×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عدالة الصحابة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب عدالة الصحابة للشيخ محمد سند (ص ١ - ص ٢٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّـد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

وبعـد:

فالكلام يقع في عدّة مفردات، منها: مؤدّى العدالة المقصودة، ومنها: دائرة الصحابة المتّصفين بذلك، ومنها: ثمرة القول بذلك، وهي: حجّـيّة أقوالهم وأفعالهم، ووجوب الاعتقاد بفضيلتهم وموالاتهم.

فإنّ تحرير المقصود من كلّ مفردة أمر بالغ الأهمّية ; كي يتّضح أنّ الأدلّة المعتمدة لكلّ قول هل هي مثبتة له ; أم إنّ هناك تباين بين الدليل والمدّعى؟

فمثلا يقع الترديد في المراد من العدالة التي تسند ويوصف بها الصحابة أو بعضهم، فإنّها تستعمل بمعنىً يمانع إمكان صدور الخطأ أو

٢
المعصية منه، ولا شكّ أنّ هذا المعنى يساوق العصمة!

وكذلك يقع الترديد في المراد من الصحابة، هل هم الّذين اتّفقوا على بيعة أبي بكر، وكان هواهم ورأيهم على ذلك ; أم إنّه يشمل من خالف بيعته ولم يبايعه إلى نهاية المطاف؟

فهل دائرة البحث هي في الصحابة والصحبة؟! أم هي في شرعية بيعة السقيفة؟!!

وكذا الترديد في معنى الحجّية لقول الصحابي وفعله، هل هي بمعنى حجّية قوله كراو من الرواة وأخبار الآحاد، وكذا فعله من جهة كونه أحد المتشرّعة، الكاشف فعله عن الحكم المتلقّى من الشارع، فلا موضوعية لقوله وفعله في نفسه؟..

أم إنّ حجّية قوله وفعله من باب حجّية اجتهاده، ورأيه كمجتهد قد يصيب وقد يخطئ؟!

وإنّه هل يحدّد اجتهاده بموازين الاجتهاد، أم لا ينضبط رأيه بقيود الأدلّة والموازين؟!

أم إنّ حجّية قوله وفعله ـ ولو لبعض الصحابة ـ هي من باب التفويض له في حقّ التشريع، وإنّه مشرّع يخصّص إطلاق وعموم الكتاب والسُـنّة، وقد ينسخ السُـنّة ويحكم بكون ما يراه من حكم يؤخذ به بمنزلة السُـنّة النبويّة في ما لم يأت به الكتاب والسُـنّة، وعلى ذلك فلا تصدق على مخالفته ومباينته للكتاب والسُـنّة أنّها مخالفة، وأنّها ردّ لهما، بل هي نسخ أو تقييد وتخصيص لهما؟!

والمتصفّح لكلمات القوم يلوح له تراوحها بين هذه الاحتمالات،

٣
وتقلّبها بين هذه الوجوه، وإليك بعض الكلمات المتعلّقة بالبحث:

قال الشريف المرتضى في كتابه الذريعة إلى أُصول الشريعة عند ردّه للتصويب، وتخطئة الصحابة بعضهم لبعض، قال: " واعلم أنّنا أسقطنا بهذا الكلام الذي بيّـنّاه إلزام المخالفين لنا في خطأ الصحابة أن يكون موجباً للبراءة بذِكر الكبير والصغير الذي هو مذهبهم دون مذهبنا فكأنّنا قلنا لهم: ما ألزمتمونا إيّاه لا يلزمنا على مذاهبكم في أنّ الصغائر تقع محبطة من غير أن يستحقّ بها الذمّ وقطع الولاية، وإذا أردنا أن نجيب بما يستمرّ على أُصولنا ومذاهبنا، فلا يجوز أن نستعير ما ليس هو من أُصولنا.

والجواب الصحيح عن هذه المسألة أنّ الحقّ في واحد من هذه المسائل المذكورة، ومن كان عليه ومهتدياً إليه من جملة الصحابة كانوا أقلّ عدداً وأضعف قوّة وبطشاً ممّن كان على خلافه ممّا هو خطأ، وإنّما لم يُظهِر النكير عليهم والبراءة منهم تقية وخوفاً ونكولا وضعفاً.

