المكتبة العقائدية » لأكون مع الصادقين (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) (لـ محمد التيجاني السماوي)



الصفحة 132

سبقوه.

والبعض منهم وضع كثيراً من الأحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان على لسان عليّ نفسه، حتى يقطع بذلك ـ على زعمه ـ الطريق على الشيعة الذين يقولون بأفضليته.

واكتشفْتُ خلال البحث بأنّ شهرة الرجال وعظمتهم إنّما كانت تقدّر ببغضهم لعليّ بن أبي طالب، فالأمويون والعباسيون كانوا يُقرّبون ويُعظّمون كل من حارب الإمام عليّ، أو وقف ضدّه بالسيف أو باللسان، فتراهم يرفعون بعض الصحابة ويضعون آخرين، ويغدقون الأموال على بعض الشعراء ويقتلون آخرين، ولعلّ عائشة أمّ المؤمنين لم تكن لتحظى بتلك المنزلة عندهم لولا بغضها(1)

____________

1- ورد في الطبقات لابن سعد 2: 179 باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله): "قالت عائشة:... فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين ابن عباس ـ تعني الفضل ـ ورجل آخر، قال عبيد اللّه: فأخبرت ابن عباس بما قالت، قال: فهل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة؟ قال: قلت: لا. قال ابن عباس: هو عليّ، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير...".

وأورده البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن مع بتر ذيله.

وفي تاريخ الطبري 3: 189: "لكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع".

وفي مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني: 54: "أنّها لمّا سمعت بقتل عليّ سجدت".

وفي الطبري 5: 150 والكامل لابن الأثير 3: 394: "أنّها لما سمعت بقتله قالت:

فألقت عصاها واستقرّت النوىكما قرّ عيناً بالإياب المسافر


فلمّا علمت باسم قاتله قالت:

فإن يك نائياً فلقد نعاهغلام ليس في فيه التراب


فقالت لها زينب ابنة أبي سلمة: ألعليّ تقولين هذا؟ فقالت: إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكروني".


الصفحة 133

وحربها لعليّ.

ومن ذلك أيضاً تجد العباسيين يعلون من شأن البخاري ومسلم والإمام مالك; لأنّهم لم يخرجوا من فضائله إلاّ القليل، بل نجد صراحة في هذه الكتب بأنّ عليّ بن أبي طالب لا فضل له ولا مزيّة.

فقد روى البخاري في صحيحه في (باب مناقب عثمان) عن ابن عمر قال: كنّا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نعدِلُ بأبي بكر أحداً، ثم عُمرَ، ثم عثمانَ، ثم نترك أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نفاضل بينهم(1).

فعلىّ عنده كسائر الناس ـ إقرأ واعجب ـ!!

____________

1- كما روى البخاري في صحيحه 4: 195 رواية تُنسب إلى محمّد بنالحنفية: "قال: قلتُ لأبي: أىّ الناس خيرٌ بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: أبو بكر، قلتُ: ثم مَنْ؟ قال: ثم عُمرُ، وخشيتُ أنْ يقولَ عثمانُ، قلتُ: ثم أنتَ؟ قالَ: ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين" (المؤلّف).


الصفحة 134

كما أنّ في الأمّة فِرقاً أخرى ـ كالمعتزلة والخوارج وغيرهم ـ ممّن لا يقول بمقالة الشيعة، ولأنّ إمامة علي وأولاده من بعده تقطع عليهم الطريق للوصول للخلافة، والتحكّم في رقاب الناس، والتلاعب بمصيرهم وممتلكاتهم، كما فعل ذلك بنو أميّة وبنو العباس في عهد الصحابة، وعهد التابعين وإلى يوم الناس هذا.

لأنّ حكّام العصر الذين وصلوا إلى الحكم ـ سواء بالوراثة كالملوك والسلاطين، أو حتّى الرؤساء الذين انتخبتهم شعوبهم ـ لا يعجبهم هذا الاعتقاد، أعني أن يعتقد المؤمنون بخلافة أهل البيت، ويضحكون من هذه الفكرة التيوقراطية، التي لا يقول بها إلاّ الشيعة، وخصوصاً إذا كان هؤلاء الشيعة قد بلغوا من سخافة العقل وسفاهة الرأي أنهم يعتقدون بإمامة المهدي المنتظر الذي سيملأ أرضهم قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً.

