×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب العلاقة مع الآخر للشيخ فارس الحسّون (ص ١ - ص ١٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تمهيد:

تعتبر مسألة العلاقة مع الآخر، والأنا والآخر، واستقبال الآخر، ومفهوم بناء مجتمع جديد بقيم جديدة، وسبل صياغة الهوية، وما يتعلق بالعولمة وتحديات اشكاليات القرن الحالي، وبالأخص الغربي.

كل هذه، تعتبر من المسائل المصيرية التي تمتلك سياقات متعدّدة، تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً، حيث أخذت صوراً متنوعة، دخلت الفكر، واحتلّت مساحات في الذاكرة، وفي ثنايا الثقافة والحضارة.

وذلك، لأن الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً، مضطراً لاقامة علاقة مع غيره من البشر، سواء كان هذا الغير إيجابياً أم سلبياً، وبحثنا في هذا المقال يتكفل بالغير السلبي، الذي يتحتّم على البشر أن يبحث عن توازن عادل في العلاقة معه.

وقد حان الأوان للتواصل المشارقي المغاربي، وهو الذي يعبّر عنه بحوار الحضارات، والذي لابدّ وأن يسبقه التواصل المشارقي المشارقي بمختلف تياراته، والإسلامي الإسلامي بمختلف مذاهبه، لنتواصل ونتحاور مع من هو أقلّ اختلافاً معنا، ثم نتدرج في التواصل والعلاقة مع الآخر الذي هو أكثر اختلافاً معنا.

ومن الواضح أن عصرنا الذي نعيش فيه يشهد من جانب أكبر تحدّيات المدارس الوضعية المادّية للفكر الإسلامي وثقافة الوحي، وقد بلغ الصراع الفكري والحضاري بين الاسلام والآخر السلبي أوجاً لم يسبق له مثيل فيما عرفناه من التاريخ.

ومن جانب آخر، يشهد عصرنا صحوة اسلامية زاخرة بالعطاء، مبشرة بمستقبل للبشرية زاهر بنور الوحي.

ويتطلب هذا كله من المفكرين من أبناء الاسلام المخلصين أن يشيدوا أسساً علمية ومناهج معتمدة على دراسات معمقة حول موضوع العلاقة مع الآخر، وكيفية الحوار معه، وذلك بالتصدّي للتحدّي المضاد من جانب، وعرضاً للأطروحة الاسلامية التي تستجيب

٤
لتطلعات الإنسان نحو حياة مشرقة بنور العدل والاسلام عامرة بدفء الفضيلة والتقوى من جانب آخر.

ولا يتم ذلك، إلاّ بالتفاهم بين شتّى فصائل الفكر الإسلامي وفتح باب الحوار بين بعضها والبعض الآخر.

وفي بحثنا هذا الذي كتبناه على عجالة، سنشير إلى بعض المسائل التي نطرحها على طاولة البحث، لننتظر رأي أصحاب الفضيلة في مناقشتها وبلورتها وتكميلها.

٥

العلاقة مع الذات... ثم مع الآخر:

كثيرون هم الذين يطرحون مسألة العلاقة مع الآخر على طاولة البحث العلمي، ناسين أو متناسين البحث عن العلاقة مع الذات أولا، والتي تكون بمثابة المقدّمة للعلاقة مع الآخر.

وسوف نشير بإيجاز إلى أهم مسألتين لهما صلة بالعلاقة مع الذات:

١ ـ تطابق القول مع الفعل:

وهو صراع قديم نشأ مع نشأة الإنسان الأولى، واستمر، وسيستمر مع بقاء الإنسان.

إنّ تطابق القول مع الفعل كلما قلّت الفجوة بينهما وأصبح الفرد أكثر ارتياحاً مع نفسه في تطابق قوله مع فعله، كلما كان أكثر انسجاماً في علاقته مع الآخر.

إنّ تطابق القول مع الفعل هو المصداق البارز للعلاقة مع الذات.

٢ ـ معالجة الاضطراب النفسي:

من العوامل التي تتوقف عليها مسألة العلاقة مع الآخر، هي الاضطراب النفسي، الذي يعدّ البحث فيه من مسائل العلاقة مع الذات.

والاضطراب النفسي موجود منذ أن وجد الإنسان، وهو يسبب الخلل بين الذات والآخر، وكان للتقدّم التكنولوجي أسبابه الواضحة في مضاعفة نسبة الاصابة، والتي كانت نتيجة هذا التطور على حساب العلاقات الإنسانية.

