المكتبة العقائدية » عقائد الإماميّة (لـ محمد رضا المظفر)


fdsfsdfsd » fdsfsdfsd » (ص 147 - ص 176) دونَكَ» (1) .

وهكذا يمضي في دعائه البليغ ـ وهو من أطول أدعيته ـ في توجيه الجيوش المسلمة إلى ما ينبغي لها من مكارم الاَخلاق، وأخذ العدّة للاَعداء، وهو يجمع إلى التعاليم الحربية للجهاد الاسلامي بيان الغاية منه وفائدته، كما ينبِّه المسلمين إلى نوع الحذر من أعدائهم، وما يجب أن يتخذوه في معاملتهم ومكافحتهم، وما يجب عليهم من الانقطاع إلى الله تعالى، والانتهاء عن محارمه، والاخلاص لوجهه الكريم في جهادهم.

وكذلك باقي الاَئمة عليهم السلام في مواقفهم مع ملوك عصرهم، وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل بكل قساوة وشدّة؛ فانّهم لما علموا أنّ دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم، وتوجيه أتباعهم التوجيه الديني العالي.

وكلّ الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين وغيرهم لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلّها مخالفة صريحة

____________

1- ما أجل هذا لدعاء ، و أجدر بالمسلمين في هذه العصور أن يتلوا هذا الدعاء ليعتبروا به ، وليبهلوا إلي الله تعالي في جمع كلمتهم و توحيد صفوفهم و تنوير عقولهم (منه قدس سره)


الصفحة 152
لاَوامرهم وتشديداتهم؛ فانّهم كانوا أحرص على كيان الدولة الاسلامية من كل أحد، حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم.

وكفى أن نقرأ وصية الامام موسى بن جعفر عليه السلام لشيعته:

«لا تذلُوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاءه، وإن كان جائراً فاسألوا الله اصلاحه؛ فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإنّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبون لاَنفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لاَنفسكم» (1) .

وهذا غاية ما يوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبوا له ما يحبون لاَنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها.

وبعد هذا، فما أعظم تجنِّي بعض كتّاب العصر؛ إذ يصف الشيعة بأنّهم جميعة سرّية هدّامة، أو طائفة ثوروية ناقمة !

صحيح أنّ من خلق الرجل المسلم المتّبع لتعاليم آل البيت عليهم السلام يبغض الظلم والظالمين، والانكماش عن أهل الجور والفسوق، والنظرة إلى أعوانهم وأنصارهم نظرة الاشمئزاز والاستنكار، والاستيحاش والاستحقار، وما زال هذا الخلق متغلغلاً في نفوسهم

____________

1- أمالي الصدوق: ٢٧٧.


الصفحة 153
يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولكن مع ذلك ليس من شيمتهم الغدر والختل، ولا من طريقتهم الثورة والانتفاض على السلطة الدينية السائدة باسم الاسلام؛ لا سراً ولا علناً، ولا يبيحون لاَنفسهم الاغتيال أو الوقيعة بمسلم مهما كان مذهبه وطريقته؛ أخذاً بتعاليم أئمّتهم عليهم السلام .

بل المسلم الذي يشهد الشهادتين مصون المال، محقون الدم، محرَّم العرض؛ «لا يحل مال امرئ مسلم إِلا بطيب نفسه» (1) .

بل المسلم أخو المسلم، عليه من حقوق الاَخوة لاَخيه ما يكشف عنه البحث الآتي.

٤٢ ـ عقيدتنا في حقِّ المسلم على المسلم

إنّ من أعظم وأجمل ما دعا إليه الدين الاسلامي هو التآخي بين المسلمين على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم ومنازلهم، كما أنّ من أوطأ وأخس ما صنعه المسلمون اليوم وقبل اليوم هو تسامحهم بالاَخذ بمقتضيات هذه الاَخوّة الاسلامية.

____________

1- الفقيه: ٤/٦٦ ، تحف العقول: ٣٤.