فأمّا تعلّقهم بولاية بعضهم بعضاً مع المخالفة في المذهب، وأنّ ذلك يدلّ على التصويب، فليس على ما ظنّوه، وذلك أنّه لم يولّ أحد منهم والياً لا شـريحاً ولا زيـداً ولا غـيرهمـا إلاّ على أن يحكمـوا بكـتاب الله وسُـنّة نبـيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما أجمع عليه المسلمون، ولا يتجاوز الحقّ في الحوادث ولا يتعدّاه "(١).

قال ابـن السـبكي في جـمع الجـوامع: " الصحابي من اجتمع مؤمناً بمحمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يرو ولم يُطِل، بخلاف التابعي مع الصحابي، وقيل: يُشترطان، وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.... والأكثر على عدالة

١- الذريعة إلى أُصول الشريعة ٢ / ٧٦٧ ـ ٧٦٩.

٤
الصحابة، وقيل: كغيرهم، وقيل: إلى قتل عثمان، وقيل: إلاّ من قاتل عليّـاً "(١).

وشرح ابن المحلّى ـ المتن ـ القول الثاني: " فيبحث عن العدالة فيهم، في الرواية والشهادة، إلاّ مَن يكون ظاهر العدالة أو مقطوعها، كالشيخين ".

وشرح القول الثالث: " يبحث عن عدالتهم من حين قتله لوقوع الفتن بينهم من حينئذ وفيهم الممسك عن خوضها ".

وشرح القول الرابع: " فهم فسّاق ; لخروجهم على الإمام الحقّ، وردّ بأنّهم مجتهدون في قتالهم له فلا يأثمون وإن أخطأوا، بل يؤجرون كما سيأتي في العقائد ".

وقال ابن السبكي: " قول الصحابي على صحابي غير حجّة وفاقاً، وكذا على غيره، قال الشيخ الإمام: إلاّ في الحكم التعبّدي، وفي تقليده قولان لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدوّن، وقيل: حجّة في القياس، فإن اختلف صحابيّان فكدليلين، وقيل: دونه، وفي تخصيصه العموم قولان، وقيل: إن انتشر، وقيل: إن خالف القياس، وقيل: إن انضمّ إليه قياس تقريب، وقيل: قول الشيخين فقط، وقيل: الخلفاء الأربعة، وعن الشافعي إلاّ عليّـاً "(٢).

وقال في مسألة الاجتهاد في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " والأصحّ أنّ الاجتهاد جائز في عصره... وثالثها: بإذنه صريحاً، قيل: أو غير صريح، ورابعها:

١- حاشية العلاّمة البناني على شرح ابن المحلّى على متن جمع الجوامع ٢ / ١٦٧.

٢- حاشية العلاّمة البناني على شرح ابن المحلّى على متن جمع الجوامع ٢ / ٣٥٤.

٥
للبعيد، وخامسها: للولاة، وأنّه وقع... وثالثها(١): لم يقع للحاضر، ورابعها: الوقف "(٢).

وشرح ابن المحلّى ذلك: " وقيل: لا للقدرة على اليقين في الحكم بتلقّيه منه، واعترض بأنّه لو كان عنده وحي في ذلك لبلّغه للناس، وقد بنى ابن السبكي وغيره من علماء العامّة على جواز الاجتهاد في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)بمعنى إبداء الرأي وإن لم يرد نصّ من الكتاب والسُـنّة في القول المزبور على معتقدهم في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والنبوّة، فقد قدم ابن السبكي وغيره على ذلك بقوله: والصحيح جواز تجزّؤ الاجتهاد، وجواز الاجتهاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ووقوعه، وثالثها في الآراء والحروب فقط، والصواب أنّ اجتهاده (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يخطئ ".

وشرح ابن المحلّى ذلك: " لقوله تعالى: ( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض )(٣) ( عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم )(٤).. عوتب على استبقاء أسرى بدر بالفداء، وعلى الإذن لمن ظهر نفاقه في التخلّف عن غزوة تبوك، ولا يكون العتاب في ما صدر عن وحي، فيكون عن اجتهاد.

وقيل: يمتنع له، لقدرته على اليقين بالتلقّي من الوحي بأن ينتظره، والقادر على اليقين في الحكم لا يجوز له الاجتهاد جزماً.

