×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الغيبة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
 الغيبة للشيخ محمد رضا الجعفري
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :٨-٢٣١-٣١٩-٩٦٤

الغيبة

للشيخ محمد رضا الجعفري

الطبعة الاُولى - سنة ١٤٢٠هـ

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٥

مقدّمة المركز

لا يخفى أنّنا لازلنا بحاجة إلى تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ مدّ ظلّه ـ إلى اتّخاذ منهج ينتظم على عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي على أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً على الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع

٦
ـ بطبيعة الحال ـ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول على أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلى شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها على المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتى أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها على شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالى أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسّون   

٧
بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيـد

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّد رسله وخاتم أنبيائه محمد وآله الطيبين الطاهرين الائمة الهداة المعصومين، لا سيما أولهم مولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيّين، وخاتمهم مولانا الامام الثاني عشر المهدي المنتظر عجّل الله فرجه وجعلنا من أنصاره وأعوانه، ولعنة الله على أعدائهم والموالين لاعدائهم والمعادين لاوليائهم من الاوّلين والاخرين، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

اللّهم صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والعن من آذى نبيّك فيها من الاولين والاخرين.

السلام عليكم أيّها الاخوة ورحمة الله وبركاته.

يسعدني أن أكون ممّن أمكنه الله أن يلبّي حاجة في نفوس المعتنقين لولاء أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين، في أمسّ مسائل العقيدة التي يواجهها إيمانهم، والتي قد يجد أعداؤهم الثغرة للطّعن في إيمانهم، وهو ما يرجع إلى مولانا الامام الحجّة المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه، خاصّة فيما يرجع إلى غيبته.

٨
يسعدني أن أكون ممّن وفّقهم الله تعالى لكي ألبّي هذه الحاجة في بحث أطرحه وأؤطِّره بإطارين:

الاطار الاوّل: الوقت الذي حدّد لي أن يكون البحث يكتمل إلى حدّ ما، ضمن هذا الوقت.

والثاني: الايجاز الذي تتطلبه مثل هذه البحوث التي تلقى مباشرة على السامعين، فالبحوث إن كانت طويلة وجاءت في كتاب فللقارئ أن يتجاوز صفحات أو أن يغفل صفحات ويكتفي بما يحاول أو يتلذّذ بقراءته، وأما السامع المسكين الذي لا يملك إلاّ أن يعصر أذنيه كي لا يسمع، فهذا من الصعب جداً أن يكون البحث بالنسبة إليه ممتعاً، إلاّ إذا كان إلى حدٍّ لا يجد السامع منه مللاً ولا يرى فيه نقصاً في الاداء أو إيجازاً مخلاً، فلا تكون الاسئلة التي كانت تدور في ذهنه قد بقي منها مالم يجد الاجابة عليه فيما سمعه.

ومن الله سبحانه وتعالى ومن وليّه وحجّة عصره مولانا الامام المهدي المنتظر ـ الذي يرانا ولا نراه والذي يعلم بحالنا ولا نعلم بحاله إلاّ ما أخبرنا الوحي به ـ أستمدّ أن يعينني على حسن الاداء وأن يعينكم أو يحقق لكم حسن الاستماع، إنه نعم المولى ونعم النصير.

٩

موضوع البحث

الموضوع الذي طلب منّي أن يكون بحثي يدور في فلكه: هو ما يرجع إلى الامام المهدي سلام الله عليه في غيبته، وما انتهى إليه هذا العنصر الاعتقادي الهامّ الذي يميّز الشيعة في عددهم المبارك، يعني في العدد الاعتقادي للائمة الذي يعبّر عنه بالشيعة الاثني عشرية.

الكلام حول المهدي سلام الله عليه فيما أنا فهرستُ ووضعتُ المنهج له، وأنا أقرأ نقاط البحث، فإن وفقني الله سبحانه وتعالى كي أكمل هذه النقاط في جلستنا هذه فنعمت النتيجة للمتكلّم والسامع، وإن بقي شيء فأرجوا الله سبحانه وتعالى أن لا يكون الفاصل بين هذه الحلقة والحلقة التي تستدعيها فيما بعد، أن لا يكون الفاصل بحيث يُنسي الاولى أو لا يمكن المستمع إلى الاخرى من استماعها للفاصل الزمني الطويل.

