المكتبة العقائدية » الإحتجاج (ج1) (لـ أحمد بن علي الطبرسي)



الصفحة 288

فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وفسق آخرون (1)، كأنهملم يسمعوا الله سبحانه وتعالى يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدونعلوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (2) " بلى والله لقد سمعوها ووعوها،ولكن حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها (3).

أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجةبوجود الناصر، وما أخذ الله على أولياء الأمر: أن لا يقروا على كظة ظالم، ولاسغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتمدنياكم عندي أهون من عفطة عنز.

قال: فقام إليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فقطع كلامه، فأقبلينظر إليه فرغ من قرائته، قال ابن عباس: قلت له: يا أمير المؤمنين لوأطردت مقالتك من حيث أفضيتها.

قال: يا بن عباس هيهات هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت.

قال ابن عباس: فما أسفت على شئ ولا تفجعت كتفجعي على ما فاتني منكلام أمير المؤمنين عليه السلام.

وأمثال هذه الأخبار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة، أوردنا طرفامنها للإيجاز والاختصار.

ومما يوضح ما أثبتناه ما روي عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله أنها قالت:

كنا عند رسول الله تسع نسوة، وكانت ليلتي ويومي من رسول الله صلى الله عليه وآلهفأتيت الباب فقلت أدخل يا رسول الله صلى عليه وآله؟ فقال: لا.

____________

(1) مروق السهم: خروجه من الرمية.

المراد بالناكثين للبيعة هم: طلحة والزبير بايعوا ثم نكثوا البيعة. والمارقين هم:

الخوارج والقاسطين أصحاب معاوية.

(2) القصص: 83

(3) الزبرج - بكسر الزاء والراء -: الزينة.


الصفحة 289

قالت: فكبوت كبوة شديدة، مخافة أن يكون ردني من سخط أو نزلفي شئ من السماء، ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثانية فقلت أدخل يا رسول الله صلى الله عليه وآلهفقال: لا. فكبوت كبوة أشد من الأولى.

ثم لم ألبث أن أتيت الباب ثالثة فقلت: أدخل يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقالادخلي يا أم سلمة، فدخلت وعلي جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبي وأمييا رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني فقال: آمرك بالصبر، ثم أعادعليه القول ثانية، فأمره بالصبر، ثم أعاد عليه القول ثالثة فأمره بالصبر، ثمأعاد عليه القول رابعة فقال له: يا علي يا أخي إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعهعلى عاتقك، واضرب به قدما حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم.

ثم التفت إلي وقال: ما هذه الكآبة يا أم سلمة، قلت: للذي كان من ردكإياي يا رسول الله، فقال لي والله ما رددتك إلا لشئ خبرت من الله ورسوله، لكنأتيتيني وجبرئيل يخبرني بالأحداث التي تكون من بعدي، وأمرني أن أوصيبذلك عليا، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبي طالب عليه السلام وزيريفي الدنيا، ووزيري في الآخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدي، هذا علي بن أبيطالب، وصيي، وخليفتي من بعدي، وقاضي عداتي، والذائد عن حوضي، اسمعيواشهدي، هذا علي بن أبي طالب، سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرالمحجلين، قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، قلت: يا رسول الله من الناكثونقال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون بالبصرة قلت: من القاسطون؟ قال: معاويةوأصحابه من أهل الشام قلت: من المارقون؟ قال: أصحاب نهروان.

وروي أن أمير المؤمنين (ع) قال في أثناء خطبة خطبها بعد فتح البصرة بأيام:

حاكيا عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله. يا علي إنك باق بعدي، ومبتلى بأمتيومخاصم بين يدي الله، فأعدد للخصومة جوابا، فقلت: بأبي وأمي أنت بين لي ماهذه الفتنة التي ابتلى بها؟ وعلى ما أجاهد بعدك؟ فقال: لي إنك ستقاتل بعدي


الصفحة 290

الناكثة، والقاسطة، والمارقة، وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، وتجاهد من أمتيكل من خالف القرآن وسنتي، ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدينإنما هو أمر الرب ونهيه، فقلت: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلح عند الخصومة يومالقيامة، فقال: نعم. إذا كان ذلك كذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفواالهدى على الهوى، وعطفوا القرآن على الرأي، فتأولوه برأيهم بتتبع الحجج منالقرآن لمشتهيات الأشياء الطارية عند الطمأنينة إلى الدنيا، فاعطف أنت الرأي علىالقرآن، وإذا قومك حرفوا الكلمة عند مواضعه عند الأهوال الساهية، والأمراءالطامحة، والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل الإفك المرديوالهوى المطغي، والشبهة الخالفة، فلا تنكلن عن فضل العاقبة، فإن العاقبة للمتقين.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت: " يا أيها النبي جاهد الكفاروالمنافقين الخ (1) " قال النبي صلى الله عليه وآله: لأجاهدن العمالقة، يعني الكفار والمنافقينفأتاه جبرئيل فقال: أنت أو علي عليه السلام.

