المكتبة العقائدية » أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) (لـ محمد علي الحلو)



الصفحة 575

[130] وله أيضاً في رثاء الشهيدة الطاهرة (عليها السلام):

كيف يهنى جسمي بطيبِ منامِونبيُّ الهدى طريحُ سقامِ
فلقد كابَد الأذيةَ والتكذيبَفي بدءِ دعوةِ الإسلامِ
من قريش وكلِ رجس غويٍّقابلَ المصطفى بأقسى الكلام
كم أرادوا قتلَ النبيِّ مراراًوله الله ناصرٌ ومحامي
حَجّ حِجَّ الوداعِ عن أمرِمولاه لاثباتِ حُجّة ومقامِ
فقضى حجَّه وأوضح للناسجميعَ الأمور في الأحكامِ
وانثنى راجعاً وقد جاء جبرئيلُرسولا من ربِّه بالسلامِ
قائلا: أيها الرسولُ فبلِّغْشرعةَ اللهِ في عليِّ الإمامِ
وانصبِ المرتضى علياً إماماًذاك أمرُ الميهمنِ العلاّمِ
وأتتْه على مشارفِ خمٍّعصمةُ اللهِ من جميع الأنامِ
أمرَ الناسَ بالنزولِ فلبَّواطاعةً للنبيِّ نسْلِ الكرامِ
نصبوا منبرَ الحدائجِ والكورِلخير الورى النبيِّ التهامي
فرقى فوقَه النبيُّ وأرقىالمرتضى الطهرَ فارسَ الإسلامِ
ودعاهم ألا انصتوا لمقالأنا ملقيه بينكم في مقامي
رافعاً في الجموعِ كفَّ عليِّسيدِ الأوصياءِ بدرِ الَتمامِ
إن هذا خليفتي ووصيّيووزيري وناصري في الزحامِ

الصفحة 576
إن هذا مولاكمُ ووليُّالأمرِ بعدي وحُجَّةٌ العلاّمِ
فأجابوه: إننا قد سمعناوأطعناك في جميعِ الكلامِ
بايَعوا المرتضى وبالحقدِ أخفواما أكَنَّتْ صدورُهم من مرامِ
ثم لمَّا مات النبيُّ المفدَّىسارعوا بالأذى لذاك الإمام
قبل أن يُودَعَ النبيُّ بقبرنكثوا بيعةَ الإمام الهمامِ
ثم جاءت لبيته وأدارتحطبَ الجزلِ عصبةُ الآثامِ
فانثنتْ فاطمُ البتولُ ونادتْما تريدون من علي المقامِ
فدعا بعضُهم:علَيَّ بنارأو عليُّ يُقادُ بالإرغامِ
فاتت فاطمُ البتولُ للبابِولاذت بهِ عن الأقوامِ
هجم القومُ والبتولُ توارتْوهي مِصْداقُ عِفِّةِ واحتشامِ
عصروها ومحسناً أسقطوهاوعلياً قادوا بحبلِ الحُسامِ
كسروا ضلعَها فيا لهفَ نفسيللذي نالها من الآلامِ
روَّعوها وعينَها لطموهاودعَوْها رهينةَ الأسقامِ
فقضت بالأسى وبالهضمِ حتّىلحِقت بالنبيِّ عند السلامِ
وكأنّي بها اشتكت ما عراهالأبيها من البغاةِ اللئامِ

الصفحة 577

آية الله
السيد محمد جمال الدين الهاشمي

لم تكتف الحوزة العلمية قيادة العالم الإسلامي بتجديداتها العلمية فحسب، بل واصلت مسيرتها القيادية لتتزعم النهضة الاصلاحية، يوم هيّمنت التيارات الفكرية العلمانية لتكتسح ثوابت الأمة الإسلامية، وتقتلع ما أسسه أسلافها.

