مقدمة المترجم
جدير بأن نسمي عصرنا بعصر الحوار والتفاهم .
لقد حان الوقت ليتصارح المسلمون بأمورهم العقائدية حتى يظهر الحق وتتوحد كلمتهم عليه ، فإن الوحدة الإسلامية ، أمنية جميع المسلمين .
ولأننا لمسنا أن التفرقة هي بغية أعدائهم ، وهي الوسيلة التي استعملها أعداء الدين والمستعمرون لفرض سيطرتهم على البلاد الإسلامية ونهب خيراتها وبث مبادئ الكفر والإلحاد والضلال والفساد بين أبناء الإسلام الحنيف .
وبما أن الوحدة الإسلامية ضرورة ملحة ، وهي لا تتم إلا بالصدق والحوار الإيجابي البناء بلا تعصب ولا عناد مع تحكيم القرآن والعقل والوجدان الحر ، في اختيار أحسن القول ، كما أمر بذلك رب العباد في قوله العزيز : {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (الزمر آية 18) ، فيلزم على المسلم الكامل والإنسان العاقل ، أن يكون بصيرا في أمر دينه ، عالما بقضايا مذهبه ، لا يقبل قولا ولا يتمسك به إلا عن دليل وبرهان ، حتى يصبح في أمره على يقين وإيمان .
لأنه إذا سلك طريقا وتمسك بعقائد ومبادئ بغير علم يسنده ولا دليل يعضده وبرهان يرشده ، فسيكون كمن أغمض عينيه ولزم طريقا طويلا يمشي فيه على أمل أن يوصله إلى مقصده ومنزله ، حتى إذا أصاب رأسه الحائط ، فأبصر وفتح عينيه ، فإنه سوف يرى نفسه بعيدا عن مقصده ، تائها ضالا عن سواء الصراط .
فمن لم يحقق في الأمور الدينية ولم يدقق في القضايا المذهبية ، بل ذهب إلى مذهب آبائه ولزم سبيل أسلافه ، فربما فتح عينيه بعد جهد طويل ، فيرى نفسه تائها قد ضل السبيل .
ولذا عبر الله العزيز الحكيم عن هكذا إنسان بالأعمى فقال :
{ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } (الإسراء 72) .
ولإنقاذ المسلمين من العناد والتعامي قدمت على تعريب هذا الكتاب القيم من اللغة الفارسية إلى العربية ، لعله يحقق شيئا من هذا الهدف السامي . راجيا أن يترك في المسلمين أثرا إيجابيا ، فيقرب قلوبهم ويوحد صفوفهم وكلمتهم ، ويجمعهم على كلمة الله سبحانه بالحق والإصلاح ، والسعادة والفلاح ، ولقد أدركت مؤلف هذا الكتاب المرحوم آية الله السيد محمد ( سلطان الواعظين ) وحضرت مجلسه وسمعت حديثه ومواعظه .
فلقد كان رحمة الله عليه رجلا ضخما في العلم والجسم ، ذا شيبة وهيبة ، وكان جسيما وسيما ذا وجه منير ، قل أن رأيت مثله ، وكان آنذاك يناهز التسعين عاما من عمره الشريف ، ولقد شاركت في تشييع جثمانه الطاهر في مدينة طهران ، حيث عطلت أسواق عاصمة إيران لوفاته وخرجت حشود عظيمة في مواكب عزاء حزينة وكئيبة ، ورفعت الرايات والأعلام السوداء معلنة ولائها وحبها لذلك العالم الجليل والسيد النبيل .
ولا أذكر تاريخ وفاته بالضبط ، ولكن كان في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري ، واشهد الله العزيز أني لما بدأت بتعريب هذا الكتاب رأيت ذلك السيد العظيم مرتين في الرؤيا ، وكان مقبلا عليا مبتسما ضاحكا في وجهي ، وكأنه يشكرني على هذا العمل .
فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمده برحمته الواسعة وان يتقبل هذا المجهود منه ومنا ويجعله ذخيرة لآخرتنا ولكل من ساعد وسعى في نشر هذا الكتاب ، إنه سميع الدعاء .
|
قم المقدسة . . . . حسين الموسوي 28 شوال 1419هـ الموافق 14 فبراير 1999م |
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد رسوله المصطفى ، وعلى آله الطيبين الطاهرين .
وبعد :
إن هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم ، هو الكتاب القيم ((ليالي بيشاور )) لمؤلفه الكبير : سماحة السيد محمد الموسوي ، الملقب بـ : ( سلطان الواعظين الشيرازي ) .
وقد كتب مقدمة طويلة لكتابه استغرقت ما يقرب من مائة صفحة من كتابه القيم هذا ، تطرق فيها على أهمية التقارب بين المسلمين ، وإلغاء الخلافات والخصومات التي بثها الأعداء في أوساطهم .
وحث فيها على الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية التي ندب الله المسلمين إليها ، وحرض على الاعتصام بحبل الله الذي دعاهم القرآن للتمسك به والالتفاف حوله .
وحذرهم عواقب التشتت والتفرق ، وذكرهم الله من الوقوف بعيدا والاكتفاء بالتفرج ، أو الابتعاد والاشتغال ـ لا سمح الله ـ بقذف
بعضهم بعضا بما يسخط الرحمن ويؤذي حبيبه المصطفى ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، وأرسله ليتم به مكارم الأخلاق ، معالي الشيم والفضائل الإنسانية ، وجمع الناس على التوحيد .
وندبهم إلى ما ندب إليه القرآن من التعارف فيما بينهم ، قال تعالى : {لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }(1) مرتئيا أن أفضل الطرق للتعارف هو الحوار الحر ، والنقاش العلمي البحت ، والمناظرة المنطقية البعيدة عن كل تعصب ، والمجردة عن التقاليد والأهواء ، من الخلفيات الشائنة .
وقد اشترك هو( قدس سره ) ـ بدعوة من أصدقائه ومعارفه في بيشاور(2) ـ في مجالس المناظرة التي عقدت له بهذا الشأن ، والتي اشترك فيها كبار علماء السنة لمعاصرين له آنذاك ، وقد استمرت المناظرة ليالي عديدة استغرقت عشرة مجالس ، نشرتها في حينها جرائد الهند وصحفها ، وتلقاها الناس بالقبول والترحيب .