البحث عن غيبة الامام المهدي سلام الله عليه يرتبط بالبحث عن إمامته كأحد الائمة، ولا يمكن أن يستغني عنه الباحث عن إمامة المهدي سلام الله عليه وعن البحث في غيبته، وقبل هذا نقاط أوجزها:

النقطة الاولى

إن غيبة المهدي سلام الله عليه وظهوره كموت الخليقة وحشرها أمرٌ

١٠
قدّره الله سبحانه وتعالى ـ حسب رأينا نحن الامامية الاثنا عشرية ـ ولم يستشر فيه أحداً ولم يوكّل أمره إلى أحّد غيره.

يعني أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق قدّر لهم النشأة الاولى هذه، وقدّر لهم النشأة الاخرى، شئنا أم أبينا، كنّا في رضىً من ذلك أم كرهناه، وذلك لحبنا لهذه العاجلة، أو مع الاسف الشديد لاننا أسأنا العمل فنكره المواجهة مع آثام العمل وآثاره.

إنّ الله سبحانه وتعالى قدّر للخلق أن تكون لهم نشأتان: نشأة في حياتهم الدنيا، ونشأة أخرى في حياتهم الاخرى، وهكذا أيضاً قدّر الله سبحانه وتعالى أن يكون عدد أوليائه إثني عشر، لا يزيدون واحداً ولا ينقصون واحداً، وقدّر لهذا الثاني عشر أن يغيب من بيننا وهو حي وأن يظهر في الزمن الذي اختاره الله سبحانه وتعالى بحكمته وقدّره بعلمه، شئنا أم أبينا.

وأعني أنّنا لسنا مختارين، ولم يجعل الله سبحانه خياراً لنا في أن نحيا ونحشر بعد أن نموت، بحيث أننا إذا وجدنا في حياتنا الاخرى تلك منشأ لذّة أحببنا الحياة، وإن وجدنا فيها آثاماً وسوء نتائج لسوء أعمالنا في هذه الحياة اخترنا أن يكون موتنا موتاً دائماً.

والذين قرأوا جداول أبي ماضي يعلمون بأن شبهة المعاد عنده أساسها هذه، هذه الشبهة لو أردنا أن ننظر إليها من ناحية تندّر وظَرَفْ، لابدّ وأنكم سمعتم أن هناك من يتندر فيقول: بأن الجوزة إن كان لابدّ لها من حامل ولا يكون إلاّ شجرة باسقة سامقة كبيرة طويلة العمر، فكيف بالبطيخة، البطيخة لابدّ أن تكون شجرتها أكبر من شجرة الجوزة، مع العلم بأن هذا تندّر أو تغفّل أو شيء آخر أسوء من هذين، لماذا؟ لاننا واجهنا في الحياة أنّ الله سبحانه

١١
وتعالى قدّر للجوزة أن تكون ثمرة لشجرة باسقة، وأن لا يكون للبطيخ إلاّ هرش صغير.

فالعالم هو الذي يأخذ الحقائق كما هي ثم يستعين بها في حياته، يعني بحيث أننا لو أردنا أن نستحصل الجوزة علينا أن نهيء أو نغرس شجرتها وننتظر وقد يكون انتظارنا يستمر سنين إلى أن نحصل على الثمرة، وإذا أردنا أن نحصل على البطيخة، فالبطيخة أهون بكثير في استحصالها من حيث الزمن ومن حيث الغرس ومن حيث العناية بالغرس، وأسهل بكثير من الجوزة وشجرتها.

حقائق الحياة لا نملكها نحن ولا يملكها إلاّ الله سبحانه وهو الذي قدّرها واستمرّ عليها ويستمر عليها لحكمته، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

الامام المهدي سلام الله عليه قدّر الله بحكمته أن يكون آخر الائمة، وأن يكون مهدي هذه الامّة، وأن يكون هو الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أو بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، ولا فرق بين العبارتين، إلاّ ما يتخيله الانسان من أنّ كاف التشبيه قد تكون أهون من البعدية، ولا فرق بين الاثنين بحسب الواقع، وأنا أشير إلى مناقشات حصلت في الموضوع.

