المكتبة العقائدية » أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) (لـ محمد علي الحلو)



الصفحة 371
يشكو له من قد دعوه لبيعتهوتهددوه ان أبى وتوعدوا
قد أنقذته فاطم من مأزقفيه أحاط ولا نصير يوجد
ودعتهم خلوا ابن عمي انهأولاكم بمكان أحمد يقعد
قد قال بعضهم دعوه فانهالم ترجعن عنه وبعض ترددوا
حتى يبايع أو تحز غلاصممنه وانَّ حسامنا لا يغمدُ
صاح ابن أم ألم تشاهد انهميبغون قتلي والحسام مجرد
وأبيك لو لم تأت فاطمة لماكفوا عن الكرار وهو مؤكد
ياليت أحمد قد رآهم بعدهفي ذلة والعيش عيش أنكد
تركوهم حلس البيوت بقوةقد ساء عيشهم وساء المورد
والبضعة الزهراء ماتت بعدهولها بجنح الليل سراً ألحدوا
وبكى عليٌ بعدها والحزن قدأوهاه طول الليل وهو مسهّدُ
فعليك ياخدن النبي تحيةمنى ونار حشاي دوماً توقدُ(1)

[71] وله في تاريخ وفاة الزهراء (عليها السلام):

فاطمة بعد أبيها روّعتوخانها الصبر كما خان الجلدْ
حتى قضت مجهودة مظلومةوالدين قد أصابه أرخ إوَدْ(2)

____________

1- ديوان آل نوح: 110.

2- ديوان آل نوح: 267.


الصفحة 372

الصفحة 373

آية الله
السيد صدر الدين الصدر

اذا كان المرء ينتسب إلى ثقافة معينة، فان السيد الصدر تنتسب إليه ثقافات عصره، وإذا كان الأديب يُعرّفُ بمدرسته أدبية خاصة، فان السيد الصدر العالم والأديب عُرّفت به مدرسة أدبية خاصة، فهو امتداد للثقافة النجفية الممزوجة بالحسِ العاملي الممتدة إلى ثقافة قم التحقيقية، فهو مزيج ثقافي اذن، أخذ من النجف مولده، وجدد لعاملة منشأهُ، وأبدع في قم حيث محط رحاله العلمي كما هي محط مثواه الأبدي.


الصفحة 374

كانت مرجعية السيد صدر الدين الصدر تخوض في غمار التجديد الفكري الذي ابتدعته مدارس تجديدية فكرية، ولعل بعضها لم تحسن التجديد فسحقت في ممارساتها الخاطئة ثوابت إسلامية، والتزمت في مقرراتها توجهات مرتجلة، وكانت الحوزات العلمية صاحبة القرار في توجهات النهضات الاصلاحية العلمية أو الأدبية، وكانت مهامها منصبّة في معاكسة التيار الذي يحمل في توجهاته اقتلاع الثوابت والمبتنيات بأن تتعامل معه بنفس الاسلوب الفني ولكن بالاتجاه المضاد فتقر زوابع التغيير إلى نسيم لطيف يهب على الأمة فيحمل معه بذور الاصلاح.

حرصت النهضة الأدبية الامامية بقيادة مراجعها العظام إلى ترويض فورة التجديد الذي تلتزمه أجيالا ثقافية تستقبل نغماته من خارج حدود الوطن الإسلامي، وتحاول الحوزة العلمية أن تتعامل مع هذا الاندفاع التجديدي الحاد باسلوب هادىء رصين، وإذا كانت حركات الاصلاح تدعو إلى التجديد فان الحوزة العلمية تقدّم الجديد مع الاحتفاظ على البديهيهات والثوابت، لذا فان التجديد الأدبي الذي عمّ المحافل الأدبية قدّمت له الحوزة العلمية اطروحتها الاصلاحية، فكانت تتعامل مع القصيدة العربية على أنها آلية الحوار مع لأجيال تعالج قضية تحرّجت منها بعض المشاريع الثقافية أن تقدّمها بوعي وتقرأها بموضوعية، و "القصيدة الحوزوية" اخترقت هذه التقليدية لتعطي للحدث التاريخي موضوعيته، وللقصيدة العربية مصداقيتها.