الصفحة 154
لاَنّ من أيسر مقتضياتها ـ كما سيجيء في كلمة الامام الصادق عليه السلام ـ: «أن يحب لاَخيه المسلم ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه».

أنعم النظر، وفكِّر في هذه الخصلة اليسيرة في نظر آل

البيت عليهم السلام ، فستجد أنّها من أشق ما يفرض طلبه من المسلمين اليوم، وهم على مثل هذه الاَخلاق الموجودة عندهم البعيدة عن روحية الاسلام.

فكِّر في هذه الخصلة لو قدِّر للمسلمين أن ينصفوا أنفسهم، ويعرفوا دينهم حقاً، ويأخذوا بها فقط أن يحب أحدهم لاَخيه ما يحب لنفسه، لما شاهدت من أحد ظلماً ولا اعتداء، ولا سرقة ولا كذباً، ولا غيبة ولا نميمة، ولا تهمة بسوء، ولا قدحاً بباطل، ولا إهانة ولا تجبُّراً.

بلى، إنّ المسلمين لو وقفوا لاِدراك أيسر خصال الاخوّة فيما بينهم، وعملوا بها، لارتفع الظلم والعدوان من الاَرض، ولرأيت البشر اخواناً على سرر متقابلين قد كملت لهم أعلى درجات السعادة الاجتماعية، ولتحقَّق حلم الفلاسفة الاَقدمين في المدينة الفاضلة، فما احتاجوا ـ حينما يتبادلون الحب والمودّة ـ إلى


الصفحة 155
الحكومات والمحاكم، ولا إلى الشرطة والسجون، ولا إلى قانون للعقوبات، وأحكام للحدود والقصاص، ولما خضعوا لمستعمر، ولا خنعوا لجبّار، ولا استبدّ بهم الطغاة، ولتبدَّلت الاَرض غير الاَرض، وأصبحت جنة النعيم ودار السعادة.

أزيدك أنّ قانون المحبة لو ساد بين البشر ـ كما يريده الدين بتعاليم الاخوّة ـ لانمحت من قاموس لغاتنا كلمة العدل؛ بمعنى إنّا لم نعد نحتاج إلى العدل وقوانينه حتى نحتاج إلى استعمال كلمته، بل كفانا قانون الحب لنشر الخير والسلام، والسعادة والهناء؛ لاَنّ الانسان لا يحتاج إلى استعمال العدل ولا يطلبه القانون منه إلاّ إذا فقد الحب فيمن يجب أن يعدل معه، أمّا فيمن يبادله الحب ـ كالولد والاَخ ـ إنّما يحسن إليه، ويتنازل له عن جملة من رغباته فبدافع من الحب والرغبة عن طيب خاطر، لا بدافع العدل والمصلحة.

وسرُّ ذلك أنّ الانسان لا يحب إلاّ نفسه وما يلائم نفسه، ويستحيل أن يحب شيئاً أو شخصاً خارجاً عن ذاته إلاّ إذا ارتبط به وانطبعت في نفسه منه صورة ملائمة مرغوبة لديه.

كما يستحيل أن يضحّي بمحض اختياره له، في رغباته ومحبوباته لاَجل شخص آخر لا يحبه ولا يرغب فيه، إلاّ إذا


الصفحة 156
تكوَّنت عنده عقيدة أقوى من رغباته، مثل عقيدة حسن العدل والاحسان، وحينئذ إذ يضحي باحدى رغباته إنّما يضحي لاَجل رغبة أُخرى أقوى كعقيدته بالعدل ـ إذا حصلت ـ التي تكون جزء من رغباته، بل جزء من نفسه.

وهذه العقيدة المثالية لاَجل أن تتكوَّن في نفس الانسان تتطلَّب منه أن يسمو بروحه على الاعتبارات المادية؛ ليدرك المثل الاَعلى في العدل والاحسان إلى الغير، وذلك بعد أن يعجز أن يكوِّن في نفسه شعور الاَخوّة الصادق والعطف بينه وبين أبناء نوعه.

