المكتبة العقائدية » أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) (لـ محمد علي الحلو)



الصفحة 595
سيرى الظالمون أي انقلابلهم عند ساعة الإنتهاء
وانا للبغاة بنت نذيرمن شديد العذاب يوم البقاء

احتجاج الزهراء على أبي بكر:

وتناهى بها الحديث فقالتوهي تدلي بالحجة البيضاء
لأبي بكر وهو يصغي إليهابين حشد من مجمع الجلساء
أبدين الله الذي فيه جاءتللبرايا شرائع الأصفياء
أنت تُعطى إرثاً وأُمنع إرثيمن أبي دون سائر الأبناء
مالكم قد تركتم الذكر عمداًوهو يبدو أمامكم من وراء
أخُصصتم بآية أخرجتنادون باقي الأبناء والآباء
أم بحكم الكتاب أعلم أنتممن عليّ وأحمد في القضاء
أتقولون أهل شرعين كاناأفلسنا من ملّة الحنفاء
ها هو الذكر شاهد ولسانناطق صادق بغير افتراء
حين أضحي ميراث داود فيهلسليمان دون أيّ خفاء
وليحي الميراث من زكريّاوهو أمسى وليّه في الدعاء
قال هب لي يا ربّ منك وليّاًوارثاً لي فأنت ربّ العطاء
قال فيه يوصيكم للبرايافي اقتسام الميراث بعد الفناء
مثل حظ للانثيين يكافىذكُر من بنيكم في العطاء

الصفحة 596
والوصايا للوالدين بخيرحين يبقى خير وللأقرباء
وجميع الأرحام أولى ببعضبعضهم في كتاب ربّ القضاء
أفلا تكتفون فيما أتاكممنه نصاً وفيه خير اكتفاء
فتحمل اعباءها سوف تأسىحين منها تنوء بالأعباء
يوم تلقاك عند حشر ونشرمثقلا بالأوزار يوم اللقاء
فالزعيم النبي والحكَم اللهونعم الميعاد يوم الجزاء

جواب أبي بكر:

فتصدى منهم أبو بكر رداًلاحتجاج الزهراء دون ارعواء
قال يا بنت أحمد كان طهبرجال الهدى من الرحماء
وعلى الكافرين كان عقاباًوعذاباً صَبّا عظيم البلاء
ان عزوناه في انتساب وجدناهأباك من دون باقي النساء
وأخا إلفك الحميم عليّدون باقي الأصحاب والرفقاء
آثر المرتضى على كل خلواغتدى عونه على الخُصماء
لا يواليكم سوى السعداءليس يقلوكم سوى الأشقياء
أنتم عترة النبي اجتباكمربكم للورى بخير اجتباء
وأدلاّ ؤنا على الخير رشداًوطريق لجنة السُعداء
أنت يا خيرة النساء مقاماًوابنة الحق خيرة الأصفياء

الصفحة 597
لا تقولين غير صدق وحقليس فيه من ريبة وافتراء
غير مردودة عن الحق ظلماًواغتصاباً من سائر الحُنفاء
وأنا ما عدوت سنة طهوتحديث رأيه بالقضاء
وأنا رائد أيكذب حقاًرائد أهله بأي افتراء
وأنا أُشهد الإله بصدقوهو بالحق خيرة الشُهداء
انني قد سمعت من فم طهقال إنا معاشر الأنبياء
كل فرد يورّث العلم منالبنيه وحكمة الحكماء
كل ميراث فضة ونضارقد تركنا يكون للأولياء(1)
فولي الأُمور يحكم فيهحين يقضي بحكمه في استواء
ورأينا بأن يكون سلاحاًوكراعاً لأُمة الحُنفاء
فوضعناه فيهما كسواهلجهاد الكفار والأشقياء
وأنا ما انفردت فيه برأييمُستقلا عن سائر الآراء
حيث قام الإجماع منهم عليهباتفاق ما بينهم والتقاء
وأنا في يديك حالي وماليفاحكمي فيهما بكل مُشاء
ليس يزوى عليك منّي شيءلحجاب محصن ووقاء
ولأنت الأُم الزكيّة طُهراًوسمواً لولدك الأزكياء

____________

1- النضار: الذهب.