فدعوات المادية الماركسية تدغدغ عواطف أمة الشباب، والأراء القومية تزيّن لذوي المنظور الاقليمي توجهات النازحين من خارج حدود الوطن


الصفحة 578

الإسلامي لتتغنى بأمجاد الماضيين على حساب التوجهات الإسلامية، والتحزبات الفكرية تقوقع أتباعها فتُحيلهم من طلائع اصلاح إلى ركام تنظيري يُحيل أي مشروع عملي إلى شعارات معسولة وتمنيات واهية.

في خضم هذا الصخب الثقافي والهوس الفكري، تتصدر الحوزة العلمية مهمة الاصلاح العالمية، وتشترك جميع المدارس الحوزوية النجفية أو العاملية أؤ القمية وكذلك تلك المنبثة في أرجاء العالم الإسلامي كالحوزة البحرانية أو القطيفية وغيرها، تشترك في محاولات برمجة المشاريع الاصلاحية الفكرية والسياسية، بما يلائم وطموحات الرؤية الإسلامية، والسعي من أجل انتشال الأمة من ورطة التحالفات الفكرية الأممية ونبذالمبتنيات الإسلامية الأصيلة.

كانت الحوزة النجفية الرائدة في هذا المضمار، وقد تزعّمت تلك الحركات الإصلاحية بما ينسجم والمبدأ الإسلامي، وإذا كانت الدعوات الاصلاحية تشمل أي مشروع ثقافي فان المشروع الأدبي هو إحدى العيّنات الأساسية التي تعرضت اليها جهود الاصلاح، وكانت قيادة الحوزة العلمية قد تزعّمت هذه النزعة الاصلاحية الأدبية، وخلقت من الغرض الأدبي مشروعاً يطمح لقراءة ذات الأمة وتوجهاتها، فقراءة تاريخية تتبناها القصيدة العربية هي في حد ذاتها اعادة تجديدية لقراءة التاريخ، وتحقيق في قضية عقائدية هو إحياء لمشروع فكري ثقافي، وهكذا كانت الحوزة النجفية، اصلاح دؤوب، وتجديد متواصل، وإذا كانت مقتضيات هذا البحث تستوجب معرفة الشخصية الاصلاحية كعينة في هذا المضمار، فان آية الله السيد محمد جمال الهاشمي مشروع اصلاحي تجديدي، ومحاولة أدبية رائعة


الصفحة 579

قدّم التاريخ الإسلامي "عرضاً وتحليلا" في قرائته الشعرية، واستطاع أن يختزل الجهود التثقيفية المتمثلة في قراءة سيرة آل البيت (عليهم السلام) واسقصاء مجريات حياتهم، واحتلت سيرة الزهراء (عليها السلام) ومأساتها مساحة واسعة من مشروعه الأدبي وحاول أن يجد في المأساة الفاطمية التعبير الحقيقي عن هموم الأمة ومأساتها.

ان قراءة سريعة للجهد العلمي الذي بذله السيد محمد جمال الهاشمي يُطلعنا على مدى أهمية المشروع الأدبي الذي يؤسسه أمثاله فهو من طلائع العلماء المحققين ولا يلقي القضية التاريخية في مقطوعاته الأدبية إلاّ بعد تتبع علمي رائع، وجهد تحقيقي دؤوب، لذا كانت قصائده الفاطمية احدى الوثائق المهمة الشاهدة على مجريات الأحداث.

وردت ترجمته في مقدمة ديوانه كما يلي:

آية الله السيد محمد ابن آية الله العظمى السيد جمال الدين ابن الفقيه السيد حسين ابن الفقيه السيد محمد علي ابن السيد المؤمن ابن الشريف علي ابن السيد الجليل مسعود المعروف بعيشى، يرجع نسبه الشريف إلى ابراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن الامام موسى الكاظم (عليه السلام).

ولد في النجف الاشرف، نشأ في بيت علم وتقوى حيث كان والده من مراجع الدين في عصره ومن المعروفين بالزهد والتقوى.

دخل منذ صباه الحوزة العلمية في النجف الاشرف، وتلقى علومه في هذه الجامعة الدينية الكبيرة وأخذ مقدمات العلوم على اساتذة معروفين وتلقى دروس الخارج من الاصول والفقه لدى علماء كبار أمثال الشيخ


الصفحة 580

ضياء الدين العراقي، والسيد أبو الحسن الاصفهاني و والده (قدس الله اسرارهم) وغيرهم من علماء النجف ونال درجة الاجتهاد.

