المكتبة العقائدية » أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) (لـ محمد علي الحلو)



الصفحة 333

السيد حيدر الحلي(1)

هو أبو الحسين، حيدر بن سليمان بن داود بن سليمان بن داود بن حيدر بن أحمد الحلي، يرجع نسبه إلى زيد ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين (عليهم السلام)ولد في الحلة يوم 15 شعبان من عام 1246 هـ ونشأ بها يتيماً، فقد مات أبوه وهو طفل صغير فتولى تربيته عمه السيد مهدي السيد داود

____________

1- اكتفينا في نقل مقدمة ديوان السيد حيدر الحلي التي سجلها المرحوم الاستاذ على الخاقاني، واثبتناها ترجمة وافية لحياة سيد الشعراء ـ السيد حيدر الحلي ـ وقد أخذنا منها موضع الحاجة.


الصفحة 334

على أرقى الاساليب التربوية وتعهده كما يتعهد أحد أولاده، لذا ترى هذا العطف يبدو عليه في الحزن الذي شمله والذي أعرب عنه في رثائه لعمه هذا بقوله:

أظبا الردى انصلتي وهاك وريديذهب الزمان بعدتي وعديدي

ولعل التحدث عن شاعرية السيد حيدر في غنى عن البسط والتحليل بالنظر لما عرفه الادباء وغيرهم.

حقاً أن السيد حيدر شاعر مجلّي في كافة الحلبات، فقد كان يشعر بالزعامة الأدبية رغم منافسة أعلام الشعر في النجف له وملاكمتهم اياه، ولعل القصة التي ذكرت غير مرة وهي: عندما رثى العلامة السيد ميرزا جعفر القزويني بقصيدته المعروفة:

قد خططنا للمعالي مضجعاودفنا الدين والدنيا معا

وسكوت أدباء النجف عن الاستعادة والاستجادة لها دفعه أن يثور ثورته التي خاطب بها الأديب الكبير الشيخ محسن الخضري بقوله: إذا كان في المجلس من أعتب عليه لصمته وتغافله عن أداء حق هذه المرثية فهو أنت. فلم يبق للشيخ الخضري إلاّ أن أجابه بقوله:

ميزتني بالعتب بين معاشرسمعوا وماحيٌ سواي بسامع
أخرستني وتقول مالك صامتاًوأمتني وتقول مالك لا تعي

أن السيد حيدر أديب قرأ الكثير من شعر العرب وحفظ المجلدات من


الصفحة 335

أخبارهم وتتبع الفصيح من أقوالهم، والمأثور من كلامهم والبديع من صناعتهم. لذا تراه في شعره فصيح المفردات، قوي التركيب، بديع الصنعة، وقلَّ أن تشاهد شاعراً متأخراً سلم من المعايب كما وقع له. يصطاد اللفظ الرقيق ويفرقه بمعنى أرق منه دون أن تجد نبْوة أو حشوة.

عُرف السيد حيدر ـ كما تناقلت الرواة أخباره ـ أنه موتور لم يهدأ في كل عام يمر عليه دون أن يسجل فيه مثالب قاتلي جده الإمام الحسين (عليه السلام)ومنتهكي حرمته بأنواع من القول تعدت إلى ما وراء التصور، واليك بعض مرثياته الرائعة:

عبجاً للعيون لم تغد بيضاًلمصاب تحمر فيه الدموع
وأسً شابت الليالي عليهوهو للحشر في القلوب رضيع
أين ما طارت النفوس شعاعاًولطير الردى عليه وقوع
فأبى أن يعيش إلاّ عزيزاأو تجلى الكفاح وهو صريع
فتلقى الجموع فرداً ولكنكل عضو في الروع منه جموع
زوج السيف بالنفوس ولكنمهرها الموت والخضاب النجيع

إذن لا بدع إذا كان أمير الشعراء أحمد شوقي مفتوناً بشعر هذا العميد حينما اجتمع به أحد طلاب البعثة العراقية في طريقه إلى السوربون، فقال له اقرأ لي شعراً فراتياً فقرأ له من شعر بعض الشعراء المعاصرين فقال له لا، قرأ:

عثر الدهر ويرجو أن يقالاتربت كفك من راج محالا

الصفحة 336

إلى آخر القصيدة:

ومن روائعه قوله:

يلقي الكتيبة مفرداًفتفر دامية الجراح
وبهامها اعتصمت مخافة بأسه بيضُ الصفاح
وتسترت منه حياءً فيالحشا سمر الرماح

حيث لم يسبقه من المتقدمين والمتأخرين قوله: وتسترت منه حياءً في الحشا سمر الرماح، وقوله:

مشى الدهر يوم الطف أعمى فلم يدععماداً لها إلاّ وفيه تعثرا

وقوله:

وخائضين غمار الموت طافحةأمواجها البيض بالهامات تلتطم
مشوا إلى الحرب مشي الضاريات لهافصافحوا الموت فيها والقنا أجمُ
فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقدماتت بها منهم الاسياف لا الهمم
قومي الأُلى عقدوا قدماً مآزرهمعلى الحمية ما ضيموا ولا اهتضموا

الصفحة 337
عهدي بهم قصر الأعمار شأنهملا يهرمون وللهيابة الهوم

وقوله كذلك:

متنافسين على المنية بينهمفكأنما هي غادة مغطار
سمة العبيد من الخشوع عليهملله أن ضمتهم الأسحار
وإذا ترجلت الضحى شهدت لهمبيض القواضب أنهم أحرار

ومن هنا شعر السيد الحلي بالزعامة الأدبية والتفوق على شعراء عصره فكثيراً ما تراه يصرّح بذلك في رسائله وشعره وأحاديثه وخاصة عندما يحتدم غيظاً. فمن ذلك قوله: من رسالته إلى العلامة الميرز اصالح القزويني:

فلقد علم هذا العصر، أني لسانه الذي انتهت إليه مقالة الشعر. ومن قوله:

وأنا الذي لم يسخ بي أحدإلاّ غدا ونديمه الندم
وإذا اهتززت لمدح ذي كرمفأنا لسان والزمان فم

أما منزلته الاجتماعية، فقد تسالم الشيوخ والمعمرون بنقلهم على أن السيد حيدر كان من الشخصيات المرموقة ذات الحول والطول والشأن


الصفحة 338

والرفعة، قد خلص من شائبة النقد، وترفع عن أن ينال بسوء، لما اتصف به من مزايا وصفات رفعته في عيون الاعلام من معاصريه ولعل الذي لم يتوغل في دراسة عصره الاجتماعي لا يتصور خطورة الشاعر وما حباه الله من حيثية ومكانة، فقد احترمه الزعيم الديني والسياسي والقبلي في آن واحد وأحبَّه الاعيان والوجوه لأنه من بيت عريق عتيد بالنسب والقدسية..

ويكفي شاهد واحد هو احترام الزعيم الديني العام له إذ ذاك وهو الإمام السيد ميرزا حسن الشيرازي فقد كان يستدعيه إلى سامراء ليستمع إلى شعره ويتلذذ بمجلسه وقصة واحدة تعطينا صورة سامية عن مقامه الرفيع أثبتها ـ الاستاذ علي الخقاني ـ على عهدة العلامة المعاصر الشيخ محمد علي الاورد بادي فقد قال: حدثني الحجة السيد الميرزا علي أغا نجل الإمام الشيرازي قال: عندما هنىء السيد حيدر والدي بقصيدته الهمزيه رأى أن يكرم الشاعر بعشرين ليرة فاستشار ابن عمه العلامة السيد ميرزا اسماعيل الشيرازي في ذلك فأبى وقال لابن عمه الإمام: ما قولك في دعبل والكميت ومنزلتهما عند الإمام الصادق (عليه السلام)فهل هما أفضل أم السيد حيدر وهو ابن رسول الله؟ فقال أنه لأفضل منهما، قال اذن يجب أن تكرمه بأقصى ما تشعر من أنواع التكريم، فلم يبق للإمام الشيرازي دون أن صحب معه مائة ليرة وذهب لزيارته وعندما دخل عليه تناول يد شاعرنا فقبلها بعد امتناع شديد.