الصفحة 598
ولك العز والسيادة فيناشرفاً بعد فضلك المترائي
دون وضع للأصل والفرع طراًمنك بعد العلو والارتقاء
كل حكم عليّ يصدر ماضنافذ منك ساعة الإمضاء
أتريدين أن أُخالف طهبالذي تطلبين دون اهتداء

ردها على أبي بكر:

فأجابت سبحان رب البرايالم يكن قط خاتم الأصفياء
صادفاً عن كتابه مستحلابعض أحكامه بدون اختشاء
فهو طول الحياة ما زال يقفوأثر الذكر في أتم اقتفاء
أمع الغدر تجمعون ضلالاقولة الزور ساعة الإفتراء
مثلما كدتموه حياً فهذاهو كيد له عقيب الفناء
فكتاب الإله هذا لعمريحكمُ عادلُ بفصل القضاء
كل نص مخالف لكتاب اللهمنكم أحق بالإمتراء
وهو أوحى ميراث داوود حقاًلسليمان دون أي مراء
قال هب لي من آل يعقوب بعدييرث الفضل خيرة الأولياء
وأبان الله الفرائض طراًفي المواريث دون أي خفاء
عند توزيعه السهام بعدللذويها بدون أي اعتداء
ما أزاح الرحمن فيه جلياًشبهات العمى بدون غشاء

الصفحة 599
إنما سوَّلت لك النفس أمراًفاصطباراً على عظم البلاء
فتلا قائلا أبو بكر جهراًقولها في صراحة وجلاء
صدق الله والرسول وحقاًصدقت بنت خاتم الأنبياء
معدن الحكمة البليغة ركن الدّينعين المحجة البيضاء
غير مستنكر خطابك فينادون قولى مني صوابك نائي
ها هم المسلمون قد قلدونيفتقلدت منصب الخلفاء
وأخذت الذي أخذت بشورىًواتفاق وهم من الشهداء
غير مستأثر بما كان منيدونهم في بداية وانتهاء
وهي قالت لهم عقيب التفاتمعشر المسلمين والحنفاء
كيف أسرعتم عقيب التغاضيعن قبيح الفعال للإفتراء
أفلا تقرءون قرآن ربيأنتم في تدبر واهتداء
أم على تلكم القلوب من الريبةأقفال ضلة وامتراء
بل عليها قد ران ما قد أسأتممن قبيح الأفعال والأخطاء
آخذاً عند ذاك بالسمع منكموجميع الأبصار بعد غطاء
ساء والله ما به قد أشرتمواغتصبتم في ساعة الاعتداء
عن قريب يكون حمِلا عليكمبعد غبّ من أثقل الأعباء
عند كشف الغطاء والستر عنكمحينما تصبحون دون وقاء

الصفحة 600
بئس للظالمين فالنار مثوىًومقرلهم بيوم البقاء
لم تزل تقرع المسامع منهممرتجات باليأس دون رجاء
وتهز المشاعر الصمَّ لكنوجدتها كالصخرة الصماء
ثم قامت عنهم لقبر أبيهاتشتكي ما أصابها من بلاء
واستكانت لربها بانقطاعوأتت بيتها بدون غناء

علي والزهراء (عليها السلام) عتابُها لأمير المؤمنين (عليه السلام):

وعليّ تطلعاً وانتظاراًلرجوع الزهرا من الرقباء(1)
فرنت نحواه بطرف حزينبين شكوى مريرة وبكاء
وأُثيرت منها الشجون وقالتعتباً يا ابن سيد البطحاء
قد تواريت فاشتملت احتجاباًشملةً للجنين خلف غطاء
من توان قعدت دون نهوضحجرة للظنين دون غناء(2)
ولقد خان فيك من دون ريشأعزلُ عن منال كل رجاء(3)
بعد ما قد نقضت قادمة الأجدلمن جانبيك دون بناء(4)

____________

1- احتجاج الطبرسي: 1/145.

