المكتبة العقائدية » زواج المتعة (ج 1) (لـ جعفر مرتضى العاملي)



الصفحة 225
هذه الآية محكمة غير منسوخة، فذلك يعني أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحل المتعة بعد نزول آية حفظ الفروج أبداً.. مع أن المتفق عليه عند الأمة كلها: أن هذا الزواج قد أباحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قطعاً..

والمدعون للنسخ بالسنة والأخبار فإنما يدعون ذلك في عام خيبر، أو تبوك، أو الفتح، أو حجة الوداع الخ.. وكل هذه المواطن إنما كانت في المدينة في أواخر حياة الرسول (صلى الله عليه وآله).. فهل أحل لهم (صلى الله عليه وآله) ما دل القرآن صريحاً على تحريمه؟! وهل ينسخ القرآن بالأخبار؟.

ثانياً:

قولهم: إن المتعة ليست عقد نكاح صحيح، مجرد دعوى فإنها عقد نكاح صحيح بلا شك وقد كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غير أن هؤلاء يدعون النسخ فعليهم الإثبات.

ثالثاً:

قولهم: إنه حتى على كلام القائلين بحلية المتعة، فإنها لا تسمى عقد نكاح أبداً.. غير صحيح.. وقد تقدم وسيأتي في هذا الكتاب ما يدل على ذلك، وحديث سبرة خير شاهد عليه.


الصفحة 226

2 ـ نسخ آية المتعة بآية الميراث:

وقد نسب إلى سعيد بن جبير(1) وإلى ابن المسيب(2) وغيرهما(3):

أن آية المتعة قد نسخت بآية الميراث، وقد تقدم عن علي (عليه السلام) وابن مسعود، وأبي هريرة مثل ذلك.

وقال الرازي: «لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما، لقوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) وبالاتفاق لا توارث بينهما»(4).

بل قال بعضهم: «لا يوجد في الكتاب ولا السنة المطهرة حكم ميراث امرأة

____________

(1) فتح القدير ج1 ص449، والغدير ج6 عنه، والتسهيل ج1 ص 137، ذكره بلفظ قيل.

(2) الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 130 والاستذكار ج 16 ص 298، والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 390.

(3) راجع: الاعتصام بحبل الله المتين ج 3 ص 202، والمصادر المتقدمة تحت عنوان: بعض من نسب إليهم النسخ بالآيات، وراجع: التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 137. وعن علي عليه السلام في سنن الدارقطني ج1 ص260 والسنن الكبرى ج7 ص207 و عن الاعتبار للحازمي ص428 والمصنف للصنعاني ج7 ص505 وعن أبي هريرة في نيل الأوطار 3/6/138.

(4) التفسير الكبير ج 10 ص 5. وتحريم المتعة في الكتاب والسنة ص137.


الصفحة 227
المتعة. بل لا يوجد حكم واحد لهذه المرأة المسماة امرأة المتعة»(1).

ونقول:

أولاً:

إن آية الميراث قد نزلت قبل آية المتعة، فكيف تكون ناسخة لها؟. وقد تقدم ذلك.

ثانياً:

إن مسألة عدم التوارث ليست إجماعية عند الإمامية، فإن بعضهم قد ذهب إلى ثبوت الإرث إلا مع اشتراط عدمه(2).

ثالثاً:

قد اشتبه الأمر عليهم بين النسخ وبين التخصيص، فالآية ليست ناسخة لحكم المتعة، وإنما هي مخصصة بآية المتعة لأن آية الإرث وهي قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) عامة للأزواج جميعاً من دائم أو منقطع. وقد خصصت بالدليل الدال على عدم إرث المتمتع بها. والدليل هو الروايات المعتبرة الدالة على ذلك.

____________

(1) تحريم المتعة في الكتاب والسنة ص 137.

(2) السرائر: ج 2 ص 624 والانتصار للسيد المرتضى: ص 114.


الصفحة 228

وقد اعترض بعضهم:

بأن الدليل الخاص المزعوم ليس هو قول الله ورسوله.

والجواب:

أن الدليل المخصص هو نفس تشريع المتعة في زمن الرسول، وعدم تشريع الإرث للمتمتع بها آنئذٍ، سواء نسخت المتعة بعد ذلك أم لم تنسخ.