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري: (2) قال: إني كنت لأدناهم من رسول

____________

(1) التوبة - 73.

(2) جابر بن عبد الله من أصحاب رسول الله " ص " شهد بدرا وأدرك الإماممحمد الباقر عليه السلام، وبلغه سلام رسول الله " ص "، وكان من السابقين الذين رجعواإلى أمير المؤمنين عليه السلام وممن انقطع لأهل البيت.

روي عن أبي عبد الله " ع " أنه قال: إن جابر بن عبد الله كان آخر من بقي منأصحاب رسول الله " ص "، وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجدرسول الله " ص " وهو معتم بعمامة سوداء، وكان ينادي يا باقر العلم، يا باقر العلم وكانأهل المدينة يقولون: جابر يهجر فكان يقول لا والله لا أهجر ولكني سمعت رسولالله " ص " يقول: " إنك ستدرك رجلا من أهل بيتي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي،يبقر العلم بقرا " فذاك الذي دعاني إلى ما أقول.

رجال العلامة ص 34 رجال الكشي ص 42 - 45


الصفحة 291

الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى فقال: لأعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرببعضكم رقاب بعض، وأيم الله لو فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم، ثمالتفت إلى خلفه، فقال، أو علي، أو علي، أو علي، ثلاث مرات، فرأينا على أثرذلك أن جبرئيل عليه السلام غمزه، فأنزل الله تعالى على أثر ذلك: " فإما تذهبن بكفإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدنا هم فإنا عليهم مقتدرون (1) ".

وعن ابن عباس: أن عليا عليه السلام كان يقول - في حياة رسول الله - إن اللهيقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علىأعقابكم (2) " والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله والله، لئن مات أو قتللأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، لأني أخوه وابن عمه، ووارثه، فمنأحق به مني.

وعن أحمد بن همام (3) قال: أتيت عبادة بن الصامت في ولاية أبي بكر،فقلت: يا عبادة أكان الناس على تفضيل أبي بكر قبل أن يستخلف، فقال: يا أباثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا، ولا تبحثونا، فوالله لعلي بن أبي طالب كان أحقبالخلافة من أبي بكر، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل،قال: وأزيدكم إنا كنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء علي عليه السلام، وأبو بكروعمر إلى باب رسول الله صلى الله عليه وآله، فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل علي عليه السلامعلى أثرهما، فكأنما سفي على وجه رسول الله الرماد، ثم قال: يا علي أيتقدمانكهذان، وقد أمرك الله عليهما، فقال أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر:

سهوت يا رسول الله، فقال رسول: ما نسيتما ولا سهوتما، وكأني بكما قد سلبتماهملكه، وتحاربتما عليه، وأعانكما على ذلك أعداء الله، وأعداء رسوله، وكأنيبكما قد تركتما المهاجرين والأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على الدنياولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المشتتون في أقطارها، وذلك لأمر قد قضي،

____________

(1) الزخرف - 41.

(2) آل عمران - 144

(3) لم أعثر على ترجمته في كتب الرجال.


الصفحة 292

ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سالت دموعه، ثم قال: يا علي الصبر الصبر حتىينزل الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن لك من الأجر في كليوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر: فالسيف السيف، القتل القتل، حتىيفيئوا إلى أمر الله، وأمر رسوله، فإنك على الحق ومن ناواك على الباطل، وكذلكذريتك من بعدك إلى يوم القيامة.

