوحدة الإسلامية فالمطروح هو ايقاف الآخرين على وجهة نظر علماء مدرسة أهل البيت في هذه المسألة خدمة للعلم وتبيياً للحقيقة، وإليك الآن الأقوال فيها


الصفحة 18
وهي ثمانية:

أربعة منها من مختصّات الشيعة.

والقول الخامس والسادس والسابع قال بها بعض الشيعة وبعض العامّة.

أمّا القول الثامن فهو المشهور عند ابناء العامّة.

أمّا الأقوال الأربعة التي قالت بها الشيعة، فهي:

القول الأوّل:

عدم وقوع التزويج بين عمر وأُمّ كلثوم.

وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد (ت 413) في المسائل السروية (المسألة العاشرة)، وكذا في المسائل العكبرية (المسألة الخامسة عشر)، وله رسالة بهذا الصدد طبعت على انفصال ضمن منشورات مؤتمر الشيخ المفيد.

هذا، وقد كذّب خبر التزويج علماء آخرون كالسيد مير ناصر حسين اللكهنوي الهندي في كتابه (إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أُمّ كلثوم)، والشيخ محمّد جواد البلاغي في كتابه (تزويج أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين وانكار وقوعه)، وغيرهم.

القول الثاني:

وقوع التزويج لكنّه كان عن إكراه.

مستدلّين بنصوص متعددة، ذكروها في كتبهم.


الصفحة 19
وقد ذهب إلى هذا الرأي السيّد المرتضى (ت 436) في كتابه الشافي، وتنزيه الأنبياء، والمجموعة الثالثة من رسائله(1).

وفي بعض روايات وأقوال الكليني (ت 329) في الكافي(2)، والكوفي (ت 352) في الاستغاثة(3)، والقاضي النعمان (ت 363) في شرح الأخبار(4)، والطوسي (460) في تمهيد الاُصول والاقتصاد(5) والطبرسي (ت 548) في إعلام الورى(6)، والمجلسي (ت 1111) في مرآة العقول وبحار الأنوار(7)، وغيرهم(8) ما يشير إلى ذلك.

____________

1- الشافي 3: 272 وتلخيص الشافي 2: 160. وتنزيه الانبياء: 191 ومجموعة رسائل السيّد المرتضى 3: 149 و 150.

وانظر بحار الانوار 42: 107، والصوارم المهرقه: 201 - 202، والصراط المستقيم 3: 130.

2- الكافي 5: 346 / ح 1 و 2.

3- الاستغاثة 80 ـ 82، وعنه في مستدرك الوسائل 14: 443 - 444.

4- شرح الاخبار 2: 507.

5- تمهيد الاُصول: 386 ـ 387، والاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 340 ـ 341.

6- اعلام الورى 1: 397، وعنه في بحار الأنوار 42: 93.

7- مرآة العقول 20: 42، بحار الانوار 42: 109.

8- أنظر: كلام ابن شهراشوب في المناقب 3: 162، والأربلي في كشف الغمة: 10، والمقدّس الأردبيلي في حديقة الشيعة: 277، والقاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين: 76 و 82 85 ومصائب النواصب 2: 36 ـ52، و 1: 357، والشيخ عباس القمّي في منتهى الآمال 1: 186.


الصفحة 20

القول الثالث:

إنّ المتزوج منها لم تكن ابنته (عليه السلام) بل كانت ربيبته.

وهي ابنة أسماء بنت عميس زوجة الإمام عليّ بن أبي طالب، أي أنّها ابنة أبي بكر، واُخت محمّد بن أبي بكر، وبذلك تكون أُمّ كلثوم ربيبة الإمام عليّ وليست ببنته.

أنظر هذا الكلام عند الشـيخ النقـدي في الأنوار العلوية: 426.

قال السيّد شهاب الدين المرعشي في تعليقاته على إحقاق الحق: ثم ليُعلم أنّ أُمّ كلثـوم التي تزوّجها الثاني كانت بنت أسماء وأخت محمّد هذا، فهي ربيبة مولانا أمير المؤمنين ولم تكن بنته، كما هو المشهور بين المؤرخين والمحدثين، وقد حقّقنا ذلك، وقامت الشواهد التاريخية في ذلك، واشتبه الأمر على الكثير من الفريقين، وإني بعد ما ثبت وتحقّق لديّ أنّ الأمر كان كذلك، استوحشت التصريح به في كتاباتي ; لزعم التفرد في هذا الشـأن، إلى أن وقفـت على تأليف في هذه المسألة للعلاّمة المجاهد السيّد ناصر حسين الموسوى الكـنوي أبان عن الحقّ وأسفر وسمّى كتابه (إفحام الخصوم في نفي تـزويج أُمّ كلثوم)(1).