قام بامامة صلاة الجماعة ليلا في الصحن العلوي الشريف، وظهرا في مسجد الرأس الواقع في الصحن العلوي، وصباحاً في داخل الروضة العلوية الشريفة.

توفي في شهر ربيع الأول سنة 1397 هـ ودفن في وادي السلام إلى جنب والده رحمة الله عليهما.

له من الاثار العلمية ما يلي:

1 ـ الاخلاق في القرآن الكريم: دراسة جديدة في الاخلاق على نهج المدرسة القديمة.

2 ـ حواشي على حاشية ملا عبد الله في المنطق.

3 ـ حاشية على مطول التفتازاني.

4 ـ حاشية على كفاية الأخوند تقع في جزئين.

5 ـ حاشية على رسائل الشيخ الانصاري.

6 ـ حاشية المكاسب.

7 ـ تقريرات بحث المحقق العراقي.

8 ـ تقريرات بحث والده.

9 ـ رسائل في أهم المباحث الاصولية


الصفحة 581

10 ـ تفسير القرآن الكريم يبلغ عدة أجزاء لم يكمل.

11 ـ الادلة الشرعية عند الامامية.

12 ـ اصول الفقه.

فضلا عن آثاره الأخرى التي لم تطبع بعد.

له قصائد في النبي وآله صلوات الله عليهم، وكانت قصيدته "بنت الخلود" من أهم قصائده الرائعة التي نظمها في ميلاد السيدة الزهراء (عليها السلام)وقد تحدث عن عظمتها وقدسيتها فضلا عن مظلوميتها وقد عرّج على ما صح لديه من خبر إسقاط جنينها "المحسن" وكسر ضلعها.

اثبتنا القصيدة من ديوانه المطبوع مع النبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام)(1).

* * *

[131] بنت الخلود:

شعّت فلا الشمس تحكيها ولا القمرُزهراءُ من نورها الاكوانُ تزدهرُ
بنتُ الخلود لها الاجيال خاشعةُأمُ الزمان اليها تنتمي العُصُر
روحُ الحياة، فلولا لطفُ عنصرهالم تأتلفْ بيننا الارواح والصورُ

____________

1- مع النبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) ديوان السيد محمد جمال الهاشمي ص34. قم 1406 هـ.


الصفحة 582
سمت عن الأفق، لا روح ولا ملَكوفاقت الأرض، لاجن ولا بشرُ
مجبولة من جلال الله طينتُهايرفُ لطفاً عليها الصون والخفر
ما عاب مفخرها التأنيث أنَّ بهاعلى الرجال نساءُ الارض تفتخر
خصالها الغر جلت ان تلوك بهامنا المقاول أو تدنولها الفكر
معنى النبوة، سرُ الوحي، قد نزلتفي بيت عصمتها الآياتُ والسور
حوت خِلال رسول الله اجمعهالولا الرسالةُ ساوى اصله الثمر
تدرجت في مراقي الحقِّ عارجةًلمشرق النور حيث السرُ مستتر
ثم انثنت تملأ الدنيا معارفهاتطوى القرون عياءً وهي تنتشر

* * *

قل للذي راح يُخفي فضلها حسداًوجه الحقيقة عنا كيف ينستر
أتقرن النور بالظلماء من سفه؟ما أنت في القول إلا كاذب أشِر
بنتُ النبيِّ الذي لولا هدايتُهما كان للحقّ، لا عين ولا أثر
هي التي ورثت حقاً مفاخرهوالعطر فيه الذي في الورد مدخَّر
في عيد ميلادها الأملاكُ حافلةٌوالحور في الجنة العليا لها سمرُ
تزوجت في السماء بالمرتضى شرفاًوالشمسُ يقرُنها في الرتبة القمر
على النبوة أضفت في مراتبهافضلُ الولاية لا تبقى ولا تذر
أم الأئمة من طوعاً لرغبتهميعلو القضاء بنا أو ينزل القدر