وعن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام قال: كنتأنا ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد بعد أن صلى الفجر، ثم نهض ونهضت معه، وكانرسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يتجه إلى موضع أعلمني بذلك، وكان إذا أبطأ فيذلك الموضع صرت إليه لأعرف خبره، لأنه لا يتصابر قلبي على فراقه ساعة واحدةفقال لي: أنا متجه إلى بيت عائشة، فمضى صلى الله عليه وآله ومضيت إلى بيت فاطمة الزهراء عليها السلامفلم أزل مع الحسن والحسين فأنا وهي مسروران بهما، ثم إني نهضت وسرت إلىباب عائشة، فطرقت الباب فقالت: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبيراقد، فانصرفت، ثم قلت: النبي راقد وعائشة في الدار، فرجعت وطرقت البابفقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجةفانثنيت مستحييا من دق الباب، ووجدت في صدري ما لا أستطيع عليه صبرا، فرجعتمسرعا فدققت الباب دقا عنيفا، فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت: أنا علي فسمعترسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا عائشة افتحي له الباب، ففتحت ودخلت، فقال لي:

أقعد يا أبا الحسن أحدثك بما أنا فيه، أو تحدثني بإبطائك عني، فقلت يا رسولالله حدثني فإن حديثك أحسن، فقال: يا أبا الحسن كنت في أمر كتمته من ألمالجوع، فلما دخلت بيت عائشة، وأطلت القعود ليس عندها شئ تأتي به، فمددتيدي وسألت الله القريب المجيب، فهبط علي حبيبي جبرئيل عليه السلام ومعه هذا الطيرووضع إصبعه على طائر بين يديه، فقال: إن الله عز وجل أوحى إلي: أن آخذهذا الطير وهو أطيب طعام في الجنة فآتيك به يا محمد، فحمدت الله عز وجل كثيرا،وعرج جبرئيل فرفعت يدي إلى السماء فقلت: " اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني


الصفحة 293

يأكل معي من هذا الطير " فمكثت مليا فلم أر أحدا يطرق الباب، فرفعت يديثم قلت: " اللهم يسر عبدا يحبك ويحبني وتحبه وأحبه يأكل معي من هذا الطير "فسمعت طرق الباب وارتفاع صوتك، فقلت لعائشة: أدخلي عليا فدخلت، فلمأزل حامدا لله حتى بلغت إلي إذ كنت تحب الله وتحبني ويحبك الله وأحبك،فكل يا علي، فلما أكلت أنا والنبي الطائر، قال لي: يا علي حدثني فقلت: يا رسولالله لم أزل منذ فارقتك أنا وفاطمة والحسن والحسين مسرورين جميعا، ثم نهضتأريدك فجئت فطرقت الباب فقالت لي عائشة: من هذا؟ فقلت: أنا علي فقالت:

إن النبي راقد، فانصرفت، فلما أن صرت إلى بعض الطريق الذي سلكته رجعت.

فقلت: النبي صلى الله عليه وآله راقد وعائشة في الدار لا يكون هذا، فجئت فطرقت الباب فقالت:

لي من هذا؟ فقلت لها: أنا علي فقالت: إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجة فانصرفتمستحييا، فلما انتهيت إلى الموضع الذي رجعت منه أول مرة، وجدت في قلبي مالا أستطيع عليه صبرا وقلت: النبي صلى الله عليه وآله على حاجة وعائشة في الدار، فرجعتفدققت الباب الدق الذي سمعته، فسمعتك يا رسول الله وأنت تقول لها: ادخلي عليافقال النبي: صلى الله عليه وآله أبى الله إلا أن يكون الأمر هكذا، يا حميراء ما حملك علىهذا؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي يأكل من هذا الطير فقال لها:

ما هو بأول ضغن بينك وبين علي، وقد وقفت لعلي - إن شاء الله - لتقاتلنه.

فقالت: يا رسول الله وتكون النساء يقاتلن الرجال؟

فقال لها: يا عائشة إنك لتقاتلين عليا، ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر منأهل بيتي وأصحابي، (1) فيحملونك عليه، وليكونن في قتالك له أمر يتحدث بهالأولون والآخرون، وعلامة ذلك أنك تركبين الشيطان، ثم تبتلين قبل أنتبلغي إلى الموضع الذي يقصد بك إليه، فتنبح عليك كلاب الحوأب، فتسألين

____________

(1) يريد بأهل بيته المعنى العام لأهل بيت الرجل أي: أقاربه والمقصود هناهو: الزبير بن العوام، وليس المقصود من أهل البيت المعنى الخاص المقصور على الخمسةمن أصحاب الكساء، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا


الصفحة 294

الرجوع فتشهد عندك قسامة أربعين رجلا: ما هي كلاب الحوأب، فتنصرفين إلىبلد أهله أنصارك، (1) وهو أبعد بلاد على الأرض من السماء، وأقربها إلى الماءولترجعن وأنت صاغرة بالغة ما تريدين، ويكون هذا الذي يردك مع من يثق بهمن أصحابه، وإنه لك خير منك له، ولينذرنك بما يكون الفراق بيني وبينك فيالآخرة، وكل من فرق علي بيني وبينه بعد وفاتي ففراقه جائز.