كانت قصيدة آية الله السيد صدر الدين الصدر اطروحة اصلاحية تعاملت مع الحدث الإسلامي على أنه الرؤية الحقيقية للواقع والمستقبل،


الصفحة 375

ومع القصيدة على انها آلية الحوار والتجديد، لذا فان قصيدته الفاطمية حددت معالم الحدث بجميع ابعاده وأكدَّ واقعة الاسقاط على أنها البديهي والثابت لتاريخ الأمة ومبتنيات الأجيال.

* * *

[72] واليك أطروحته الأدبية الشعرية:

يا خليليّ احبسا الجرد المهاراوابكيا داراً عليا الدهر جارا
وربوعاً أقفرت من أهلهاوغدت بعدهم قفراً برارا
حكم الدهر على تلك الرُّبىفانمحت والدهر لا يرعى ذمارا
كيف يرجى السلم من دهر علىأهل بيت الوحي قد شنَّ المغارا
لم يخلّف أحمد إلاّ ابنةًولكَم أوصى إلى القوم مرارا
كابدت بعد أبيها المصطفىغصصاً لو مسّت الطود لمارا
هل تريهم أدركوا من أحمدبعده في آله الأطهار ثارا
غصبوها حقَّها جهراً ومنعجب أن تغصب الزهرا جهارا
من لحاها إذ بكت والدهاقائلا فلتبكِ ليلا أو نهارا
ويلهم ما ضرَّهم لو بكيتبضعة المختار أيّاماً قصارا

الصفحة 376
من سعى في ظلمها؟ من راعها؟من على فاطمة الزهراء جارا؟
من غدا ظلماً على الدار الّتيتّخذتها الإنس والجنّ مزارا
طالما الأملاك فيها أصبحتتلثم الأعتاب فيها والجدارا
ومِن النار بها ينجو الورىمن على أعتابها أضرم نارا
والنبيُّ المصطفى كم جاءَهايطلب الإذن من الزهرا مرارا
وعليها هجم القوم ولمتك لاثت لا وعلياها الخمارا
لست أنساها ويا لهفي لهاإذ وراء الباب لاذت كي توارا
فتك الرجس على الباب ولاتسألنْ عمّا جرى ثَمّ وصارا
لا تسلني كيف رضُّوا ضلعهاواسألنَّ الباب عنها والجدارا
واسألنْ أعتابها عن محسنكيف فيها دمه راح جبارا
واسأنْ لؤلؤ قرطيها لِماانتشرت والعين لِمْ تشكو احمرارا
وهل المسمار موتور لهافغدى في صدرها يدرك ثارا

الصفحة 377

السيد مهدي الاعرجي

قدّم الأدب الشيعي للقصيدة العربية غرضاً رثائياً ملتزماً، وحرص الأديب الشيعي أن يقدّم الرثاء على انه اطروحته الفكرية التي من خلالها يستطيع أن يعبّر عن نظرته فضلا عن وجدانياته، وقد سجّل الرثاء الشيعي قفزة نوعية على المستوى الفني فضلا عن الغرض الملتزم المطروح، فعلى المستوى الفني انطلق الرثاء من نفس الشاعر المتحرقة لمصائب آل البيت (عليهم السلام) وقد دخلت فاجعة الطف في الدائرة الرثائية لتوسع في الشكل والمضمون من القصيدة العربية ولتتقدم القصيدة الرثائية الشيعية على


الصفحة 378

القصيدة الجاهلية بكونها أكثر التزاماً وجدية، فالرثاء الجاهلي كان ترفاً فنياً يتفنن به الشاعر للبكاء على أطلاله، والرثاء الأموي كان غرضاً سياسياً أكثر من كونه معّبراً عن مصداقية القصيدة ووجدانيات الشاعر، حيث يعمد الشاعر إلى رثاء الخليفة أو حاشيته ليحصل بالحظوة عند السلطان، والرثاء العباسي كان ترفاً فكرياً يتبارى به الشعراء ليرثى به خاصة الخليفة أو جاريته أو موقف يقترحه الخليفة على الشاعر ليجيد بقريحته، فيجيد هو بعطائه، وهكذا تعثّر الفن الرثائي من شعور وجداني ينطلق من نفس الشاعر لينعى به أحد الأحبة، إلى تسابق فني يؤكد به الشاعر مقدرته الشعرية وفنه الرثائي.

