×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ١ - ص ٢٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الاهداء:

إلى أبواب الإمام المهدي المنتظر (عج):

عثمان بن سعيد

محمد بن عثمان

الحسين بن روح

أبي الحسن السمري

أهدي هذا الجهد المتواضع ... راجيا منهم القبول والدعاء


العبد فارس

٦
٧

مقدمة المحقق



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبياء الله محمد وعلى آله الطاهرين المعصومين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

الانسان ما دام يحمل معه صفة الانسانية ويجعلها كالقطب من الرحا في حياته، فهو دائما يفكر في أنه فاقد لشئ عظيم لا بد وأن يصل إليه ليكمل ما فرضه على نفسه من حمل الانسانية، ألا وهو الوصول إلى الكمال والجمال الروحي والعرفان الحقيقي.

فعلى قدر ما يحمله الانسان من الانسانية يكون تفكيره للوصول إلى الكمال والجمال، إذ نستطيع أن نقول وبكل صراحة: إن بين الانسانية وبين الكمال تساويا، فلا يفرق لنا أن نقول: إنسانية، أو كمال.

لكن هنا سؤال يتبادر إلى ذهن كل طالب للحقيقة، وهو: كيف يمكن الوصول إلى هذه المرتبة التي هي أمنية كل حر صاحب قلب طاهر نقي، وفي هذا العالم ال ... ... ...

سؤال في محله ... لكن تكل الألسن عن جوابه، تتحير الأقلام عن الكتابة

٨
عنه وتكبو، بل تنكسر ...

فكيف يمكن أن يصل الانسان إلى مرحلة العشق الحقيقي للحق؟ مع وجود الموانع الكثيرة في زماننا هذا وعدم وجود المربي الروحي، إذ الأكثر - إن لم نقل الكل - يريد أن يصل إلى مرحلة من العلم من دون أن يمزجه بالعمل والتقوى، فهل يا ترى علمه هذا ينفعه، ومن النار يخلصه؟ من دون التقوى، من دون أن يسلك مسلك عرفان أهل البيت عليهم السلام، من دون أن يجد حلاوة العشق ولذة المناجاة!

نعم، كيف يمكن أن يصل الانسان إلى مرحلة الانسانية وهو واقع في زمن لا يوجد من يوصله إلى حكم الله الواقعي؟! مع وجود الشبهات الكثيرة التي هي أحد الموانع الرئيسية المانعة من الوصول إلى الحقيقة والحق، إلى السعادة الأبدية، هذا كله مع وجود إبليس الرجيم الذي ينتهز الفرص لكي ينشب مخالبه في كل شئ ....

وهنا سؤال آخر يفرض وجوده على أذهان العشاق والمحبين الذين يسألون من هذا وذاك كي يصلوا إلى الكمال والجمال.

وهو: إذن ماذا نعمل؟ وهل توجد طريقة نستطيع بواسطتها أن نصل إلى الكمال أو نحوم حوله؟

نعم يبقى شيئان يستطيع الانسان بواسطتهما أن يبقى له رجاء للوصول إلى مراده وهدفه العالي، وهما:

أولا: الالتجاء والتوسل بمن وجد الوجود لأجلهم، بمن قدمهم الأنبياء والأولياء في دعواتهم وتوسلاتهم، ألا وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، هم الذين توسل بهم آدم فتاب الله عليه، هم سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك وغرق، هم باب حطة الذي من دخله كان من الآمنين، هم آل يس، هم الذكر، هم الراسخون في العلم، هم آيات الله وبيناته وكتابه، هم أولوا الأمر، هم أنوار الله، هم المؤمنون، هم الأبرار والمتقون والسابقون و المقربون، هم السبيل والصراط، هم الصادقون والصديقون والشهداء والصالحون، هم نعمة الله وفضله ورحمته، هم حبل الله المتين والعروة الوثقى، هم الصافون والمسبحون، هم

٩
البحر واللؤلؤ والمرجان، هم السبع المثاني، هم العلماء، هم الشجرة الطيبة، هم الهداية والهدى ...