٦

العلاقة مع الآخر... والحوار:

بات الحوار مع الآخر من أوليات المصاديق الخارجية للعلاقة مع الآخر، لأنه الأداة الوحيدة التي تقرب وجهات النظر بين المختلفين وتعرف بعضهم على بعض وتدفع الكثير من الابهامات.

إن العلاقة مع الآخر لم تكن صراعاً دائماً، كما أنها لم تسكن دائماً في بيت الحوار، وهذا هو الذي يعكس طبيعة العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، كل على صعيد، دون أن نفلت جانباً منها على الآخر، ودون أن نذهب إلى تشاؤم مطلق يكدس الصراع، أو تفاؤل شامل يعزز الحوار.

ومع التأكيد على الخصوصيات والهويات الثقافية في القرن الحادي والعشرين في مواجهة هجمات العولمة والنمذجة، أو صيحات التفوق الحضاري، فإن الحاجة إلى الانفتاح دون الاستلاب، والتواصل دون الانبهار، تظل قائمة بيننا وبين الآخر.

ونحن كمسلمين لا نبدأ العلاقة مع الآخر بالغائة، بل على العكس تماماً الإسلام يطلب منّا أن نتعرف على الآخر ونتواصل معه، وأن نقدّم له أفكارنا ونناقشه بها، ويتمثل ذلك جلياً بالرجوع إلى القرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام).

الاسلام لم يطلب من أهل الكتاب إلاّ أن يعبدوا اللّه، وذلك حين قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ اللّه)(١)، يعني الالتزام بالمتفق عليه بين الأديان السماوية، وهو عبادة اللّه، ثم يبدأ الحوار معهم في الأمور التفصيلية الأخرى، فهي دعوة إلى الاقتراب والحوار.

الإسلام نادى بالمحبة حين دعى الآخر فيما قال: (تعالوا إلى)، وذلك لأن الإسلام منطلق علاقته بالآخر تقوم على محبة هذا الآخر وجلب الخير له، وليس على كرهه أو تمنّي الشر له.

١ - سورة آل عمران: ٦٤.

٧
لكن هذا الآخر هل يتعامل مع الإسلام بمثل ما تعامل الإسلام معه؟ أم أنه يريد من الإسلام والمسلمين أن يبقوا دائماً في عداد العالم الثالث في أفكارهم وثقافتهم واقتصادهم وحتّى صناعتهم.

إن الحوار يعتبر من أهمّ العوامل المؤدية إلى توسيع آفاق الرؤية واثراء الرصيد المعرفي بالمعلومات الجديدة وتخطّي الحواجز الموجودة بين الذين يختلفون معاً في الرأي، لأنّ فيه يكتسب كل من طرفي الحوار ـ عن طريق تبادل الرأي وتلاقح الفكر ـ الرؤية الواضحة عن فكر الآخر، فيؤدي ذلك إلى التفاهم والتقارب الفكري بين الطرفين وشعور كل منهما بأن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة.

والسبب في ذلك هو أن كل إنسان يشاهد الواقع من زاوية معينة، فلهذا قد يرى الإنسان حين رؤيته إلى الحقائق مالا يراه الآخر، وفي الحوار تتوجّه الجهود ويتم التعاون بين الطرفين ليرى كل منهما صاحبه الواقع من زاوية أخرى، ويقوم كل منها ـ على قدر وسعه ـ بتصحيح أفكار المقابل وتعديل صورته الذهنية عن الحقيقة وإزالة ما قد التبس عنده من مفاهيم، وبهذا تكتمل صورة الحقيقة عند الطرفين ويشعر كل منهما أنه قريب من الآخر نتيجة التعاون الذي أجروه معاً لاكتساب الشمولية في الرؤية.

سبل صيانة الحوار من الفشل

إن الاختلاف من شأنه أن يوفر الأجواء لتكوين العداوات وتأجيج نيران الحقد والضغينة في القلوب، فلهذا ينبغي في الحوار ـ لكونه سبباً لاجتماع المختلفين في الآراء ـ أن يراعي كل من الطرفين الضوابط التالية، لئلاّ يتحوّل الحوار إلى ساحة سجال وعراك ومشاجرات كلامية:

١ ـ تحديد مساحة مشتركة في الحوار من أجل الوصول إلى لغة مشتركة يمكن من خلالها التفاهم حين تبادل وجهات النظر، والمبادرة إلى اقناع الطرف المقابل على ضوء مبناه وبما ألزم به نفسه.