فقالت يا رسول الله ليتني مت قبل أن يكون ما تعدني.

فقال لها: هيهات هيهات! والذي نفسي بيده ليكونن ما قلت، حق كأني أراهثم قال لي: قم يا علي فقد وجبت صلاة الظهر، حتى آمر بلالا بالأذانفأذن بلال وأقام وصلى وصليت معه ولم يزل في المسجد.

إحتجاجه عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به منصفات المصنوعين من الجبر والتشبيه والرؤية والمجيئ والذهاب والتغييروالزوال والانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه ومجاري كلامه ومخاطباتهومحاوراته.

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادون، ولا يؤديحقه المجتهدون (2)

____________

(1) وفي نسخة " فتصيرين " بدل تنصرفين.

(2) الحمد هو: الثناء على الجميل من نعمة وغيرها. والبلوغ هو الوصول أوالمشارفة. والمدحة: فعلة من المدح وهي: " الهيئة " كالجلسة للجالس، والركبة للراكبوالاحصاء: إنها العدد والإحاطة بالمعدود والمجتهد: من اجتهد في الأمر إذا بذل وسعهوطاقته في طلبه.

في الجملة الأولى إشارة: إلى العجز عن القيام بالثناء عليه سبحانه كما يستحقه وكماهو أهله، وهي في معنى قول النبي " ص ": " لا أحصي ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك "وفي الجملة الثانية: اعتراف بالقصور عن القدرة على حصر أنعم الله على تعددها

=>


الصفحة 295

الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، (1) الذي ليس لصفته حد محدودولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، (2) فطر الخلايق بقدرته،ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، (3) أول الدين معرفته،

____________

<=

وكثرتها بحيث لا يحيط بها حصر الإنسان، وهذه الجملة مقتبسة من قوله تعالى: " وإنتعدوا نعمة الله لا تحصوها ".

وفي الثالثة: اعتراف بالعجز عن أداء شكر المنعم، وأداء حقه اللازم على العبادمهما بذلوا من جهد، فكل حركة وسكون يصدران من الإنسان مستندان إلى وجوده تعالىوهي نعمة منه تعالى على عباده ولذا جاء في الأثر: أن موسى " ع " سأل ربه قائلا: " يا ربكيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكر إلا بنعمة ثانية من نعمك " فأوحى الله تعالىإليه: " إذا عرفت هذا فقد شكرتني ".

(1) الهمم - جمع الهمة - وهي: العزم والجزم الثابت الذي لا يعتريه فتور.

والنيل: الإصابة. والفطن - جمع فطنة بالكسر - وهي: الحذق وجودة استعدادالذهن لتصور ما يرد عليه.

بعد الهمم علوها وتعلقها بالأمور. العالية أي: إن الهمم وإن علت وبعدت لا يمكنأن تدركه مهما حلقت في سماء المدارك العالية، كما أن الفطن الغائصة في بحار الأفكار هيالأخرى لا تصل إلى كنه حقيقته.

(2) حد الشئ: منتهاه والنعت: الصفة والأجل: المدة المضروبة للشئ. أي ليسلصفاته الذاتية من القدرة: والاختيار، والعلم، والحياة، حد معين ينتهي إليه ويقفعنده كما هو الحال في الموجودات الممكنة فإنها جميعا لها حد تنقطع إليه وتقف عنده، كماأنها لا تنعت بنعوت موجودة أي: زائدة متغيرة، فعلمه مثلا لا ينعت: بالزيادة والنقصان- كما هو الحال بالنسبة لنا - وقدرته لا توصف بالقوة والضعف بل هو منزه عن كلهذه النعوت وصفاته عين ذاته، كما أنها أزلية فليس لها وقت معدود، وأبدية فليسلها أجل ممدود.

(3) فطر: خلق. والنشر: البسط. ووتد - بالتخفيف والتشديد - ثبت.

والميدان - بفتح الميم والياء - الحركة.