وقال رحمه الله في مكان آخر: أسماء بنت عميس تزوّجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له عوناً وجعفراً، ثمّ تزوّجها أبو بكر، فوُلد له منها عدة أولاد، منهم: أُمّ كلثوم، وهي التي ربّاها أمير المؤمنين وتزوّجها الثاني، فكانت ربيبته (عليه السلام) وبمنزلة إحدى بناته، وكان (عليه السلام)

____________

1- إحقاق الحق 2: 376.


الصفحة 21
يخاطب محمّداً بابني وأمّ كلثوم هذه ببنتي، فمن ثمّ سرى الوهم إلى عدة من المحدثين والمؤرخين، فكم لهذه الشبهة من نظير؟! ومنشأ توهُّم أكثرهم هو الاشتراك في الإسم والوصف، وأن مولانا عليّاً (عليه السلام) تزوّجها بعد موت أبي بكر(1).

القول الرابع:

إن علياً زوّج عمر بن الخطّاب جنّية تشبه أُمّ كلثوم.

إذ الثـابت عنـد الشـيعة أنّ للنـبي والإمـام سلطـةً على الجـن باذن الله، كما كان لسـليمان (عليه السلام) سلطة عليهـم(2)، وأن وقـوع الشـبه ليس ببعيد، فقد شُـبِّه على الظـلمة عيسـى بن مريم بيهـوذا فقتل وصلب.

هذا ما رواه القطب الراوندي (ت 573) في كتابه الخرائج والجرائح(3).

هذه هي الأقوال المختصة بالشيعة.

____________

1- احقاق الحق 3: 315 بتصرف.

2- انظر سورة ص الايات: 35 إلى 40 مثلاً.

3- الخرائج والجرائح 2: 825 ـ 827، وعنه المجلسي في بحار الأنوار 42: 88، 106 ومرآة العقول 21: 198.

وانظر المجدي في أنساب الطالبيين: 17، ومستدرك سفينة البحار 2: 121، ومدينة المعاجز 3: 203، والصراط المستقيم للبياضي 3: 130 وغيرها.


الصفحة 22

وأمّا الأقوال التي ذهب إليها بعض الشيعة وبعض العامّة فهي:

القول الخامس:

إنكار وجود بنت لعلي اسمها أُمّ كلثوم.

لأن أُمّ كلثوم كنية لزينب الصغرى(1) أو الكبْرى(2) أو لرقية(3)، أمّا وجود بنت إسمها: أُمّ كلثوم، فلم يعرف عند المحققين، إذ لو كان ذلك لعُرف تاريخ ولادتها، ومكان دفنها، وبما أنّ الأخبار خالية من ذلك، فإن هذا يشير إلى التشكيك في وجودها.

وقد ذهب إلى هذا الرأي جمع من العامّة والشيعة، فقد نقل عن الدميري أنه قال: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لمّا تزوج زينب بنت عليّ، فإنّه أصدقها أربعين ألف دينار(4).

ومعنى كلام الدميري: أنّ زينب هو اسم لأم كلثوم، وذلك لاشتهار تزويج عمر بأم كلثوم لا بزينب.

____________

1- انظر الإرشاد للمفيد 1: 354، وعنه في بحار الأنوار 42: 74، وهذا هو الرأي المشهور عند المؤرخين.

2- وهو ما يفهم من شعر الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي والسيّد عبد الرزاق المقرم الآتي وغيرهم.

3- المجدي في أنساب الطالبين للعمري: 17، عمدة الطالب لابن عنبة: 63 ينابيع المودة: 3 - 147، ملحقات إحقاق الحق 10: 426.

4- التراتيب الادارية 2: 405 عن المختار الكتبي في الاجوبة المهمة.


الصفحة 23
وروى البيهقي عن قثم مولى آل العباس، قال: جمع عبدالله بن جعفر بين ليلى بنت مسعود النهشلية، وكانت إمراة عليّ(رضي الله عنه)، وبين أُمّ كلثوم بنت عليّ لفاطمة (عليها السلام)(1) ومعنى كلامه: أنّ أُمّ كلثوم هي زينب، لأنّها كانت زوجته على القطع واليقين ولم يثبت طلاقه لها ; حيث ماتت وهي عنده.

