المكتبة العقائدية » لأكون مع الصادقين (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) (لـ محمد التيجاني السماوي)



الصفحة 96

رأي أهل السنّة والجماعة
في الخلافة ومناقشته


رأيهم معروف، وهو أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي ولم يُعين أحداً للخلافة، ولكن أهل الحلّ والعقد من الصحابة اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وولّوا أمرهم أبا بكر الصدّيق، لمكانته من رسول اللّه، ولأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) استخلفه في الصلاة أيام مرضه، فقالوا: رضيهُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمر ديننا، فكيف لا نرضاه لأمر دنيانا؟

ويتلخّص قولهم في:

1 ـ الرسول لم ينصّ على أحد.

2 ـ لا تكون الخلافة إلاّ بالشورى.

3 ـ استخلاف أبي بكر وقع من طرف كبار الصحابة.

نعم، هذا رأيي عندما كنت مالكياً، أدافع عنه بكلّ ما أُوتيت من قوّة، وأستدلّ عليه بآيات الشورى، وأحاول جهدي التبجّح بأنّ الإسلام هو دين الديمقراطية في الحكم، وأنّه السابقُ لهذا المبدأ الإنساني الذي تفخرُ به الدول المتحضّرة الراقية.


الصفحة 97

وأقول: إذا كان الغربُ ماعرف النظام الجمهوري إلاّ في القرن التاسع عشر، فإنّ الإسلام عرفه وسبقهم إليه في القرن السادس.

ولكن، وبعد لقائي بعلماء الشيعة وقراءة كتبهم، والاطّلاع على أدلّتهم المقنعة التي هي موجودة في كتبنا، غيّرتُ رأيي الأوّل، لمّا أسفرت الحجّة عن وجهها; لأنّه لا يليق بجلال اللّه سبحانه أن يترك أُمّة بدون إمام، وهو القائل: { إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قوم هاد }(1).

كما لا يليق برحمة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يترك أُمّته بدون راع، وبالخصوص إذا عرفنا أنّه كان يخشى على أُمته الفرقة(2) والانقلاب على الأعقاب(3)، والتنافس على الدنيا(4)، حتى يضرب بعضهم رقاب بعض(5)، ويتبعوا سنن اليهود والنصارى(6).

____________

1- الرعد: 7.

2- سنن الترمذي 4: 134 وسنن أبي داود 2: 390 وسنن ابن ماجة 2: 1321 ومسند أحمد بن حنبل 2: 332 والمصنف لعبد الرزاق 10: 156.

3- صحيح البخاري 7: 209 كتاب الرقاق، باب الحوض.

4- صحيح البخاري 7: 209 كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.

5- صحيح البخاري 8: 91، كتاب الفتن، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ترجعوا بعدي كفّاراً.

6- صحيح البخاري 8: 151، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتتبعن سنن من كان قبلكم.


الصفحة 98

وإذا كانت أُمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر تبعث إلى عمر بن الخطاب حين طُعن فتقول له: "استخلف على أُمّة محمّد ولا تدعهم بعدك هملاً، فإنّي أخشى عليهم الفتنة"(1).

وإذا كان عبداللّه بن عمر يدخل على أبيه حين طُعن فيقول له: "إنّ الناس زعموا أنّك غير مُستخلف، وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيتَ أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ.."(2).

وإذا كان أبو بكر نفسه ـ وهو الذي استخلفه المسلمون بالشورى ـ يحطّم هذا المبدأ ويسارع إلى استخلاف عمر من بعده ليقطع بذلك دابر الخلاف والفرقة والفتنة، وهو الأمر الذي تنبّأ به علي (عليه السلام) حينما شدّد عليه عمر لمبايعة أبي بكر فقال له: "احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم يردده عليك غداً"(3).

أقول: إذا كان أبو بكر لا يؤمن بالشورى، فكيف نصدّق بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك الأمر بدون استخلاف؟! وهل أنّه لم يكن يعلم

____________

1- الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 42.

2- صحيح مسلم6: 5، كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه.

3- الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 29، شرح النهج لابن أبي الحديد 6: 11 نقلا عن كتاب السقيفة للجوهري.


الصفحة 99

ما عمله أبو بكر وعائشة وعبداللّه بن عمر، وما يعلمه كل الناس بالبداهة، من اختلاف الآراء وتشتت الأهواء عندما يوكل إليهم أمر الاختيار، بالخصوص إذا كان الأمر يتعلّق بالرئاسة واعتلاء منصّة الخلافة؟!

كما وقع ذلك بالفعل حتّى في اختيار أبي بكر يوم السقيفة، إذ إنّنا رأينا خلاف سيّد الأنصار سعد بن عبادة، وابنه قيس بن سعد، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، والعباس بن عبدالمطلب، وسائر بني هاشم، وبعض الصحابة الذين كانوا يرون الخلافة حقّاً لعلي (عليه السلام)، وتخلّفوا في داره عن البيعة حتّى هُدِّدوا بالحرق(1).

في مقابل ذلك نرى الشيعة الإمامية يثبتون عكس مقالة أهل السنّة، ويؤكّدون بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عيّنَ عليّاً للخلافة، ونصّ عليه في عدّة مناسبات، وأشهرها في غدير خم.

وإذا كان الإنصاف يقتضي منك أن تستمع إلى خصمك ليدلي برأيه وحجّته في قضية وقع الخلاف فيها معك، فكيف إذا احتجّ خصمك بما تشهد أنتَ نفسك بوقوعه(2)؟!

____________

1- تاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1: 29 وما بعدها.

2- وذلك أنّه ليس هناك دليل عند الشيعة إلاّ وفي كتب السنّة مصداقه (المؤلّف).


الصفحة 100

وليس دليل الشيعة دليلاً واهياً أو ضعيفاً حتّى يمكن التغاضي عنه وتناسيه بسهولة، وإنّما الأمر يتعلّق بآيات من الذكر الحكيم أُنزلت في هذا الشأن، وأولاها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من العناية والأهمية ما سارت به الركبان، وتناقله الخاصّ العامّ، حتّى ملأتْ كتب التاريخ والأحاديث وسجّله الرواة جيلاً بعد جيل.

1 ـ ولاية علي في القرآن الكريم:

قال اللّه تعالى: { إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ }(1).

أخرج الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير(2) بالإسناد إلى أبي ذرّ الغفاري قال: سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهاتين وإلاّ صمّتا، ورأيته بهاتين وإلاّ عميتا، يقول: "عليٌّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله".

أما أنّي صلّيت مع رسول اللّه ذات يوم، فسأل سائل في المسجد،

____________

1- المائدة: 55 ـ 56.

2- أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي المتوفي سنة 337هـ، ذكره ابن خلكان وقال: "كان أوحد زمانه في علم التفسير صحيح النقل موثوق به" (المؤلّف).


الصفحة 101

فلم يُعطه أحد شيئاً، وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره إليه وكان يتختّم بها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره.

فتضرّع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اللّه عزّ وجلّ يدعوه، فقال: "اللّهم إنّ أخي موسى سألك: { قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً } فأوحيتَ إليه: { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى }(1) اللّهم وإنّي عبدك ونبيّك، فاشْرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً، أشدد به ظهري".

قال أبو ذر: فواللّه ما استتمّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلمة حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآيه: { إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ }(2).

ولا خلاف عند الشيعة في أنّها نزلت في علي بن أبي طالب،

____________

1- طه: 25 ـ 36.

2- المائدة: 55 ـ 56، وانظر: شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1: 230، نظم درر السمطين للزرندي: 87.


الصفحة 102

رواية عن أئمه أهل البيت (عليهم السلام)، وهي من الأخبار المتسالم عليها عندهم، فقد رُويتْ في العديد من كتب الشيعة المعتبرة عندهم، مثل:

1 ـ بحار الأنوار للمجلسي [ 35: 183 ].

2 ـ إثبات الهداة للحرّ العاملي [ 2: 120 الباب العاشر ].