فالامام المهدي سلام الله عليه إرادة الله في عالم الشريعة، كما أنّ حشره سبحانه وتعالى لخلقه إرادته في عالم الخليقة والتكوين، لا فرق بين الاثنين، لم يستشر أحداً في الاولى أي في الحشر بعد الموت، ولا يستشير أحداً في الثانية، أي إنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي قدّر أن يكون لهذه الامّة مهدي يظهر في آخر الزمان، وأن يكون من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ولد أمير المؤمنين (عليه السلام)والصديقة الكبرى سلام الله عليها، وأن يكون من ولد

١٢
الحسين (عليه السلام)، «إنّ الله تعالى عوّض الحسين من قتله أن جعل الامامة في ذريّته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره...»(١) .

وهذه حقيقة هامّة يجب أنْ لا نغفل عنها، وهي أن إيماننا بالمهدي لا يرتبط بأنفسنا من ناحية ذاتية، بحيث أني لو أحببت المهدي أؤمن به، ولو لم أُحبّ لا أؤمن، إيماني بالمهدي خضوع وتسليم لارادة الله كإيماني بكل ما أراه من سنّة الله تبارك وتعالى في هذا الكون وسنّته في الخلق، عليّ أن أنسجم وأن أجعل نفسي وحياتي ملائمة ومنسجمة مع سنّة الله، سنن الله سبحانه وتعالى لا تكون بحيث يرضى بها أحد فتكون سنّة ويكرهها آخر فلا تكون سنّة بالنسبة إليه.

النقطة الثانية

إنّني حينما أتكلم عن المهدي سلام الله عليه أتكلّم عن موقع المهدي والمهدوية في عقائدنا نحن الشيعة الامامية الاثنا عشرية، وتفسير هذا أنّ المهدي سلام الله عليه قد يختلف عن باقي الائمة، ومنهم أمير المؤمنين سلام الله عليه، فله جانبان: جانب اختصصنا به نحن الامامية، وجانب ثان اشترك فيه معنا غيرنا من فرق المسلمين، وحتّى أمير المؤمنين سلام الله عليه له جانبان، جانب أقرّ به غيرنا من فرق المسلمين، وخاصة الفرق التي لها جانب رواية للسنّة وعناية بالحديث.

فلا أتكلم هنا عن المهدي والمهدوية عند المعتزلة، لان المعتزلة أطّروا

(١) الامالي للطوسي ٣١٧ ج ٦٤٤.

١٣
مذهبهم باطار عقلي لا أقول بأنه صادق كلّه أو لا، مائل عن الحق أو لا، هذا خارج عن بحثي هنا، أما فِرق المسلمين التي جعلت من السنّة أساساً لعقائدها فلا تشترك معنا في الايمان بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنها تشترك معنا في القول بالمهدي وأنه يخرج في آخر الزمان.

وأنا أملك نصوصاً كثيرة تدلّ بوضوح على أنّ علماءهم في الحديث والمعنيين بالدراسات الحديثية قالوا بأن أحاديث المهدي متواترة، فقد رواها أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية، بل وبعض الحديث الذي جاء عن بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود، السند إلى عبد الله عندهم متواترة لكثرة مَن يرويه من رواتهم عن عبد الله.

ولكنهم حينما يجمعون أحاديثهم ويفسّرون بعضها ببعض قد يكون منهج التفسير عندهم يختلف عن منهج التفسير عندنا نحن الامامية، وقد تكون النتيجة عندهم تنتهي إلى ما لا تنتهي إليه بحوثنا العقائدية.

مثلاً نجدهم يقولون بأن الاصح أنّ المهدي سلام الله عليه من ولد الحسن (عليه السلام)، وهذا عندنا غير وارد.

أو أنّ المهدي الذي بشّر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كيف عرّفه؟ يقولون بأنه جاء في كثير من الاحاديث: يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي(١) وبهذا يكون اسم أبيه الكريم عبد الله، لا الامام الحسن بن علي العسكري سلام الله عليهما.

أو أنه يخرج من أين؟ في بعض رواياتهم ـ وإن كانت غريبة عندهم

(١) سنن أبي داود ٤: ١٠٦ ـ ١٠٧ ح٤٢٨٢.