ونعود الآن لمناقشة أقوال الطرفين في هدوء وبدون تعصّب، لنعرف ما هي المناسبة وما هو سبب نزول آية "إكمال الدين"، حتّى يتضّح لنا الحقّ فنتبعه، وما علينا بعد ذلك من رضى هؤلاء أو غضب أولئك مادمنا نتوخّى قبل كلّ شيء رضى اللّه سبحانه والنجاة من عذابه يوم لاينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم.

{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ


الصفحة 135

أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }(1).

مناقشة القول بأنّ الآية نزلت يوم عرفة

أخرج البخاري في صحيحه(2) قال: حدّثنا محمّد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: إنّ أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر: أَيَّةُ آية؟ فقالوا: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً }.

فقال عمر: إنّي لأعلم أيّ مكان أُنزِلتْ، أُنزِلتْ ورسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واقفٌ بعرفة.

وأخرج ابن جرير عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال: كنّا جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد أُنزِلتْ عليكم آية لو أُنزِلتْ علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعه عيداً ما بقي منّا اثنان، وهي { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فلم يجبه أحد منّا، فلقيتُ محمّد بن كعب القرطني فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتم

____________

1- آل عمران: 106 ـ 107.

2- صحيح البخاري 5: 127، كتاب المغازي، باب 79 في حجّة الوادع، الدر المنثور 2: 258 تفسير سورة المائدة، الآية الثالثة.


الصفحة 136

عليه؟ فقال عمر بن الخطاب: أنزلتْ على النبي وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين مابقي منهم أحد(1).

أوَّلاً: نلاحظ من خلال هذه الروايات أنّ المسلمين كانوا يجهلون تاريخ ذلك اليوم المشهود ولا يحتفلون به، مّما دعا اليهود مرّة والنصارى أُخرى أن يقولوا لهم: لو أنّ هذه الآية فينا أُنزلت لاتخذنا يومها عيداً، ممّا حدا بعمر بن الخطاب أن يسأل أيةُ آية؟ ولمّا قالوا: { اليوم أكملتُ لكم دينكم } قال: إنّي لأعلم أيّ مكان أُنزلتْ: أُنزلتْ ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) واقف بعرفة.

فإنّنا نشمّ رائحه الدسّ والتعتيم من خلال هذه الرواية، وأن الذين وضعوا هذا الحديث على لسان عمر بن الخطاب في زمن البخاري أرادوا أن يوفّقوا بين آراء اليهود والنصارى في أنّ ذلك اليوم هو يوم عظيم يجب أنّ يكون عيداً، وبين ما هم عليه من عدم الاحتفال بذلك اليوم، وعدم ذكره بالمرّة حتى تناسوه، والمفروض أن يكون من أكبر الأعياد لدى المسلمين، إذ أنّ اللّه سبحانه أكمل لهم فيه دينهم، وأتمَّ فيه نعمته عليهم، ورضي لهم الإسلام ديناً.

ولذلك ترى في الرواية الثانية قول الرواي ـ عندما قال له

____________

1- الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2: 258 سورة المائدة، الآية الثالثة.


الصفحة 137

النصراني: يا أهل الإسلام، لقد أُنزلت عليكم آية لو أُنزلتْ علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً مابقي منّا اثنان قال الرواي: فلم يُجبْهُ أحدٌ منّا; وذلك لجهلهم بتاريخ وموقف ذلك اليوم وعظمته، ويبدو أنّ الراوي نفسه استغرب كيف يغفل المسلمون عن الاحتفال بمثل ذلك اليوم، ولهذا نراه يلقى محمّد بن كعب القرطني فيسأله عن ذلك، فيردّ هذا الأخير بأنّ عمر بن الخطاب روى أنّها أُنزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة.