وقد كتـب الشيخ إبراهيم بن يحيى بن محمّد العاملي (ت 1214 هـ) على جـدار مقام السـيّدة زينـب بدمشـق هـذه الأبـيات لاعتقاده بأنّ زينـب هي أُمّ كلثوم:


مقام لعمرو الله ضم كريمةزكا الفرع منه البرية والأصلُ
لها المصطفى جَدٌّ، وحيدرة أَبٌوفاطمةٌ أمٌّ وفاروقهم بَعْلُ(2)

____________

1- السنن الكبرى للبيهقي 7: 167، الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 465.

وقال ابن حجر في فتح الباري عن ابن مهران أنه قال: جمع عبدالله بن جعفر بين زينب بنت عليّ وامرأة علي ليلى بنت مسعود.

وقد حاول الزهري الجمع بين الروايتين ـ في زينب وأُمّ كلثوم ـ بأنّه تزوجهما واحدة بعد الأخرى مع بقاء ليلى في عصمته (انظر فتح الباري 9: 127 وتهذيب التهذيب 8: 324 ترجمة قثم بن لؤلو).

لكنّ جمعه باطل بنظرنا ; وذلك لصغر سن أُمّ كلثوم عن زينب عندهم، ولأنّ عبدالله الذي هو أكبر أولاد جعفر كان قد تزوج بزينب ـ اكبر بنات عليّ ـ أولاً ولم يثبت تطليقه لها حتى ماتت عنده، ومن المعلوم بأنّ الشرع لا يجيز الجمع بين الأختين، فتأمل.

2- انظر اعيان الشيعة 5: 514.


الصفحة 24
ومن الشيعة الإمامية: السيّد عبدالرزاق المقرم في بعض كتبه كنوادر الأثر (المخطوط)، والسيّدة سكينة: 38، وعدة مواضع من كتابه مقتل الحسين.

والشيخ المامقاني في تنقيح المقال إذ قال: أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين هذه كنية لزينب الصغرى، وقد كانت مع أخيها الحسين بكربلاء، وكانت مع السجاد إلى الشام، ثم إلى المدينة، وهي جليلة القدر، فهيمة بليغة، وخطبتها في مجلس ابن زياد بالكوفة معروفة، وفي الكتب مسطورة، وإني أعتبرها من الثقات.

والمشهور بين الأصحاب أنه تزوّجها عمر بن الخطّاب غصباً، كما أصر السيّد المرتضى وصمّم عليه في رسالة عملها في هذه المسألة، وهو الأصحّ، للأخبار المستفيضة(1).

القول السادس:

أنّ أُمّ كلثوم لم تكن من بنات فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله)، بل كانت من أُمّ ولد.

وقد ذهـب إلى هذا الرأي بعض أعلام العامّة والشيعة كذلك:

____________

1- انظر تنقيح المقال ـ ط قديم ـ (الفصل الثاني في الكنى) 3: 73.

هذا، وقد اعترض السيّد محسن الامين في اعيان الشيعة 3: 4 - 5، (مابدأ بـ: أُم) على ما قاله الشيخ الطريحي في "تكملة الرجال" بقوله: فما في تكملة الرجال من الجزم بأن زينب الصغرى المكناة أُمّ كلثوم هي زوجة عمر في غير محله، بل هي غيرها.


الصفحة 25
ففي تاريخ مواليد الائمة(1) ونور الأبصار(2) ونهاية الأرب(3):... وكان له زينب الصغرى، وأُمّ كلثوم الصغرى من أُمّ ولد.

القول السابع:

تزويجها من عمر، لكنّ عمر مات ولم يدخل بها.

وإلى هذا ذهب بعض أعلام الشيعة وبعض العامّة. فقد قال النوبختي ـ من اعلام القرن الثالث الهجري ـ من الشيعة الإمامية في كتابه " الإمامة ": أُمّ كلثوم كانت صغيرة ومات عنها عمر قبل أن يدخل بها(4).

وقال الشيخ جعفر النقدي في الأنوار العلوية:... فروي أنّه [ أي عمر ] لمّا دخل عليها كان ينظر شخصها من بعيد، وإذا دنا منها ضُرِبَ حجاب بينها وبينه فاكتفى بالمصاهرة(5).

وقال أبو الحسن العمري في (المجدي في أنساب الطالبيين): وآخرون من أهلنا يزعمون أنّه لم يدخل بها(6).

وقال الزرقاني المالكي (ت 1122 هـ) في شرح المواهب اللدنية:

____________

1- مواليد الأئمّة: 15.