الصفحة 583
قف يا يراعي عن مدح البتول ففيمديحها تهتف الألواحُ والزبرُ
وارجع لنستخبر التأريخ عن نبأقد فاجأتنا به الانباء والسير
هل أسقط القومُ ضرباً حملها فهوتتأنُ مما بها والضلعُ منكسرُ
وهل كما قيل قادوا بعلها فعدتوراه نادبةً والدمع منهمرُ
ان كان حقاً فان القوم قد مرقواعن دينهم وبشرع المصطفى كفروا(1)

[132] وقال أيضاً في قصيدة غراء:

أي خطب يبكي عليه خطابيومصاب قد شاب شهدي بصاب
آه يوم الزهراء أي فؤاديعلوي عليك غير مذاب
لك في الدهر رنة رددتهابخشوع أجياله واكتئاب
فهي نار تذكي القرون ونوررف لألأوه على الاحقاب
وهي للمجد فيه للسالك تبدو الصعاب غير صعاب
غاب نور النبي وانقطع الوحيوخارت عزائم الاراب
وارتمى موكب الحياة وجاشتنزعات النفاق في الاحزاب
فانطوى النور في ظلام كثيفنشرته جرائم الانقلاب
وانمحى الحق والصراحة لماساد عهد الضلال والارتياب
موقف أربك العصور فأخفترأيها في القلوب والاهداب

____________

1- المصدر السابق.


الصفحة 584
غضبة الحق ثورة تجرف الباطلفي موج عزمها الوثاب
وإذا اللبوة الجريحة ثارتلهث الموت بين ظفر وناب
شمّرت للجهاد سيدة الاسلامعن ذيل عزمها الصخّاب
وأتت ساحة الجهاد بايمان يرد السيوف وهي نواب
حاكمت عهدها المدعى بقلبواغر من شجونها لهاب
لم تدع للمهاجرين وللانصاررأياً إلاّ انمحى كالضباب
واستعانت بالحق والحق درعمن أمان وصارم من صواب
رجمتهم بالمخزيات فأبواوهم يحملون سوء المئاب
حجج كالنجوم ينثرها الحقويرمي الشهاب أثر الشهاب
فهي أما عقل وأما حديثجاء عن نص سنة أو كتاب
فتهاوت أحلامهم كصروحشادها الوهم عالياً في السراب
آه لولا ضعف النفوس لمااسترجع ركب الهدى على الاعقاب
ولما عادت الامارة للقوموحازوا إمامة المحراب
واستقرت هوج العواصف لماقابلتها سياسة الارهاب
لا خطاب من عاذل لا جوابعن سؤال لا هجمة من عتاب
ومذ انهارت الرجال وعادوبتلول من خزيهم وروابي
واختفى النص بالولاية لماأظهر الكيد فكرة الانتخاب

الصفحة 585
أو قد الغدر في السقيفة ناراًعلقت في مواكب الاحقاب
وتلاشى "الغدير" إلا بقاياتترامى بها بطون الشعاب
وتوالت مناظر مؤلماتمثلتها عداوة "الاصحاب"
من هجوم الارجاس بالناركي تحرق بيت الاكارم الاطياب.
وانكسار الضلع المقدس بالضغطوسقط الجنين عند الباب
وانتزاع الوصي سحباً من الداربتيار ثورة الاعصاب
واغتصاب الحق الصريح جماراًباختلاف الاعذار للاغتصاب(1)

____________

1- وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للسيد عبد الرزاق القرم: 147.