ثم وفق المؤلف ـ رحمه الله ـ إلى جمعها في هذا الكتاب بدقة ، وطلب منهم مواصلة قراءته من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة ، وذلك لترابط البحث وتسلسله ، مما يؤدي قطعه إلى ضياع الموضوع ، وعدم الاستفادة الكاملة من البحث .
ولما كان الكتاب باللغة الفارسية ، وقد أجاز ـ قدس سره ـ في
____________
1- سورة الحجرات، الآية 13. 2- وهي على الحدود الباكستانية الأفغانية.
المقدمة ترجمة الكتاب ـ ترجمة أمينةـ إلى سائر اللغات ، حاولنا ترجمته إلى اللغة العربية ، مساهمة منا في هذه الخدمة الإنسانية النبيلة ، بغية التوصل إلى الحق ، والتعرف على الواقع والحقيقة ، ومشاركة منا في ما دعانا إليه كتاب الله وسنة رسوله الكريم وسيرة أهل بيته الطاهرين ، من : التعارف والتقارب ، والتوحيد والتآخي ، و أخيرا نيل العزة والسعادة في الدنيا ، والنجاة والفوز بالجنة في الآخرة ، إن شاء الله تعالى .
مقدمة المؤلف
قال السيد المؤلف :
سافرت إلى العتبات المقدسة في شهر ربيع الأول عام 1345هـ ، وكان لي من العمر ثلاثون سنة ، فتشرفت بزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل النبي المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ) في العراق ، ومنها عزمت على السفر إلى الهند وباكستان بغية السفر منهما إلى خراسان والتشرف بزيارة الإمام الرضا عليه السلام ، فوصلت ـ كراتشي ـ وهي مدينة ساحلية تعد من أهم الموانئ في المنطقة .
وما إن وصلت إليها وانتشر خبر وصولي في أهم الصحف هناك ، فاجأتني دعوات كثيرة من الاخوة المؤمنين الذين كانت بيني وبينهم معرفة سابقة ومودة قديمة ، وكان لا بد لي من إجابة تلك الدعوات الكريمة ، وإن كانت تستوجب مني قطع مسافات بعيدة ، وشدّ الرحال من مدينة إلى أخرى ، ومن بلد إلى آخر .
فواصلت سفري إلى مدينة بومبي ، وهي ـ أيضاـ من أكبر مدن الهند وأعظم الموانئ فيها ، فاستقبلني المؤمنون الذين دعوني إليها
ومكثت فيها ضيفا معززا بين أهلها ليالي وأياما .
ثم تابعت السفر على مدينة (دهلي) ومنها إلى (آكره) و(لاهور) و(بنجاب) و( سيالكوت) و( كشمير) و(حيدرآباد) و(كويته) وغيرها ...
وقد استقبلني كثير من الناس وعامة المؤمنين في هذه المدن بحرارة فائقة فكانوا يرحبون بقدومي ويحيوني بهتافات وتحيات على العادات والرسوم الشعبية المتعارفة هناك .
وفي أيام وجودي في تلك المدن المهمة التي سافرت إليها ، كان العلماء من مختلف المذاهب والأديان يزورونني في منزلي ، وكنت أرد لهم الزيارة في بيوتهم ، وكان غالبا ما يدور بيني وبينهم محاورات دينية ومناظرات علمية مفيدة، كنت أتعرف من خلالها على عقائدهم ، وهم يتعرفون على عقائدي .
ومن أهم تلك المناقشات والمحاورات ، حوار ونقاش دار بيني وبين البراهمة والعلماء الهندوس في مدينة (دهلي) ، وكان ذلك بحضور قائد الهند ومحررها من الاستعمار الزعيم الوطني غاندي .
وكانت الصحف والمجلات تنشر ـ عبر مراسليها ـ كل ما يدور في المجلس من الحوار بالتفصيل ، وبكل أمانة وصدق .
وكانت نتيجة تلك المناظرات أن ثبت الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ، فقد خرجت من الحوار منتصرا على المناظرين ، وذلك بالأدلة العلمية والبراهين العقلية ، حتى ثبت للحاضرين في المجلس أن مذهب أهل البيت ـ الذي هو مذهب الشيعة الجعفرية الاثنى عشرية ـ هو المذهب الحق ، وأنه أحق أن يتبع ، وأنا أقول مرددا :
{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله }(1).
السفر إلى سيالكوت
ثم سافرت إلى مدينة ( سيالكوت) بدعوة خاصة من (( الجمعية الاثنا عشرية )) التي كان يرأسها صديقي الوفي الأستاذ أبو بشير السيد علي شاه النقوي ، مدير تحرير مجلة (( در النجف)) الأسبوعية .
وعندما دخلت هذه المدينة لقيت استقبالا حافلا وتجمعا من مختلف الطبقات ، ومن حسن الحظ أني وجدت ضمن المستقبلين زميلا لي ، كان وليا مشفقا ، وهو الزعيم ( محمد سرور خان رسالدار) ابن المرحوم ( رسالدار محمد أكرم خان ) وأخ الكولونيل ( محمد أفضل خان ) وهو من أكبر شخصيات أسرة (قزل باش) في ولاية (البنجاب) .
وتعود معرفتي بهذه الأسرة الكريمة إلى عام 1339هـ في مدينة كربلاء المقدسة ، حيث كانوا قد تشرفوا آنذاك لزيارة مراقد الأئمة الأطهار من آل النبي المختار ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ) وسكنوا فيها ، كما وكانت لهم مناصب حكومية مرموقة في ولاية البنجاب .
وكان ( محمد سرور خان ) هذا رئيس شرطة ( سيالكوت) وكان أهل البلد يحبونه ويحترمونه لشجاعته وحسن سيرته وديانته .
فما أن رآني حتى ضمني إلى صدره ، ورحب بقدومي ، وطلب مني أن أحل ضيفا عنده وأنزل مدة إقامتي ـ هناك ـ في بيته ، فقبلت
____________
1- سورة الأعراف، الآية 43.