3 ـ تفسير الميزان للعلاّمة الطباطبائي [ 6: 15 ].

4 ـ تفسير الكاشف لمحمّد جواد مغنية.

5 ـ الغدير للعلاّمة الأميني [ 2: 91 ].

وغير هؤلاء كثير.

كما روى نزولها في علي بن أبي طالب من علماء السنّة والجماعة جمع غفير، أذكر منهم فقط علماء التفسير:

1 ـ تفسير الكشّاف للزمخشري 1: 649.

2 ـ تفسير الطبري 6: 288.

3 ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2: 383.

4ـ تفسير القرطبي 6: 219.

5 ـ تفسير الفخر الرازي 12: 26.

6 ـ تفسير ابن كثير 2: 71.

7 ـ تفسير النسفي 1: 289.

8 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1: 161.


الصفحة 103

9 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 2: 293.

10 ـ أسباب النزول للإمام الواحدي: 148.

11 ـ أحكام القرآن للجصّاص 4: 102.

12 ـ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي 1: 181.

وما لم أذكره من كتب السنّة أكثر مما ذكرت(1).

____________

1- وقد ذكر صاحب كتاب منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية:45 اعتراضاً على الاستدلال بهذه الآية على الولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) كما اعترض غيره بما حاصله: إنّ التصدّق في أثناء الصلاة ينافي التوجّه والانقطاع إلى اللّه سبحانه وتعالى، فالروايات الواردة في نزول الآية في حقّ علي بن أبي طالب تقدح في خشوعه في الصلاة فضلا عن أن تعدّ من مناقبه ويستدلّ بها على إمامته؟!

وفي الجواب على ذلك نورد كلام العلاّمة الآلوسي في روح المعاني 6: 336، حيث أورد هذا الاعتراض ودفعه فقال: "قيل لابن الجوزي رحمه اللّه تعالى: كيف تصدّق عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة، والظنّ فيه بل العلم الجازم أنّ له كرّم اللّه تعالى وجهه شغلا شاغلا فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها، وقد حكي ممّا يؤيّد ذلك كثيراً؟!

فأنشأ يقول:


يسقي ويشرب لا تلهيه سكرتهعن النديم ولا يلهو عن الناس
أطاعه سكره حتى تمكّن منفعل الصحاة فهذا أوحد الناس "


فعليّ (عليه السلام) انتقل عن طاعة العبادة إلى طاعة الصدقة، فهو مع اللّه في كلا الحالتين، ولم ينشغل عنه طرفة عين حتى يكون ذلك منافياً للخشوع والخضوع المطلق في الصلاة، ولأجل ذلك أنزل اللّه سبحانه وتعالى في حقّه قرآناً يتلوه المسلمون على مدى الأجيال المتمادية.

وهذا النبي (صلى الله عليه وآله) مع أنّه أرقى حالا من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، نجده يفعل بعض الأفعال في الصلاة، فقد روى مسلم في صحيحه 2: 44 عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "إنّي لأدخل في الصلاة أُريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأخفف من شدّة وجد أُمه به"، وعن أبي قتادة: "إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول اللّه... فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها"، صحيح البخاري 1: 131.

فهذه الأفعال كان يقوم بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة، ولا تؤثّر على توجّهه وانقطاعه إلى اللّه سبحانه وتعالى، وكذا ما قام به الإمام علي (عليه السلام) لا يضرّ في خشوعه وخضوعه التامّ إلى اللّه تعالى بعدما كان فعله صدقة يراد بها وجه اللّه عزّ وجلّ.


الصفحة 104

2 ـ آية البلاغ تتعلّق أيضاً بولاية علي:

قال تعالى: { يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }(1).

يقول بعض المفسّرين من أهل السنّة والجماعة بأنّ هذه الآية نزلت في بداية الدعوة عندما كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقيم حرساً يحرسونه خوفاً من القتل والاغتيال، فلما نزلتْ: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } قال: "إذهبوا فإنّ اللّه قد عصمني".

____________

1- المائدة: 67.