١٤
ويستغربونها ويقولون بأنها من غريب الاحاديث ـ أنه يخرج من المغرب.

أنا حينما أتكلم عن المهدي سلام الله عليه، أتكلم عن موقعه الخاص في عقيدتنا نحن الامامية الاثنا عشرية خاصة، فاذا استعنت بحديث غيرنا أستعين به فيما يؤكد ويقوّي نظرتنا نحن الامامية، لا أنّي أتناول حديث غيرنا تناولاً مباشراً فأحل العقد وأبيّن جهة الاشكال وأشرح جهة النقض وحلّ هذه المشكلة، هذه كلّها اتجنبها في حديثي هذا.

وإن كنت قد ذكرت في كتابي الّذي جمعت فيه أحاديث المهدي (عليه السلام)من طرق غير الامامية كل ما يرجع إليه (عليه السلام)، وهذه الاحاديث لو قدّر أن تطبع لكانت أكثر من أربعمائة أو خمسمائة صفحة بترتيب خاص، والبحوث التي تأتي بعدها قد تفوقه بصفحات وصفحات.

١٥

المهدي (عليه السلام) لا يمكن أن ينفصل عن الغيبة

أصل الدعوى التي عليّ أن أقيم الحجة على صحتها: أنّ المهدي والمهدوية ـ لا يمكن في حكمة الله سبحانه وتعالى وعلمه بحاجة عباده وأنه اللطيف الخبير يفعل ما يشاء ولكنه لا يفعل إلاّ لحكمة، ويحكم بما يريد ولكنه لا يحكم إلاّ بما كان فيه رأفة ورحمة لعباده والتزام بالعدل الذي ألزم الله به نفسه ـ لا يمكن أن ينفصل عن الغيبة.

وهذه الحجة أذكرها إن شاء الله بصورة عدّة مسالك، كلّ مسلك ينتهي الى أنّ المهدي سلام الله عليه قدّر الله له أن يكون أحد الائمة، فيستحيل أن لا تكون له غيبة.

فالامام العسكري سلام الله عليه ولد سنة مائتين واثنين وثلاثين من الهجرة، وجاءته الامامة سلام الله عليه بعد استشهاد أبيه الامام الهادي علي ابن محمد (عليهما السلام) سنة مائتين وأربع وخمسين من الهجرة، وفي أشهر الاقوال عند الامامية استشهد في يوم الجمعة الثامن من شوال سنة مائتين وستّين من الهجرة.

فلو حذفنا الجهات الخاصة بالفكرة عن الامام العسكري سلام الله عليه عند الامامية وقلنا: إن الامام سلام الله عليه جاءته الامامة في سنة ٢٥٤ هـ بعد موت أبيه موتاً طبيعياً، وأنه جاءته الوفاة التي قدرها الله لكل أحد بصورة

١٦
طبيعية، ولم تكن هناك جريمة اشترك في إيجادها بالنسبة إلى الامام العسكري أحد لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة، فكانت إمامته ست سنوات.

قد نقول: بأن الله سبحانه وتعالى وجد من الحكمة أنّ الامامة للامام العسكري كافية لمدة ست سنوات، فالله سبحانه وتعالى جعله إماماً واستوفى حاجة الناس إلى إمامته ضمن ست سنوات، فست سنوات كافية في أننا نملك إماماً وضعه الله إماماً علينا، وبهذا نستفيد ما أراد الله سبحانه وتعالى من نصبه إماماً في ضمن ست سنوات.

أما الامام المهدي سلام الله عليه فلم يملك مدّة الامامة ولا يوماً واحداً، لماذا؟ لانه مادام والده الامام العسكري حي فالامامة خاصة بأبيه، وإن كان هناك إمامان لابدّ وأن يكون أحدهما صامتاً عندما يكون بقضاء الله سبحانه وتعالى غيره ناطقاً بالامامة، ويوم أن مات الامام العسكري سلام الله عليه، غاب، فما هي الحاجة إلى إمامته؟