فلو كان ذلك اليوم معروفاً لدى المسلمين على أنّه يوم عيد لما جهله هؤلاء الرواة، سواء أكانوا من الصحابة أم من التابعين، لأنّ الثابت المعروف لديهم أنّ للمسلمين عيدين اثنين، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، حتّى أنّ العلماء والمحدّثينَ كالبخاري ومسلم وغيرهما ـ تراهم يخرجون في كتبهم: كتاب العيدين، صلاة العيدين، خطبة العيدين..، إلى غير ذلك من المتسالم عليه لدى خاصّتهم وعامّتهم، ولا وجود لعيد ثالث.

وأغلبُ الظنّ أنّ القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة ومؤسّسي هذه النظرية هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خمّ بعد تأمير الإمام عليّ، فكان تحويل نزولها في يوم عرفة أهون وأسهل على القائلين به; لأنّ يوم الغدير جمع مائة ألف حاج أو يزيدون،


الصفحة 138

وليس هناك مناسبة في حجّة الوداع أقرب إلى الغدير من يوم عرفة في المقارنة، إذ أن الحجيج لم يجتمعوا على صعيد واحد إلاّ فيهما، فالمعروف أن الناس يكونون متفرّقين جماعات وأشتاتاً في كلّ أيام الحجّ، ولا يجتمعون في موقف واحد إلاّ في عرفة.

ولذلك نرى أنّ القائلين بنزولها يوم عرفة يقولون بنزولها مباشرة بعد خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الشهيرة والتي أخرجها المحدّثون.

وإذا كان النص بالخلافة على عليّ بن أبي طالب قد صرفوه عن حقيقته وباغتوا الناس ـ بمن فيهم عليّاً نفسه والذين كانو منشغلين معه بتجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ودفنه ـ بالبيعة لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة على حين غفلة، وضربوا بنصوص الغدير عرض الجدار، وجعلوه نسياً منْسيَّاً، فهل يمكن لأيّ أحد بعد الذي وقع أن يحتجّ بنزول الآية يوم الغدير؟

فليست الآية أوضح في مفهومها من حديث "الولاية"، وإنّما تحمل في معناها إكمال الدين، وإتمام النعمّة ورضى الربّ ليس إلاّ، وإن كانت تنطوي على إشعار بحصول هنات لهم في ذلك اليوم هو الذي سبب كمال الدين.

ومّما يزيدنا يقيناً بصحة هذا الاعتقاد: ما رواه ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال: قال كعب: لو أنّ غير هذه الأُمّة نزلتْ


الصفحة 139

عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أُنزلتْ فيه عليهم فاتّخدوه عيداً يجتمعون فيه، فقال عمر: وأيّ آية ياكعب؟ فقال: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فقال عمر: لقد علمتُ اليوم الذي أُنزلتْ والمكان الذي نزلتْ فيه، نزلتْ في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد اللّه لنا عيد(1).

ثانياً: على أنّ القول بنزول الآية: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } في يوم عرفة يتنافى مع آية البلاغ: { يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } والتي تأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبلاغ أمر مهمّ لا تتمّ الرسالة إلاّ به، والتي سبق البحث وتبينّ نزولها بين مكة والمدينة بعد حجّة الوداع، وهو مارواه أكثر من مائة وعشرين صحابياً، وأكثر من ثلاثمائة وستّين من علماء أهل السنّة والجماعة(2)، فكيف يكمل اللّه

____________

1- الدر المنثور للسيوطي، في تفسير الآية { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }، سورة المائدة.

2- ممّا ينبغي الالتفات إليه أنّ آية البلاغ وحديث الغدير وآية الاكمال سببنزولهن أمرٌ واحد، وهو أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ الناس الولاية لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأن فصل الرواة والمحدّثين بينها لأجل الاختصار أو تقطيع الأخبار أو غير ذلك من الأسباب، ومن هذا الباب جاء كلام المؤلّف حول عدد رواة آية البلاغ، لأنه نظر إلى مجموع القضايا الثلاث كقضية واحدة كما هي في واقعها.

ومن هذا يعرف أنّ ما أشكل به صاحب كتاب كشف الجاني: 154 ناشئ من عدم فهم كلام المؤلّف، والنظر إلى حادثة الغدير وآية البلاغ والإكمال كقضايا متعدّدة لا يرتبط بعضها ببعض، مع أنّ الأمر ليس كذلك، كما هو واضح لمن يرجع إلى الروايات وأسباب نزول الآيات.