دعوته وذهبت معه ، وشيعني المستقبلون إلى ذلك البيت الرفيع .
وفور نزولي ضيفا هناك نشرت صحف ولاية ( البنجاب) خبر وصولي إلى سيالكوت فكانت الوفود والرسائل ـ رغم عزمي على السفر إلى إيران لزيارة الإمام الرضا عليه السلام ـ تتسابق في دعوتي إلى زيارة بلادهم ومدنهم .
وأخص بالذكر سماحة حجة الإسلام السيد علي الرضوي اللاهوري ، العالم الجليل ، والمفسر النبيل ، صاحب تفسير (( لوامع التنزيل )) ذي الثلاثين مجلدا ، وكان يسكن مدينة لاهور ، فدعاني بإلحاح منه وإصرار إلى هناك ، فاستجبت لدعوته ، وذهبت ملبيا طلبه .
كما وتلقيت فيها أيضا دعوة كريمة من إخواني المؤمنين من أسرة قزل باش ، الذين كانوا من شخصيات ورجال الشيعة المعروفين في ولاية ( البنجاب) ، وكانت دعوتهم لي لزيارة مدينة ( بيشاور) وهي آخر مدينة حدودية مهمة تربط ولاية البنجاب بأفغانستان .
ولما تلقيت تلك الدعوة ، ألحّ عليّ الزعيم ( محمد سرور خان) ـ مضيفي الكريم ـ بأن لا أرد دعوة أفراد أسرته ورجال قومه من ( بيشاور) ورجاني أن ألبي دعوتهم وأذهب إليهم .
في بيشاور
ثم إني عزمت على الذهاب إلى بيشاور ، فسافرت إليها في اليوم الرابع عشر من شهر رجب الحرام ، وحين وردتها استقبلني أهلها استقبالا حافلا قل نظيره في تلك المدينة ، وكان على رأس المستقبلين رجالات ووجهاء أسرة قزل باش .
ولما استقر بي المكان طلبوا مني بإصرار أن أرتقي المنبر وأخطب فيهم ، ولما لم أكن أجيد اللغة الهندية ، لم أوافق على ارتقاء المنبر ، ولم أخطب طول سفري في الهند ، رغم طلباتهم المتكررة .
ولكن لما كان أهالي بيشاور يجيدون اللغة الفارسية ، وكان أكثرهم يتكلم بها ، حتى كادت اللغة الفارسية أن تكون هي اللغة الدارجة فيها ، لبّيت طلبهم وقبلت أن أخطب فيهم بالفارسية .
فكنت أرتقي المنبر وقت العصر في الحسينية التي أسسها المرحوم ( عادل بيك رسالدار) وكانت مؤسسة ضخمة تتسع لضم الجماهير الغفيرة من الناس ، وكانت تمتلئ بالحاضرين ، وهم ليسوا من الشيعة فحسب ، بل فيهم كثير من أصحاب والمذاهب المختلفة ـ الإسلامية وغيرها ـ .
موضوع البحث
ولما كان أكثر أهالي بيشاور مسلمين ، ومن العامة وكانوا يحضرون في المجلس مع كثير من علمائهم ومشايخهم ، جعلت موضوع البحث هو : الإمامة ، فكنت أتكلم حول (( عقائد الشيعة )) وأبيّن دلائل الشيعة العقلية والنقلية لإثباتها ، وأذكر النقاشات ، في المسائل الخلافية مع العامة .
وعلى أثرها طلب مني علماء السنة وكبار شخصياتهم الذين كانوا يحضرون البحث أن اجتمع بهم في لقاء خاص للإجابة عن إشكالاتهم ، فرحبت بهم ولبيت طلبهم .
فكانوا يأتون في كل ليلة إلى البيت ، ويدور البحث بيننا ساعات طويلة حول
المواضيع الخلافية من بحث الإمامة وغيرها .
من بركات المنبر
وفي يوم من الأيام عند نزولي من المنبر أخبرني بعض الحاضرين من أصدقائي بأن عالمين كبيرين من مشايخ العامة وهما : الحافظ محمد رشيد ، والشيخ عبدالسلام ، وكانا من أشهر علماء الدين في (كابل)[عاصمة أفغانستان] ـ ومن منطقة تدعى ضلع ملتان ـ قد قدما إلى بيشاور ليلتقيا بي ويشتركا مع بقية الحاضرين في الحوار الدائر فيما بيننا كل ليلة ، وطلبوا مني السماح لهما .
فأبديت سروري ورضاي بهذا النبأ ، واستقبلتهما بصدر منشرح وقلب منفتح ، ورحبت بقدومهما وجالستهما مع جماعة كبيرة من أصحابهما في ساعات كثيرة .
فكانوا يأتون بعد صلاة المغرب إلى المنزل الذي نزلت فيه للمناظرة ، وذلك لمدة عشر ليال متتالية ، وكان النقاش والحوار يدور حول المسائل الخلافية بيننا ، ويطول إلى ست أو سبع ساعات ، وربما كان البحث والحوار يستمر بنا أحيانا إلى طلوع الفجر ، كل ذلك بحضور شخصيات ورجال الفريقين في بيشاور .
ولما انتهينا من المحاورة والمناظرة في آخر ليلة من المجلس ، أعلن ستة من الحاضرين ـ من العامة ـ تشيعهم ، وكانوا من الأعيان والشخصيات المعروفة في المدينة .
ومن حسن التقدير أنه كان يحضر مجلسنا ما يقرب من مأتي
كاتب من الفريقين ، إذ كانوا يشتركون مع الحاضرين في مجلس المناظرة للكتابة ، فكانوا يكتبون المواضيع المطروحة ، ويسجلون الحوار والنقاش وما يجري من مسائل وأجوبة وردود وشبهات ، بأقلام أمينة وعبارات وافية وجميلة .
وكان بالإضافة إلى أولئك الكتاب ، أربعة من الصحفيين يكتبون أيضا ما يدور في المجلس بكل جزئياته ، ثم ينشرون ما يدونوه من المناظرات والمناقشات في اليوم الثاني في الصحف والمجلات الصادرة هناك .