=>


الصفحة 296

وكمال معرفته التصديق به، وكمال تصديقه توحيده، وكمال توحيده الإخلاص لهوكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، (1) لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف،وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنهفقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، (2) ومن أشار إليه فقد حدهومن حده فقد عده، ومن قال: " فيم؟ " فقد ضمنه، ومن قال: " على م؟ " فقدأخلي منه، (3) كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمزايلةفاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من حلقه، متوحد إذ لا

____________

<=

أي: سكن الأرض بعد اضطرابها وهي من قوله تعالى: " وجعلنا الجبال أوتادا "وقوله: " وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ".

(1) أول الدين معرفته أي: إن معرفته سبحانه أساس الطاعة والعبادة، فما لم- يعرف لا يمكن أن يطاع، ولا تتم معرفته، ما لم يذعن العبد ويحكم: بوجوب وجودهولا يذعن ويحكم بوجوب وجوده، ما لم يؤمن ويحكم له بالوحدانية، وأنه لا شريك لهفي ذاته، لأن الواجب لا يتعدد، ثم إن كمال هذا التوحيد يكون بالاخلاص له، وهو: إما جعله خاليا عن النقائص وسلب الجسمية والعرضية وأمثالها عنه، أو الإخلاص لهبالعمل وكمال هذا الإخلاص هو: نفي الصفات الزائدة عنه تعالى فصفاته تعالى عين ذاته- علمه، وقدرته، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، كلها موجودة بوجود ذاتهالأحدية، وذاته جامعة ومستوعبة لها وهي عينها، وليست هي على كثرتها وتعدد معانيهاوتغاير مفهوماتها زائدة على الذات خارجة عنها.

(2) أي: من وصف الله سبحانه بصفة زائدة على ذاته خارجة عنها، " فقدقرنه " بغيره في الوجود ومن " قرنه " بغيره فقد صيره ثانيا لقد يمين يصدق عليهما:

" واجب الوجود " وحينئذ يكون قد " جزأه " لأن كل واحد من القديمين جزء لذلكالواجب، و " من جزأه " فقد " جهله " إذ جعله في عداد الممكنات، ولم يعرف الوجودالواجب فهو لا يتعدد ولا يتجزأ كما هو ثابت في علم الكلام.

(3) ضمنه: جعله محتويا عليه وأخلي منه: جعله خاليا منه.

" ومن أشار إليه " سواء بالإشارة العقلية كأن يجعل له حدا منطقيا مركبا من

=>


الصفحة 297

سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده (1) أنشأ الخلق إنشاءا: وابتدأه ابتداءابلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطربفيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولائم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها

____________

<=

جنس وفصل، أو بالإشارة الحسية " فقد حده " وذلك أن كل مشار إليه لا بد أن يكونفي جهة ما، وكل ما هو في جهة فلا بد من أطراف وأقطار هي حدوده وينتهي عندهاو " من " فعل ذلك و " حده " " فقد عده " في عداد الممكنات. ومن قال " فيم " هوفقد جعله ضمن شئ ومن قال " على م " هو فقد جعله مستعل على شئ وغير مستعلعلى غير وحينئذ يكون قد " أخلي منه " ذلك الغير

(1) حدث الشئ: تجدد وجوده. والمزايلة: المفارقة. والسكن بفتحتين -:

ما يسكن إليه من أهل ومال.

هذه الفقرات كل منها مركبة من قضيتين، إحداهما موجبة، والأخرى سالبة،والفرق بين الفقرتين الأوليتين " كائن لا عن حدث " و " موجود لا عن عدم " إذيبدو أن معناهما واحد في نفيهما تجدد الوجود، هو: أن الفقرة الأولى تنفي تجدد الحدوثالزماني يعني أنه كائن منذ الأزل، والثانية تنفي التجدد الذاتي وتثبت وجوب وجوده" مع كل شئ لا بمقارنة " كما أنه " غير كل شئ " ولكن " لا بمزايلة " ومفارقة،فالمقارنة والمفارقة من الصفات الجسمانية وذاته المقدسة منزهة عن الجسمانيات فهو معكل شئ بمعنى أنه عالم بكل شئ محيط به، شاهد عليه، غير غائب عنه، ولكن هذه المعيةوتلك الغيرية ليست كما هي بالنسبة لنا من المقارنة والمفارقة التي هي من خصائصالجسمية ولوازمها، وذاته المجردة لا تشبه شيئا من ذوات الموجودات الممكنة فهو " فاعل "ولكن " لا بمعنى الحركات والآلة " ومن صيق الألفاظ نعبر عن صفاته القدسية بهذهالألفاظ المتعارفة بيننا، والتي نطلقها عليه كما نطلقها على سائر الممكنات، تعالى الله عنذلك علوا كبيرا، " بصير " منذ الأزل (إذ لا منظور إليه من خلقه) (متوحد) فيسلطانه وملكوته (إذ لا سكن يستأنس به) و (لا) أنيس (يستوحش لفقده) فالوحشةوالأنس من لوازم الطبيعة الحيوانية، وهو منزه عنها.