والحديث الذي ذكره هو نفسه عن علي (عليه السلام) يدل على ذلك أيضاً، حيث قال: فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت، فراجع..

فإن ذلك يدل على أنه ليس في المتعة التي كانت مشرعة ميراث ولا عدة الخ..

وإن كنا نعتقد عدم صحة هذا الحديث من أساسه، خصوصاً وأنه ذكر أن لا عدة في المتعة.

رابعاً:

إن عدم الإرث لا ينافي الزوجية، والزوجية لا تستلزم الإرث، لكن دل الدليل على وجود إرث بين الزوجين، ولكن إذا تزوجت الأمة غير مالكها، فإن هذا الزواج لا يوجب توارثاً بينها وبين زوجها، وهذا تخصيص آخر لآية إرث الزوجة..

كما أن الكافرة الذمية لا ترث زوجها المسلم عندهم، مع


الصفحة 229
أنهم يفتون بصحة تزويج الكتابية زواجاً دائماً مع عدم التوارث بينهما، فخصصوا عمومات الإرث هنا، فلماذا لا يخصصونها هناك.

والقاتلة أيضاً لا ترث زوجها المقتول.. ولا العكس مع ثبوت سائر الأحكام مثل العدة، وغير ذلك.

وكذا الحال في الزوجة المعقود عليها في المرض الذي توفي فيه الزوج ولم يدخل بها.

وقال ابن شهر أشوب: «إن فقد الميراث ليس علامة لفقد الزوجية، لأن الزوجة الذمية، والأمة والقاتلة، لا يرثن، وهن زوجات»(1).

وقد اعترض بعضهم:

بأن عدم إرث القاتلة خصصته السنة النبوية المطهرة، وقد قال أهل السنة: إن المتعة نسخت من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) كما ثبت بالدليل القاطع..

فشتان ما بين تخصيصهم من قبل رسول الله، وتخصيص الشيعة من قبل أئمتهم. وعقد الزواج يقتضي الميراث فحرمانها

____________

(1) متشابه القرآن ومختلفه ص 189 والانتصار للمرتضى ص 114 وكنز العرفان وجواهر الكلام ج 30 ص 149.


الصفحة 230
منه دليل عدم الزوجية.

واعترض أيضاً بأن عدم إرث الكافرة والقاتلة والمملوكة إنما هو لوجود المانع وهو الكفر والقتل والرقية فالمانع طارىء قابل للزوال(1).

ونقول في الجواب:

أ: إن التمتع أيضاً مانع طارىء فيمكن استبداله بالدائم. فهو كالرقية ونحوها مما زعم هذا القائل أنه مانع طارىء.

ب: إن هذا القائل يريد إثبات نسخ تشريع المتعة من جهة أن المتمتع بها لا ترث، وعدم إرثها هو بسبب نسخ تشريع المتعة. فلزم الدور.

ج: قول أهل السنة إن المتعة نسخت ليس دليلاً على من لا يقول بالنسخ.

د: دعوى وجود دليل قاطع على النسخ هو محل النزاع، فإننا نقول: إن ما استدلوا به ضعيف. بل هو في غاية الضعف، لأنها أخبار آحاد، متناقضة لا يمكن التعويل عليها..

____________

(1) تحريم المتعة ص 137 ـ 139.


الصفحة 231
هـ: إن تخصيص أهل السنة إنما يصح إسناده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو ثبت هذا التخصيص بالدليل القاطع. وليس الأمر كذلك..

و: إن أئمتنا أتقياء أبرار، لا يقولون على الله ما لم يقله، بل هم يأخذون علومهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). ويعترف بتقواهم وإخلاصهم أئمة الجرح والتعديل الذين يرجع إليهم هذا الرجل نفسه، فلا داعي للغمز واللمز والتجريح والتذاكي في هذا المجال..

ز: قد قلنا أكثر من مرة: إن العقد الذي يقتضي الميراث هو العقد الدائم، لا عقد المتعة.

خامساً:

قد قرر المفيد (ره) أن الزوجة لم يجب لها الميراث، ويقع بها الطلاق لمجرد كونها زوجة، وإنما حصل لها ذلك بصفة تزيد على الزوجية، بدليل أنها إذا كانت أمة لم ترث، وإن كانت الزوجية ثابتة، وكذا القاتلة والذمية، كما أن الملاعنة تبين بغير طلاق، ولذا الأمة المبينة والمختلعة، والمرتد عنها زوجها، والمرضعة قبل الفطام بما يوجب التحريم من لبن


الصفحة 232
الأم. مع أن كل هؤلاء زوجات على الحقيقة(1).