فأوّل درجات المسلم التي يجب أن يتّصف بها أن يحصل عنده الشعور بالاُخوة مع الآخرين، فإذا عجز عنها ـ وهو عاجز على الاَكثر؛ لغلبة رغباته الكثيرة وأنانيته ـ فعليه أن يكوِّن في نفسه عقيدة في العدل والاحسان اتباعاً للارشادات الاسلامية، فإذا عجز عن ذلك فلا يستحق ان يكون مسلماً إلاّ بالاسم، وخرج عن ولاية الله، ولم يكن لله فيه نصيب على حد التعبير الآتي للامام.

والانسان ـ على الاَكثر ـ تطغى عليه شهواته العارمة، فيكون من أشق ما يعانيه أن يهيّىء نفسه لقبول عقيدة العدل، فضلاً عن أن يحصل عليها عقيدة كاملة تفوق بقوّتها على شهواته.


الصفحة 157
فلذلك كان القيام بحقوق الاَخوّة من أشق تعاليم الدين إذا لم يكن عند الانسان ذلك الشعور الصادق بالاَخوّة، ومن أجل هذا أشفق الاِمام أبو عبدالله الصادق عليه السلام أن يوضِّح لسائله ـ وهو أحد أصحابه (المعلّى بن خُنيس) ـ عن حقوق الاخوان أكثر ممّا ينبغي أن يوضّح له خشية أن يتعلَّم ما لا يستطيع أن يعمل به.

قال المعلّى: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟

قال أبو عبدالله: «له سبعة حقوق واجبات، ما منهنّ حق إلاّ وهو عليه واجب؛ إِن ضيَّع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه نصيب».

قلت له: جعلت فداك! وما هي؟

قال: «يا معلّى، إنّي عليك شفيق؛ أخاف أن تضيّع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل».

قلت: لا قوة إلاّ بالله.

وحينئذ ذكر الاِمام الحقوق السبعة بعد أن قال عن الاَوّل منها: «أيسر حقّ منها أن تحب له كما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك».

يا سبحان الله! هذا هو الحق اليسير، فكيف نجد ـ نحن المسلمين


الصفحة 158
اليوم ـ يسر هذا الحق علينا؟ شاهت وجوه تدّعي الاسلام ولا تعمل بأيسر ما يفرضه من حقوق.

والاَعجب أن يلصق بالاسلام هذا التأخّر الذي أصاب المسلمين، وما الذنب إِلاّ ذنب من يُسمُّون أنفسهم بالمسلمين،

ولا يعملون بأيسر ما يجب أن يعملوه من دينهم.

ولاَجل التأريخ فقط، ولنعرف أنفسنا وتقصيرها، أذكر هذه الحقوق السبعة التي أوضحها الامام عليه السلام :

١ ـ أن تحب لاَخيك المسلم ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.

٢ ـ أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره.

٣ ـ أن تعينه بنفسك، ومالك، ولسانك، ويدك، ورجلك.

٤ ـ أن تكون عينه، ودليله، ومرآته.

٥ ـ أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى.

٦ ـ أن يكون لك خادم وليس لاَخيك خادم، فواجب أن تبعث خادمك، فتغسل ثيابه، وتصنع طعامه، وتمهِّد فراشه.

٧ ـ أن تبرَّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته. وإذا علمت له حاجة تبادره إلى قضائها، ولا تلجئه الى أن


الصفحة 159
يسألكها، ولكن تبادره مبادرة.

ثمّ ختم كلامه عليه السلام بقوله:

«فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولايتك» (1) .

وبمضمون هذا الحديث روايات مستفيضة عن أئمتنا، جمع قسماً كبيراً منها كتاب «الوسائل» في أبواب متفرّقة.

وقد يتوهّم المتوهِّم أنّ المقصود بالاُخوّة في أحاديث أهل البيت عليهم السلام خصوص الاخوّة بين المسلمين الذين من أتباعهم «شيعتهم خاصّة»، ولكن الرجوع إلى رواياتهم كلها يطرد هذا الوهم ـ وإن كانوا من جهة اُخرى يشدّدون النكير على من يخالف طريقتهم ولا يأخذ بهداهم .