الصفحة 105

فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبداللّه بن شفيق قال: "إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعقّبه ناس من أصحابه، فلمّا نزلت: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }، فخرج فقال: "يا أيها الناس إلحقوا بملاحقتكم، فإنّ اللّه قد عصمني من الناس "(1).

وأخرج ابن حبّان وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنّا إذا صحبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلّق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يامحمّد من يمنعك مني؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "اللّه يمنعني منك، ضع عنك السيف"، فوضعه، فنزلت: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }(2).

كما أخرج الترمذي والحاكم وأبو نعيم عن عائشة قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُحرسُ، حتّى نزلتْ { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }، فأخرج رأسه من القبّة فقال: "أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني اللّه"(3).

وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر

____________

1- الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2: 530 (ذيل الآية).

2- المصدر نفسه.

3- البداية والنهاية 8: 73 حوادث سنة 59، تاريخ الإسلام للذهبي 4: 349، الطبقات الكبرى 1: 78، سير أعلام النبلاء 2: 463، الإصابة 3: 287، فتح الباري 6: 31 و 7: 391.


الصفحة 106

عن ابن عبّاس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يُحرسُ، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجلاً من بني هاشم يَحرسونه، فقال: "يا عّمْ، إنّ اللّه قد عصمني، لا حاجة لي إلى من تبعث"(1).

ونحن إذا تأمّلنا في هذه الأحاديث وهذه التأويلات، وجدناها لا تستقيم ومفهوم الآية الكريمة ولا حتى مع سياقها، فكلّ هذه الروايات تُفيد بأنّها نزلتْ في بداية الدعوة، حتى إنّ البعض يصرّح بأنّها في حياة أبي طالب، يعني قبل الهجرة بسنوات كثيرة، وبالخصوص رواية أبي هريرة التي يقول فيها: "كنّا إذا صحبنا رسول اللّه في سفر تركنا له أعظم دوحة... الخ".

فهذه الرواية ظاهرة الوضع، لأنّ أبا هريرة لم يعرف الإسلام ولا رسول اللّه إلاّ في السنة السابعة للهجرة النبوية، كما يشهد هو نفسه بذلك(2)، فكيف يستقيم هذا، وكلّ المفسّرين سنّة وشيعة أجمعوا على أنّ سورة المائدة مدنية، وهي آخر ما نزل من القرآن؟!

فقد أخرج أحمد، وأبو عبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن جُبير بن نفير قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة، فقالت لي:

____________

1- الدر المنثور للسيوطي 2: 446، سورة المائدة.

2- المصدر نفسه.


الصفحة 107

ياجبير تقرأ المائدة؟ فقلتُ: نعم، فقالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه(1).

كما أخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، والحَاكمْ وصَححّه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عبداللّه بن عمرو قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة(2).

وأخرج أبو عبيد عن محمّد بن كعب القرطني قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع، فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته، فانصدعت كتفها، فنزل عنها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: نزلت سورة المائدة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسير في حجّة الوداع وهو راكب راحلته، فبركت به راحلته من ثقلها(4).

وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا: قال

____________

1- المصدر نفسه.

2- المصدر نفسه.

3- المصدر نفسه.

4- المصدر نفسه.


الصفحة 108

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها"(1).

فكيف يقبل العاقل المنصف بعد كلّ هذا ادّعاء من قال بنزولها في أوّل البعثة النبّوية، وذلك لصرفها عن معناها الحقيقي؟!

أضف إلى ذلك أنّ الشيعة لا يختلفون في أنّ سورة المائدة هي آخر القرآن نزولاً، وأنّ هذه الآية بالذات: { يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ... } ـ والتي تسمّى آية البلاغ ـ نزلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عقيب حجة الوداع في غدير خمّ، قبل تنصيب الإمام علي عَلماً للناسِ ليكونَ خليفته من بعده، وذلك يوم الخميس.

وقد نزل بها جبرائيل (عليه السلام) بعد مضيّ خمس ساعات من النهار فقال: يا محمّد، إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول: { يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }.