وقد اعترض البعض:

بأن القاتلة لو اعتدى عليها شخص فماتت قبل موت زوجها، فإن زوجها يرثها ولا ترثه هي. والمتمتع بها ليست كذلك فإنها لو ماتت قبل زوجها لم يرثها أيضاً.

والجواب:

أ: إن إرث الزوج للقاتلة قد جاء على وفق القاعدة. فإن القاتلة هي التي لا ترث زوجها. أما زوجها فإنه يرثها.

ب: إن عدم إرث المتمتع بها قد جاء أيضاً وفق القاعدة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي قرر ذلك حين شرع هذا الزواج فنحن نأخذ بما شرع وقرر.. وتشريعه هذا يثبت أن الإرث ليس من لوازم مطلق الزوجية، بل هو من لوازم الزوجية في خصوص النكاح الدائم حسبما ذكرناه أكثر من مرة..

سادساً:

إن القائلين بأن الزوجية يلزمها الإرث، ولا إرث في المتعة هم أنفسهم يقولون: «بأن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) لا يرثن». ويستدلون على ذلك بحديث لهم: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». فكما دل الدليل الخاص على عدم

____________

(1) زواج المتعة حلال ص 121 و 122.


الصفحة 233
إرث جميع من تقدم، فليكن الدليل الخاص دالاً على عدم إرث المتمتع بها..

سابعاً:

ومن جهة أخرى فقد ترث المرأة مع كونها ليست بزوجة، كما لو طلقها في المرض، ومات مباشرة، فإنها ترثه مع أنها ليست زوجة. وذلك يدل على أن مطلق الزوجية لا توجب توارثاً..

إن قلت: إن هؤلاء قد منعن عن الميراث لدليل خاص.

قلنا: في المتعة أيضاً قد نفي الإرث بدليل خاص.

ثامناً:

قول بعضهم أين الدليل من الكتاب والسنة على أن امرأة المتعة زوجة، وأنها ترث(1).

يجاب عنه:

بأن نفس تشريع المتعة في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثبت أنها زوجة وإلا كان (صلى الله عليه وآله) قد شرع السفاح والزنا.

كما أننا نسأل:

هل كانت امرأة المتعة ترث في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم لا؟. فإن كانت ترث أو لا ترث

____________

(1) تحريم المتعة ص 137.


الصفحة 234
فليقبل هذا البعض بهذا الزواج وليورث الزوجة أو لا يورثها تماماً كما كان الحال في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله).

على أن جابراً وغيره كما سيأتي في فصل: «النصوص والآثار عند أهل السنة» يصرح بأنهم كانوا يتزوجون متعة، وأن زوجة المتعة لا ترث.. ولا ريب في أنهم قد أخذوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

تاسعاً:

قول بعضهم: «بل لا يوجد حكم واحد لهذه المرأة المسماة امرأة المتعة»(1).

غير صحيح فراجع تمهيد الكتاب لتطلع على الجوامع والفوارق في الأحكام بين الزواج الدائم وزواج المتعة..

ولو سلم أنه ليس له أحكام فالإشكال إنما يرد على الشارع الحكيم حين شرع هذا الزواج في صدر الإسلام.

3 ـ النسخ بآية ثبوت الإحصان:

وقد رووا عن ابن عباس نزول آية المتعة في الزواج

____________

(1) المصدر السابق.


الصفحة 235
المنقطع(1) وأنهم كانوا يقرأون الآية بإضافة كلمة: «إلى أجل» حتى نزلت: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله تعالى: (محصنين غير مسافحين) فتركت المتعة: إذا شاء طلق،وإذا شاء أمسك، ويتوارثان وليس لهما من الأمر شيء(2).

ونقول:

أ ـ إن الآية تريد أن تقول: إن المطلوب هو النكاح الشرعي في مقابل السفاح والزنا، والمتعة نكاح شّرعه الله تعالى. ومن الثابت أن ابن عباس كان يذهب إلى حلية المتعة مما يدل على عدم اهتمامه بهذه الرواية لو صح نقلها عنه.