ويكفي أن تقرأ حديث معاوية بن وهب قال:

قلت له ـ أي الصادق عليه السلام ـ: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا؟

فقال: «تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنّهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم،

____________

1- الكافي: ٢/١٣٥ ، الخصال: ٢/٣٥٠ ، الاَمالي للطوسي:٩٨ .


الصفحة 160
ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الاَمانة إليهم» (1) .

أمّا الاَخوّة التي يريدها الاَئمة عليهم السلام من أتباعهم فهي أرفع من هذه الاخوّة الاسلامية، وقد سمعت بعض الاَحاديث في فصل تعريف الشيعة، ويكفي أن تقرأ هذه المحاورة بين أبان بن تغلب وبين الصادق عليه السلام من حديث أبان نفسه.

قال أبان: كنت أطوف مع أبي عبدالله، فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجته، فأشار إليَّ، فرآنا أبو عبدالله.

قال: «يا ابان، إِيّاك يريد هذا؟».

قلت: نعم.

قال: «هو على مثل ما أنت عليه؟».

قلت: نعم.

قال: «فاذهب إليه واقطع الطواف»

قلت: وإن كان طواف الفريضة؟!

قال: «نعم».

____________

1- الكافي ٢/٤٦٤ .


الصفحة 161
قال أبان: فذهبت، ثمّ دخلت عليه بعد، فسألته عن حق المؤمن، فقال: «دعه لا ترده».

فلم أزل أردَّ عليه حتى قال: «يا أبان، تقاسمه شطر مالك».

ثم نظر اليَّ ـ فرأى ما داخلني ـ فقال: «يا أبان، أما تعلم أنّ الله قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟».

قلت: بلى.

قال: «إذا أنت قاسمته فلم تؤثره؛ إِنّما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر» (1) .

أقول: إنّ واقعنا المخجل لا يطمعنا أن نسمِّي أنفسنا بالمؤمنين حقاً؛ فنحن بوادٍ وتعاليم أئمتنا عليهم السلام في وادٍ آخر، وما داخل نفس أبان يداخل نفس كل قارئ لهذا الحديث، فيصرف بوجهه متناسياً له كأنّ المخاطب غيره، ولا يحاسب نفسه حساب رجل مسؤول.

____________

1- مصادقة الاخوان: ٣٨.


الصفحة 162


الصفحة 163

الفصل الخامس

عقيدتنا في:

البعث والمعاد

المعاد الجسماني


الصفحة 164


الصفحة 165

٤٣ ـ عقيدتنا في البعث والمعاد

نعتقد: أنّ الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده، فيثيب المطيعين، ويعذِّب العاصين.

وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبينا الاَكرم صلي الله عليه و اله ؛ فإنّ من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً، ويعتقد كذلك بمحمَّد رسولاً منه أرسله بالهدى ودين الحق، لا بدَّ أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم من البعث، والثواب والعقاب، والجنة والنعيم، والنار والجحيم، وقد صرَّح القرآن بذلك، ولمَّح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة.

وإذا تطرَّق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلاّ لشك يخالجه في صاحب الرسالة، أو وجود خالق الكائنات أو قدرته، بل ليس إلاّ لشك يعتريه في اصل الاَديان كلّها، وفي صحّة الشرائع جميعها.


الصفحة 166

٤٤ ـ عقيدتنا في المعاد الجسماني

وبعد هذا، فالمعاد الجسماني ـ بالخصوص ـ ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي، دلَّ صريح القرآن الكريم عليها ﴿أَيَحْسَبُ الاِِنسـنُ ألَّن نَّجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قـدِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانُه (1) .

﴿وَإن تَعجَبْ فَعَجَبٌ قَولُهُم أَإذا كُنّا تُراباً أَءِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ (2) .