ويضيف المؤلف ـ رحمه الله ـ بعد ذلك : بأنه سيعرض على القارئ الكريم في هذا الكتاب الذي سماه : (( ليالي بيشاور )) ما نقلته تلك الصحف الرصينة ، وسجلته تلك الأقلام الأمينة ، وما سجّله هو بنفسه من نقاط مهمة عن تلك الليالي والمجالس التاريخية القيمة .
ثم يدعو الله العلي القدير أن ينفع به المسلمين ، ويجعله ذخيرة له في يوم الدين ، وكان قد كتبه وفرغ من تأليفه في طهران .
|
العبد الفاني محمد الموسوي ((سلطان الواعظين الشيرازي)) |
المجلس الأول
ليلة الجمعة 23 / رجب / 1345 هج
المكان: بيت المحسن الوجيه الميرزا يعقوب علي خان قزل باش(1)، من الشخصيات البارزة في بيشاور.
الابتداء: أول ساعة من الليل بعد صلاة المغرب.
إفتتاحية المجلس: حضر المشايخ والعلماء وهم:
____________
1- كان البيت واسعا بحيث يسع الكثير من الناس، وكان صاحبه قد استعدّ لاستضافة الوافدين، ولذا كان المجلس ينعقد في كل ليلة وباستمرار في ذلك المكان، وكان صاحب البيت أيضا يقوم بواجبه تجاه الضيوف من: حسن الضيافة، وتكريم الحاضرين، والترحيب بقدومهم، وتقديم الشاي والفواكه والحلوى لهم، وذلك على أحسن وجه. وقزل باش يعني: أحمر الرأس، ولقب " حمر الرؤوس " كان يطلق على فوج خاص من جيش نادر شاه، سكنوا أفغانستان لما فتحها نادرشاه، ولما ضاقت الأمور على الشيعة هناك هاجروا إلى الهند وانتشروا فيها، وهم من الشيعة الأقوياء في تشيعهم حتى اليوم.
الحافظ(1) محمد رشيد والشيخ عبد السلام، والسيد عبد الحي، وغيرهم من العلماء، وعدد كبير من الشخصيات والرجال من مختلف الطبقات والأصناف.
فرحبت بهم واستقبلتهم بصدر منشرح ووجه منبسط، كما ورحب بهم صاحب البيت واستقبلهم استقبالا حارا، ثم أمر خدمه فقدموا الشاي والفواكه والحلوى لجميع من حضر.
هذا، ولكن مشايخ القوم كانوا على عكس ما كنا معهم، فقد رأينا الغضب في وجوههم، إذ أنهم واجهونا في البداية بوجوه مقطبة مكفهرة، وكأنهم جاؤونا للمعاتبة لا للتفاهم والمناظرة.
أما أنا فكنت لا أبالي بهذه الأمور، لأني لم أبتغ من وراء هذا اللقاء هدفا شخصيا، ولأم أحمل في نفسي عنادا ولا في صدري تعصبا أعمى ضد أحد، وإنما كان هدفي ان أوضح الحق وأبين الحقيقة.
ولذلك لم أتجاوز عما كان يجب علي من المعاملة الحسنة فقابلتهم بالبشر والابتسامة، والترحيب والتكريم، وطلبت منهم أن يبدؤوا بالكلام بشرط أن يكون المتكلم شخصا معينا عن الجماعة حتى لا يضيع الوقت، ولا يفوت الغرض الذي اجتمعنا من أجله.
فوافقني القوم على ذلك وعينوا من بينهم الحافظ محمد رشيد ليتكلم نيابة عنهم، وربما خاض الآخرون ـ أحيانا ـ في البحث ولكن مع إذن مسبق.
____________
1- الحافظ يطلق على من حفظ القرآن وحفظ سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من علماء العامة، أو الخاصة، أو على من حفظ مئة ألف حديث متنا وسندا.
بدء المناظرة
بهذا أخذ المجلس طابعه الرسمي، وبدأت المناظرات بيني وبينهم بكل جد وموضوعية، فبدأ الحافظ محمد رشيد وخاطبني بلقب: (قبله صاحب)(1) قائلا:
منذ نزولكم هذا البلد، شرفتم مسامع الناس بمحاضراتكم، وخطبكم، ولكن بدل أن تكون محاضراتكم منشأ الألفة والإخاء فقد سببت الفرقة والعداء، ونشرت الإختلاف بين أهالي البلد، وبما أنه يلزم علينا إصلاح المجتمع، ورفع الاختلاف منه، عزمت على السفر، وقطعت مسافة بعيدة مع الشيخ عبد السلام وجئنا إلى بيشاور لدفع الشبهات التي أثرتموها بين الناس.
وقد حضرت اليوم محاضرتكم في الحسينية، واستمعت لحديثكم، فوجدت في كلامكم سحر البيان وفصل الخطاب أكثر مما كنت أتوقعه، وقد اجتمعنا ـ الآن ـ بكم لننال من محضركم الشريف ما يكون مفيدا لعامة الناس إن شاء الله تعالى.
فإن كنتم موافقين على ذلك، فإنا نبدأ معكم الكلام بجدّ، ونتحدث حول المواضيع الأساسية التي تهمنا وتهمكم؟
قلت: على الرحب والسعة، قولوا ما بدا لكم، فإني أستمع لكم
____________
1- هذه الكلمة من أهم الألقاب التي يخاطب بها المسلمون في الهند وباكستان، علماء دينهم ومشايخهم، وتعني عندهم: " الإمام المقتدى " لذلك كانت الصحف التي تنشر تلك المناظرات تعبر عن السيد " سلطان الواعظين " بلقب: " قبله صاحب " (المترجم)
بلهفة، وأصغي لكلامكم بكل شوق ورغبة، ولكن أرجو من السادة الحاضرين جميعا ـ وأنا معكم ـ ان نترك التعصب والتأثّر بعادات محيطنا وتقاليد آبائنا، وأن لا تأخذنا حمية الجاهلية، فنرفض الحق بعد ما ظهر لنا، ونقول ـ لا سمح الله ـ مثل ما قاله الجاهلون : {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} (1) أو نقول: {بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} (2).