الصفحة 586

الصفحة 587

الشيخ عبد المنعم الفرطوسي

وُلِدَ الأدب الشيعي من رحم المأساة، وأنجبت هذه المأساة شعراء مجيدين كما انها أنجبت ابداعات الأدب الشعري، واستلهم الأديب روح المأساة التي حلت بآل البيت (عليهم السلام) ليترجمها أغراضاً شعرية يقدمها في مقطوعاته، لذا فان العبقرية الشعرية كانت استجابة لمعاناة الأديب، حتى صار الأدب الشيعي رافداً مهما من روافد الأدب العربي، واذا تابعنا نتاجات الأدب الجاهلي فانها كانت لا تتعدى عن عرض أدبي يتفنن به الشاعر انتصاراً لعصبية قبلية أو غرض شخصي أراد أن يعكس في مقطوعته تعبيراً


الصفحة 588

لما يعتلج في صدره، فلما جاء الإسلام سعى إلى عقلنة الأدب العربي ووجّههُ لصالح السير الانساني الذي من خلاله تترجم متطلبات إنسانية تشارك في بناء الشخصية التكاملية التي أرادها الإسلام، فصار الأدب الإسلامي مدرسة خاصة تحمل طموحات الأديب العقائدية، وأضحى الأدب مشروعاً يعبّر عن توجهات الأمة، ثم هو بعد ذلك يتوخى الابداع الأدبي لأسلمة الأغراض الشعرية التي كانت أساساً تعبيراً عن معاناة خاصة يحملها الأديب في نفسه، أو قضية عامة يصبو اليها المجتمع ليعكسها في أدبه.

والمشروع الأدبي الإسلامي بقدر ما هذّب سلوكية الأدب المنفلته أيام العرب الجاهليين فانه أضاف للابداع الشعري أغراضاً خاصة انطلقت للتعبير عن طموحات الأديب، فالشعر القصصي مثلا لم يكن قد تداوله الجاهلي بقدر ما اهتم برواية مشاهد يومية بسيطه، والرثاء الإسلامي الموجه لم يكن معروفاً بقدر ما كان الوقوف على الاطلال وبكاء أهلها الراحلين، والوجدانيات لم تكن متعقلة بقدر ما كان الأديب ينفلت في الهجاء والتفاخر على غير بني قومه، والعصبية القبلية برمجت حتى عواطف الشاعر لتوجهها إلى حرب باردة تجر فيما بعد إلى قتال طاحن ونزيف دماء.

وإذا أضفنا رقماً آخر في حسابات البحث عن عقلنة الإسلام لأدب الأديب، فان الشعر القصصي لم تعد قصصاً منسوجة في خيال الأديب، بل استحدث الأدب الشيعي غرضاً أخر يعبّر عن طموحات قضية ليجعل من الأدب القصصي الخيالي، أدباً موجهاً علمياً استخدم فيه قراءة التاريخ برنامجاً يوجّه فيه قصيدته، ويعبّر عن رؤيته الأدبية ضمن مشروع تاريخي يستقرأ به تاريخ أمته، وينقل فيه مشاهداته التاريخية واستقراءاته في


الصفحة 589

مقطوعاته، وكان استخدام القصيدة للتعبير عن استنتاجاته التاريخية قد نحى فيه منحى علمياً موضوعياً جعل فيها الرواية الصحيحة التي اعتمدها وحدة الموضوع لقرائته، بل طمح أن تكون قصيدته وثيقة تاريخية هامة، ومرجعاً علمياً معتمداً، وهذا ما حظى به الشاعر الشيخ عبد المنعم الفرطوسي حيث عمد إلى توثيق تاريخ آل البيت (عليهم السلام) في قصيدة شعرية واحدة جعلها ملحمة تاريخية اعتمد الرواية الموثقة في سرد هذه الملحمة، وأكد على اعادة كتابة الرواية التاريخية على اساس موضوعي فضلا عن الغرض الفني الذي اعتمده في أدبياته.