كانت فاجعة الطف قد خلقت احساساً وجدانياً خاصاً ترتسم من خلالها في مخيلة الشاعر صوراً رثائيةً رائعةً تحاول الوصول إلى حجم الفاجعة وارتسام المأساة،ولما كانت فاجعة الطف متشعبة المآسي تفوق في مواقفها التراتيجيدية كل تصور، فان الشاعر يصل إلى حالة عجز بيّن في احتواء كل المواقف المفجعة، لذا فهو يحاول أن يبذل وسعه الفني في تصوير مشهد واحد على الأقل فتشاركه هواجس نفسية تنبعث من آلامه فضلا عن دوافعه الايمانية في اثبات مظلومية آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، لذا تجد أن القصيدة الرثائية الشيعية قادمة من عدة عوامل موضوعية تؤكد في مصداقيتها ما يعنيه الشاعر وما يقصده، وإذا كانت فاجعة الطف هي المأساة التي شاركت في تقديم اطروحة الرثاء المبدع، فان مأساة الزهراء (عليها السلام) قد حققت الانطلاقة الرثائية الأولى في نفس الشاعر الشيعي وهي الفاجعة الاولى التي حرّكت أحاسيسه وجذّرت هواجسه في الشعور بالمظلومية التي ورثتها أمةً كاملة


الصفحة 379

من تلك المأساة، فالشاعر الشيعي ارتكزت في ذهنه أن المأساة الأولى هي التي أولدت المآسي القادمة التي جرت على آل البيت (عليهم السلام)، وهي الممهد الأساس لفاجعة الطف التي راح ضحيتها آل علي الطيبين، وهي نفس المأساة التي أدخلت أمة من الناس في قرارات البطش والتشريد والتنكيل، حيث أباحت للانظمة غير الشرعية من ممارسة أنواع الظلم والتقتيل في حق الابرياء.

والرثاء الذي قدّمه السيد مهدي الأعرجي هو نموذج من الدائرة الرثائية الشيعية الكبيرة التي ضمّت معاني متعددة من اغراض الرثاء، وقد أكد في مرثياته الفاطمية هذا الاحساس الذي يحمله أي شاعر شيعي في وجدانياته.

ولد الشاعر عام 1322 هـ في النجف وترعرع فيها فدرس النحو والصرف والمنطق والمعاني على فضيلة الشيخ محمد صادق الايرواني ثم اتجه للخطابه متتلمذاً على الخطيب الشيخ جاسم الملا الحلي.

نظم الشعر عند بلوغه الثانية عشر من العمر، خلّف ديوان مخطوط عند أخيه الخطيب السيد حبيب الاعرجي.


الصفحة 380

[73] له قصائد في رثاء الزهراء (عليها السلام) منها:

يا أيها الربع الذي قد درساباكرك الغيث صباحاً ومسا
كم زمن فيك قضيت لا أرىالا حبيباً أو نديما مؤنسا
حيث ترى وجهه الثرى من نسيجكف الغيث ثوباً سندسياً لبسا
والراح يجلوها الرشا في اكؤسقد طاب ساقيا وطابت أكؤسا
أردتني الأوزار لكني تخلصتبمدح فاطم خير النسا
من شرّف الله تعالى قدرهاوأذهب الرحمن عنها الدنسا
بنت النبي الطهر بل بضعتهخامسة الاطهار أصحاب الكسا
فكم بها كان يقول أحمدللمسلمين مجلساً فمجلساً
فاطمة مني فمن أغضبهاأغضب جبار السماء وأسا
يا ويح من أغضبها في فيئهاوما رعاها بل تجافى وقسى
إذ قال يا قوم احفظوني في ابنتيمفاد قوله لهم منعكسا
اصبح من بعد النبي ضلعهامنكسراً وفيئها مختلسا
وأقبلوا بجمعهم لدراهاواضرموا بالباب منها القبسا
وفي نجاد السيف قادوا بعلهاعلياً الندب الهزبر الاشوسا
تالله لولا أنه موص لماالقوا قياده لديهم سلسا
وفاطم خلفهم ودمعهاينهلّ من اجفانها منبجساً