2- الحجرة: الغرفة او الناحية، والظنين: قليل الخير، والمقصود جلست مجلس من لا فائدة فيه على غير عادتك، او هو المتهم الذي يخاف المطالبة بحقه.

3- الأعزل: الطائر لا ريش له.

4- الأجدل: الصقر.


الصفحة 601
كيف تغضي عني وهذا فُلانبزّني نحلتي بغير اتقاء(1)
أنا ألفيته الألدّ عداءًفي خصامي من سائر الخصماء(2)
هذه قيلة من الغدر عنيحبست نصرها بغير وفاء
وقلاني المهاجرون جميعاًبعد قطع لوصلهم بجفاء
ولقد غضت الجماعة دونيطرفها من غضاضة وعداء
أنا لا دافع بقيت ولا مانععني يصد كل اعتداء
وأنا قد خرجتُ كاظمة الغيظبنفسي من شدة الإستياء
ولقد عدت منه راغمة الأنفهوانا من سطوة الكبرياء
ولعمري أضرعتَ خدك ذلاوخضوعا لهم بدون إباء(3)
حينما قد أضعتَ حدَّك صبراًفتبقيت دون أي وقاء
وافترشت التراب وافترست غابكهذي الذئاب دون اتقاء
قائلا ما كففتَ بعد تغاضطائلا ما أغنيت أي غناء(4)
ليت أني قدمُتُّ من دون ذُلّيواضطهادي من قبل يوم فنائي
وعذيري منه إله البرايا عادياًبعد محنّي وبلائي(5)

____________

1- بزني: سلبني.

2- الألد: شديد الخصومة.

3- أضرع خدة: خضع وذل.

4- طائلا: أي نافعاً، المعنى ما فعلت شيئاً نافعاً.

5- العذير: النصير، والعادي: الخصم المتجاوز.


الصفحة 602
ولنفسي منه وأنت كفيليخير حام في ساعة الإحتماء
أنا ويلاي عند كل صباحأنا ويلاي عند كل مساء
عضدي قد وهت وقد مات منيعَمَدي فاغتديت دون وقاء
أنا عدواي للإله وشكوايلحزني بخاتم الأنبياء(1)
أنت ربي أشد حولا وبأساًونكالا منهم بيوم الجزاء
قال وهو الصبور لا ويل حقاًلك لكن ويل لأهل العداء
نهنهي يا ابنة النبوة عن وجدكصبراً في سلوة وعزاء(2)
أنا والله ونيت عن الدينبيوم ولا عدوت قضائي
وإذا كنت تبتغين بهذابلغةً من حطام دار الفناء
فهو للرزق ضامن وكفيللك فيه من خيرة الأُمناء
والذي قد أُعدّ خير وأبقىلك مما زووا بدار البقاء
فأجابت وأمسكت هو حسبيوكفي جازياً بربّ السماء

خطبة الزهراء (عليها السلام) في نساء المهاجرين والأنصار:

قلن يا بضعة النبي المزكّىكيف أصبحت بعد هذا العناء(3)

____________

1- العدوى: طلبك إلى وال لينتقم لك من عدوك.

2- أي كفي عن حزنك وخففي من غضبك.

3- احتجاج الطبرسي 1/147.