٢ ـ ضبط الغضب والسيطرة على كل انفعال من شأنه أن يسلب قدرة الإنسان على التفكير بوضوح ويدفعه إلى الخروج عن حالة التوازن والاعتدال في الكلام والتصرفات.

٨
٣ ـ إدراك طرفي الحوار بأنّ الحوار ليس ساحة حرب أو معركة من أجل تأكيد الذات والتغلب على الآخرين، بل هو ساحة تعاون مشترك من أجل اكتشاف الحقيقة، فلهذا لا يشترط في الحوار أن يكون فيه غالب ومغلوب في نهاية المطاف، بل المطلوب أن يبيّن كل من الطرفين وجهة نظره للآخر، ليوسّع بذلك آفاق رؤيته إلى الحقائق.

٤ ـ خلق أجواء ملؤها الثقة المتبادلة بين الطرفين، وإقامة علاقة طيبة ومتينة مع المقابل بحيث يكون الطرفان قادران على فتح المغلق في أنفسهما وأن يتكلّما بحرية كاملة دون تحفّظ.

٥ ـ التفريق بين الفكر الضال والمنحرف وبين من يحمل هذا الفكر في ذهنه، والانطلاق من منطلق محبة الطرف المقابل في الحوار كانسان كرّمه اللّه تعالى على سائر خلقه، والسعي من أجل انقاذه من الفكر المنحرف العالق بذهنه، لأنّ الذي يرى المحاور أو الإنسان المتخبط في أوحال الضلال عدواً وخصماً له، لا يستطيع نفسياً أن يقدّم له الخير، ولا يستطيع أن يكون مهتمّاً بهدايته وارشاده إلى سواء السبيل، بل يكون همّه القضاء عليه والتعريض الدائم به وتجريحه والاطاحة بكيانه وعدم إرادة الخير له.

٦ ـ الابتعاد عن استخدام المغالطة والمراوغة وجميع الأساليب غير الموضوعية، من قبيل: عدم مراعاة وحدة الموضوع، التلاعب بالألفاظ، الخلط بين المفاهيم والالتجاء إلى التأويلات الفاسدة والاستشهاد بالاقتباسات المبتورة والمشوّهة عن الواقع و...

من شروط الحوار البناء

إن أصحاب العقليات التقليدية التي تحكمها الأفكار الموروثة وأصحاب العقليات الجامدة التي تعيش حالة الحرمان من إعمال العقل والنظر، لا يستطيعون التصدّي للحوار مع من يخالفهم في الرأي.

لأنّ هؤلاء لا يمتلكون الأدلّة والبراهين الكافية لاثبات معتقداتهم الموروثة، فلهذا لا يستطيعون البرهنة على صحة أفكارهم أو الردّ على ما يوجّه إليهم من انتقادات، فلهذا لا يجد هؤلاء سبيلا أمامهم حين الدخول في الحوار سوى التهجّم على المقابل واتهمامه بالكفر والزندقة والعمالة وكل وصف يندي له الجبين.

٩
فلهذا، لا يكون الحوار بنّاءاً ومفيداً إلاّ إذا دار بين قوم تبلورت معتقداتهم عن بحث ودراسة واجتهاد، والذين لهم القدرة على عرض أفكارهم بصورة منظمة وعلى ضوء الضوابط المنطقية والقواعد العقلية.

احتمال ما عند الآخر من حق في الحوار

إنّ كل واحد من طرفي الحوار إذا حضر على طاولة الحوار مع الآخر وهو ينظر إلى نفسه أنه الحق المطلق، وغيره الباطل المطلق، وهذا يعني أنه حكم على نتيجة الحوار قبل حدوثه، فإن أمثال هكذا حوار سوف لا يكون إلاّ مجادلة ومماطلة، لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة.

ولا نريد من كلامنا هذا أن ندخل في بحث نظرية نسبية الحق، والتي أبطلتها المدرسة الإسلامية التي تعتمد على الوحي وعلى الغيب، وأثبتها الخط المتجدد الذي له بعض التحفظات والتأويلات على مسألة الوحي والغيب.

ولكن الذي نريد أن نطرحه هو مسألة فرضية، يمكن بواسطتها أن نضمن نجاح الحوار، وذلك بأن ينزّل كلّ من طرفي الحوار ـ قبل مثوله على طاولة الحوار ـ نفسه منزلة أن يكون ما عند الآخر بعض الحق وما عنده هو بعض ما لا يوافق الحق، ليستطيع بذلك أن يسمع كل منهما إلى الآخر، ولا يحكم على نتيجة الحوار قبل وقوعه، وإن كان كل منهما قد احتفظ في قرارة نفسه بمعتقده ولم يتنزل عنه، ولكن هذا الفرض سيضمن نجاح الحوار، بشرط أن يدوم مع دوام حياة الإنسان واحتياجه إلى العلاقة مع الآخر بالتعايش معه الذي لا يمكن بدون حوار.