الصفحة 298

أشباحها، عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها (1)وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (2)أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفاتعنه، جل أن تحله الصفات بشهادة العقول: إن كل من حلته الصفات فهو مصنوعوشهادة العقول: أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقوليعتقد معرفته، وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلا عليه، فكشف به ربوبيته،هو الواحد الفرد في أزليته، لا شريك له في إلهيته، ولا ند له في ربوبيته،بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة

____________

(1) نشأ الشئ: حدث وتجدد. والابتداء: بمعنى الإنشاء والروية: الفكروالتدبر، وأجال به: إذا أداره والتجربة: الاختبار. والهمامة: التردد. وأحالالأشياء: صرفها وحولها ولائم: أصلح والغريزة: الطبيعة. والأشباح: الإشخاصوالإحاطة: الاستدارة والشمول والأحناء - جمع الحنوة -: الجانب والناحية.

(أنشأ الخلق إنشاءا) من غير مادة (وابتدأهم ابتداءا) من دون مثال سبق (بلا رويةأجالها) ولا فكر أداره (ولا تجربة استفادها) ولا خبرة اكتسبها من قبل (ولاأحدثها) كالحركة الحادثة لنا إذا أردنا فعل شئ ما (ولا همامة نفس اضطرب فيها)كما تتردد نفوسنا وتضطرب فكل هذه الأمور من لوازم الجسمية تقدست ذاته عنها (أحالالأشياء) ونقلها وصرفها حسب مقتضيات الحكمة والمصلحة (لأوقاتها) للقضاء والقدروأصلح و (لائم بين) ما كان من عالم الغيب، كالأرواح المجردة، وما كان من عالم الشهودكالأجسام المركبة، وغير ذلك من (مختلفاتها) كتوفيقه بين سائر العناصر (وغرز)للأشياء (غرائزها) ثم خص كل جنس أو نوع بغرائزه الخاصة به (وألزمها أشباحها)وأشخاصها (عالما بها قبل ابتدائها) كما هو عالم بها بعد إيجادها من غير فرق بين الحالين(محيطا بحدودها وانتهائها) شاملا بقدرته وعلمه جميع أطرافها.

(2) إرشاد الشيخ المفيد " قده " أبو الحسن الهذلي عن الزهري وعيسى بن زيدعن صالح بن كيسان عن أمير المؤمنين " ع " قال - في الحث على معرفة الله -: أولعبادة الله معرفته.. الخ.


الصفحة 299

علم أن لا قرين له.

وقال عليه السلام في خطبة أخرى:

دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقهوحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنه رب خالق غير مربوب مخلوق،كل ما تصور فهو بخلافه.

ثم قال - بعد ذلك -:

ليس بآله من عرف بنفسه هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه.

وقال عليه السلام في خطبة أخرى: (1).

لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلاتإلى نظائرها، منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملة، بهاتجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون (2) لا تجري عليه الحركة

____________

(1) تجد هذه الخطبة الجليلة - التي هي حقا من معجزات أمير المؤمنين " ع "ولو لم تكن له معجزة سواها لكفى، كما لو لم يكن لرسول الله " ص " معجزة سوا أميرالمؤمنين " ع " لكفى - في ج 2 ص 142 من نهج البلاغة قال السيد الرضي " قدس سره "" وتجمع هذه الخطبة من أصول العلوم ما لا تجمعه خطبة " وأولها كما هي مثبتة في النهج:

ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا إياه عنى من شبهه، ولاصمده من أشار إليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلولفاعل لا باضطراب آلة، مقدور لا بجول فكرة، غني لا باستفادة، لا تصحبه الأوقاتولا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيرهالمشاعر عرف أن لا مشعر له، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له، وبمقارنتهبين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبللوالحرور بالصرد، مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتهامفرق بين متدانياتها، لا يشمل بحد.. الخ.