أضف إلى ذلك أنّ كلام المؤلّف في آية البلاغ وليس في آية الإكمال ـ بناءً على الفصل بينهما ـ فلا وجه للخلط بين الأمرين.

وأمّا ما ذكره في الحاشية من أنّ كتاب الغدير كتاب تكرار وبدون فائدة، فهو كلام مضحك للثكلى وناشئ عن التعصب المقيت والمذموم; إذ أنّ موسوعة الغدير قام مؤلّفها بجمع طرق رواة الحديث، واعتمد في ذلك على مصادر أهل السنّة المعتبرة، فيكف يكون مثل هذا العمل تكراراً وبلا فائدة؟!

اللهمّ إلاّ أن تكون المصادر السنيّة التي ذكرها صاحب الغدير مصادر غير معتبرة ولا قيمة لها، وبذلك يكون عثمان الخميس قد طعن بمصادره المعتبرة التي يعتمد عليها في عقيدته وشرعه.


الصفحة 140

الدين ويتمّ النعمة في يوم عرفه، ثمّ بعد أسبوع يأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو راجع إلى المدينة بإبلاغ شيء مهم لا تتمّ الرسالة إلاّ به، كيف يصحّ ذلك يا أُولي الألباب؟!

ثالثاً: إنّ الباحث المدقّق إذا أمعن في النظر في خطبة الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم عرفه، لا يجد فيها أمراً جديداً يجهله المسلمون، والذي يمكن اعتباره شيئاً مهمّاً أكمل اللّه به الدين وأتمّ به النعمة، إذ ليس فيها إلاّ جملة من الوصايا التي ذكرها القرآن، أو ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدّة مناسبات، وأكّد عليها يوم عرفة.


الصفحة 141

وإليك ما جاء في الخطبة على ماسجّله كلّ الرواه:

  إنّ اللّه حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ويومكم هذا.

  اتّقوا اللّه ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها.

  الناس في الإسلام سواء لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى.

  كلّ دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي، وكلّ ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي.

  أيّها الناس إنّما النسيء زيادة في الكفر... ألا وأنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض.

  إنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه، منها أربعة حرمٌ.

  أُوصيكم بالنساء خيراً، إنّما أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكتاب اللّه.

  أُوصيكم بمن ملكت أيمانكم، فأطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم ممّا تلبسون.

  إنّ المسلم أخو المسلم، لا يغشّه، ولا يخونه، ولا يغتابه، ولا


الصفحة 142

يحلّ له دمه، ولا شيء من ماله.

  إنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد بعد اليوم، ولكن يُطاع فيما سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون.

  أعدى الأعداء على اللّه قاتل غير قاتله، وضارب غير ضاربه، ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أَنزلَ اللّه على محمّد، ومن انتمى إلى غير أبيه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.

  إنّما أُمرتُ أن أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا اللّه وإنّي رسول اللّه، وإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ وحسابهم على اللّه.

  لا ترجعوا بعدي كفاراً مضلّين يضرب بعضكم رقاب بعض.

هذا كلّ ماقيل في خطبة عرفة من حجّة الوداع، وقد جمعتُ فصولها من جميع المصادر الموثوقة، حتى لايبقى شيء من وصاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) التي ذكرها المحدّثون إلاّ أخرجتها، فهل فيها شيء جديد بالنسبة للصحابة؟

كلاّ، فكل ماجاء فيها مذكور في القرآن، ومبيّن حكمه في السنّة النبوية.

فقد قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) حياته كلّها يبيّن للناس مانزّل إليهم، ويعلّمهم كلّ صغيرة وكبيرة، فلا وجه لنزول آية "إكمال الدين وإتمام النعمة


الصفحة 143

ورضى اللّه" بعد هذه الوصايا التي يعرفها المسلمون؟

وإنّما أعادها عليهم للتأكيد، لأنّهم لأوّل مرّة يجتمعون عليه بذلك العدد الهائل، ولأنّه أخبرهم قبل الخروج إلى الحجّ بأنّها حجّة الوداع، فكان واجباً عليه أن يسمعهم تلك الوصايا.