ب ـ وبالنسبة لنسخ المتعة بالإحصان فإننا قد تحدثنا عن أن المتعة توجب إحصاناً.. بمعنى التعفف، وهو المقصود بالآية الشريفة.. بل لقد أفتى البعض بأنها توجب الإحصان الذي يستتبع الرجم حسبما فصلناه فيما سبق.

____________

(1) تقدمت مصادر هذا القول في فصل: قطعية تشريع زواج المتعة، تحت عنوان: آية المتعة في الكتاب العزيز.

(2) راجع: عون المعبود ج 6 ص هامش ص 83 والمنتقى ج 2 هامش ص 521 وراجع الدر المنثور ج 2 ص 140.


الصفحة 236
ج ـ إن قوله محصنين غير مسافحين قد جاء مقترناً بقوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن)، فما معنى أن تقول الرواية حتى نزلت: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (محصنين غير مسافحين) فتركت المتعة؟!!

د ـ إن الإحصان في الزواج الدائم لا ينافي جواز المتعة، فلماذا يوجب تركها..

4 ـ حرمت عليكم أمهاتكم:

وأما آية: (حرمت عليكم أمهاتكم..) فلا تصلح للنسخ أيضاً لأنها تنص على المحرمات في الدائم والمنقطع. ومن المعلوم: أن الزواج المنقطع بالمحرمات لم يكن جائزاً في أي وقت.

5 ـ وأما آية الطلاق:

فهي أيضاً لا يمكن أن تكون ناسخة لآية المتعة، وذلك لما يلي:

أ ـ لقد قلنا: إنها أيضاً قد نزلت قبل آية المتعة، فلا يمكن


الصفحة 237
أن تكون آية المتعة منسوخة بها.. بل لا بد من التزام تخصيصها بآية المتعة.. أو على قاعدة المستدلّين لا بد من نسخ آية المتعة لها، وهو ما لايلتزمون به.

ب ـ إن المراد بآية الطلاق هو الزوجة التي تبين بالطلاق، وهي خصوص الزوجة الدائمة، لا مطلق الزوجة.. وليس في آية الطلاق تعرض لموارده، وأنه في أي مورد يكون، وفي أي مورد لا يكون. أي: أن المقصود بالآية هو: بيان الحكم في المورد الذي يصح فيه الطلاق، لا مطلقاً..

ج ـ إن الزوجية لا تلازم الطلاق؛ ولأجل ذلك نجد بعض الأديان لا تسمح بالطلاق أصلاً مع قبولها بثبوت الزوجية.

د ـ كما أن انفصام عقدة الزوجية لا ينحصر بالطلاق، بل هو كما يكون بالطلاق، كذلك يكون بغيره، ولو كان الطلاق من لوازم الزوجية التي لا تنفك عنها لم يصح ذلك إلا بالطلاق، مع أننا نرى: أن الملاعنة، والمختلعة(1)، وكذلك المرتدة، والمرتد زوجها، والأمة المبيعة، والأمة التي أعتقت ـ كما في قضية بريرة ـ، كل واحدة من هؤلاء تبين من زوجها بدون طلاق.

____________

(1) إن قلنا: إن الخلع ليس نوعاً من الطلاق..


الصفحة 238
كما أن الأمة المزوجة إذا اشتراها زوجها تبين بغير طلاق، وزوجة المجنون إذا فسخت عقدها، والزوجة التي ملكت زوجها المملوك(1).

وكذلك الحال بالنسبة للزوجة الصغيرة، التي ترضعها أم زوجها، فإنها تبين من زوجها أيضاً بغير طلاق.

ومثل ذلك الزوجة الصغيرة التي ترضعها الزوجة الكبيرة، فإنها تبين بغير طلاق أيضاً.

وكذلك الحال بالنسبة لفسخ النكاح، ولا سيما من قبل الزوجة بسبب ظهور بعض العيوب التي توجب ذلك.

فلماذا لا تكون آية الطلاق ناسخة لكل تلكم الأحكام؟‍ أو تكون تلك الأحكام ناسخة للطلاق!‍.

هـ ـ إنه إنما يحتاج إلى الطلاق في فرض ثبات الزوجية ودوامها، ومن الواضح أنه لا حاجة للطلاق في المتعة، لأن انتهاء المدة أو هبتها من قبل الزوج يغني عنه(2).