لا أقول ماهي الحاجة بأن نكون نحن نتدخل في حكمة الله سبحانه وتعالى بفضول لا يرتضيه الله، لا، نحن نستفهم من الله سبحانه وتعالى بأنه حينما قدّر للمهدي سلام الله عليه أن تكون له إمامة آنذاك، قدرها لكي يستفيد الخلق من إمامته، وإلاّ فالله سبحانه وتعالى في غنى عن رسله وأنبيائه وعن أئمته وحججه، وإنما يرسل رسله وينصب حججه لكي يستفيد الخلق منهم، لا لحاجة من الله سبحانه وتعالى في الخلق ولا لهداية للخلق برسول يرسله إليهم أو بحجة ينصبه عليهم، وإنّما الذي يحتاج هو الخلق والعباد، والله رأفةً بعباده يؤمِّن لهم ما يحتاجون إليه في هدايتهم كما أمّن لهم ما يحتاجون إليه في حياتهم.

أرجو أن تكونوا قد استوعبتم الدعوى، كي أقوم بسلوك الطرق المختلفة

١٧
لاثبت أنّ هذه الدعوى هي التي لابدّ وأن تكون الصحيحة في المجال الاعتقادي عند الامامية الاثني عشرية، الذين لهم تفسير خاص للامامة لا يتجاوزونه، وعدد خاص للائمة لا يتجاوزونهم، ليس لهم أن يحذفوا واحداً، ولا أن يضيفوا واحداً، ولا أن يؤخروا من قدّمه الله سبحانه وتعالى، ولا أن يقدّموا من أخّره الله سبحانه وتعالى.

فالعقيدة الصحيحة لاستمرار حاجة الناس إلى النبوة وكون النبي مدّة حياته لا تتناسب مع الابدية لشريعته، لابدّ لهذا النبي من أئمة يكونون مثله في العصمة في الاداء، والعصمة في الهداية، والعصمة في قيادة الخلق.

فعقيدة الامام المهدي سلام الله عليه عند الامامية لا يمكن أن تكون بلا غيبة، لماذا؟

لانه في مقتبل عمره لم يتمكن ولا يوماً واحداً من هداية الامة حتى بالقدر الذي كان يتمكن منه آباؤه، ولم يتمكن لغيبته من اتّصال الشيعة به قدر ما كان يتمكن آبائه حتى في أحلك الظروف وأشدّها عليهم، فإذن لابد وأن تكون إمامته المتصرفة في خلقه بعد تلك الفترة، أي بعد الغيبة، فلابدّ لنا وأن نلتزم بأن الانتفاع بالامام المهدي كإمام الذي يكون مشابهاً للانتفاع بآبائه الطاهرين كأئمة لابدّ وأن يأتي في فترة أخرى بعد الغيبة.

هذه خلاصة الدعوى، وأنا إن شاء الله أبدأ بالطرق التي استخلصتها نتيجة بحثي وجمعي لمواد كثيرة من جهات شتى:

١٨
١٩

المسلك الاول
وعد الله بظهور دينه على الدين كلّه

إن الله سبحانه وتعالى وعد وعداً قاطعاً صريحاً بظهور دينه على الدين كلّه، لا يقصد بذلك دينه الذي بدأ به من أول مَن أرسله رسولاً إلى خلقه وانتهى بمن أرسله رسولاً وسيداً على المرسلين وخاتم النبيين، بل الدين الذي جاء به نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعد الله سبحانه وعداً قاطعاً بأن يظهره على الدين كلّه.

وهذا الوعد جاء ضمن آيات ثلاث، ومن غريب الامر أن آيتين منها متماثلتان، ولا أقول متشابهتان، بل متماثلتان تماماً من أول حرف من الاية إلى آخر حرف منها، وجاءتا في سورتين بينهما فاصل زمني وإن كانت السورتان كلتاهما مدنيتين.

الاولى: قوله تعالى في سورة التوبة(١) :

(١) سورة التوبة من آخر ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تنزل بعدها سورة سوى المائدة، وهي آخر السور التي نزلت في عرفة في ذي الحجة من السنة العاشرة من هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة المنورة، وبعدها لم يعش إلاّ أقل من ثلاثة شهور، إن أقربنا وفاته بالثامن والعشرين من صفر، أم أبعدنا الى الثاني عشر من ربيع الاول، ولكن في تلك السنة التي تلت الشهر الثاني عشر من السنة العاشرة وشهر ذي الحجة لم يعش بعدها.

٢٠