١- هذا التعداد بلحاظ وقوع الاجتهاد، والتعداد السابق بلحاظ حكم الاجتهاد.

٢- حاشية العلاّمة البناني على شرح ابن المحلّى على متن جمع الجوامع ٢ / ٣٨٧.

٣- سورة الأنفال ٨: ٦٧.

٤- سورة التوبة ٩: ٤٣.

٦
وردّ بأنّ إنزال الوحي ليس في قدرته ".

وشرح أنّ اجتهاده (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخطئ " تنزيهاً لمنصب النبوّة عن الخطأ في الاجتهاد.

وقيل: قد يخطئ ولكن ينبّه عليه سريعاً ; لِما تقدّم في الآيتين ; ولبشاعة هذا القول عبّر المصنّف بالصواب ".

والمعروف لدى مفسّري العامّة ومحدّثيهم أنّ الوحي نزل في موارد بتخطئة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتصويب رأي عمر ـ والعياذ بالله تعالى! ـ منها ما جرى في أسرى بدر ـ.

وقد رووا في أحاديثهم أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمر.

ومرادهم من اجتهاده (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتماده على الظنّ والرأي ـ والعياذ بالله ـ.

وقال ابن السبكي: " ونعتقد أنّ خير الأُمّة بعد نبيّها محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم): أبو بكر خليفته، فعمر، فعثمان، فعليّ، أُمراء المؤمنين... ونمسك عمّا جرى بين الصحابة، ونرى الكلّ مأجورين "(١).

وشرحه ابن المحلّى: " ونمسك عمّا جرى بين الصحابة من المنازعات والمحاربات، التي قُتل بسببها كثير منهم، فتلك دماء طهّر الله منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسـنتنا، ونرى الكلّ مأجورين في ذلك ; لأنّه مبنيّ على الاجتهاد في مسألة ظنّية، فيها أجران على اجتهاده وإصابته، وللمخطئ أجر على اجتهاده ".

١- حاشية العلاّمة البناني على شرح ابن المحلّى على متن جمع الجوامع ٢ / ٤٢٢.

٧
وقال التفتازاني(١): " يجب تعظيم الصحابة والكفّ عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهره الطعن فيهم على محامل وتأويلات، سيّما للمهاجرين والأنصار وأهل بيعة الرضوان، ومن شهد بدراً وأُحداً والحديبية، فقال: انعقد على علوّ شأنهم الإجماع، وشهد بذلك الآيات الصراح، والأخبار الصحاح، وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب، ولقد أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعظيمهم وكفّ اللسان عن الطعن فيهم، حيث قال: أكرموا أصحابي فإنّهم خياركم...

وتوقّفُ عليّ (رضي الله عنه) في بيعة أبي بكر كان للحزن والكآبة، وعدم الفراغ للنظر والاجتهاد ; وعن نصرة عثمان بعدم رضاه، لا برضاه، ولهذا قال: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت عليه ; وتوقّف في قبول البيعة إعظاماً للحادثة، وإنكاراً، وعن قصاص القتلة لشوكتهم، أو لأنّهم عنده بغاة، والباغي لا يؤاخذ بما أتلف من الدم والمال عند البعض.

قد استقرّت آراء المحقّقين من علماء الدين على أنّ البحث عن أحوال الصحابة وما جرى بينهم من الموافقة والمخالفة ليس من العقائد الدينية، والقواعد الكلامية، وليس له نفع في الدين، بل ربّما يضرّ باليقين، إلاّ أنّهم ذكروا نبذاً من ذلك لأمرين:

أحدهما: صون الأذهان السليمة عن التدنّس بالعقائد الرديّة التي توقعها حكايات بعض الروافض ورواياتهم.

ثانيها: ابتناء بعض الأحكام الفقهية في باب البغاة عليها، إذ ليس في ذلك نصوص يرجع إليها ".

١- شرح المقاصد ـ للتفتازاني ـ ٥ / ٣٠٣.