و ـ قول بعضهم: إنه لا يصح قياس الطلاق على التسري

____________

(1) ذكر بعض ذلك السيد المرتضى في الانتصار ص 114.

(2) راجع: الانتصار ص 115.


الصفحة 239
باطل لأن التسري ملك لا يحتاج إلى طلاق والزواج عقد فيحتاج للطلاق(1).

مجرد مغالطة، لأن الإشكال هو على قولهم: إن آية الطلاق نسخت المتعة حيث لا طلاق في المتعة مما يعني: أن كل ما لا طلاق فيه فهو زنا..

فأجاب عنه: بأنه ليس كل مورد لا طلاق فيه يكون زنا لوجود موارد قد شرعها الله ويتم الفراق فيها بغير الطلاق ولا تكون زنا.. مثل موارد فسخ العقد.

وموارد الملاعنة وموارد التسري فإن الفراق في هذه الموارد يتم بغير الطلاق.. فلا معنى لقولهم: إن كل ما لا طلاق فيه فهو زنا.

فإن قصدوا خصوص ما فيه عقد لم يصح وإن عمموه إلى كل نكاح ـ حتى التسري ـ فهو لا يصح أيضاً.. فهي إجابة عامة وشاملة لجميع الاحتمالات، مع علم المجيب بأن هذا عقد، وذاك ملك.

ز ـ وزعم بعضهم أنه لا دليل من الكتاب والسنة على أن

____________

(1) راجع: تحريم المتعة ص144.


الصفحة 240
انقضاء الأجل في المتعة، أو هبة المدة الباقية أيضاً سبب للفراق؟!

كما أن الطلاق أمر وجودي شرعه الله في كتابه. أما انتهاء أجل المتعة أو هبة المدة فهو أمر عدمي.

كما أن الطلاق فك عصمة قابلة للامتداد، أي أن هناك رجعة. وهبة المدة في المتعة ليست كذلك(1).

والجواب:

1 ـ إن الله قد شرع زواج المتعة في صدر الإسلام دون شك. والخلاف إنما هو في نسخه فهل شرعه لهم مع طلاق أو بدون طلاق. فالقائل بعدم النسخ يقول: أنا راض بهذا الزواج على النحو الذي شرعه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) في صدر الإسلام.

2 ـ في أي آية أو رواية جاء هذا التحديد وذاك التفريق بين الأمر العدمي والوجودي؟!.

3 ـ ان هبة المدة الباقية أمر وجودي، وليس بعدمي كما زعم..

____________

(1) راجع: تحريم المتعة ص144.


الصفحة 241
4 ـ قوله: إن الطلاق فك عصمة قابلة للامتداد، أي أن هناك رجعة يرد عليه: أن هذا إنما هو في غير الطلاق الثالث. أو فقل: في غير قوله: «أنت طالق ثلاثاً» حسب رأي هذا الزاعم، وحتى في الطلاق الرجعي حيث لا رجعة بعد العدة.

5 ـ إن الملاعنة والمختلعة ليس فيها رجعة.

وثمة ايراد آخر، وهو:

إنه قد زعم بعضهم: أنه لا يصح قياس فسخ النكاح على الطلاق لوجود فروق بينهما. فالطلاق إنهاء للعقد، أما الفسخ فهو نقض لأصل العقد فالطلاق لا يكون إلا بناء على عقد صحيح لازم فليس فيه ما يتنافى مع نفس العقد، أو يكون سبباً لعدم لزومه.

وانتهاء مدة المتعة أو هبتها لا تنافي نفس العقد. فلا يصح قياسها على الفسخ(1).

ونقول:

1 ـ إن هؤلاء قد ادعوا أن آية الطلاق ناسخة للمتعة لعدم

____________

(1) راجع المصدر السابق ص145 و146 بتصرف وتلخيص.


الصفحة 242
وجود طلاق فيها. فصح الاعتراض عليهم بأنه لو صح ذلك لصح القول بأن آية الطلاق تنسخ جواز فسخ العقد وتنسخ اللعان وغير ذلك. لأن الفراق فيهما ليس بالطلاق، سواء أكان ذلك إنهاء للعقد، أم كان نقضاً له من أصله..

2 ـ إن الفسخ هو إنهاء للعقد كالطلاق..