فالرجاء هو أن ننظر نحن وأنتم إلى المواضيع والمسائل التي نناقشها نظر الإنصاف والتحقيق، حتى نسير معا على طريق واحد ونصل إلى الحق والصواب، فنكون كما أراد الله تعالى لنا: إخوانا متعاضدين ومتحابين في الله تبارك وتعالى.
فأجاب الحافظ: إن كلامكم مقبول على شرط أن يكون حديثكم مستندا إلى القرآن الكريم فقط.
قلت إن شرطكم هذا غير مقبول في عرف العلماء والعقلاء، بل يرفضه العقل والشرع معا، وذلك لأن القرآن الكريم كتاب سماويّ مقدّس،فيه تشريع كل الأحكام بإيجاز واختصار مما يحتاج في فهمه إلى من يبينه، والسنة الشريفة هي المبينة، فلا بدّ لنا أن نرجع في فهم ذلك إلى الأخبار والأحاديث المعتبرة من السنة الشريفة ونستدل بها على الموضوع المقصود.
الحافظ: كلامكم صحيح ومتين، ولكن أرجو أن تستندوا في حديثكم إلى الأخبار الصحيحة المجمع عليها، والأحاديث المقبولة عندنا وعندكم، ولا تستندوا بكلام العوام ّ والغثّ من عقائدهم.
____________
1- سورة المائدة، الآية 103. 2- سورة البقرة، الآية 170.
وأرجو أيضا أن يكون الحوار هادئا، بعيدا عن الضوضاء والتهريج حتى لا نكون موضع سخرية الآخرين ومورد استهزائهم.
قلت: هذا كلام مقبول، وأنا ملتزم بذلك قبل أن ترجوه منّي، فإنه لا ينبغي لرجل الدين والعالم الروحي إثارة المشاعر والتهريج في الحوار العلمي والتفاهم الديني، وبالأخص لمن كان مثلي،إذ إن لي العزّ والفخر وشرف الانتساب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو صاحب الصفات الحسنة والخصال الحميدة والخلق العظيم، الذي أنزل الله تعالى فيه: {إنّك لعلى خلق عظيم} (1).
ومن المعلوم أني أولى بالالتزام بسنة جدي، وأحرى بأن لا أخالف أمر الله عز وجل حيث يقول: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (2).
الحافظ: ذكرت أنك منتسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وهو المشهور أيضا بين الناس ـ فهل يمكنكم ان تبينوا لنا طريق انتسابكم إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، والشجرة التي تنتهي بكم إليه؟
قلت: نعم، إن نسبي يصل عن طريق الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك على النحو التالي:
شجرة المؤلف
أنا محمد بن علي أكبر " أشرف الواعظين " بن قاسم " بحر العلوم "
____________
1- سورة القلم، الآية 4. 2- سورة النحل، الآية 125.
ابن حسن بن إسماعيل " المجتهد الواعظ " بن ابراهيم بن صالح بن أبي على محمد بن علي " المعروف بالمردان " بن أبي القاسم محمد تقي بن " مقبول الدين " حسين بن أبي علي حسن بن محمد بن فتح الله بن إسحاق بن هاشم بن أبي محمد بن إبراهيم بن أبي الفتيان بن عبدالله بن الحسن بن أحمد " أبي الطيب " ابن أبي علي حسن بن أبي جعفر محمد الحائري " نزيل كرمان " ابن إبراهيم الضرير المعروف بـ " المجاب " ابن الأمير محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد " زين العابدين " بن الإمام أبى عبدالله الحسين " السبط الشهيد " بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليهم أجمعين).
الحافظ: جيد، لقد انتهى نسبك ـ حسب بيانك هذا ـ إلى علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وهذا الانتساب يثبت أنك من أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله) لا من أولاده، لأن الأولاد إنما هم من ذرية الإنسان ونسله، لا من ختنه وصهره، فكيف ادّعيت مع ذلك بأنك من أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
قلت إن انتسابنا إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنما يكون عن طريق فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنها أم الإمام الحسين الشهيد عليه السلام.
الحافظ: العجب كل العجب منك ومن كلامك! إذ كيف تتفوّه بهذا الكلام وأنت من أهل العلم والأدب؟!
ألست تعلم أن نسل الإنسان وعقبه إنما يكون عن طريق الأولاد الذكور لا الإناث؟! ورسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن له عقب من أولاده
الذكور!! فإذن أنتم أسباطه وأبناء بنته، لا أولاده وذريته!!
قلت: ما كنت أحسبك معاندا أو لجوجا، وإلا لما قمت مقام المجيب على سؤالكم، ولما قبلت الحوار معكم!
الحافظ: لا يا صاحبي لا يلتبس الأمر عليك، فإنّا لا نريد المراء واللجاج وإنما نريد أن نعرف الحقيقة، فإني وكثير من العلماء نظرنا في الموضوع ما بينته لكم، فإنا نرى أن عقب الإنسان ونسله إنما هو من الأولاد الذكور لا البنات، وذلك كما يقول الشاعر في هذا المجال:
| بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا | بنوهن أبناء الرجال الأباعد |
فإن كان عندكم دليل على خلافه يدلّ على أن أولاد بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولاده وذريته فبينوه لنا حتى نعرفه، وربما نقتنع به فنكون لكم من الشاكرين.
قلت: إني وفي أثناء كلامكم تذكرت مناظرة حول الموضوع، جرت بين الخليفة العباسي هارون، وبين: الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، فقد أجابه عليه السلام بجواب كاف وشاف اقتنع به هارون وصدقه.
الحافظ: كيف كانت تلك المناظرة أرجو أن تبينوها لنا؟
قلت: قد نقل هذه المناظرة علماؤنا الأعلام في كتبهم المعتبرة، منهم: ثقة عصره،ووحيد دهره،الشيخ الصدوق في كتابه القيم: {عيون أخبارالرضا}(1).
____________
1- عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 84 ح9.