﴿أَفَعَيِينَا بِالخَلقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبسٍ من خَلقٍ جَدِيدٍ (3) .

وما المعاد الجسماني ـ على إجماله ـ إلاّ اعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هيئته الاولى بعد أن يصبح رميماً.

ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب والصراط، والميزان والجنة النار، والثواب والعقاب ،

____________

1- القيامة ٧٥: ٣ ـ ٤.

2- الرعد ١٣: ٥.

3- ق ٥٠: ١٥.


الصفحة 167
بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية.

(ولا تجب المعرفة على التحقيق التي لا يصلها إلاّ صاحب النظر الدقيق،

كالعلم بأنّ الاَبدان هل تعود بذواتها أو إنّما يعود ما يماثلها بهيئات؟

وأنّ الاَرواح هل تعدم كالاَجساد أو تبقى مستمرّة حتى تتّصل بالاَبدان عند المعاد؟

وأنّ المعاد هل يختص بالانسان أو يجري على كافّة ضروب الحيوان؟

وأنّ عودها بحكم الله دفعي أو تدريجي؟

وإذا لزم الاعتقاد بالجنة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن، ولا العلم بأنّهما في السماء أو الاَرض، أو يختلفان.

وكذا إذا وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية، أو لها كفّتان.

ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق، أو هو الاستقامة المعنوية.

والغرض أنّه لا يشترط في تحقيق الاسلام معرفة أنّها من


الصفحة 168
الاجسام...) (1) .

نعم، إنّ تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الاسلامي، فاذا أراد الانسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن ليقنع نفسه دفعاً للشبه ـ التي يثيرها الباحثون والمشككون بالتماس البرهان العقلي أو التجربة الحسية ـ فانّه إنّما يجني على نفسه، ويقع في مشكلات ومنازعات لا نهاية لها.

وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلِّمين والمتفلسفين، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً، والتي استنفدت كثيراً من جهود المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة.

والشبه والشكوك التي تُثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الانسان عن إدراك هذه الاُمور الغائبة عنّا، والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا، والمرتفعة فوق مستوانا

____________

1- مقتبس من كتاب كشف الغطاء: ٥ للشيخ الكبير كاشف الغطاء.


الصفحة 169
الاَرضي، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث.

وعلوم الانسان وتجريباته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئاً

لا يعرفه ولا يقع تحت تجربته واختباره إلاّ بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربة والبحث، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته؟ فضلاً عن أن يتناول تفاصيله وخصوصياته، إلاّ إذا اعتمد على التكهّن والتخمين، أو على الاستبعاد والاستغراب، كما هو من طبيعة خيال الانسان أن يستغرب كل ما لم يألفه ولم يتناوله علمه وحسّه، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد ﴿مَن يُحيي العِظَـمَ وَهَيَ رَميمٌ (1) .

ولا سند لهذا الاستغراب إلاّ إنّه لم يرَ ميتاً رميماً قد اُعيدت له الحياة من جديد، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خُلقت ذاته لاَول مرة، ولقد كان عدماً، وأجزاء بدنه رميماً تألّفت من الاَرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتى صار بشراً سوياً ذا عقل وبيان ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الاِِنسـنُ أَنَّا خلقنه مِن نُطفَةٍ فَإذَا هُو

____________

1- يس: ٧٨.


الصفحة 170
خَصِيمٌ مُبينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسي خَلقَهُ (1) .

يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه: ﴿يُحييِها الَّذِي أَنشَأَهَا أَوّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلقٍ عَليمٌ (2) .

يقال له: إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به، مع قصور علمك حتى عن إدراك سرَّ خلق ذاتك وسر تكوينك، وكيف كان نموّك وانتقالك من نطفة لا شعور لها ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفاً من ذرات متباعدة؛ لتبلغ بشراً سوياً عاقلاً مدبّراً ذا شعور وأحساس.

يقال له: بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميماً، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قِبل لتجاربك وعلومك بكشفه؟

يقال له: لا سبيل حينئذ إلاّ أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات العالم القدير، وخالقك من العدم والرميم.

وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه، ولا يتناوله علمك فهي

____________

1- يس ٧٧ ـ ٧٨.

2- يس ٧٩.


الصفحة 171
محاولة باطلة، وضرب في التيه، وفتح للعيون في الظلام الحالك.

إنّ الانسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الاَخيرة، فاكتشف الكهرباء والرادار واستخدم الذرّة، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حُدِّث عنها في السنين الخوالي لعدَّها من أوّل المستحيلات، ومن مواضع التندّر والسخرية.

إنّه مع كل ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سر الذرّة، بل حتى حقيقة احدى خواصهما وأحد أوصافهما، فكيف يطمع أن يعرف سر الخلقة والتكوين، ثم يترقّى فيريد أن يعرف سرَّ المعاد والبعث.

نعم، ينبغي للانسان بعد الايمان بالاسلام أن يتجنَّب عن متابعة الهوى، وأن يشتغل فيما يصلح أمر آخرته ودنياه، وفيما يرفع قدره عند الله، وأن يتفكَّر فيما يستعين به على نفسه، وفيما يستقبله بعد الموت من شدائد القبر والحساب بعد الحضور بين يدي الملك العلاّم، وأن يتّقي ﴿يوماً لا تَجزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئاً وَلا يُقبَلُ مِنها شَفعةٌ وَلا يُؤخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هُمْ يُنصَرون (1) ؟

____________

1- البقرة: ٤٨.


الصفحة 172

التعريف بمركز الابحاث العقائدية

تأسيس المركز

أسس مركز الابحاث العقائدية في عام ١٤١٩ هـ لنشر مذهب أهل البيت عليهم السلام في العالم ودفع الشبهات عنه، وليعمل على محور العقائد وأهم المسائل الخلافية، ولهذا المركز عدة أقسام نشير إلى بعضها:

الموقع على الانترنت

للمركز خمسة مواقع على الانترنت:

١ ـ موقع المركز، يحوي: التعريف بالمركز، إصدارات المركز، الاجابة على الاسئلة العقائدية، سجل الزوار، مدير المركز، البوم الصور، صفحات شخصية (www.aqaed.com ,net, org).

٢ ـ موقع المكتبة العقائدية، فيه: نص الكتب العقائدية، وكتب ردّ الشبهات، ومؤلفات المستبصرين، والكتب المؤلفة في الردّ على الخط السلفي، وأهم المناظرات (www.shialib.com).

٣ ـ موقع المستبصرين، يحوي: مؤلفات المستبصرين، وحياتهم، ومحاضراتهم الصوتية والمرئية، وصفحات شخصية لهم (www.mostabser.com).

٤ ـ موقع الشيعة والتشيع، الذي فيه: معلومات عن الشيعة في


الصفحة 173
العالم، من ناحية آخر الاحصائيات، والتعريف بهم وبمزاراتهم ومؤسساتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومواقعهم على الانترنت (www.theshia.com).

٥ ـ موقع الندوات العقائدية، الذي يحوي: الندوات التي عقدت في المركز، وذلك على شكل التسجيل الصوتي والمرئي، ونص الندوات كتابة (www.alnadawat.com).

المستبصرون

تم لحد الان التعرّف على أكثر من (٨٠٠٠) آلاف مستبصر في أكثر من (٧٠ دولة) من أديان ومذاهب مختلفة، وخصص لهم المركز سلسلة الرحلة إلى الثقلين لطباعة مؤلفاتهم، حيث تم طباعة بعضها، والعشرات منها في طريقها إلى الطبع، كما وقام المركز بإعداد برنامج «المستبصرون يتحدثون معكم» يحوي على مئات الاشرطة الصوتية والمرئية و cd تحدثوا فيها عن أسباب الاستبصار، كما وقام المركز بإعداد موسوعة عن حياة المستبصرين من القرن الاول إلى القرن الخامس عشر، ونظم المركز عشرات المحاضرات للمستبصرين تكلموا فيها عن أسباب استبصارهم، وقام المركز بإعداد برنامج cd المستبصرين يحوي


الصفحة 174
حياة أكثر من (١٠٠٠) مستبصر وجميع مؤلفاتهم و (١٠٠) ساعة لمحاضرات المستبصرين والشيعة في العالم.