الصفحة 381
تصيح خلوا عن عليّ وهي فيأذيالها تعثر من فرط الاسى
ولم تزل تجرع منهم غصصاًيدك (رضوى) وقعها وان رسا
حتى قضت غضبى عليهم وبهالقبرها ليلا علي همسا(1)

[74] وله في الزهراء (عليها السلام) أيضاً:

نصبوا السقيفة بعد وتوازرواظلماً على غصب الامام الانزع
الله يا يوم النبي فاننامنه أتينا بالبلاء إلاّ شنع
هجموا على ابنته ورضوا ضلعهانفسي الفداء لرض تلك الاضلع
وعدوا على الكرار وهو ببيتهقادوه وهو الصعب قود الاطيع

[75] وله أيضاً:

أشجاك ظعن العامرية اذا سرىفجرى عليك من التفجع ما جرى
أم هل تذكرت (العقيق)فأسبلتعيناك ادمعها عقيقاً أحمرا
أم هل أرقت (لحاجر) وظبائهفطفقت تدمى بالمدامع محجرا
ما بال جفنك لا يذوق وقادهطول الدجى هل كان قد نسى الكرى
حتام تندب رسم ربع دارسوإلى متى تبكى فناء مقفرا
هلا بكيت على البتولة فاطمحزناً فواسيت النبي وحيدرا
لم أنسها من بعد والدها وقدجرَّعنها الايام كأساً ممقرا

____________

1- شعراء الحسين محمد باقر الايرواني 155 نقلا عن ديوان الشاعر الخطي.


الصفحة 382
هجموا عليها وهي حسرى فانزوتعنهم وراء الباب كي تتسترا
وعلى الوصي تجمَّعوا حشداً إلىأن أخرجوه وهو يندب جعفرا
عصرت بمرآه ولولا أنهموصى لما كانت هناك لتعصرا
فعدت تناديهم ألاخلّوه أو أشكو إلى رب الورى
رجعوا اليها وهي تصرخ بينهمأين النبي فليت عينيه ترى
أبتاه عزّ عليك أن ترنو إلىضلعي بعصرهم العنيف تكسَّرا
غصبوا مقام أخيك حيدر منكوابتزوا المصلى منه والمنبرا
يا بئس ما صنعوا وقد عدلوا بهمن لم يساوِ شسع نعلي قنبرا
قادوه وهو ملبّب بثيابهقسراً باموات البلى مستنصرا
والطهر فاطم خلفه ودموعهالجوى المصاب تبل عاطشة الثرى
خرجت وراه كما خرجت بناتهاخلف العليل تنوح لكن حسّرا
ترنوا الخيام خوالياً وبنو الخناقد أضرموا فيها الحريق المسعرا
وترى الحمى مجدّلا فوق الثرىثاو ومنه الشمر حز المنحرا
ذبحوه ظام والفرات بحنبهوأبوه يوم الحشر يسقى الكوثرا
وسروا على سمر القنا بكريمهكالبدر يزهر في الدياجي مسفرا(1)

____________

1- نفس المصدر.


الصفحة 383

[76] وله يستنهض الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) مذكراً له بمصاب جدته الزهراء (عليها السلام):

حتى متى اجفاننا عبرىوإلى متى اكبادنا حرّى
قد حل فينا يابن بنت محمدمالم نطق في حملها صبرا
نهضاً فقد كادت شريعة أحمدتمحى وتنشأ شرعة أخرى
طال احتجابك سيدى ما آن أننحضى بتلك الطلعة الغرا
ترضى جفون الغاصبين لارثكمريّاً كرى وجفوننا سهرا
أنسيت يوم عدوا على دار الهدىظلماً وما اغتصبوا من الزهرا
ام كنت لا تدري وكيف يكون ذاوالدار صاحبها بها ادرى
غصبوا نحيلتها علانية وقددفنت لعمرك في الدجى سرا
ام ما جرى منهم على الكرار مذأردوه في محرابه غدرا(1)

إلى آخر القصيدة.