٨
وقال في شرح المتن ـ من توقّف عليّ (عليه السلام) عن نصرة عثمان ـ: " وكذا طلحة والزبير ; إلاّ أنّ من حضر من وجوه المهاجرين والأنصار أقسموا عليه وناشدوه الله في حفظ بقيّة الأُمّة وصيانة دار الهجرة، إذ قتلة عثمان قصدوا الاستيلاء على المدينة، والفتك بأهلها، وكانوا جهلة لا سابقة لهم في الإسلام، ولا علم لهم بأمر الدين، ولا صحبة مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقبل البيعة ".

وقال: إنّ امتناع جماعة من الصحابة، كسعد بن أبي وقّاص، وسعيد ابن زيـد، وأُسـامة بن زيـد، وعبـد الله بن عمر، وغيـرهم، عـن نصـرة عليّ (رضي الله عنه) والخروج معه إلى الحروب لم يكن عن نزاع منهم في إمامتـه، ولا عن إباء عمّا وجب عليهم من طاعته ; بل لأنّه تركهم واختيارهم من غير إلزام على الخروج إلى الحروب، فاختاروا ذلك بناءً على أحاديث رووها...

وأمّا في حرب الجمل وحرب صفّين وحرب الخوارج، فالمصيب عليٌّ، لِما ثبت له من الإمامة وظهر من التفاوت، لا كلتا الطائفتين على ما هو رأي المصوّبة، ولا إحداهما من غير تعيين على ما هو رأي بعض المعتزلة، والمخالفون بغاة لخروجهم على الإمام الحقّ لشبهة ; لا فسقة أو كفرة على ما يزعم الشيعة جهلا بالفرق بين المخالفة والمحاربة بالتأويل وبدونه ; ولهذا نهى عليٌّ عن لعن أهل الشام وقال: إخواننا بغوا علينا. وقد صحّ رجوع أصحاب الجمل. على أنّ منّا من يقول: إنّ الحرب لم تقع عن عزيمة، وإنّ قصد عائشة لم يكن إلاّ إصلاح ذات البين ".

وقـال: " قـاتل عليّ (رضي الله عنه) ثـلاث فـرق من المسـلمين على ما قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك تقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين:

٩
فالناكثون: هم الّذين نكثوا العهد والبيعة، وخرجوا إلى البصرة، مقدّمهم طلحة والزبير، وقاتلوا عليّـاً (رضي الله عنه) بعسكر مقدّمهم عائشة في هودج على جمل، أخذ بخطامه كعب بن مسعود، فسمّي ذلك الحرب حرب الجمل.

والمارقون: هم الّذين نزعوا اليد عن طاعة عليّ (رضي الله عنه) بعدما بايعوه...

والقاسطون: معاوية وأتباعه الّذين اجتمعوا عليه، وعدلوا عن طريق الحقّ الذي هو بيعة عليّ (رضي الله عنه) والدخول تحت طاعته، ذهاباً إلى أنّه مالأ على قتل عثمان حيث ترك معاونته، وجعل قتلته خواصّه وبطانته...

والذي اتّفق عليه أهل الحقّ أنّ المصيب في جميع ذلك عليّ (رضي الله عنه)لِما ثبت من إمامته ببيعة أهل الحلّ والعقد، وظهر من تفاوت إمّا بينه وبين المخالفين، سيّما معاوية وأحزابه، وتكاثر من الأخبار في كون الحقّ معه، وما وقع عليه الاتّفاق ـ حتّى من الأعداء ـ إلى أنّه أفضل زمانه، وأنّه لا أحقّ بالإمامة منه.

والمخالفون بغاة ; لخروجهم على الإمام الحقّ بشبهة، هي تركه القصاص من قتلة عثمان، ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار: " تقتلك الفئة الباغية " وقد قتل يوم صفّين على يد أهل الشام، ولقول عليّ (رضي الله عنه): إخواننا بغوا علينا ; وليسوا كفّاراً ولا فسقة ولا ظلمة ; لِما لهم من التأويل.

وإنْ كان باطـلا، فـغايـة الأمـر أنّهـم أخطـأوا في الاجتـهـاد ; وذلـك لا يوجب التفسيق، فضلا عن التكفير ; ولهذا منع عليّ (رضي الله عنه) أصحابه من لعن أهل الشام، وقال: إخواننا بغوا علينا.