أمّا إذا أخذنا بالقول الثاني، وهو نزول الآية يوم غدير خمّ بعد تنصيب الإمام عليّ خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأميراً للمؤمنين، فإنّ المعنى يستقيم ويكون مطابقاً، لأنّ الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهمّ الأُمور، ولا يمكن أن يترك اللّه عباده سدى، ولا ينبغي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذهب دون استخلاف ويترك أُمّته هملاً بدون راع، وهو الذي ما كان يُغادر المدينة إلاّ ويستخلف عليها أحداً من أصحابه، فكيف نصدّق بأنّه التحق بالرفيق الأعلى وما فكّر في الخلافة؟!

وإذا كان المُلحدون في عصرنا يؤمنون بهذه القاعدة، ويسرعون إلى تعيين خلف للرئيس حتّى قبل موته ليسوس أُمور الناس، ولا يتركونهم يوماً واحداً بدون رئيس.

فلا يمكن أن يكون الدين الإسلامي ـ وهو أكمل الأديان وأتمها والذي ختم اللّه به كلّ الشرائع ـ أن يُهمل أمراً مهماً كهذا.

وقد عرفنا فيما تقدّم بأنّ عائشة وابن عمر وقبلهما أبو بكر وعمر أدركوا كلّهم بأنّه لابدّ من تعيين الخليفة، وإلاّ لكانت فتنة، كما أدرك ذلك مَن جاء بعدهم من الخلفاء، فكلُّهم عَيّنوا مَنْ بعدهم، فكيف


الصفحة 144

تغيب هذه الحكمة على اللّه وعلى رسوله؟!

فالقولُ بأنّ اللّه سبحانه أوحى إلى رسوله في الآية الأُولى "آية البلاغ" وهو راجع من حجّة الوداع بأنْ يُنصّب عليّاً خليفة له بقوله: { يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } أي: يامحمّد إنْ لم تبلّغ ماأمرتك به بأنّ علياً هو ولي المؤمنين بعدك فكأنك لم تُكمل مهمتك التي بُعثتَ بها، إذ أنّ إكمال الدين بالإمامة أمرٌ ضروري لكلّ العقلاء.

ويبدو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخشى معارضتهم له أو تكذيبهم، فقد جاء في بعض الروايات قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأُعلم كلّ أبيض وأسود: أنّ علي بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي والإمام بعدي، فسألتُ جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعليّ وشدّة إقبالي عليه حتى سمّوني أُذناً، فقال تعالى: { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُلْ اُذُنُ خَيْر لَكُمْ }(1) ولو شئتُ أن أُسمّيهم وأدلُ عليهم لفعلتُ، ولكنّي بسترهم قد تكرّمتُ، فلم يرض اللّه إلاّ بتبليغي فيه، فاعلموا معاشر الناس إنّ اللّه قد نصّبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كلّ أحد..." الخطبة(2).

____________

1- التوبة: 61.

2- أخرجها بكاملها الحافظ ابن جرير الطبري في كتاب الولاية، وعنه في الصراط المستقيم للبياضي 1: 301، والغدير للأميني 1: 214.


الصفحة 145

فلمّا أنزل اللّه عليه: { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } أسرع في نفس الوقت وبدون تأخير بامتثال أمر ربّه، فنصب علياً خليفة من بعده، وأمر أصحابه بتهنئته بإمارة المؤمنين، ففعلوا، وبعدها أنزل اللّه عليهم: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً }.

أضف إلى كلّ ذلك أنّنا نجد بعض علماء أهل السنّة والجماعة يعترفون صراحة بنزول آية البلاغ في إمامة عليّ:

فقد رووا عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): "يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك ـ أنّ عليّاً مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته واللّه يعصمك من الناس"(1).

وبعد هذا البحث إذا أضفنا روايات الشيعة عن الأئمة الطاهرين، يتجلّى لنا بأنّ اللّه أكمل دينه بالإمامة، ولذلك كانت الإمامة عند الشيعة أصلاً من أُصول الدين.

وبإمامة علي بن أبي طالب أتمّ اللّه نعمته على المسلمين، لئلاّ

____________

1- فتح القدير للشوكاني 2: 60، الدر المنثور للسيوطي 2:298، في تفسير الآية 67 من سورة المائدة.