الصفحة 603
فأجابت أصبحت والله ممّاقد دهاني قد عفت دنيا الفناء
وقليت الرجال منكنّ لفظاًبعد عجم لهم وحسن بلاء(1)
فشناراً للَّعب من بعد جدّوفلول للحدّ بعد المضاء
ولصدع القناة دون التئامولقرع الصفاة دون ارتخاء
ولزيغ الأهواء دون اعتدالولختل الأفكار والآراء(2)
بئس ما قدّموا من الخزي كفراًبعد سخط الباري ليوم الجزاء
ولعمري قلدتهم حين مالواعن هدى الحق ربقة الأُسراء
وبنصحي حمّلتهم حين صمواوعموا عنه أوقة الأعباء(3)
وشننت الغارات حرباً عليهمغارة بعد غارة شعواء(4)
ويحهم عن مهابط الوحي أنّىزعز عوها ومعدن الأنبياء
ورواسي الإيمان والعدل منّاوالطبين الخبير في كل داء(5)
في جميع الأُمور ديناً ودنيادون جهل فيها ودون اختفاء
إن هذا الخطء الذي ارتكبوهلهو شر الخسران دون اختشاء
ليت شعري وما الذي نقموهمن عليّ بعد الأذى والعناء

____________

1- لفظه: رماه. عجمه: اختبره.

2- ختل الآراء: زيفها وخداعها.

3- الأوقة: الثقل.

4- شن الغارة: وجهها من كل ناحية.

5- الطبين: الفطن العالم بجميع الامور.


الصفحة 604
نقموا من عليّ بأساً شديداًوجهاداً في الله دون رخاء
ونكيراً من سيفه ونكالاصارماً في تنمّر وإباء
قلة الخوف والمبالاة زهداًمنه في حتفه بيوم اللقاء
ويميناً لو أنهم بعد كفروضلال مالوا عن الإستواء
لهداهم إلى المحجّة رشداًفاستقاموا بالحجّة البيضاء
ولساروا وسار بالقوم سيراًسجحاً في مناهج الإهتداء(1)
لا يصاب الخشاش منه بكلمدون عنف منه ودون التواء
لا يملّ المسير فيه عناءًأو يكلّ الساري به من عياء
وسقاهم من منهل الحق ورداًعَذِباً سائغاً لفرط الصفاء
تطفح الضفتان منه معيناًخالصاً من ترنق الأقذاء
ولعادوا عند الصدور بطاناًبعد شبع الطاوي بخير امتلاء
مع رشد لهم ونصح مبينمنه يبدو في الجهر شبه الخفاء
وهو في العيش لم يكن يتحلىمنه في طائل بطول البقاء
ليس يحظى بنائل قطّ منهابعد زهد عن نيله وجفاء
غير ريّ لناهل حين يظمىمع شبع الكافل من غذاء(2)

____________

1- السجح: السهل.

2- الكافل: الذي يصل الصيام ولم يصب غذاء ولا عشاء.


الصفحة 605
وتجلّى عن المطامع زهدلهم صادق بغير افتراء
قال لو آمنوا فتحنا عليهمبركات من الثرى والسماء
غير أن القرى بغت فاستحقتبعد جحد النعماء سوء الجزاء
وبحقّ لو عشت أبصرت أمراًعجباً في الزمان دون انقضاء
أي عذر لهم بما اكتبسوهمن عظيم الإجرام والأخطاء
أفلا يعلمون ما اجترموهمن حرام في عترة الأزكياء
حينما استبدلوا القوادم منّابالذنابا منهم بغير ارعواء
واستعاضوا عن كاهل الدين كفراًوضلالا بالعجز دون اهتداء(1)
فابتعاداً لمن أساءوا وظنّواأنهم يحسنون دون اتقاء
ويحهم للرشاد من كان يهديمن سواه أحق بالاقتداء
ما لهم يحكمون من غير علمبعد جهل منهم بعدل القضاء
فانتظاراً فسوف تنتج ممّالقحت كلّ فتنة عشواء
وسيملى منها نجيعاً عبيطاًوذُ عافاً في الحلب كل اناء(2)
ويرى الآخرون ممّا بناهلهم الأولون غبّ البناء(3)

____________

1- الكاهل: مقدم الظهر مما يلي العنق. العجز: مؤخر الشيء.

2- الدم العبيط: الخالص الطري. الذعاف: السم الذي يقتل من ساعته.

3- الغب: العاقبة.