فهذه القصة لو لم يكن الرواة لها ثقاة لامتنع السمع من قبولها لأن الإمام الشيرازي عرف سيرته القاصي والداني أن الملوك والسلاطين كانت تزوره


الصفحة 339

وتخضع له احتراماً لمقامه الديني.

وكان العلامة الكبير السيد مهدي القزويني يجلسه إلى جنبه ويقدم له اعجابه وإكباره وكان ناديه حافلا بالادباء والشعراء والمعوزين لشعوره بمكانته وزعامته وتراه إذا دخل نادياً أو محفلا يقوم له، اجلالا كل من فيه سواء كان عالماً أو حاكماً أو وجيهاً، وكثيراً ما كان يتعهده الوالي مدحت باشا بالسؤال عن صحته والاستفسار عنها.

أما أثاره الادبية، فقد خلّف السيد أربعة كتب أدبية هي:

1 ـ ديوان شعره المسمى بـ"الدر اليتيم".

2 ـ العقد المفصل.

3 ـ دمية القصر في شعراء العصر.

4 ـ الاشجان في مراثي خير انسان.

* * *

[61] قال السيد حيدر الحلي في رثائه للإمام الحسين (عليه السلام) ثم يخلص إلى مصاب الزهراء (عليها السلام) بقوله بعد أن يستنهض الإمام الحجة (عج)

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدهمفلا مشت بي في طُرقِ العلا قدمُ

الصفحة 340
لابدَّ أن أتداوى بالقنا فلقدصبرتُ حتى فؤادي كلهُ ألمُ
عندي من العزم سرٌ لا أبوح بهحتى تبوح به الهندية الخذم
لا أرضعت لي العلى ابناً صفو درَّتهاإن هكذا ظل رمحي وهو منفطمُ
إليه بضبا قومي التي حَمِدتقدماً مواقعها الهيجاء لا القممُ
لأحلبن ثديَّ الحرب وهي قناًلبانُها من صدور الشوس وهو دمُ
مالي أسالم قوماً عندهم ترتيلا سالمتني يدُ الايام أن سلموا
مَنْ حاملُ لولي الأمر مالكةتطوى على نفثات كلها ضَرمُ
يابن الأُلى يقعِدون الموت ان نهضتبهم لدى الروع في وجه الضبا الهممُ
الخيل عندك ملَّتها مرابطهاوالبيض منها عرى أغمادها السأم

الصفحة 341
هذي الخدور لها الاعداء(1) هاتكةًوذي الجباه الا مشحوذةً تسمُ
لا تطهر الأرض من رجسِ العدى أبداًمالم يسِل فوقها سيل الدم العرم
بحيث موضع كل منهم لك فيدماه تغسله الصمصامة الخذم
أعيذ سيفك أن تصدى حديدتُهولم تكن فيه تُجلى هذه الغِممُ
قد آن أن يمطر الدنيا وساكنهادماً أغرَّ عليه النقعُ مرتكم
حرّان تدمغ هام القوم صاعقةٌمن كفه وهي السيف الذي علموا
نهضاً فمن بظُباكم هامه فلقتضرباً على الدين فيه اليوم يحتكم
وتلك أنفالكم في الغاصبين لكممقسومةٌ وبعين الله تقتسمُ
جرائم آذنتهم أن تعاجلهمبالانتقام مُهلا أنت منتقمُ

____________

1- العداء: شديد العدو.


الصفحة 342
وإنّ أعجب شيء أن أبثكّهاكأنَّ قلبك خال وهو محتدمُ
ما خلتُ تقعدُ حتى تُستثارَ لهموأنتَ أنتَ وهم فيما جنوه همُ
لم تُبقِ أسيافهم منكم على ابن تقىًفكيف تُبقي عليهم لا أباً لهمُ
فلا وصفحكَ إن القوم ما صفحواولا وحلمك إن القومَ ما حلموا
فحمل أمك قدماً أسقطوا حنقاًوطفل جدك في سهم الردى فطموا
لا صبرَ أو تضعَ الهيجاء ماحملتبطلقة معها ماءُ المخاضِ دمُ
هذا المحرم قد وافتك صارخةٌمما استحلوا به أيامهُ الحرمُ
يملأن سمعك من أصوات ناعيةفي مسمع الدهر من اعوالها صمم
تنعى اليك دماءً غاب ناصُرهاحتى أُريقت ولم يرفع لكم علم