الصفحة 146

يبقوا هملاً تتجاذبهم الأهواء وتمزّقهم الفتن فيتفرقوا كالغنم بدون راع.

ورضي لهم الإسلام ديناً; لأنّه اختار لهم أئمة أذهب عنهم الرجس وطهّرهم، وأتاهم الحكمة وأورثهم علم الكتاب; ليكونوا أوصياء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيجب على المسلمين أن يرضوا بحكم اللّه واختياره، ويسلّموا تسليماً، لأنّ مفهوم الإسلام العام هو التسليم للّه، قال تعالى:

{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ*وَهُوَ اللّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الاُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ }(1).

ومن خلال كلّ ذلك يُفهمُ بأنّ يوم الغدير اتخذه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عيد، إذ بعد تنصيب الإمام عليّ وبعد أن نزل عليه قوله: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... } الآية: قال: "الحمد للّه على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي"(2).

____________

1- القصص: 68 ـ 70.

2- الحاكم الحسكاني 1: 158 ح212، عن أبي سعيد الخدري في تفسيره للآية، المناقب للخوارزمي: 135 ح153.


الصفحة 147

ثم عقد له موكباً للتهنئة، وجلس (صلى الله عليه وآله وسلم) في خيمة وأجلس عليّاً بجانبه، وأمر المسلمين ـ بما فيهم زوجاته أُمهات المؤمنين ـ أن يدخلوا عليه أفواجاً ويهنّئوه بالمقام، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ما أُمروا به، وكان من جملة المهنّئين لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بهذه المناسبة أبو بكر وعمر.

وقد جاءا إليه يقولان له: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولانا ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1).

ولمّا عرف حسّان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فرح النبي واستبشاره في ذلك اليوم، قال: أتأذن لي يارسول اللّه أن أقول في هذا المقام أبياتاً تسمعهن؟ فقال: "قل على بركة اللّه، لا تزال ياحسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك".

فأنشد يقول:


يناديهم يوم الغدير نبيّهمبخمّ فأسمع بالرسول مناديا


إلى آخر الأبيات التي ذكرها المؤرّخون(2).

____________

1- مرّ تخريجه فيما تقدّم.

2- شواهد التنزيل للحسكاني 1: 202، المناقب للخوارزمي: 136 ح152، نظم درر السمطين: 112.


الصفحة 148

ولكن ورغم كلّ ذلك، فإنّ قريشاً اختارت لنفسها، وأبتْ أن تكون في بني هاشم النبوّة والخلافة، فيجحفون على قومهم بُجُحاً بُجحاً، كما صرّح بذلك عمر بن الخطاب لعبد اللّه بن عبّاس في محاورة دارت بينهما(1).

فلم يكن في وسع أحد أن يحتفل بذلك العيد بعد ذكراه الأُولى التي احتفل بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإذا كانوا قد تناسوا نصّ الخلافة وتلاشى من أذهانهم، ولم يمض عليه من الوقت غير شهرين، ومع ذلك لم يتكلّم به أحد، فكيف بذكر الغدير التي مضى عليها عام كامل، على أنّ هذا العيد مربوط بذلك النصّ على الخلافة، فإذ انعدم النصّ وزال السببُ لم يبق لذلك العيد أثرٌ يذكر.

ومضت على ذلك السنون، حتّى رجع الحقّ إلى أهله بعد ربع قرن، فأحياها الإمام علي من جديد بعد ما كادت تُقبرُ، وذلك في الرحبة عندما ناشد أصحاب محمّد ممّن حضر عيد الغدير أن يقوموا فيشهدوا أمام الناس ببيعة الخلافة، فقام ثلاثون صحابياً منهم ستّة

____________

1- الطبري في تاريخه 4: 222 حوادث سنة 23 باب شيء من سيرهِ ممّا لم يمض ذكره، تاريخ ابن الأثير 3: 63 حوادث سنة 23.


الصفحة 149

عشر بدريَّاً وشهدوا(1)، والذي كتم الشهادة وادّعى النسيان، كأنس ابن مالك الذي أصابتْه دعوى عليّ بن أبي طالب، فلم يقم من مقامه ذلك إلاّ أبرص، فكان يبكي ويقول: أصابتني دعوة العبد الصالح، لأني كتمتُ شهادته(2).