2- نور الأبصار: 103.

3- نهاية الأرب 20: 223.

4- البحار 42: 91، مناقب آل أبي طالب 3: 89.

5- الأنوار العلوية: 435.

6- المجدي في أنساب الطالبيين: 17.


الصفحة 26
وأُمّ كلثوم زوجة عمر بن الخطّاب، مات عنها قبل بلوغها(1).

هذا، ولم يذكر المسعودي أُمّ كلثوم بنت عليّ في اُمهات أولاد عمر في كتابه مروج الذهب، بل ـ في المقابل ـ عدّ عبدالله وعبيدالله وحفصه وزيداً وعاصماً من أُمّ واحدة(2). وقد ذكر الطبري أسماء أولاد عمر فقال: وزيد الأصغر وعبيدالله قتلا يوم صفين مع معاوية، وأمهما: أُمّ كلثوم بنت جرول بن مالك بن مسيب بن ربيعة، وكان الإسلام فرّق بين عمر وأُمّ كلثوم بنت جرول(3).

القول الثامن:

وهو المشهور عند العامّة.

فملخَّصـه: إنّ عمر تـزوج بأم كلثوم ودخل بها وأولدها زيداً ورقية.

ونحنُ وإن كان المنهج العلمي يدعونا إلى دراسة الأقوال الثمانية كلّها ثم الوقوف على ضوء ذلك على الرأي المختار.

لكنّ دراسة تلك الأقوال تستدعي الدراسة الوافية لها والترجيح بينها، وهو ممّا يحتاج إلى مزيد وقت لا نمتلكه الآن، فاكتفينا بالتعليق على القول الأخير، على أمل أن نلتقي مع القُرّاء في دراسة شاملة عن

____________

1- شرح المواهب اللدنيه 7: 9.

2- مروج الذهب 2: 330.

3- تاريخ الطبري 3: 269، الكامل في التاريخ 2: 450، البداية والنهاية 7: 156.


الصفحة 27
هذه القضية، آملين أن نكون قد قدمنا شيئاً في هذا المضمار، مشيرين إلى أن عملنا سيكون في ثلاثة جوانب:

محاور البحث

1 ـ الجانب التاريخي:

وفيه نبيّن ملابسات القول الثامن تاريخياً وعقائدياً واجتماعياً، ونناقش النصوص التاريخية الواردة فيه على وجه التحديد، وهل أن هذا القول يمسّ عقائد الشيعة الإمامية، أم أنّه يمسّ العامّة، أم أنّه لا يمس أيّاً منهما، أو أنه يمسهما معاً؟

2 ـ الجانب الفقهي:

وفيه بيان لكيفية دخول الروايات الداعمة للرأي الثامن في كتب الفقه والحديث الشيعية، ومدى حجية تلك الأحاديث ودلالتها.

3 ـ الجانب العقائدي:

وفيه نبحث عن الإشكاليات المطروحة في هذا الزواج، وأن القول بالتزويج لا يمسّ بعقائـد الشـيعة بقدر ما يمس بأصول الفكر الآخر، لأنّ لازم هذا القول هو خروج عمر بن الخطّـاب عن المـوازين الأخلاقيّة والضـوابط العرفـية المتعارف عليها في المجتمعات الإسـلاميّة.

وعليه فنحن لسنا ـ وحسبما أكدّنا ـ بصدد ترجيح رأي على آخر،


الصفحة 28
أو تبني رأي تاسع في المسألة، بل كلّ ما في الأمر هو بيان ملابسات القول الأخير ـ أي الثامن ـ ومحاكمة النصوص فيه، وكيفية تداخل النصوص بين الطائفتين، ومدى تأثيرها على الاُصول والمفاهيم عند الفريقين، لا اعتقاداً منا بصحّة تلك الأخبار سنداً أو دلالة، بل إلزاماً للآخرين القائلين بوقوع هذا التزويج ليس أكثر من ذلك.

مؤكدين للقارئ العزيز بأنّ عملنا هذا ما هو إلاّ محاولة بسيطة في هذا السياق، واجابة لأشهر الأقوال وأكثرها شيوعاً على شبكات الإنترنيت. إذ لم نحقّق بعد كلّ جوانب هذه المسألة للخروج بالنتيجة المطلوبة.

وإليك الآن بعض النصوص في تزويج عمر بن الخطّاب من أُمّ كلثوم، أتينا بها من كتب السير والتاريخ في مدرسة الخلفاء، لتكون مقدمة لما نبغي الوصول إليه.