حديث شريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) يبين أساس العلاقة مع الآخر

ويمكن أن نجعل ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أساس البناء للعلاقة مع الآخر، وذلك حين قال(عليه السلام): "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتّى يكون فيه عشر خصال:....

العاشرة، وما العاشرة: لا يلقى أحداً إلاّ قال: هو خير مني وأتقى، إنما الناس رجلان:

رجل خير منه وأتقى.

١٠
وآخر شرّ منه وأدنى.

فإذا لقي الذي هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به.

وإذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى، قال: لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن.

فإذا فعل ذلك، علا وساد أهل زمانه"(١)

١ - الشيخ الطوسي: الأمالي ج١ ص١٥٢.

١١

العلاقة مع الآخر... والتقية:

إن التقية قبل أن تكون مفهوماً تشريعياً يعتمد على القرآن والسنة، فهي مسألة وجدانية يقرّها العقل والفطرة.

التقية بمفهومها الخاصّ عند مختلف المذاهب الاسلامية، وبمفهومها العام عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، هي نوع من أنواع العلاقة مع الآخر، وتبيين لطرح الوسطية في الإسلام للعلاقة مع الآخر.

الآخر الذي يخالفنا في الرأي، إما أن يكون موضوعياً في البحث والخطاب الديني، متفهماً لشروط الحوار، وله ثقافة رفعية المستوى في استيعاب من خالفه الرأي، فهذا النوع من البشر تكون معه التقية بمفهومها المداراتي والمقابلة بالمثل والتأكيد على احترامه، وإن الاختلاف معه في الرأي لا يوجب القطيعة، ولابدّ من ترك المنفرات في ذلك.

روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: "رحم اللّه عبداً اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، فحدّثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون"(١).

والآخر الذي يخالفنا في الرأي، الذي بيده القدرة والسطوة، ولا يتسم بالموضوعية في قبول من يخالفه في المعتقد، ويستعمل ما عنده من قدرة وسلطة لفرض معتقده ورأيه على من خالفه، فهذا النوع من البشر تكون التقية معه بمفهومها الحقيقي الذي لأجله شرّعت التقية.

إذن، التقية هي نوع من المداراة في المعاملة مع الآخر السلبي، والآخر صاحب القدرة على إيصال الأذى باستعمال العنف، وليست هي تنزل عن المعتقد أو تركه وتغييره.

وبناءً على هذا، فالتقيّة مسألة عقلية وجدانية عامة لا تختص بدين دون آخر أو معتقد دون غيره، فهي مسألة وجدانية يستعملها الكل في حالات معينة ومواقف اضطرارية موقتة إلى أن يرتفع المانع.

١ - الشخ الصدوق: الخصال ص٢٥ ح٨٩.

١٢
روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه"(١).

وبما أن أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم مرّوا بظروف عسيرة جداً، وواجهوا أشدّ أنواع العنف والارهاب الذي لم تشهده أي فئة أو مجموعة; لذا تجد اهتمامهم الكبير بموضوع التقية، وتقنين هذه المسألة والتأكيد عليها وتبيين ضوابطها، ويتبيّن ذلك جلياً من خلال مئات الأحاديث المروية بالطرق الصحيحة عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام)، والتي سننتقي بعضها:

١ ـ قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): "رفعت عن أمّتي أربع خصال: ما اضطرّوا إليه، وما نسوا، وما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب اللّه: (ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به)(٢)، وقول اللّه: (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(٣)"(٤).

٢ ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): "التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به"(٥).

٣ ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): "إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذ بلغ الدم فليس تقية"(٦).

٤ ـ قال أبو بصير: قال الإمام الصادق(عليه السلام): "التقية من دين اللّه"، قلت: من دين اللّه؟ قال: "إي واللّه من دين اللّه، ولقد قال يوسف: (أيتها العير إنكم لسارقون)(٧) واللّه ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: (إني سقيم)(٨) واللّه ما كان سقيماً"(٩).

١ - السيد المرتضى: المحكم والمتشابه ص٣٦.

٢ - سورة البقرة: ٢٨٦.

٣ - سورة النحل: ١٠٦.