[77] وله أيضاً في استنهاض الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف):

اثرها تملأ البيدا صهيلارعيلا للوغى يقفو الرعيلا
وقدها للطراد مسوّماتوجيف السير انساها الذميلا
عليها من سراة (لوىّ) اسدقد اتخذوا اشتباك السمر غيلا

____________

1- نفس المصر.


الصفحة 384
بكل مدرب في الحرب يسطوعلى اعدائه أسداً مديلا
إذا حمي الوطيس عليه يوماًتقيّأ رمحه ظلا ظليلا
وان غنت له الاسياف راحتتعل دم الفوارس سلسبيلا
فقد ساد الضلال على البراياوأمسى الحق (لا يغني فتيلا)
وقد ملأت بلاد الله جوراًفلم يجد المحق له سبيلا
الى مَ عيوننا بجفاك سهراوخصمك يهجع الليل الطويلا
تؤمّل أن تراك بكل يومومن طول انتظارك عدن حولا
اتنسى الطهر امّك اسقطوهاجنيناً حين راعوها دخولا
وجدك في صلاة الفجر غدراًلدى المحراب اردوه قتيلا
وعمّك قد سقوه السم ظلماًوشكّوا نعشه السامي نصولا
وخل عن الحسين فلا تهجنيفأنّ له باحشائي غليلا(1)

إلى آخر القصيدة.

[78] وله مخمساً والاصل للشاعر جواد بدقت وقد اثبتنا هذا المقطع.

عن فاطم قتل ابنها متفرعوبطفلها بالطف أودت رضّع

وبسيل أدمعها أسيلت أدمع

"وبكسر ذاك الضلع رضت أضلعفي طيها سر الإله مصون"

____________

1- نفس المصدر.


الصفحة 385

[79] وله مخمساً والاصل لسيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام).

أهوت على قبر النبي محمدشوقاً تشم تراب اشرف مرقد

وتقول والهة بقلب مكمد

"ماذا على من شم تربة أحمدأن لا يشم مدى الزمان غواليا"

* * *

أبدت لي الايام بغياً ضغنهاوعليّ تابعت المصائب حزنها

قسماً بمن شرع الفروض وسنها

"صبت عليَّ مصائب لو انهاصبت على الايام صرن لياليا"

الصفحة 386

الصفحة 387

السيد خضر القزويني

يمكن القول أن الأدب الشيعي قدّم للقصيدة العربية أغراضاً شعرية جديدة لم يكن الشاعر العربي قد مارسها، واستطاعت مأساة آل البيت (عليهم السلام)أن تلهم الأديب الشيعي فنون الابداع كي يقدّم المأساة على انها قضيته المصيرية التي من خلاها تتحرك كثير من المصطلحات التي كانت في مرحلتها التنظيرية لتدخل في دائرة الواقع والممارسة، فمصطلح "الانتظار" مثلا حين مارسه البعض على أنه مسألة تشريفية تمليها تقليديات اسلامية، فان مذهب آل البيت (عليهم السلام) قد ترجمها إلى واقع ملموس استطاع أتباعه أن


الصفحة 388

يتحركوا من خلاله لممارسة جزئيات حياتهم، فالشيعي الملتزم يرى أن فلسفة الانتظار هي الفكرة التي من خلالها يستطيع أن يبني تكامل شخصيته، وسعى الأديب في نفس الوقت أن يترجم هذه النظرة إلى ممارسة شعرية أدخلها في دائرة القصيدة العربية، فمن خلال الشكوى التي يبثها الشاعر ليخاطب الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) ويذكّرهُ بمصائب آبائه، فانه قد تعامل مع واقع ملموس استطاع من خلاله أن يثبت واقعية الانتظار وأمله الكبير في المصلح المنقذ الذي يستنهضه الشاعر للأخذ بثأر آبائه المظلومين بل وجميع المحرومين في العالم، واذا تحققت هذه النظرة لدى الشاعر فانه سيمارس مسألة الانتظار على انه الواقع المعاش الذي يزاول من خلاله انقطاعه للقوة الغيبية القاهرة التي تحقق جميع طموحاته وآماله، وسيبرمج على ضوء ذلك حياته ومعيشته وسيصبو إلى ظهور المصلح القائد المنقذ وهو الامام الذي يرنو اليه ويتطلع لعدله وثورته مترقباً ذلك في كل حين.