كيف؟! وقد صحّ ندم طلحة والزبير، وانصراف الزبير عن الحرب،

١٠
واشتهر ندم عائشة.

والمحقّون من أصحابنا على أنّ حرب الجمل كانت فلتة من غير قصد من الفريقين، بل كانت تهييجاً من قتلة عثمان، حيث صاروا فرقتين، واختلطوا بالعسكرين، وأقاموا الحرب خوفاً من القصاص ; وقصد عائشة لم يكن إلاّ إصلاح الطائفتين، وتسكين الفتنة، فوقعت في الحرب.

وما ذهب إليه الشيعة من أنّ محاربي عليّ كفرة، ومخالفوه فسقة، تمسّـكاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " حربك يا عليّ حربي "، وبأنّ الطاعة واجبة، وترك الواجب فسق، فمن اجتراءاتهم وجهالاتهم، حيث لم يفرّقوا بين ما يكون بتأويل واجتهاد، وبين ما لا يكون.

نعم، لو قلنا بكفر الخوارج بناء على تكفيرهم عليّـاً (رضي الله عنه) لم يبعد، لكنّه بحث آخر.

فإن قيل: لا كلام في أنّ عليّـاً أعلم وأفضل، وفي باب الاجتهاد أكمل.

لكن من أين لكم أنّ اجتهاده في هذه المسألة، وحكمه بعدم القصاص على الباغي، أو باشتراط زوال المنعة، صواب ; واجتهاد القائلين بالوجوب خطأ ; ليصحّ له مقاتلتهم؟!

وهل هذا إلاّ كما إذا خرج طائفة على الإمام، وطلبوا منه الاقتصاص ممّن قتل مسلماً بالمثقل؟!

قلنا: ليس قطعنا بخطئهم في الاجتهاد عائداً إلى حكم المسألة نفسه، بل إلى اعتقادهم أنّ عليّـاً (رضي الله عنه) يعرف القتلة بأعيانهم، ويقدر على الاقتصاص منهم... وبهذا يظهر فساد ما ذهب إليه عمرو بن عبيـدة وواصل بن عطاء، من أنّ المصيب إحدى الطائفتين ولا نعلمه على التعيين.

١١
وكذا ما ذهب إليه البعض، من أنّ كلتا الطائفين على الصواب بناءً على تصويب كلّ مجتهد ; وذلك لأنّ الخلاف إنّما هو فيما إذا كان كلّ منهما مجتهداً في الدين على الشرائط المذكورة في الاجتهاد، لا في كلّ من يتخيّل شبهة واهية، ويتأوّل تأويلا فاسداً.

ولهذا ذهب الأكثرون إلى أنّ أوّل من بغى في الإسلام معاوية ; لأنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة، بل ظلمة وعتاة ; لعدم الاعتداد بشبهتهم، ولأنّهم بعد كشف الشبهة أصرّوا إصراراً واستكبروا استكباراً "(١).

وقال: " فإن قيل: يزعمون أنّ الوقيعة في الصحابة بالطعن واللعن والتفسيق والتضليل بدعة وضلالة، وخروج عن مذهب الحقّ ; والصحابة أنفسهم كانوا يتقاتلون بالسنان، ويتقاولون باللسان بما يكره، وذلك وقيعة.

قلنا: مقاولتهم ومخاشنتهم في الكلام كانت محض نسبة إلى الخطأ، وتقرير على قلّة التأمّل، وقصد إلى الرجوع إلى الحقّ ; ومقاتلتهم كانت لارتفاع التباين، والعود إلى الأُلفة والاجتماع بعدما لم يكن طريق سواه.

وبالجملة: فلم يقصدوا إلاّ الخير والصلاح في الدين.

وأمّا اليوم، فلا معنىً لبسط اللسان فيهم الاّ التهاون بنقلة الدين، الباذلين أنفسهم وأموالهم في نصرته ".

ثمّ قال: " وأمّا بعدهم فقد جلّ المصاب، وعظم الواقع، واتسع الخرق على الراقع، الاّ أنّ السلف بالغوا في مجانبة طريق الضلال خوفاً من العاقبة، ونظراً للمآل.

يعني أنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على

١- شرح المقاصد ٥ / ٣٠٤ ـ ٣٠٩.