والقول بأن الفسخ إنما يكون حيث يكون ثمة ما يقتضي عدم لزوم العقد، صحيح، لكن ذلك إنما هو بيان لمورد الفسخ الذي ليس هو مورد الطلاق جزماً..

والإشكال إنما هو في: أنه إذا كان لمورد الفسخ خصوصية تختلف عن مورد الطلاق، فكذلك الحال بالنسبة للمتعة، فإن لها خصوصية تختلف عن مورد الطلاق أيضاً.. وهي أن الأجل داخل في طبيعة هذا العقد بحيث حدد دائرته في زمان معين.

هبة المدة والطلاق:

وأما الدليل على أن هبة المدة توجب انتهاء مدة المتعة.. فهو أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) التي هي أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله).. ولا يمكن لأحد أن يطعن في طهرهم ووثاقتهم أبداً.


الصفحة 243

6 ـ النسخ بآية العدة:

وقد ادعوا: أن المتعة منسوخة بالعدة(1) وروي ذلك عن ابن عباس(2) وغيره كما تقدّم.

والكلام في هذه الدعوى أغرب، وأعجب، فمن الذي قال: إن المتمتع بها لا عدة لها؟‍‍! فإن ثبوت العدة مما لا ريب فيه عند كل من قال بمشروعية هذا الزواج من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا بل إن ثبوت العدة من الضروريات.

وأما ما نقله صاحب تفسير المنار عن بعض المفسرين من أنه لا عدة على المتمتع بها عند الشيعة فهو محض افتراء واضح، وكذب فاضح على الشيعة، وهو من أجلى مصاديق البهتان عليهم، فإن ذلك لم يـرد على لسان أي إنسان منهم على مدى التاريخ ولو بصورة الاحتمال..

هذا وقد كان السؤال عن مقدار العدّة شائعاً في زمن

____________

(1) راجع: الاعتصام بحبل الله المتين ج 3 ص 202.

(2) الاستذكار ج 16 ص 299، ولباب التأويل ج 1 ص 343 وعن علي في سنن الدارقطني ج1 ص 260 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص 207 والاعتبار للحازمي ص 428 والمصنف للصنعاني ج7 ص 505.


الصفحة 244
الصحابة أنفسهم؟‍.

فكان الناس يسألونهم عن مقدارها ويجيبونهم، ويسألون فيجابون.. فراجع مصنّف عبد الرزاق، والدر المنثور، وغيرهما من كتب الحديث، والجوامع الفقهية والروائية.. وراجع أيضاً ما سيأتي في فصل النصوص والآثار في مصادر أهل السنة، الروايات رقم2 و8 و93.

وبعد.. فهل يعقل أن الصحابة في عهد الرسول وبعده، وكذلك التابعون كانوا يتزوجون النساء متعة، ثم لا تعتد تلكم النساء بعد انقضاء الأجل؟‍‍!.

أوليست المتمتع بها زوجة شرعية، فتثبت لها أحكام الزوجية، إلا ما أخرجه الدليل؟! ولقد أخرج الدليل النفقة والتوارث ـ على المشهور ـ ولم يخرج العّدة، فتثبت في المنقطع كالدائم؟‍!.

وأيضاً فإن آية العدة مطلقة وعامة للدائمة والمنقطعة ثم جاءت الروايات فخصصتها وأخرجت المنقطعة منها.

وقد يقال: إن عدة المتمتع بها أقل من عدة المطلقة، وذلك يقتضي الالتزام بالنسخ، فتكون آية العدة ناسخة لآية المتعة..


الصفحة 245
وجواب ذلك: أنه ليس ثمة ما يدل على لزوم أن تكون عدد النساء على نحو واحد، فإن عدة المتوفى عنها زوجها، وعدة المتمتعة، وعدة المطلقة تختلف كل واحدة منها عن الآخرى، وكذلك الحال في عدة الأمة.

قال السيد المرتضى عن موقف أهل السنة من آية العدة: «فهم يخصون الآية التي تلوها في عدة المتوفى عنها زوجها لأن الأمة عندهم زوجة وعدتها شهران وخمسة أيام، وإذا جاز تخصيص ذلك بالدليل، خصصنا المتمتع بها بمثله..»(1).