(2) " لا يشمل بحد " من الحدود المنطقية، المركبة من الجنس والفصل، وذاتهخالية من التركيب أو من الحدود والأبعاد الهندسية التي هي من لوازم الأجسام.

=>


الصفحة 300

والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود إليه ما هو أبداه، ويحدثفيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذلته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه،ولكان له وراء إذا وجد له إمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامتآية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، (1) وخرج بسلطان

____________

<=

وذاته تعالى ليست بجسم.

" ولا يحسب بعد " لعدم المماثل له وواجب الوجود لا يتعدد كما هو ثابت في محلهكما أن صفاته عين ذاته غير زائدة عليها فلا تدخل تحت العدد، ولا بداية لوجوده حتىيقال: كان منذ كذا وكذا " وإنما تحد الأدوات أنفسها " لتركبها من جنس وفصل،ولكونها من الأجسام فتشملها الحدود والأبعاد الهندسية.

" وتشير الآلات إلى نظائرها " فتدخل تحت العدد وقد " منعتها - إطلاق لفظة:

منذ عليها - القدمة " في قولنا وجدت هذه الآلات والأدوات منذ كذا، ومتى كان للشئابتداء فهو غير قديم.

" وحمتها - إطلاق لفظه قد عليها - الأزلية " في قولنا قد وجدت هذه الآلاتوالأدوات منذ كذا لأن قد تفيد تقريب الزمان الماضي من الحال، ومتى تعين زمنوجود الشئ انتفت أزليته.

(وجنبتها - إطلاق كلمة: لولا عليها - التكملة) في قولنا: ما أحسن هذه الآلاتوالأدوات لولا أن فيها كذا لدلالتها على امتناع كمال الشئ لوجود نقص فيه.

ويمكن أن يكون المعنى: أن قدمه وأزليته وكماله منعت من إطلاق لفظة: (منذوقد، ولولا) على ذاته المقدسة، لدلالتها على الحدوث والابتداء والنقص.

(بها) بتلك الآلات والأدوات ببديع صنعها، بإتقانها، بحكمة تدبيرها (تجلىصانعها للعقول) التي هي طبعا بعض تلك الآلات لدلالة الأثر على المؤثر (وامتنع) بدليلتجرده وتنزهه عن المادة والجسمية واللون والجهة التي هي من لوازم المرئيات (عننظر العيون).

(1) الحركة سواء كانت بمعناها الفلسفي الذي هو: (الخروج من القوة إلىالفعل) أو بمعناها الفيزيائي الذي هو: (الانتقال من مكان إلى آخر) فهي تتقومبالتدرج والانتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى آخر وتخلع صورة وتلبس أخرى

=>


الصفحة 301

الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره، (1) الذي لا يحول، ولا يزول،

____________

<=

وتصل إلى جزء وتنفصل عن سابقه وهكذا، ويقابلها السكون الذي هو: (التوقفوالخمود فيما يقبل الحركة) والحركة والسكون كلاهما من الحوادث المستندة في وجودهاإلى علة، وحيث ثبت أن لا موجد إلا الله ولا خالق سواه فيكون هو الذي خلقهما وأجراهماعلى نفسه، وأحدثهما في ذاته، ولاستحالة أن يكون مخلوقه جزء ذاته، نفى أمير المؤمنينعليه السلام ذلك في صورة استفهام إنكاري في قوله، (وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟؟

ويعود إليه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟!) ثم إنه عليه السلام شرع فيإقامة الأدلة على استحالة هذه النسبة فقال:

1 - (إذا لتفاوتت ذاته) أي: تغيرت، لأنها تكون متحركة تارة وساكنةأخرى فالحركة والسكون من الحوادث المتغيرة، فيكون محلا للحوادث، وذلك من لوازمالإمكان، فيكون واجب الوجود ممكن الوجود، وهو مستحيل.

2 - (ولتجزأ كنهه) لأن الحركة والسكون من لوازم الأجسام والأجسام مركبةفيلزم حقيقته التركيب وهو باطل.

3 - (ولامتنع من الأزل معناه) لأن الحركة والسكون من لوازم الأجسام الحادثةوالحادث لا يكون أزليا.

4 - (ولكان له وراء إذ وجد له إمام) إذ لو جرت عليه الحركة لكان له إماميتحرك نحوه وحينئذ يلزم أن يكون له وراء لأنهما أمران إضافيان لا ينفك أحدهما عنالآخر وحينئذ يكون له وجهان وكل ذي وجهين منقسم وكل منقسم ممكن.