٤ - الشيخ العياشي: تفسير العياشي ج١ ص١٦٠ ح٥٣٤.

٥ - الشيخ الكليني: الكافي ج٢ ص١٧٤ ح١٣.

٦ - الشيخ الكليني: الكافي ج٢ ص١٧٤ ح١٦.

٧ - سورة يوسف: ٧٠.

٨ - سورة الصافات: ٨٩.

٩ - الشيخ البرقي: المحاسن ص٢٥٨ ح٣٠٣.

١٣
٥ ـ روى بكر بن محمد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: "إن التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له"، فقلت له: جعلت فداك قول اللّه تبارك وتعالى: (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(١)؟ قال: "هل التقية إلاّ هذا"(٢).

٦ ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث: "إن جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا محمد إنّ ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه اللّه أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من اللّه بالجنة"(٣).

١ - سورة النحل: ١٠٦.

٢ - الشيخ عبد اللّه بن جعفر الحميري: قرب الاسناد ص١٧.

٣ - السيد فخار بن معد: الحجة على الذاهب إلى كفر أبي طالب ص١٧.

١٤

العلاقة مع الآخر... والعنف:

الغرائز المودعة لدى الإنسان تنقسم إلى غرائز إيجابية وغرائز سلبية، ولكل واحدة من هذه الغرائز استعمالات إيجابية واستعمالات سلبية.

والعنف، من الغرائز السلبية، له استعمال إيجابي واستعمال سبلي:

الاستعمال الإيجابي للعنف، الذي يكون من أبرز مصاديقه القصاص، الذي عبّر عنه القرآن: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)(١).

والاستعمال السلبي للعنف الذي يكون من أبرز مصاديقه استعمال العنف في مقابل الكلمة، واستعماله في مقابل الفكر.

قال الشيخ الطوسي: "... وإنكار المذاهب الفاسدة لا يكون إلاّ بإقامة الحجج والبراهين والدعاء إلى الحق، وكذلك إنكار أهل الذمة"(٢).

ولو استطعنا أن ننشر ثقافة حذف العنف في مقابل الفكر والكلمة لدى شعوبنا وأعطيناها الحرّيات الكاملة في التفكير، لاستطعنا أن نضمن استمرار العلاقة مع الآخر السلبي مهما بلغت الفجوة بينهما.

حكم المرتد... والعنف

وأما ما ربما يذكر من الاعتراض على هذا المدّعى بوجود بعض الأحكام الشرعية التي تناقض هذا الادعاء على عمومه، ومن أبرز هذه الأحكام هو مسألة الارتداد.

وفي مقام الجواب نشير إلى عدّة نقاط:

١ ـ إن أصل تشريع الارتداد كان في قبال أشخاص يدخلون الدين الإسلامي في الصدر الأول، ومن ثمّ يتركونه، وكان قصدهم من ذلك إضعاف الدين، فكانت عملية حرب من نوع آخر استعملها المشركون لافشال الدعوة، فلم يكن في البين فكر ومعتقد،

١ - سورة البقرة: ١٧٩.

٢ - الشيخ الطوسي: التبيان في تفسير القرآن ج٢ ص٥٦٦.

١٥
كتاب العلاقة مع الآخر للشيخ فارس الحسّون (ص ١٦ - ص ٢٧)
١٦
الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقرّ عنده، وقال تعالى: ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(١)..."(٢).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): "لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا"(٣).

قال الراغب الأصفهاني: والجحد في اللغة هو: نفي ما في القلب إثباتُه، واثبات ما في القلب نفيُه، قال عزّ وجلّ: ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(٤)، يقال: جحد جحوداً وجحداً(٥).

وقال ابن منظور: الجحد نقيض الاقرار، كالانكار والمعرفة، والجحود هو الانكار مع العلم(٦).

ويؤيّد كل ذلك ويشرحه قوله تعالى: ( إنّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى...)(٧).

وروي عن أبي بصير أنه قال للامام الصادق(عليه السلام): ما تقول فيمن شك في اللّه؟ فقال: "كافر يا أبا محمد"، قال: فشك في رسوله اللّه؟ فقال: "كافر"، ثم التفت إلى زرارة فقال: "إنما يكفر إذا جحد"(٨).

قال العلاّمة المجلسي في شرحه لهذا الحديث:... الثاني من تلك الوجوده هو: أن يكون المراد أن الشك في أصول الدين مطلقاً إنما يصير سبباً للكفر بعد البيان وإقامة الدليل، ومن لم تتمّ عليه الحجّة ليس كذلك..."(٩).