ومنهم: علامة زمانه، وبحّاثة قرنه، الشيخ الطبرسي في كتابه الثمين:(الاحتجاج) وأنا أنقلها لكم من كتاب (الاحتجاج)(1) وهو كتاب علمي قيّم، يضم بين دفتيه أضخم تراث علمي وأدبي لا بدّ لأمثالك أيها الحافظ من مطالعته، حتى ينكشف لكم الكثير من الحقائق العلمية والوقائع التاريخية الخافية عليكم.
أولاد البتول عليها السلام ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله)
روى العلامة الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي في الجزء الثاني من كتابه:(الاحتجاج) رواية مفصلة وطويلة تحت عنوان: " أجوبة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام لأسئلة هارون " وآخر سؤال وجواب، كان حول الموضوع الذي يدور الآن بيننا، وإليكم الحديث بتصرّف:
هارون: لقد جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولوا لكم: يا أولاد رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم؟؟!
الإمام عليه السلام: لو أن النبي (صلى الله عليه وآله) نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟!
هارون: سبحان الله! ولم لا أجيبه، وأفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.
الإمام عليه السلام: لكنه لا يخطب إليّ، ولا أزوّجه.
هارون: ولِمَ؟!
الإمام عليه السلام: لأنه ولدني ولم يلدك.
____________
1- الاحتجاج ج2 المناظرة رقم 271 ص335.
هارون: أحسنت!!
ولكن كيف قلتم: إنا ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي لم يعقّب؟! وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد بنت النبي، ولا يكون ولدها عقبا له (صلى الله عليه وآله)!!
الإمام عليه السلام: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا أعفيتني عن هذه المسألة.
هارون: لا... أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم، كذا أنهى لي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، وأنتم معشر ولد علي تدّعون: أنه لا يسقط عنكم منه شيء، ألف ولا واو، إلا تأويله عندكم واحتججتم بقوله عز وجل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}(1) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم!!
الإمام عليه السلام: تأذن لي في الجواب؟
هارون: هات.
الإمام عليه السلام: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين} (2) فمن أبو عيسى عليه السلام؟
هارون: ليس لعيسى أب!
الإمام عليه السلام: فالله عز وجل ألحقه بذراري الأنبياء عن طريق أمه مريم عليها السلام وكذلك ألحقنا بذراري النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل أمنا فاطمة عليها السلام...
____________
1- سورة الأنعام، الآية 38. 2- سورة الأنعام، الآية 84 و85.
هل أزيدك؟
هارون: هات.
الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}(1) ولم يدّعِ أحد أنه أدخله النبي (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء وعند مباهلة النصارى، إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليها السلام، واتفق المسلمون: أن مصداق (أبناءنا) في الآية الكريمة: الحسن والحسين عليهما السلام، (ونساءنا): فاطمة الزهراء عليها السلام. (وأنفسنا) : علي بن أبي طالب عليه السلام.
هارون: أحسنت يا موسى! ارفع إلينا حوائجك.
الإمام عليه السلام: ائذن لي أن أرجع إلى حرم جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأكون عند عيالي.
هارون: ننظر إن شاء الله (2).
الاستدلال بكتب العامة ورواياتهم
هناك دلائل كثيرة جاءت في نفس الموضوع تدل على ما ذكرناه
____________
1- سورة آل عمران، الآية 61. 2- لكن ما زال الإمام موسى بن جعفرعليه السلام بعيدا عن حرم جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفارقا لأهله وعياله، ينقل من سجن إلى سجن، مكبّلا بالقيد والحديد وفي ظلم المطامير حتى قضى بدسّ هارون السمّ إليه مسموما شهيدا صلوات الله وسلامه عليه (المترجم).
وقد سجّلها علماؤكم ونقلها حفاظكم ورواتكم.
منهم: الإمام الرازي في الجزء الرابع من (تفسيره الكبير) (1) وفي الصفحة (124) من المسألة الخامسة قال في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام: إن الآية تدل على أن الحسن والحسين [ عليهما السلام ] ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الله جعل في هذه الآية عيسى من ذرية ابراهيم ولم يكن لعيسى أب، وإنما انتسابه إليه من جهة الأم، وكذلك الحسن والحسين [ عليهما السلام ] فإنهما من جهة الأم ذرية رسول الله ((صلى الله عليه وآله).
كما إن الإمام الباقر عليه السلام استدل للحجاج الثقفي بهذه الآية لإثبات أنهم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضا(2):
ومنهم: ابن أبي الحديد في: " شرح نهج البلاغة "، وأبو بكر الرازي في تفسيره استدل على أن الحسن والحسين عليهما السلام أولاد رسول (صلى الله عليه وآله) من جهة أمهم فاطمة عليها السلام بآية المباهلة وبكلمة: (أبناءنا) كما نسب الله تعالى في كتابه الكريم عيسى إلى إبراهيم من جهة أمه مريم عليها السلام.
ومنهم: الخطيب الخوارزمي، فقد روى في (المناقب) والمير السيد علي الهمداني الشافعي في كتابه (مودة القربى) والإمام أحمد بن حنبل
____________
1- التفسير الكبير للامام الفخر الرازي: المجلد السابع ج13، ص66. 2- المروي في كتاب الاحتجاج: ج2ص175 المناظرة 204 ان الإمام الباقر عليه السلام استدل بهذه الآية في حديثه مع أبي الجارود، فراجع.
وهو من فحول علمائكم في مسنده، وسليمان الحنفي البلخي في (ينابيع المودة ) (1) بتفاوت يسير: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ـ وهو يشير إلى الحسن والحسين عليهما السلام:ـ " إبناي هذان ريحانتاي من الدنيا، إبناي هذان إمامان إن قاما أو قعدا ".
ومنهم: محمد بن يوسف الشافعي، المعروف بالعلامة الكنجي، ذكر في كتابه (كفاية الطالب) فصلا بعد الأبواب المائة بعنوان: فصل: في بيان أن ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) من صلب علي عليه السلام " جاء فيه بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله عز وجل جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب " (2).
ورواه ابن حجر المكي في صواعقه المحرقة: ص74 و94 عن الطبراني، عن جابر بن عبدالله، كما ورواه أيضا الخطيب الخوارزمي في (المناقب) عن ابن عباس.