ردّ الشبهات

بعد أن جمع المركز كتب الشبهات والاشرطة الصوتية والمرئية وأقراص cd التي تهاجم مذهب أهل البيت عليهم السلام ، شرع بتنظيم أجوبة شافية على شكل كتب وأبحاث وأشرطة صوتية ومرئية مرتبة حسب المواضيع مع استقصاء شامل لموارد الشبهة والبحث عن منشأ الشبهة والسير التاريخي لها.

الموسوعة العقائدية

شرع المركز بإعداد المقدمات لتنظيم الموسوعة العقائدية، التي تحوي المسائل الكلامية والعقائدية وأهم المسائل الخلافية وما طرح جديداً من العلوم الحديثة، مرتبة على الحروف الالف بائية، كل ذلك بحثاً موضوعياً مستقصياً فيه آراءأهم المدارس الكلامية.

الشيعة في العالم

يقوم المركز بإعداد موسوعة عن الشيعة في العالم، ستصدر في عدة مجلدات، تحوي معلومات وافية عن الشيعة في العالم من ناحية آخر الاحصائيات ونشاطاتهم ومؤسساتهم العلمية


الصفحة 175
ومساجدهم ومجمعاتهم الدينية وحركة الاستبصار، بالاضافة إلى المعلومات العامة عن كل دولة من ناحية الاحصاءات الدينية والمذهبية، وبذلك نعطي صورة واضحة عن كل دولة يستفيد منها الجميع.

الندوات العقائدية

عقد المركز عشرات الندوات العقائدية اشترك فيها أساتذة الحوزة العلمية طرحت فيها أهم المسائل العقائدية والخلافية، يعقب الندوات حوار مفتوح، كما وبثت هذه الندوات مباشرة على الانترنت وطبعت على شكل كراسات صغيرة، وهي محفوظة على الاشرطة الصوتية والمرئية وأقراص cd.

متابعة القنوات الفضائية

للمركز قسم خاص يتابع القنوات الفضائية باللغة العربية، لينتقي منها ما يبث حول مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ومن ثم كتابتها وإصدارها في نشرة شهرية تحت عنوان: (مطارحات فكرية في القنوات الفضائية) توضع باختيار العلماء والباحثين ليكونوا على علم بما يطرح في العالم حول المذهب الحق.

المكتبة العقائدية


الصفحة 176
للمركز مكتبة مختصة تحوي الكتب العقائدية والكلامية والردود والشبهات لكل المذاهب الاسلامية، تحوي المكتبة (١٨٠٠٠) ألف كتاب، كما وفي المكتبة قسم خاص يحوي اسطوانات cd الكتب والعلوم الاسلامية، وتعتبر مكتبة نموذجية في مدينة قم المقدسة.

إرسال الكتب

يرسل المركز أهم الكتب العقائدية وردّ الشبهات والكتب التي تعرف مذهب أهل البيت عليهم السلام إلى المستبصرين والنشطين في التبليغ والمشتركين، ويتم الارسال بصورة مدروسة إلى (٩٢) دولة، وأرسل المركز عشرات الاف الكتب إلى شتى أنحاء العالم وبصورة مجانية.

الاعمال القادمة للمركز

١ ـ تأسيس «معهد مركز الابحاث العقائدية» الذي يهتم بتدريس الابحاث الكلامية والعقائدية وتربية نخبة عقائدية لتأمين المستقبل والوقوف أمام الشبهات.

٢ ـ إصدار مجلة «الشيعة» التي تحوي التعريف بالشيعة والتشيع في شتى المجالات، بالاخص العقيدة ودرء الشبهات.


الصفحة السابقة