5 - (ولالتمس النمام إذ لزمه النقصان) إذ هو في حركته يتوجه نحو غاية إمالجلب نفع أو لدفع ضرر، وذلك كمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته وذلك يستلزمالإمكان فهو باطل.

وإذا لقامت آية المصنوع فيه وثبت إمكانه وحدوثه وتحول دليلا يستدل بوجودهعلى خالقه.

(1) أي خرج بسلطان امتناعه التجردي، وعدم شموله بحد، ودخوله تحت العددوامتناعه عن نظر العيون، وعدم جريان الحركة والسكون عليه خرج بهذا السلطان منأن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره من الممكنات.


الصفحة 302

ولا يجوز عليه الأفول، (1) لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا (2)جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمهالفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، ولا يتغيربحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام،ولا يوصف بشئ من الأجزاء، ولا الجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراضولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أنالأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، ولا أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، (3) ليس فيالأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروقوأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضىمن غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، ويقول - لما أراد كونه -: " كنفيكون " لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأهومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، (4) ولا يقال

____________

(1) لا يحول: لا يتغير. والأفول: الغيبة.

(2) الولادة تحصل بانفصال شئ عن آخر من جنسه ونوعه، فالوالد والولديشتركان في النوع والصنف والعوارض، ولا يكون هذا الانفصال والتجزي إلا بواسطةالمادة القابلة للتجزأة، وإذا كان كذلك فهو متولد من مادة وصورة. ويحتمل أن يكونالمراد بالمولود المخلوق، فيكون المعنى لم يلد فيثبت كونه جسما مخلوقا. وعلى كلا التقديرينسواء كان مولودا من مادة وصورة، أو كان جسما مخلوقا، فإنه يكون محدودا بالحدودالمنطقية، والأبعاد الهندسية.

(3) لا تناله الأوهام فنقدره بمقدار وكم، وشكل وكيف، والفطنة سرعة للفهمولا تتوهمه الفطن فتصوره بصور خيالية أو عقلية، ولا تدركه الحواس بنحو المباشرةولا تلمسه وتحسه الأيدي بنحو المماسة، ولا يتغير أبدا، ولا يوصف بالغيرية والأبعاضفصفاته لا يغاير بعضها بعضا، وليس هو بذي مكان يحويه، فيرتفع بارتفاعه وينخفضبانخفاضه، كما أنه غير محمول على شئ، فيميله إلى جانب، أو يعدله على ظهر من غير ميل

(4) يحفظ عباده ويحرسهم، ولا يتحرز ولا يخاف ويبغض ويغضب ولا

=>


الصفحة 303

له: " كان بعد أن لم يكن " فتجري عليه صفات المحدثات، ولا يكون بينه وبينهافصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع (1)خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره (2) ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقهأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار (3) وأقامها بغيرقوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافتوالانفراج (4) أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها (5)فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، والباطن لهابعلمه ومعرفته، والعالي على كل شئ منها بجلالته وعزته، لا يعجزه شئ منهاطلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذيمال فيرزقه، خضعت الأشياء له، وظلت مستكينة لعظمته (6) لا تستطيع الهربمن سلطانه إلى غيره، فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه (7) ولا نظيرله فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها، وليسفناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف! ولو اجتمع

____________

<=

يستلزم بغضه وغضبه مشقة وانزعاجا، كما هو الحال بالنسبة لنا مما يستلزمانه فينا منفوران دم القلب واضطرابه، يقول - لما أراد كونه - كن فيكون وليس المراد بالقولهو التكلم الحقيقي حتى يكون له صوت يقرع الآذان فيسمع وإنما كلامه سبحانه هونفس فعله، وخلقه للأشياء وتصويرها ينشؤه ويمثله لجبرئيل في اللوح وليس هو بقديمولو كان قديما لكان إلها ثانيا.

(1) في بعض النسخ. (الصفات المحدثات).

(2) خلا: أي مضى.

(3) أرساها: أثبتها على غير قرار.

(4) الأود - بالتحريك - الاعوجاج. والتهافت. التساقط قطعة قطعة.

(5) الأسداد - جمع السد - بمعنى الجبل أو الحاجز. وبالضم بمعنى السحابالأسود. وخد: بمعنى شق

(6) الاستكانة: الخضوع.

(7) أي: يساويه في جوب الوجود