____________

1- مسند أبي يعلى 1: 429 ح567، مسند أحمد 1: 88 و119 وعنه في مجمع الزوائد 9: 104 وقال: "رجاله رجال الصحيح"، تاريخ دمشق 42: 206، المعجم الكبير 5: 175، أُسد الغابة 4: 28، ذخائر العقبى: 68، مع اختلاف في عدد البدريين.

2- قريب منه الفضائل لشاذان بن جبرئيل: 164 وعنه في البحار 41: 218 ح31، الإرشاد للمفيد 1: 351.

وجاء في أنساب الأشراف للبلاذري: 157 ح169: عن أبي وائل قال: قال عليّ على المنبر: "نشدت اللّه رجلا سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خم: اللهمّ وال من والاه وعاد من عاده، إلاّ قام فشهد"، وتحت المنبر أنس ابن مالك والبراء ابن عازب وجرير بن عبد اللّه، فأعادها فلم يجبه منهم، فقال: "اللهمّ من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يُعرف بها" قال أبو وائل: فبرص أنس، وعمي البراء، ورجع جريراً أعرابياً...

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 19: 218: "ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص من أعيان الرجال، وابن قتيبة غير منهم في حقّ عليّ (عليه السلام) على المشهور من انحرافه عنه".

وجاء في مسند أحمد 1: 119: "فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته".

وفي المجمع الكبير للطبراني 5: 175: "قال زيد: وكنت أنا فيمن كتم فذهب بصري".

وفي تاريخ دمشق 42: 208: "وكتم قوم فما فنوا من الدنيا حتى عموا وبرصوا".


الصفحة 150

وبذلك أقام أبو الحسن الحجّة على هذه الأُمّة، ومنذ ذلك العهد وحتّى يوم الناس هذا وإلى قيام الساعة يحتفل الشيعة بذكرى يوم الغدير، وهو عندهم العيد الأكبر، كيف لا وهو اليوم الذي أكمل اللّه لنا فيه الدين، وأتمّ فيه علينا النعمة، ورضي بالإسلام لنا ديناً، وهو يوم عظيم الشأن عند اللّه ورسوله والمؤمنين.

ذكر بعض علماء أهل السنّة عن أبي هريرة أنه قال: لّما أخذ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي وقال: "من كنتُ مولاه فعليّ مولاه.." إلى آخر الخطبة، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: { اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً }، قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً(1).

____________

1- تاريخ بغداد 8: 284 ح4392، وقال: "اشتهر هذا الحديث من رواية حبشون، وكان يقال: إنّه تفرّد به، وقد تابعه عليه أحمد بن عبد اللّه بن النيري... ".


الصفحة 151

أمّا روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في فضائل ذلك اليوم فحدّث ولا حرج، والحمد للّه على هدايته أن جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين، والمحتفلين بعيد الغدير.

وخلاصة البحث:

إنّ حديث الغدير "من كنتُ مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار" هو حديث، أو بالأحرى هي حادثة تاريخية عظيمة أجمعت الأُمّة الإسلامية على نقلها، فقد مرّ علينا ذكر ثلاثمائة وستّين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأكثر من ذلك من علماء الشيعة.

ومن أراد البحث والمزيد فعليه بكتاب الغدير للعلاّمة الأميني.

وبعد الذي عرضناه لا يُستغربُ أنْ تنقسمَ الأُمّة الإسلامية إلى سنّة وشيعة: تمسّكت الأُولى بمبدأ الشورى في سقيفة بني ساعدة، وتأوّلت النصوص الصريحة، وخالفت بذلك ما أجمع عليه الرواة من حديث الغدير، وغيره من النصوص.

وتمسكت الثانية بتلك النصوص، فلم ترض عنها بدلاً، وبايعت الأئمة الإثني عشر من أهل البيت ولم تبغ عنهم حولاً.

والحقّ أنّني عندما أبحث في مذهب أهل السنّة والجماعة خصوصاً في أمر الخلافة أجد المسائل مبنيةً على الظنّ والاجتهاد;