قلت(3): ورواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمة الحسن، ثم قال:
فإن قيل: لا اتصال لذرية النبي (صلى الله عليه وآله) بعلي عليه السلام إلا من جهة فاطمة عليها السلام وأولاد البنات لا تكون ذرية، لقول الشاعر:
____________
1- ينابيع المودة: الباب 54 ص193، وفيه: عن الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ان الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا ". 2- كفاية الطالب: ص 379. 3- والقائل هو الكنجي الشافعي تعقيباً لما رواه.
| بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا | بنوهن أبناء الرجال الأباعد |
قلت: في التنزيل حجة واضحة تشهد بصحة هذه الدعوى وهو قوله {عز وجل}(1): (ووهبنا له [أي:ابراهيم] إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ـ إلى أن قال: ـ وزكريا ويحيى وعيسى)، فعد عيسى (عليه السلام) من جملة الذرية الذين نسبهم إلى نوح (عليه السلام) وهو ابن بنت لا اتصال له إلا من جهة أمه مريم.
وفي هذا أكد دليل على أن أولاد فاطمة (عليها السلام) ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) ولا عقب له إلا من جهتها، وانتسابهم الى شرف النبوة ـ وان كان من جهة الأم ـ ليس ممنوع، كانتساب عيسى الى نوح، إذ لا فرق.
وروى الحافظ الكنجي الشافعي في آخر هذا الفصل، بسنده عن عمر بن الخطاب، قال سمعت رسول الله يقول: كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم(2).
قال العلامة الكنجي: رواه الطبري في ترجمة الحسن.
هذا ونقله أيضا بتفاوت يسير وزيادة في أوله، بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كل حسب ونسب منقطع يوم اليوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي(3).
أقول: ونقله كثير من علمائكم وحفاظكم، منهم الحافظ سليمان الحنفي في كتابه: (ينابيع المودة ) (4) وقد أفرد بابا في الموضوع فرواه عن
____________
1- في سورة الانعام الآيتين 84و85. 2- كفاية الطالب: ص 381. 3- كفاية الطالب: ص 380. 4- ينابيع المودة: الباب 57 ص318.
أبي صالح، والحافظ عبدالعزيز بن الأخضر وأبي نعيم في معرفة الصحابة، والدار قطني والطبراني في الأوسط.
ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي في:(الإتحاف بحب الاشراف).
ومنهم: جلال الدين السيوطي في (إحياء الميت بفضائل أهل البيت) (1).
ومنهم: أبو بكر بن شهاب الدين في: (رشفة الصادي في بحر فضائل بني النبي الهادي) ط. مصر، الباب الثالث.
ومنهم: ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) الباب التاسع، الفصل الثامن، الحديث السابع والعشرون، قال: أخرج الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس... ونقل الحديث.
وروى ابن حجر أيضا في (الصواعق الباب الحادي عشر، الفصل الأول، الآية التاسعة...): وأخرج ابو الخير الحاكمي، وصاحب (كنوز المطالب في بني أبي طالب) إن عليا دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده العباس، فسلم فردّ عليه (صلى الله عليه وآله) السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه.
فقال له العباس: أتحبه؟
قال (صلى الله عليه وآله): يا عمّ! واللهِ الله ُأشدّ حبا له مني، إن الله (عز وجل) جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا.
____________
1- من الحديث 29 ص 28 إلى الحديث 34 ص32.
ورواه العلامة الكنجي الشافعي في كتابه: (كفاية الطالب الباب السابع) (1) بسنده عن ابن عباس.
وهناك مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة المعتبرة، المروية في كتبكم، المقبولة عند علمائكم، تقول، إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعبر عن الحسن والحسين عليهما السلام بأنهما ابناه، ويعرفهما لأصحابه ويقول: هذان ابناي.
وجاء في تفسير: (الكشاف) وهو من أهم تفاسيركم، في تفسير آية المباهلة: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم: علي وفاطمة والحسنان، لأنهما لما نزلت، دعاهم النبي (صلى الله عليه وآله) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه وعلي خلفهما، فعلم: إنهم المراد من الآية، وإن أولاد فاطمة وذريتهم سيمون أبناءه، وينسبون إليه (صلى الله عليه وآله) نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة(2).
وكذلك الشيخ أبو بكر الرازي في (التفسير الكبير) في ذيل آية المباهلة، وفي تفسير كلمة (أبناءنا) له كلام طويل وتحقيق جليل، أثبت فيه أن الحسن والحسين هم أبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته، فراجع(3).