١ - سورة النمل: ١٤.

٢ - الشيخ الحر العاملي: وسائل الشيعة ج١ ب٢ ح٩.

٣ - الشيخ الكليني: الكافي ج٢ ص٣٨٨ ح١٩.

٤ - سورة النمل: ١٤.

٥ - الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن ص١٨٧.

٦ - ابن منظور: لسان العرب ج٢ ص١٨٢.

٧ - سورة محمد: ٢٥.

٨ - الشيخ الكليني، الكافي ج٢ ص٣٩٩.

٩ - الشيخ المجلسي: مرآة العقول ج١١ ص١٨٣.

١٧

حديث شريف عن الإمام الكاظم(عليه السلام) ينهى عن استعمال العنف

ونختم هذا الفصل بالحديث الشريف الذي يبين علاقة أهل البيت(عليهم السلام) مع الآخر السلبي، والنهي عن استعمال العنف معه:

روي أن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر، ويؤذيه إذا لقيه.

وكان قد قال له بعض حاشيته: دعنا نقتله، فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر.

ثم مضى راكباً حتى قصده في مزرعة له، فتواطأها بحماره، فصاح: لا تدس زرعنا، فلم يصغ إليه، وأقبل حتى نزل عنده فجلس معه وجعل يضاحكه.

وقال له: "كم غرمت على زرعك هذا؟".

قال: مائة درهم.

قال: "فكم ترجو أن تربح؟".

قال: لا أدري.

قال: "إنما سألتك كم ترجو؟".

قال: مائة أخرى.

قال: فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها لها.

فقام فقبل رأسه.

فلّما دخل المسجد بعد ذلك وثبت العمري فسلّم عليه وجعل يقول: (اللّه أعلم حيث يجعل رسالته)(١).

فوثب أصحابه عليه وقالوا: ما هذا؟

فشاتمهم.

وكان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلّم عليه ويقوم له.

فقال أبو الحسن موسى لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري: "أيما كان خيراً: ما أردتم،

١ - سورة الأنعام: ١٢٤.

١٨
أو ما أردت من أن أصلح أمره بهذا المقدار؟!"(١).

١ - أبو الفرج الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص٤٩٩ ـ ٥٠٠، الخطيب البغداد: تاريخ بغداد ج١٣ ص٢٧ ـ ٣٢، الذهبي: ميزان الاعتدال ج٤ ص٢٠١ ـ ٢٠٢ وقال: إن صحّت فهذا غاية الحلم والسماحة.

١٩

العلاقة مع الآخر... والجهاد:

من أبرز المصاديق التي كانت ولا زالت محلاًّ للاعتراض على مسألة العلاقة مع الآخر، هي مسألة الجهاد في الإسلام، باعتبار أن هذا الحكم يتنافى مع حرية التفكير والمعتقد، ويعتبر المصداق البارز للعنف، وهو العائق الأساس أمام العلاقة مع الآخر.

ولا يمكن أن نصل إلى حقيقة نظر الشارع إلى موضوع الجهاد، قبل طرح مسألة "تمامية الحجّة" على طاولة الحوار.

وقد أشرنا في الفصل السابق "العلاقة مع الآخر... والعنف"، إلى العامل المشترك الذي يؤكد عليه أهل البيت(عليهم السلام) في كثير من الأحكام الشرعية، وهو "تمامية الحجة" ومن هذه الأحكام الشرعية هي مسألة "الجهاد"، التي اشترط فيها الشارع المقدس ـ وفقاً لمباني مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ـ تمامية الحجة التي لا يمكن أن تأتي إلاّ بواسطة المعصوم(عليه السلام)الذي يتمثل عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالنبي والأئمة الاثني عشر صلوات اللّه عليهم أجمعين.

فقد روي أن عباد البصري لقي علي بن الحسين(عليه السلام) في طريق مكة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه، إنّ اللّه عز وجل يقول: (إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه )الآية(١)، فقال علي بن الحسين صلوت اللّه عليه: "أتم الآية"، فقال: (التائبون العابدون الحامدون للّه السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه وبشّر المؤمنين)(٢)، فقال علي بن الحسين(عليه السلام): "إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج"(٣).

١ - سورة التوبة: ١١١.

٢ - سورة التوبة: ١١٢.

٣ - الشيخ الكليني: الكافي ج٥ ص٢٢ ح١، الشيخ الطوسي: التهذيب ج٦ ص١٣٤ ح٢٢٥.

٢٠