١٢
الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ; وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذّات والشهوات ; إذ ليس كلّ صحابي معصوماً، ولا كلّ من لقي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخير موسوماً.

إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، سيّما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشّرين بالثواب في دار القرار.

وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهدّ منه الجبال وتنشقّ الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومرّ الدهور، فلعنة الله على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.

فإن قيل: فمن علماء المذهب من لم يجوّز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنّه يستحقّ ما يربو على ذلك ويزيد.

قلنا: تحامياً عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى، كما هو شعار الروافض على ما يروى في أدعيتهم، ويجري في أنديتهم.

فرأى المعتنون بأمر الدين إلجام العوامّ بالكلّية طريقاً إلى الاقتصاد في

١٣
الاعتقاد، وبحيث لا تزلّ الأقدام عن السـواء، ولا تضلّ الأفهام بالأهواء ; وإلاّ فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق؟! وكيف لا يقع عليهما الاتّفاق؟!

وهذا هو السرّ في ما نقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال، وسدّ طريق لا يؤمَن أن يجرّ إلى الغواية في المآل، مع علمهم بحقيقة الحال وجليّة المقال ; وقد انكشف لنا ذلك حين اضطربت الأحوال، واشرأبّت الأهوال "(١).

تحليل مفاد هذه المقولة والمسألة

أقـول:

لقد أطلنا في نقل عيّنتين ممّا ذكره ابن السبكي في كتابه في أُصول الفقه، والتفتازاني في شرح المقاصد في علم الكلام ; لأنّهما نموذجان لكلمات أكثرهم في كتب أُصول الفقه وعلم الكلام والحديث، كالذي ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب فضائل الصحابة، أو ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري في تلك الأبواب، أو الإيجي والجرجاني في شرح المواقف، وما يذكروه في كتب الرجال والتراجم والتواريخ، وكتب التفسير.

وكلماتهم كما ترى تتراوح بين البحث في عدالة الصحابي، وبين

١- شرح المقاصد ٥ / ٣١٠ ـ ٣١١.

١٤
عصمتـه عن الخطأ والباطل والضلال، وإن كانت العصمة عند العامّة ـ في النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأنبياء ـ هي في حدود تبليغ الأحكام والدين، لا مطلقاً، فكذلك ما يثبتوه للصحابة!

كما إنّ البحث عن دائرة الصحابة تتراوح بين أقوال لديهم، من كون الصحابي كلّ من أدرك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن، أو حدّث عنه، أو نصره وآزره وبقي معه مدّة طويلة، أو الثلّة التي أعدّت لبيعة السقيفة، لا مطلق المهاجرين والأنصار، أو هم خصوص الثلاثة أو الأربعة من الخلفاء.

والظاهر أنّ محور الدائرة هم الثلاثة، وأمّا الدوائر الأوسع المحيطة فالحديث عنها يتبع الثلاثة، كي لا يتصاعد الحديث والطعن عليهم إلى الطعن على الثلاثة.

كما أنّ الغاية من البحث ـ أي المفردة الثالثة المقدّرة في هذا البحث ـ هي حجّية أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم وسُـنّتهم، فقد يتراءى أنّه من باب كاشفيّته عن قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن من تجويزهم لاجتهاد الصحابي في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو قبال النصّ القرآني أو النبوي بالتأوّل، أو أنّ قول أو فعل الصحابي يخصّص إطلاق الكتاب وإطلاق السُـنّة، أو أنّ للصحابي الاجتهاد إن لم يكن نصّ يقتضي أنّ حجّـيّته ليست من باب الرواية، بل من باب مَن له التشريع المفوّض له.

وأظهر ممّا تقدّم في ذلك، تعليلهم لحجّية سُـنّة خصوص الشيخين بالحديث الذي نسبوه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "(١)، ومـا ينسـبونه إليـه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: " خير أُمّتي أبو بكر، ثمّ عمر "

١- رواه الترمذي في المناقب، وابن ماجة في المقدّمة، وابن حنبل في مسنده.

١٥
و " ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدّم عليه عنده "(١).

وما ينسبونه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم): " لو كان بعدي نبيّ لكان عمر "..