القرآن لم يشرع المتعة لتنسخ بآية العدة:

وقد حاول البعض أن يتخلص من الإشكالات على مقولة النسخ بآية العدة، فادعى:

أن القرآن لم يشرع نكاح المتعة، ليقال: إنه منسوخ بآية العدة، لأن العدة إنما هي عند الطلاق والوفاة لا عند انتهاء مدة المتعة.

فإن قيل: إن المتعة أيضاً لها عدة لكنها نصف عدة

____________

(1) الانتصار ص 114.


الصفحة 246
الدائم..

أجابوا:

أولاً:

بأن القائلين بالمتعة هم الذين قالوا بتنصيف العدة، وذلك من دون دليل، لا من الكتاب ولا من السنة.

ثانياً:

قد تضاربت آراء القائلين بالمتعة حول عدتها. فقيل شهر ونصف إن كانت لا تحيض، وإن كانت تحيض فهي حيضة واحدة. وفي نص آخر حيضة ونصف، أو حيضتان. وعدة الوفاة خمس وستون يوماً أو أربعة أشهر وعشراً..(1) الخ..

ونقول:

أولاً:

إنه لا شك في أن المتعة قد شرعت في أول الإسلام، فهل شرعت بعدة أو من دون عدة. فإن كانت لها عدة، فنحن نسأله عن مقدارها.

ثانياً:

إن النسخ بآية العدة لا يتوقف على كون التشريع بالقرآن أيضاً، إذ يمكن أن يشرع على لسان الرسول، ثم ينسخ بالآية..

____________

(1) راجع: تحريم المتعة ص 141 ـ 143.


الصفحة 247

ثالثاً:

إن العدة التي هي عند الطلاق والوفاة هي عدة النكاح الدائم ولم يذكر في القرآن عدة نكاح المتعة، وقد بينتها السنة.

رابعاً:

إن هذا البعض نفسه قد ذكر في صفحة سابقة حديثين يدلان على النسخ بآية العدة والطلاق والميراث(1)، وغير ذلك فما معنى إنكاره للقول بالنسخ.

خامساً:

قوله: إن القائلين بالمتعة هم الذين قالوا بالتنصيف من دون دليل من الكتاب والسنة، لا يصح أيضاً؛ لأن رواياتهم عن أهل البيت متصلة برسول الله (صلى الله عليه وآله) لوجود نصوص دلت على أنهم ينقلون كل شيء عن آبائهم عنه (صلوات الله عليهم أجمعين).

سادساً:

الاختلاف في مقدار العدة لا يدل على عدم وجود العدة، وإلا للزم نفي كثير من الأحكام الثابتة، بسبب اختلاف الروايات حول بعض التفاصيل فيها وهذا باطل.

____________

(1) راجع: تحريم المتعة ص140 وأشار في هامشه إلى مصادر الروايات التي ذكرها، وهي: سنن الدارقطني ج1 ص260 والسنن الكبرى ج7 ص207 والاعتبار للحازمي ص428 والمصنف لعبد الرزاق ج7 ص505 عن علي، ونيل الأوطار ج3/6/38 عن الدارقطني عن أبي هريرة بسند حسن.


الصفحة 248

7 ـ آية النكاح نسخت المتعة:

قد ذكر الحديث المروي عن علي (عليه السلام): «أن المتعة قد نسخت حين أنزل النكاح والطلاق إلخ..».

ونقول:

1 ـ إن هذا الحديث قد ضعّفه ابن القطان في كتابه(1) واستغربه غيره(2).

2 ـ إن النكاح لم يزل حلالاً منذ بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله) نبياً، وقبل تشريع زواج المتعة.. ومقتضى الحديث عن أن المتعة نسخت حين أنزل النكاح والطلاق: أن المتعة قد شرعت قبل الزواج الدائم.

وسيأتي المزيد من الكلام حول ذلك الحديث إن شاء الله.

وقد روي نظير هذا الحديث عن عمر بن الخطاب، ولعله به أولى وأشبه. لأنه هو المصر على تحريم هذا الزواج كما سيتضح بحوله وقوته تعالى.

____________

(1) التعليق المغني على الدارقطني ج 3 ص 259 عن الزيلعي.

(2) راجع: المصدر السابق.