على أنّ قوله سبحانه وتعالى: { وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } يدلّ دلالة واضحة بأنّ الرسالة انتهت أو هي على وشك النهاية، وإن بقي فقط أمرٌ مهمّ لا يكتمل الدينُ إلاّ به.

____________

1- المصدر نفسه.


الصفحة 109

كما تُشعر الآية الكريمة بأنّ الرسول كان يخشى تكذيب الناس له إذا ما دعاهم بهذا الأمر الخطير، ولكنّ اللّه سبحانه لم يُمهله للتأجيل، فالأجل قد قَرُبَ، وهذه الفرصة هي أحسن الفرص، وموقفها هو أعظم المواقف، إذ اجتمع معه (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من مائة ألف رافقوه في حجّة الوداع، وما زالت قلوبهم عامرة بشعائر اللّه، مستحضرة نعي الرسول نفسه إليهم.

وقوله لهم: "لعلّي لا ألقاكم بعد عامكم هذا، ويوشك أن يأتي رسول ربّي وأُدعى فأجيب"، وهم سيفترقون بعد هذا الموقف الرهيب للعودة إلى ديارهم، ولعلّهم لا تُتاحُ لهم فرصة اللّقاء مرّة أُخرى بهذا العدد الكبير، وغدير خمّ هو مفترق الطرقات، فلا يمكن لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُفوّتَ هذه الفرصة بأيّ حال من الأحوال.

كيف، وقد جاءه الوحي بما يشبه التهديد على أنّ كلّ الرسالة منوطة بهذا البلاغ، واللّه سبحانه قد ضمن له العصمة من الناس، فلا داعي للخوف من تكذيبهم، فكم كُذِبتْ رسُلٌ من قبله، ولكن لم يُثنهم ذلك عن تبليغ ما أُمروا به، فما على الرسول إلاّ البلاغ، ولو علم اللّه مُسبقاً بأنّ أكثرهم { لِلْحَقِّ كارِهُونَ }(1)، ولو علم بأنّ منهم

____________

1- الزخرف: 78.


الصفحة 110

{ مُكَذِّبِينَ }(1)، ما كان سبحانه ليتركهم بدون إقامة الحجّة عليهم، { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }(2).

على أنّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُسوة حسنة بمن سبقه من إخوانه الرسل الذين كذّبتهم أممهم، قال تعالى: { وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }(3).

ونحن إذا تركنا التعصّب المقيت وحبّ الانتصار للمذهب، لوجدنا أنّ هذا الشرح هو المناسب لعقولنا، ويتماشى مع سياق الآية والأحداث التي سبقتها وأعقبتها.

وقد أخرج كثير من علمائنا نزولها في غدير خمّ في شأن تنصيب الإمام علي، وصحّحوا تلك الروايات، ووافقوا بذلك إخوانهم من علماء الشيعة، وأذكر على سبيل المثال من علماء السنّة:

1 ـ الحافظ أبو نعيم في كتاب نزول القرآن.

2 ـ الإمام الواحدي في كتاب أسباب النزول: 150.

____________

1- الحاقة: 49.

2- النساء: 165.

3- الحج: 42 ـ 44.


الصفحة 111

3 ـ الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير 4: 92.

4 ـ الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1: 187.

5 ـ جلال الدين السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 3: 117.

6 ـ الفخر الرازي في تفسيره الكبير 12: 50.

7 ـ محمد رشيد رضا في تفسير المنار 2: 86 و 6: 463.

8 ـ تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي 2: 86.

9 ـ فتح القدير للشوكاني 2: 60.

10 ـ مطالب السؤول لابن طلحه الشافعي 1: 44.

11 ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 25.

12 ـ ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: 120.

13 ـ الملل والنحل للشهرستاني 1: 163.

14 ـ ابن جرير الطبري في كتاب الولاية.

15 ـ ابن سعيد السجستاني في كتاب الولاية.

16 ـ عمدة القاري في شرح البخاري لبدر الدين الحنفي 8: 584.

17 ـ تفسير القرآن لعبد الوهاب البخاري.