____________
1- كفاية الطالب: الباب السابع، ص 79. 2- الكشاف:ج1 ص368. 3- حول آية المباهلة والحسنين عليهما السلام: لقد أجمع المفسرون على أن أبناءنا في آية المباهلة إشارة إلى الحسن <=
____________
=> والحسين عليهما السلام وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجهما معه يوم المباهلة مجيبا أمر الله عز وجل، وقد أجمع عليه المحدثون والمؤرخون من المسلمين. وإليك بعض المصادر في هذا الباب: 1ـ الحافظ مسلم بن الحجاج، في صحيحه، ج7 ص120 ط. محمد علي صبيح ـ مصر. 2ـ الامام أحمد بن حنبل، في مسنده ج1 ص185،ط. مصر. 3ـ العلامة الطبري، في تفسيره ج3 ص192، ط. الميمنية، مصر. 4ـ العلامة أبو بكر الجصاص ـ المتوفي سنة 270 هـ ـ في كتاب (أحكام القرآن) ج2 ص16، قال فيه: إن رواة السير ونقله الاثر لم يختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال فيه: إن رواة السير ونقلة الاثر لم يختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن والحسين زعلي وفاطمة رضي الله عنهم ودعا النصارى الذين حاجوه الى المباهلة.. الى آخره. 5ـ الحاكم في المستدرك ج3 ص150، ط. حيدر آباد الدكن. 6ـ العلامة الثعلبي، في تفسيره في ذيل آية المباهلة. 7ـ الحافظ أبو نعيم، في كتاب (دلائل النبوة) ص 279،ط. حيدر آباد. 8ـ العلامة الواحدي النيسابوري، في كتاب (أسباب النزول) ص 74، ط. مصر. 9ـ العلامة ابن المغازلي في كتابه مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام. 10ـ العلامة البغوي، في كتابه (معالم التنزيل) ج1 ص302. وفي كتابه (مصابيح السنة) ج2 ص204 ط. المطبعة الخيرية. 11ـ العلامة الزمخشري، في تفسير (الكشاف) ج1 ص193، ط. مصطفى محمد. 12ـ العلامة أبو بكر ابن العربي، في كتاب (أحكام القرآن) ج1 ص115، ط. مطبعة السعادة بمصر. <=
____________
=> 13ـ العلامة الفخر الرازي، في (التفسير الكبير) ج8ص85،ط.البهية بمصر. 14ـ العلامة المبارك ابن الاثير، في جامع الأصول ج9 ص 470، ط. المطبعة المحمدية بمصر. 15ـ الحافظ شمس الدين الذهبي، في تلخيصه المطبوع في ذيل مستدرك الحاكم، ج2ص 150،ط. حيدر آباد. 16ـ الشيخ محمد بن طلحة الشافعي في (مطالب السؤول). 17ـ العلامة الجزري في كتاب (أسد الغابة) ج4ص25 ط. الأول بمصر. 18ـ العلامة سبط ابن الجوزي في (التذكرة) ص17، ط. النجف. 19ـ العلامة القرطبي، في كتاب (الجامع لأحكام القرآن) ج3ص104،ط.مصر سنة 1936. 20ـ العلامة البيضاوي، في تفسيره ج2 ص22، ط. مصطفى محمد بمصر. 21ـ العلامة محب الدين الطبري، في (ذخائر العقبى) ص25، ط. مصر سنة 1356. وفي كتابه الآخر (الرياض النضرة) ص188، ط. الخانجي بمصر. 22ـ العلامة النسفي، في تفسيره، ج1 ص 136، ط. عيسى الحلبي بمصر. 23ـ العلامة المهايمي، في: (تبصير الرحمن وتيسير المنان) ج1 ص182،ط. مطبعة بولاق بمصر. 24ـ الخطيب الشيربيني، في تفسيره (السراج المنير) ج1 ص182، ط. مصر. 25ـ العلامة النيسابوري، في تفسيره ج3 ص206، بهامش تفسير الطبري، ط. الميمنية بمصر. 26ـ العلامة الخازن، في تفسيره، ج1 ص302، ط.مصر. <=
____________
=> 27ـ العلامة أبو حيان الأندلسي، في كتابه (البحر المحيط) ج2ص479،ط. مطبعة السعادة بمصر. 28ـ الحافظ أبو الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي، في تفسيره، ج1 ص270 ط. مصطفى محمد بمصر. وفي كتابه (البداية والنهاية) ج5ص52،ط. مصر. 29ـ أحمد بن حجر العسقلاني، في (الاصابة) ج2 ص503،ط. مصطفى محمد بمصر. 30ـ العلامة معين الدين الكاشفي، في كتاب (معارج النبوة) ج1 ص315،ط. لكنهو. 31ـ ابن الصباغ المالكي، في (الفصول المهمة) ص108 ط. النجف. 32ـ جلال الدين السيوطي، في (الدر المنثور) ج4 ص38،ط. مصر. 33ـ ابن حجر الهيتمي، في كتابه (الصواعق المحرقة) ص199،ط. المحمدية بمصر. 34ـ أبو السعود أفندي، شيخ الاسلام في الدولة العثمانية، في تفسيره ج2ص143 ط. مصر، المطبوع بهامش تفسير الرازي. 35ـ العلامة الحلبي، في كتابه (السيرة المحمدية) ج3ص35،ط.مصر. 36ـ العلامة الشاه عبد الحق الدهلوي، في كتاب (مدارج النبوة) ص500 ط. بومبي. 37ـ العلامة الشبراوي، في كتاب (الاتحاف بحب الأشراف) ص5، ط. مصطفى الحلبي. 38ـ العلامة الشوكاني، في كتاب (فتح القدير) ج1 ص316، طبع مصطفى الحلبي بمصر. 39ـ العلامة الآلوسي، في تفسيره (روح المعاني) ج3 ص167،ط. المنيرية بمصر. <=
ثم قلت بعد ذلك: فهل يبقى ـ يا أيها الحافظ ـ بعد هذا كله، محل للشعر الذي استشهدت به؟! بنونا بنو أبنائنا...الى آخره.
وهل يقوم هذا البيت من الشعر، مقابل هذه النصوص الصريحة والبراهين الواضحة؟!
فلو اعتقد أحد بعد هذا كله، بمفاد ذلك الشعر الجاهلي ـ الذي قيل في وصفه: إنه كفر من شعر الجاهلية ـ لردّه كتاب الله العزيز وحديث رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله).
ثم أعلم ـ أيها الحافظ ـ أن هذا بعض دلائلنا في صحة انتسابنا
____________
=> 40ـ العلامة الطنطاوي، في تفسيره (الجواهر) ج2 ص 120،ط. مصطفى الحلبي بمصر. 41ـ السيد أبو بكر الحضرمي، في كتاب (رشفة الصادي) ص35،ط. الاعلامية بمصر. 42ـ الشيخ محمود الحجازي، في تفسير (الواضح) ج3 ص58،ط. مصر. 43ـ العلامة صديق حسن خان، في كتاب (حسن الاسوة) ص32، ط. الجوانب بالقسطنطية. 44ـ العلامة أحمد زيني دحلان، في (السيرة النبوية) المطبوعة بهامش (السيرة الحلبية) ج3ص4،ط. مصر. 45ـ السيد محمد رشيد رضا، في تفسير (المنار) ج3 ص321،ط. مصر. 46ـ العلامة محمد بن يوسف الكنجي، في كتابه (كفاية الطالب) الباب الثاني والثلاثين. 47ـ الحافظ سليمان الحنفي، في كتابه (ينابيع المودة) ج1 باب الآيات الواردة في فضائل أهل البيت، الآية التاسعة. (المترجم)