فإنّ هذا النمط من الاستدلال يعطي تفويض التشريع لهما وإمامتهما في الدين ـ كما أسموا الثلاثة أئمّة الدين ـ لا لصحبتهما للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والرواية عنه كراوين، ولا كمجتهدين كبقية المجتهدين في الفتيا، بل كإمامين يسُـنّان ويشرّعان في الدين، ويحتذى بهما إلى يوم القيامة.

فحجّية قولهما وفعلهما وسيرتهما ـ على ذلك ـ ليس من باب حجّية الإخبار كما في الرواة، ولا من باب حجّية فتوى المفتي أو المجتهد غير الملزمة لبقية المجتهدين، بل اجتهادهما ـ على ذلك ـ كاجتهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ الذي قالوا بتجويزه على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ اللازم اتّباعه على كلّ الأُمّة، المجتهدين منهم والعوّام.

ولذلك يستدلّ علماء العامّة كما قال التفتازاني وغيره: " وأمّا السُـنّة فقوله (عليه السلام): اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " دخل في الخطاب عليّ (رضي الله عنه) فيكون مأموراً بالاقتداء، ولا يؤمر الأفضل ولا المساوي بالاقتداء، سيّما عند الشيعة "(٢).

مع أنّهم يختلفون في حجّية اجتهاد صحابي على صحابي آخر، ولذلك يعدّونهما وعثمان أئمّة في الدين، لا صحابة كبقية الصحابة.

وبعبارة أُخرى: إنّ حيثية وجهة الصحبة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غاية ما توجب

١- ويشهد لوضع هذه الأحاديث تأمير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عند وفاته لأُسامة بن زيد على الجيش الذي فيه أبو بكر وعمر، وغير ذلك من الوقائع.

٢- شرح المقاصد ٥ / ٢٩٢.

١٦
ـ على تقدير عدم الموانع المضادّة ـ: الشرف والفضيلة والرواية عنه، وكذلك البيعة والشورى ـ على ما يقرّر في قول العامّة ـ غاية ما توجب: تولّي الأمر وولاية الأُمور التنفيذية، لا التفويض في التشريع، ولا العصمة من الزلل والخطل، ولا صلاحية السنّ في الدين سُـنناً تخلد إلى يوم القيامة.

فهذا النمط من الدعوى في الشيخين، أو في الثلاثة، هو صياغة للإمامة بالنصّ، ولكون الإمامة عهد من الله ورسوله، فسـيتبيّن أنّ العامّة ملجَأون فطرياً، وباضطرار الحجّة المنطقية العقلية، إلى تنظير الإمامة المنصوصة، وإنّها عهد إلهي ونبويّ، غاية الأمر أنّهم يطبّقونه على الثلاثة، ومنضمّاً إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كإمام رابع، وبعضهم يضيف الحسن ابن عليّ (عليه السلام)، وبعضهم يوسّع الدائرة إلى روّاد العلماء في علم وعلوم الدين، وإنّ اجتهاداتهم لا تردّ!

بيان تردّد العامّة في معنى المسألة:

فالحكم بفضائل الصحابة وفضيلة الصحبة عنوان فضفاض عائم يتردّد بين أن تعطى الحجّية له كإمام منصوص عليه بالاتّباع له، وإنّ له تفويض التشريع فيما لا نصّ له، أو غير ذلك، أو الحجّية له كمجتهد يجوز عليه الخطأ، أو كحجّية راو بجانب الحظوة بشرف الصحبة، مع فرض الوفاء بعهدتها من دون تبديل ونكث.

قال ابن السبكي في جمع الجوامع وشارحه ابن المحلّى في مسألة الإجماع: وهو اتّفاق مجتهدو الأُمّة بعد وفاة محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر على

١٧
أيّ أمـر كان، فعُلم اختصاصه بالمجتهدين... وعدم انعقـاده في حيـاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ التابعي المجتهد معتبر معهم ـ فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر..

وإنّ إجماع كلّ من أهل المدينة النبوية، وأهل البيت النبوي، وهم: فاطمة وعليّ والحسن والحسين رضي الله عنهم، والخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم، والشيخين أبي بكر وعمر، وأهل الحرمين مكّة والمدينة... وهو الصحيح في الكلّ...