لذا أُدخل في الدائرة الأدبية الشعرية غرضاً جديداً وهو غرض الاستنهاض الذي من خلاله يستطيع الشاعر أن يتعامل مع الامام (عليه السلام) على أنه المرجع الوحيد في تحقيق الهدف الذي يصبو إليه الجميع من تحقيق العدل والسلام، مستخدماً مادة المأساة التي حلّت بآبائه الميامين على أنها المبرر الرئيسي في عملية الظهور والأخذ بالثأر لجميع المحرومين في العالم واكتساح بؤر الظلم والطغيان الحاكمية.

هكذا استطاع السيد خضر القزويني أن يترجم الغرض في قصيدته الفاطمية، فهو بقدر حرصه على بيان الحاجة من ظهور الامام (عليه السلام)، فانه


الصفحة 389

حرص على تذكيره اياه بمصائب أمه الزهراء (عليها السلام) وما حل بساحتها المقدسة من الظلم خصوصاً عملية الاسقاط المفجعة التي يستحثه من خلالها للظهور ونيل الظالمين عقوبة الانتقام الإلهي بيده العادلة.

ولد السيد خضر القزويني في النجف عام 1323 هـ، وترعرع في بيئة علمية أخذت بيده إلى مراقي الكمال حتى اذا بلغ شوطاً من شبابه قرّظ الشعر ونظم القصائد، فجمع إلى موهبة الشعر فن الخطابة والتبيلغ فصار خطيباً بارزاً وأديباً مبدعاً حتى لبى نداء ربه وهو في ريعان شبابه عام 1357 هـ.

* * *

[80] له قصيدة يستنهض فيها الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) ويذكّره بمصائب أبائه المعصومين (عليهم السلام) ويؤكدعلى مصائب الزهراء (عليها السلام)خصوصاً اسقاط المحسن:

الى مَ التواني صاحب الطلعة الغراأما آن من اعداك أن تطلب الوترا
فديناك لم أغضيت عما جرى علىبني المصطفى منها وقد صدّع الصخرا

الصفحة 390
أتغضي وتنسى أمك الطهر فاطماًغداة عيها القوم قد هجموا جهرا
أتغضي وشبّوا النار في باب دارهاوقد أوسعوا في عصرهم ضلعها كسرا
أتغضي ومنها أسقطوا الطهر محسناًوقادوا علي المرتضى بعلها قسرا
أتغضى وسوط العبد وشّح متنهاومن لطمة الطاغي غدت عينها حمرا
أتغضي وقد ماتت وملؤ فؤادهاشجاً وعلي بعد شيعها سرّا
أتغضي وقد أردى حسام ابن ملجمعلياً وطرف الشرك حين قضى قرا
أتغضى وقد ألوى لوياً مصابهوغادر حتى الحشر اكباده حرى
أتغضي وقد دس السمام اخو الشقاإلى المجتبى كيما به يفجع الزهرا
أتغض وقد أودى به فتقطعتغداة به أودى قلوب الورى طرا

الصفحة 391
أتغضي ويوم الطف آل أميةبقتل سليل الطهر ادركت الوترا
أتغضى وفيه مثّلت بعد قتلهومن دمه قد روّت البيض والسمرا
أتغضي وقد طافت برأس فخارهعلى ذابل أمسى يباهي به البدرا
أتغضي وقد سارت بربات خدرهسبايا وسوط الشمر أوسعها زجرا
أتغضي وقد طاقت بها كل بلدةعلى هزّل تنعى واعينها عبرا
(و أعظم ما يشجي الغيور دخولهاإلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا)
فحتتى متى تغضي ولم تلف ثائرابوتر بني الهادي الذين قضوا صبراً
فهبَّ لها واسقي حسامك من دماعداك وغادر مخظم هاماتها نثراً(1)

____________

1- شعراء الحسين ـ محمد باقر الايرواني ـ عن الديوان المخطوط.