صاغ الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ملحمة آل البيت (عليهم السلام) على أساس الدراما القصصية التي تستهوي القاريء والسامع لمتابعة سياقات ملحمته الأدبية، وأكد على العنصر الفني استخداماً لبرمجة روايته التاريخية، وقدّم التاريخ ليشترك فيه الأدب العربي قراءةً وتوثيقاً. عالج الشيخ عبد المنعم الفرطوسي اضطراب الرؤية التاريخية الإسلامية في مشروعه الأدبي هذا، وشخّص مواطن هذا الاضطراب بما أرهقته السياسة الحاكمية من تدوين التاريخ أو القاء القضية التاريخية بما يضمن الابقاء على قدسية النظام السياسي اللا مشروع، فاذا استطاعت الأمة قراءة سيرها التاريخي بوضوح دون إلتواء أو غموض وضحت لديها رؤى تاريخية كانت الذهنية الإسلامية بعيدة عن تصوراتها، فسعى الشاعر في ملحمته هذه إلى الجهود الفكرية التي تشارك في كسر الطوق التثقيفي المضروب على العقلية المسلمة.

ان أهمية ملحمة الشيخ الفرطوسي متأتية من شاعريته العلمية ومن علميته الشاعرية، فهوالأديب الشهير، والشاعر المجيد، والفاضل المحقق،


الصفحة 590

الذي ولد في النجف عام 1335 هـ(1)، وبدأ الدراسة عند نشئته، فقرأ المقدمات على أرباب الفضيلة، وأخذ الفقه والأصول على السيد محمد باقر الشخص الاحسائي، ولازم أخيراً حلقة السيد أبو القاسم الخوئي، واختلف على حلقة المرحوم الشيخ محمد علي الخراساني في الأصول، وقد برز في الأندية العلمية كفاضل أتقن المقدمات وطائفة من الفقه والأصول وهضم ما تلقاه من أساتذته حتى عد من أوائل فضلاء الشباب، وله آثار علمية شاهدها صاحب شعراء الغري وذكرها كالآتي:

1 ـ شرح الاستصحاب من رسائل الشيخ الانصاري يقع في ألف صفحة.

2 ـ شرح مجموعة الرسائل وهو نتيجة العهد الذي درس فيه على السيد الاحسائي وغيره.

3 ـ شرح الجزء الأول من كفاية الأصول يقع في 800 صفحة.

4 ـ شرح مقدمة المكاسب وصل به إلى كتاب المعاطاة.

5 ـ شرح شواهد مختصر المطول.

6 ـ منظومة في الاشكال والضابطة من علم المنطق في حاشية ملا عبدالله.

7 ـ ديوان شعره ويقع في أربعة أجزاء.

8 ـ الوجدانيات، مجموعة ذات ألوان وصفية ووجدانية من شعره.

____________

1- راجع في ترجمته شعراء الغري 6: 4.


الصفحة 591

9 ـ نظم رواية الفضيلة لمصطفى المنفلوطي.

هذه جوانب شخصيته العلمية، واذا أضفنا معاناته السسياسية التي طبعت مشاريعه الأدبية وما لقيه من مضايقات الأنظمة الجائرة، مسحت أعماله الأدبية بصبغة تراتيجدية حتى طغت مسحة الحزن والمعاناة على أغلب مقطوعاته فصار شعره معبّراً عن معاناة الأمة كما هو معبّر عن معاناته الشخصية أيضاً، لذا فانك تجد أن ملحمته عن آل البيت (عليهم السلام) قد أخرجت مأساة الزهراء (عليها السلام) بصيغتها العلمية الكاملة فضلا عن اللون الأدبي الحزين الذي رافق مقطوعته الفاطمية، وكانت مسألة اسقاط المحسن (عليه السلام) قد أبدع في نقلها وتصويرها بما يضمن الابقاء على اللون الأدبي الذي ارتسمت به معالم الأدب الشيعي الحزين.

دعّم قضية اسقاط المحسن بتحقيقاته المعروفة المتقنة.

ولكي تكتمل رؤية هذه المقدمة فان ملحمته الفاطمية نوردها لتشارك في تأكيد ما قدمناه.