وقيل: إنّه في ما قبل الأخيرة من السـتّ حجّة..

أمّا في الأُولى: فلحديث الصحيحين: " إنّما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها "، والخطأُ خبثٌ، فيكون منفياً عن أهلها.

وأُجيب بصدوره منهم بلا شكّ، لانتفاء عصمتهم، فيحمل الحديث على أنّها في نفسها فاضلة مباركة.

وأمّا في الثانية: فلقوله تعالى: ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً )(١)، والخطأ رجس، فيكون منفياً عنهم، وهم من تقدّم، لِما روى الترمذي عن عمر بن أبي سلمة، أنّه لمّا نزلت هذه الآية لفّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم كساء، وقال: " هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، اللّهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً "(٢).

وروى مسلم عن عائشة، قالت: خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين

١- سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.

٢- سنن الترمذي

١٨
فأدخله معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً )(١).

وأُجيب: بمنع أنّ الخطأ رجس، والرجس قيل: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: كلّ مستقذَر ومستنكَر.

وأمّا في الثالثة: فلقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليكم بسُـنّتي وسُـنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ " رواه الترمذي وغيره، وصحّحه وقال: " الخلافة من بعده ثلاثون، ثمّ تكون مُلكاً " أي: تصـير.

أخرجه أبو حاتم وأحمد في المناقب، وكانت مدّة الأربعة هذه المدّة إلاّ ستّة أشهر مدّة الحسن بن عليّ، فقد حثّ على اتّباعهم، فينتفي عنهم الخطأ.

وأُجيب بمنع انتفائه.

وأمّا في الرابعة: فلقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، رواه الترمذي وغيره وحسّنه.

أمر بالاقتداء بهما، فينتفي عنهما الخطأ.

وأجيب بمنع انتفائه "(٢).

وعلّق البناني على قوله: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ": أخذ من هذا

١- صحيح مسلم ٢- حاشية العلاّمة البناني على شرح الجلال ـ لابن المحلّى ـ على متن جمع الجوامع ـ لابن السبكي ـ ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠.

١٩
علم الخلفاء في الحديث قبله، ففيه ما ليس في الذي قبله.

واستفيد منه أيضاً كون سيّدنا الحسن خليفة، لتكميله الستّة الأشهر الباقيـة من الثـلاثين، ومن ثمّ قالوا: إنّـه آخـر الخلفـاء الراشـدين بنـصّ جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولّي الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة، فأقام فيها ستّة أشهر وأيّاماً ثمّ خلع نفسه (رضي الله عنه) وسلّم الأمر لسيّدنا معاوية صوناً لدماء المسلمين، وذلك مصداق قول جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".

قال الشهاب: " وقضية اعتبار موافقة سيّدنا الحسن للأربعة "، وعلّق البناني على قوله: " الثالثة.. والرابعة ": وأُجيب بمنع انتفائه.

لقائل أن يقول: لو اقتصر في الاستدلال في الأُولى على قوله: " فقد حثّ على اتّباعهم " وذلك يستلزم أنّ قولهم حجّة، وإلاّ لم يصحّ اتّباعهم، وفي الثانية على قوله: " أمر بالاقتداء بهما " فدلّ على أنّ قوله حجّة، وإلاّ لم يصحّ الاقتداء بهما ; لتمّ الاستدلال ولم يلاقه هذا الجواب، فأيّ حاجة إلى اعتبار انتفاء الخطأ في الاستدلال حتّى توجّه هذا الجواب؟! "(١).

وعلّق الشربـيني على قول ابن المحلّى ـ الذي تقدّم التعليق السابق عليـه ـ: " أي: لأنّ الحـثّ على اتّباعهم لا يسـتلزم أنّ قولهم حجّة ; لأنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): عليكم بسُنّتي...، و: اقتدوا باللذين... إنّما يدلاّن على أهليّة الأربعة والاثنين لتقليد المقلِّد لهم، لا على حجّية قولهم على المجتهد..

ولأنّه لو كان قولهم حجّة لَما جاز الأخذ بقول كلّ صحابي خالفهم،

١- حاشية العلاّمة البناني على شرح ابن المحلّى على متن جمع الجوامع ٢ / ١٨٠ ـ ١٨١.

٢٠