الصفحة 343
مسفوحةً لم تجُب عند استغاثهاإلاّ بأدمع ثكلى شفَّها الألم
حنّت وبين يديها فتيةٌ شربتمن نحرها نُصب عينيها الضبا الخذم
موسدين على الرمضاء تنظرهمحرى القلوب على ورد الردى ازدحموا
سقياً لثاوين لم تبلل مضاجعهمإلاّ الدماءُ وإلاّ الادمعُ السجمُ
أفناهمُ صبرهم تحت الضُبا كرماًحتى قضوا ورداهم ملؤه كرم
وخائضين غمار الموت طافحةًامواجُها البيضُ بالهاماتِ تلتطمُ
مشوا إلى الحرب مشي الضاريات لهافصارعوا الموتَ فيها والقنا أُجمُ
ولا غضاضة يوم الطف ان قُتلواصبراً بهيجاء لم تثبت لها قدمُ
فالحرب تعلم إن ماتوا بها فلقدماتت بها منهم الاسياف لا الهمم

الصفحة 344
أُبليهم لعوادي الخيل أن ركبترؤسها لم تكفكف عزمها اللجمُ
وللسيوف إذا الموت الزوام غدافي حدها هو والارواح يختصمُ
وحائرات أطار القوم أعينهارُعباً غداة عليها خدرها هجموا
كانت بحيث عليها قومُها ضربتسرادقاً أرضَهُ من عزهم حرمُ

إلى أن يقول في ختام مقطوعته الرائعة:

تُسبى حرائرها بالطف حاسرةًولم تكن بغبار الموت تلتثم
لمن أعدت عتاقُ الخيل أن قعدتعن موقف هتكت نهابه الحرم
فما اعتذاركِ يا فهر ولم تثبيبالبيضُ تثلمُ أو بالسمر تنحطم
أجل نساؤكِ قد هزتكِ عاتبةًوانتِ من رقدة تحت الثرى رمم

الصفحة 345
فلتفت الجيدَ عنك اليوم خانيةًفما غناؤِكِ حالت دونكِ الرحمُ(1)

[62] وله قصيدة يقول في مطلعها:

على كل واد دمعُ عينيك ينطفُوما كلُ واد جُزتَ فيه المعرَّفُ

إلى أن يقول:

فلله من خطب له كلُ مهجةيحق من الوجد المبرح تتلفُ
وأُقسم ما سنَّ الضلال سوى الأُلىعلى أمةِ المختار بغياً تخلّفوا
فيوم غدوا بغياً على دار فاطمأتت جندهم بالغاضرية تزحفُ
وقتل ابنها من يوم رضت ضلوعهاومن هتكها هتك الفواطم يُعرفُ
ومن يوم قادوا حيدر الطهر قد غدوابهنَّ أُسارى شأنهن التلهفُ(2)

____________

1- ديوان السيد حيدر الحلي 1: 103.

2- المصدر نفسه: 92.


الصفحة 346

الصفحة 347

الشيخ جواد الحلي

لم تستقل المدرسة الحلية الأدبية عن النجف العلمية، بل ظلت النجف صاحبة الحوزة ومقر المرجعية، تُهيمن بعطاءاتها على المدارس الأخرى، وظلت المدرسة الحلية وفيّةً في التزاماتها التي تمليها عليها أدبيات الطائفة من الرجوع إلى قيادة المرجعية الدينية والسياسية، وبقيت العلاقة الروحية بين الحاضرتين العلميتين، حتى بعد توهج حاضرة الشيخ الطوسي التي دامت حوزته الى هذا اليوم، وأفول حاضرة الحليين لظروف سياسية قاهرة.