الصفحة 592

[133] من مقطوعته الفاطمية قال:

غصبوا حقها جهاراً فأبدواكلما أضمروا لها في الخفاء
أنكروا فرض إرثها من أبيهاوهي كانت من أقرب الأقرباء
حين صدّوا ببدعة ونفاقفدكاً عن سليلة الأنبياء
وهي ممّا أفاءه الله لطفاًلأبيها محمد من عطاء
ناشدتهم بالله عهداً فعهداًأن يفيقوا من سكرة الجهلاء
فتعاموا عن الهداية جهلاًحين صمّوا عن منطق العقلاء
بعد ردّ منهم بما أثبتتهأنّها نحلة بخير ادّعاء
وعليّ وأُمّ أيمن للزهراءكانا من خيرة الشهداء
وكفى حجّة على عهد طهبيديها كانت بعدل القضاء
غير أن النفوس بالغّي مرضىمن قديم وما لها من شفاء

بني قيلة:

يا بني قيلة أَأُهضم إرثيمن أبي جهرة بشر اعتداء(1)
وبمرأىً أنتم ومسمع منيفي مكان دان بدون تنائي
ولكم عدة وخير عديدوسلاح وسطوة الأقوياء
لا تغيثون صرخة من صريخلا تجيبون عند وقت الدعاء

____________

1- قيلة: قبيلتا الأنصار: الأوس والخزرج.


الصفحة 593
أفلستم وُصفتمُ بصلاحوعُرفتم في نجدة وإباء
خير جند ونخبة قد حُبيتملبني أحمد بخير اصطفاء
أولستم قاتلتم العرب كداًوتحملتم عظيم العناء
وقديماً كافحتم دون وهنأمة بعد أُمة بمضاء
حيث كنا وحيث كنتم جميعاًمعنا في تعاون والتقاء
قط لا تبرحون في كل حينبائتمار لأمرنا وانتهاء
أفأنتم جبناً تفرون عنابفراق منكم بدون اتقاء
حين دارت رحى الرشاد ودرَّتحَلبة الدهر في معين الرواء
واستكانت للشرك ثغرة غيخضعت ذلةً بدون إباء
وعرى فورة الضلال سكوتُوتلاشت نار العمى بانطفاء
ونظام الدين استتم كمالابعد فوضىً عمَّت بكم وشقاء
كيف حزتم بعد البيان وصرتمبعد إعلانكم بهذا الخفاء(1)
ونكصتم بعد النهوض نكولاورجعتم للشرك بعد اهتداء
فشناراً لكم وبؤساً لقومنكثوا عهدهم بدون وفاء
أفتخشونهم من الرعب خوفاًوهو أولى بالخوف والاختشاء
فاعملوا إنكم ستجزون عدلاأجر أعمالكم بيوم اللقاء

____________

1- حزتم: ضممتم حقنا اليكم.


الصفحة 594
أفأخلدتم إلى الخفض لهواًبعد جدّ في دينكم وعناء(1)
ودفعتم عنها الذي هو أحرىمن سواه في منصب الخلفاء
وهو أولى بالبسط والقبض منهمبعد فقدان خاتم الأنبياء
ونجوتم بالضيق من كل وسعوخلوتم في رغدة وهناء
ما وعيتم مججتم ودسعتمما تسوّغتم من الارتواء(2)
إن كفرتم ومن على الأرض طراًفهو عن سائر الورى في غناء
وأنا قلت كل ذلك ردعاًلكم عن ضلالة الكبرياء
بعد علم مني بجذلة كفرخامرتكم ورغدة ورياء(3)
غير أني من نفثة الغيض أُدليببيائي وشدة البرحاء
ولحزن من فيضة النفس يطغىولتقديم حجة بيضاء
دونكم بالشنار فاحتقبوهانقبة دبرة بدون وطاء(4)
وهي موسومة من الله بالسخطستبقى عاراً بدون انقضاء
وعذاب الجحيم أسوأ عقبىًومآلا لكم بيوم الجزاء

____________

1- أخلدتم: ملتم. الخفض: الخصب واللين.

2- الدسع: القيء. وتسوغ الشراب: شربه بسهولة.

3- الجذلة: ترك النصر. خامرتكم: خالطتكم.

4- احتقبوها: حملوها على ظهورهم. ودبر البعير: أصابته الدبرة ـ بالتحريك ـ وهـ جراحة تحدث من الرحل. والنقب: يقال نقب خف البعير، رق وتثقب.