الصفحة 249

8 ـ نسخ آية العدد:

واستدلوا على أن آية المتعة منسوخة بقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)(1) إذ يجوز في المتعة أن يتزوج بأي عدد شاء من النساء، فجاءت الآية السابقة لتنسخ ذلك أو تحدد العدد بالأربع.

ونقول في الجواب:

أولاً:

إن آية العدد السابقة تشمل الدائمة والمنقطعة والمنكوحة بملك اليمين فجاءت الروايات فأخرجت زواج المتعة عنها، وكذا ملك اليمين على سبيل التخصيص لا النسخ.

ثانياً:

أ ـ ستأتي رواية عمران بن حصين التي تقول: إن آية المتعة نزلت في كتاب الله، ولم تنزل آية تنسخها، قال رجل برأيه ما شاء.

ب ـ ستأتي رواية عبد الله بن مسعود حول حلية زواج المتعة، وقال في آخرها: «ثم قرأ عبد الله: يا أيها الذين أمنوا لا

____________

(1) سورة النساء، الآية 3


الصفحة 250
تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».

فإن قراءته لهذه الآية دليل على أنه يذهب إلى أن آية المتعة لم تنسخ لا بآية العدد ولا بغيرها.

ج ـ سيأتي أن ابن عباس وكذلك الحكم بن عتيبة قد صرحا بأن آية المتعة لم تنسخ.

د ـ ستأتي إن شاء الله روايات كثيرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعن ابن مسعود، وعمران بن الحصين وغيرهم كثير، تدل على عدم نسخ هذا الزواج.

9 ـ بين آية تحريم الزنا، وآية المتعة:

إن الفرق بين المتعة والزنا، كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، وقد تحدثنا عن ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب.. غير أننا في الرد على من زعم أن آية الزنا قد حرمت المتعة لأن المتعة من الزنا ـ نقتصر هنا على ما يلي:

1 ـ إن من يقول: إن المتعة زنا وسفاح، لا بد أن يلتزم بأن آية المتعة المدنية ناسخة لآيات تحريم الزنا المكية، ولبعض


الصفحة 251
المدنية وهي النازلة قبل آية المتعة!!.

2 ـ بل اللازم على قول من يقول بتحليل المتعة ونسخها مرات عدة، أن تكون آيات تحريم الزنا قد نسخت، ثم أحكمت عدّة مّرات!!.. ولم يقل أحد بأن آيات تحريم الزنا قد طرأ عليها نسخ، أو يمكن أن يطرأ عليها نسخ أصلاً.

ومن هنا نعرف أيضاً:

أن الالتزام بأن المتعة زنا قد أبيح للضرورة لا مبرر له أصلاً، بل هو قبيح جداً..

3 ـ بل إن نفس الآية التي شرعت المتعة تدل على أن المتعة ليست زنا، وذلك لاقتران جملة: (فما استمتعتم به منهن) بجملة: (محصنين غير مسافحين) وذلك يدل أيضاً: على أن المتعة، تحقق الزوجية، والنكاح، لا السفاح، حسبما قدمناه..

التدرّج في تحريم الزنا:

وما تقدم يوضّح لنا: أن ما ذكره صاحب المنار، من: «أن تشريع المتعة هو من قبيل التدرج في تحريم الزنا كالتدرج في


الصفحة 252
تحريم الخمر(1)»!!.

لا يصح، لأن آيات التحريم القاطع للزنا، قد نزلت في مكة، قبل الهجرة، وفي المدينة قبل تشريع المتعة، كما قلنا..

كما أننا قد أثبتنا في موضع آخر: أنه لم يكن ثمة تدرّج في تحريم الخمر، فراجع(2).

لا آية تبيح المتعة لكي تنسخ:

وبعدما تقدم يتضح: أن لا صحة لما يدعيه البعض من أن لا أحد غير الشيعة، يقول: بأن آية: (فما استمتعتم به منهن..) قد نزلت في نكاح المتعة. وقد أجمعت الأمة على تحريم المتعة ولم يقل أحد إن قول الله تعالى: (فما استمتعتم به منهن..) قد نسخ!!(3).

فما ذكرناه في هذا الفصلين يؤكد كثرة القائلين بنزول الآية في زواج المتعة.. ووجود كثيرين يقولون بنسخها بالإجماع، وبالآيات.

____________

(1) تفسير المنار ج 5 ص 13 و 14.

(2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج 5 ص 300 (3) الوشيعة ص 166.