فعلماء الحاضرة النجفية كانوا يقومون برحلاتهم العلمية إلى حيث


الصفحة 348

الحلة الأدبية، فيلقون فيها الدروس والاحكام، ويعيدون أيام الحليين والطاوسيين هناك، يوم كانت الحلة قد قامت على أمجاد هؤلاء، وكان فضلاء الحلة وأدبائها يرتحلون إلى الوادي المقدس فينتهلون من فيض علي الأقدس، ويرجعون إلى معقلهم الأدبي فيؤسسون مدارسهم العلمية ويقيمون محافلهم الأدبية، وكأنها امتداد فيض يفيض به الوادي المقدس على الربى الفيحائية.

هكذا كان الشيخ جواد الحلي، عينةً تمثّل حال الأدباء الحليين، رحل إلى النجف لينتهل من علومها، وعاد إلى الحلة ليقتبس من آدابها، فكانت حياته رحلة علمية دائمة، حتى حط رحال عمره في تلك البقعة التي فتح عليها عينيه أولا.

أرّخهُ صاحب البابليات بقوله: وكانت ولادته ونشأته في ذلك البلد الطيب ـ الحلة ـ الذي عرفت تربته بتنمية الشعور، وتربية القرائح الأدبية، وحين رأى أبوه إستعداده الطبيعي لنيل الفضل والأدب، ألزمه بالهجرة إلى النجف وهو ابن خمسة عشر عاماً لطلب العلم والدراسة فسكن المدرسة (المهدية)ـنسبة إلى مؤسسها العلامة الشيخ مهدي بن الشيخ علي كاشف الغطاء ـ تجاه مسجدالطوسي ومكث فيها مدة حياته الدراسية كطالب ديني مهاجر وحضى بقسط وافر من الفضل والأدب وهو لم ينقطع بين أونة وأخرى على الترداد إلى بلده وقد اجتمعت به مراراً يوم كنت مقيماً في الحلة فرأيته ذا فضل جم وأدب بارع حتى إذا كانت سنة 1334 قدِم الفيحاء جرياً على عادته وعداته، فمرض مرضاً ألزمه الفراش مدة أيّام وتوفي بها آخر ذي الحجة من السنة المذكورة وحمل حيثما منه إلى النجف


الصفحة 349

الأشرف وعمره يوم وفاته يقارب الخمسين سنة...)(1).

نهج الشاعر ما انتهجه أسلافه من الأدباء، وأقرانه من الشعراء، وخصص شعره في مدح ورثاء آل البيت (عليهم السلام)، وأكد في مرثياته ظلامة الزهراء (عليها السلام)، وأكد من خلالها اسقاط المحسن بن عليوما لقيته من فجائع ومحن.

* * *

[63] قال في احدى مقطوعاته:

من شامخات المجد دك رعانهاخطب أطاش من الورى أذهانها
في يوم قد غصب الخلافة من لهألقت برغم الحاسدين عنانها
عجباً لفهر كيف قر قرارهاأم كيف تكحل بالكرى أجفانها
هذي بنو تيم بفقد محمدسلبت أطائب آله سلطانها
وعلى الضلال تزاحمت مذ أعرضتعمن يتم ولائه ايمانها
ولنقض بيعته وعقد لوائهخفت فخفف وزرها ميزانها
وعدت عدي في الأنام فأبرزتمن لؤم عنصرها له أضغانها

____________

1- البابليات. الشيخ محمد علي اليعقوبي 3: 205.


الصفحة 350
ما آمنت بالله لمحة ناظرمذ خالفته وحالفت أوثانها
تركت ذوي القربي تكابد منهممن بعد فرض مودة شنئانها
غصبوا البتول تراثها من بعدماأبدت لتقطع عذرهم برهانها
لقيت خطوباً منهم لو بعضهاتلقى الرواسي لم تطق لقيانها
لطماً واسقاطاً وضرباً مدمياًكسر الضلوع وهضمها حرمانها
وغدت تشكي الظلم منهم بضعةالهادي ولكن لم تجد أعوانها
لا بل في ماء الجيا من قينةقبر فمنهم شاهدت خذلانها
بعداً لهم نقضوا الذمام وضيعواعهد النبي وحاولوا هجر(1)آنها

____________

1- رياض المدح والرثاء للشيخ حسين البلادي: 494.


الصفحة 351

الشيخ محمود سبتي

إذا كانت النهضة العلمية النجفية قد ازدهرت بعلمائها، فان شبابها قد شكّلوا منعطفاً في حركة التجديد العلمي والابداع الأدبي، واستطاعت أن تنجب تشكيلة علمية من شباب الحوزة الفضلاء، ونخبة رائعة من ناشئتها الأدباء، وحاولت هذه النخبة الفاضلة أن تحاكي أسلافها من أهل العلم وفحول الأدب، وقدّمت مشاريع تجديدية في هذا المضمار مع الاحتفاظ على الأصول الموروثة التي ألقاها رواد النهضة الى الناشئة، وحاول الشباب النجفي أن يشكّل مدارس فكرية تنطلق منها طروحات الدفاع عن حياض


الصفحة 352

المذهب الأمامي، وأن تقدّم نظرياتها من أجل النهوض بالأمة التي تواجه التيارات الفكرية المناهضة لدينها ومقدساتها.

هكذا عرفت الحوزة النجفية بتشكيلاتها الشابة، وشهد الابداع الأدبي أثر هذه التشكيلات على المنحى التجديدي الذي خاضتهُ هذه التشكيلات وكان للشيخ محمود سبتي ـ نموذج هذه النهضة التشكيلية الجديدة ـ أثره الواضح في هذه الحركة الناهضة بطموح الشباب الحوزوي والذي قدّم أدباً رائعاً حاكى فيه فحول الأدب وعظمائهم، فجاءت مقطوعته الشعرية على نسق ابداعات امراء الأدب الرثائي،الذين قدّموا روائعهم في مجال الرثاء لآل البيت (عليهم السلام).

إن فن التخميس الذي اشتهر به أدباء المدرسة الامامية، كان انطلاقاً من الحرص على إحياء أمر شاعر عُرف بتاريخه العلمي وفضله الأدبي، أو تثميناً للغرض الذي قدّمته المقطوعة الأدبية، فيرى الشاعر مجاراة القصيدة التي يحتاج إليها الغرض الشعري إعادة تجديدية لدواعي الشاعر ومقتضيات القصيدة.

حاول الشيخ محمود سبتي مجاراة الشيخ صالح الكواز المعروف برثائياته الفاطمية، وأبدع في تجديده للغرض الرثائي، وحاول اضافة مشاركته للاعمال العملاقة التي قدّمها رواد مدرسة الرثاء الفاطمي.

أرخه صاحب شعراء الغري بقوله:(1)

"هو محمود بن الشيخ كاظم بن حسن بن علي بن سبتي السهلاني،

____________

1- شعراءالغري: 11: 197.


الصفحة 353

خطيب أديب.

ولد في بغداد سنة 1311 هـ عندما كان أبوه يقيم هناك، وشب على توجيه والده في قراءة رثاء الامام الحسين (عليه السلام) كمقدمة له فكان من ألمع الشباب الموهوبين، جمال في الصورة، صوت رخيم حدة في الذكاء قوة في الحافظة، يقطر رقة ولطفاً، أحبه الناس وأقبلوا على استماع روايته بصورة عجيبة، واستطاع أن يأخذ بمجامع القلوب ويستعمر الأسماع وتفنن بالالحان العربية والفارسية في عرض الشعر.

توفي المترجم له وهو شاب في النجف سنة 1336 هـ، وكانت ولادته 1311 هـ فيكون عمره حين وفاته خمسة وعشرين ربيعاً.

* * *

[64] قال في تخميسة لقصيدة الشيخ صالح الكواز:

كم في سويدا قلبها من غلةوبجسمها نشبت مخالب علة
لم أنس إذ بكت النبي بعولةورنت الى القبر الشريف بمقلة

عبرى وقلب مكمد محزون

وسياط قنفذ أثرت في جنبهاوسماء مقلتها تدر بسحبها
حتى إذا احتنك الجوى في لبهاقالت وأطفار المصاب بقلبها

غوثاه قل على العداة معيني