هم النور نور الله جل جلالههم التين والزيتون والشفع والوتر
مهابط وحي الله خزان علمهميامين في أبياتهم نزل الذكر
وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشهومكنونة من قبل أن يخلق الذر
ولولا هم لم يخلق الله آدماولا كان زيد في الأنام ولا عمرو
ولا سطحت أرض ولا رفعت سماولا طلعت شمس ولا أشرق البدر
ونوح به في الفلك لما دعا نجاوغيض به طوفانه وقضي الأمر
ولولا هم نار الخليل لما غدتسلاما وبردا وانطفى ذلك الجمر
ولولا هم يعقوب ما زال حزنهولا كان عن أيوب ينكشف الضر
ولان لداود الحديد بسرهمفقدر في سرد يحير به الفكر
ولما سليمان البساط به سرىأسيلت له عين يفيض له القطر
وسخرت الريح الرخاء بأمرهفغدوتها شهر وروحتها شهر
وهم سر موسى والعصى عندما عصىأوامره فرعون والتقف السحر
ولولا هم ما كان عيسى بن مريملعازر من طي اللحود له نشر
سرى سرهم في الكائنات وفضلهموكل نبي فيه من سرهم سر

فلا بد لكل من يريد الوصول إلى المراتب الراقية من أن يقدم هؤلاء الكرام في دعواته إلى الله ويتوسل بهم، فإنه السبب الأساسي الذي يبقي للانسان الرجاء للوصول إلى أمنيته السامية، وأحسن ما يذكرهم به هو زيارتهم بالزيارة الجامعة الكبيرة، وزيارة عاشوراء مع اللعن والسلام الكامل مع صلاة النافلة كما أكد عليه قائم آل محمد عليه وعليهم السلام في قصة السيد الرشتي المشهورة.

ثانيا: محاسبة النفس كل يوم وليلة، بل كل آن ولحظة، لأن النفس أمارة بالسوء تتبع الهوى بل تتخذه إلها، فبالمحاسبة ينجو الغارق ويتدارك المفرط عثراته

١٠
ويتذكر فارط زلاته، وبالمحاسبة يستطيع الشخص الذي يريد أن يصل إلى أمنيته الشاقة المصعد والمرتقى أن يبقى له رجاء للوصول إليها أو الحوم حولها.

فالمحاسبة لها دور فعال وأساسي في تربية الروح وتصفية القلب، وفضلها لا يكاد ينكره ذو لب، وقد وردت عدة أحاديث عن النبي وآله عليهم السلام في فضلها والتأكيد عليها.

فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه بعث بسرية، فلما رجعوا قال:

مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر.

قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟

قال: جهاد النفس (١).

وعن علي عليه السلام في وصيته عند وفاته، وهي طويلة وفيها:

والله الله في الجهاد للأنفس فهي أعدى العدو، فإنه قال الله تبارك وتعالى:

(إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) (٢)، وإن أول المعاصي تصديق النفس والركون إلى الهوى (٣).

وعن الباقر عليه السلام أنه قال في وصيته لجابر الجعفي - رضوان الله عليه -:

... إن المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرة يقيم أودها ويخالف هواها في محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها، فينعشه الله فينتعش ويقيل الله عثرته فيتذكر، ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف ....، ولا فضلية كالجهاد ولا جهاد كمجاهدة الهوى ... (٤).

(١) الكافي ٥: ١٢ حديث ٣، معاني الأخبار: ١٦٠، وفيه: وقال عليه السلام:

أفضل الجهاد من جاهد نفسه.

(٢) يوسف ١٢: ٥٣.

(٣) دعائم الاسلام ٢: ٣٥٢ حديث ١٢٩٧.

(٤) تحف العقول: ٢٨٤.

١١
وعن أبي حمزة الثمالي - رضوان الله عليه - أنه قال: كان علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول:

ابن آدم، إنك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة لها من همك، وما كان الخوف لك شعارا والحزن لك دثارا، إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عز وجل، فأعد جوابا (١).

وعن علي عليه السلام أنه قال:

النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة حسن الأدب، والنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبد يجهد بردها عن سوء المطالبة، فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها، ومن أعان نفسه في هوى نفسه فقد أشرك نفسه في قتل نفسه (٢).

وروي أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل اسمه مجاشع، فقال: يا رسول كيف الطريق إلى معرفة الحق؟ فقال عليه السلام:

معرفة النفس.

فقال: يا رسول الله كيف الطريق إلى موافقة الحق؟ قال:

سخط النفس.

فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى وصل الحق؟ قال:

هجر النفس.

فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟ قال:

عصيان النفس.

فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟ قال:

نسيان النفس.

(١) أمالي المفيد: ١١٠.

(٢) مشكاة الأنوار: ٢٤٧.

١٢
فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى قرب الحق؟ قال:

التباعد عن النفس.

فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى أنس الحق؟ قال:

الوحشة من النفس.

فقال: يا رسول الله كيف الطريق إلى ذلك؟ فقال:

الاستعانة بالحق على النفس (١).

وعن الصادق عليه السلام أنه قال:

من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب، حرم الله جسده على النار (٢).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي (٣).

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال:

إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن الناس عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى! إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل يزداد فيها كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك منيته بالتوبة، وأني له بالتوبة؟ فوالله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله عز وجل منه عملا إلا بولايتنا أهل البيت، ألا ومن عرف

(١) عوالي اللآلي ١: ٢٤٦ حديث ١.

(٢) ثواب الأعمال: ١٩٢.

(٣) الكافي ٢: ٩١ حديث ١٢.

١٣
حقنا أو رجا الثواب بنا ورضي بقوته نصف مد في كل يوم وما يستر عورته وما أكن به رأسه، وهم مع ذلك والله خائفون وجلون، ودوا أنه حظهم من الدنيا، وكذلك وصفهم الله عز وجل حيث يقول: (والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة) (١) ما الذي أتوا؟ أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية، وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم، وليس والله خوفهم خوف شك فيما هم فيه من إصابة الدين، ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا ... (٢).

فتبين لنا من هذه الأحاديث أهمية المحاسبة لمن يريد الوصول إلى كمال الانسانية والعرفان الحقيقي والروح الصافية، وعدم إمكان الاستغناء عنها.

لكن يختلج في الذهن سؤال لطيف، وهو: كيف نحاسب أنفسنا؟

روي عن أبي عبد الله عليه السلام في وصيته لابن جندب - رضوان الله تعالى عليه -:

... يا ابن جندب حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها، لئلا يخزى يوم القيامة (٣).

وروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

أكيس الكيسين من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت.

فقال رجل: يا أمير المؤمنين كيف يحاسب نفسه؟ قال:

إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال:

يا نفسي إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا، والله يسألك عنه: بما أفنيته؟ فها الذي عملت فيه؟ أذكرت الله أم حمدته؟ أقضيت حوائج مؤمن فيه؟

أنفست عنه كربة؟ أحفظته بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظته بعد الموت في

(١) المؤمنون ٢٣: ٦٠.

(٢) الكافي ٨: ١٢٨ حديث ٩٨.

(٣) تحف العقول: ٣٠١.

١٤
مخلفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن؟ أ أعنت مسلما؟ ما الذي صنعت فيه؟

فيذكر ما كان منه، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد الله وكبره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيرا استغفر الله وعزم على ترك معاودته (١).

فلا بد للعاقل أن يقسم وقته: فوقت يناجي فيه ربه، وآخر يتفكر فيه في صنع الله، ووقت يخلو فيه بحظ نفسه من الحلال، وآخر يحاسب نفسه فيه.

فيعين وقتا خاصا يتكلم فيه مع نفسه ويخاطبها وينبهها ويحثها ويؤنبها و يوبخها كما ورد في الحديث السابق.

وهذه الطريقة من أحسن طرق محاسبة النفس، ولها الأثر البالغ السريع.

وأول من اقتفى هذه الطريقة - حسب تفحصي - هو شيخنا الأمير الزاهد ورام بن أبي فراس الأشتري، حيث ذكر في مجموعته:

فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس - كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى شريك يفرغ المجلس لمشارطته - فيقول للنفس:

ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فني رأس المال حصلت الخسارة، ووقع اليأس من التجارة، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله تعالى فيه، وأنسأني أجلي وأنعم علي به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا، حتى أعمل فيه صالحا، فاحسبي أنك توفيت، ثم رددت، فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها ... (٢).

وقال شيخنا النوري الطبرسي في كتابه دار السلام بعد ذكر حديث الصير في (٣):

(١) وسائل الشيعة ١١: ٣٧٩ حديث ٨ نقلا عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام.

(٢) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ١: ٢٣٣.

(٣) روي عن سدير الصير في أنه قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام، فرأيناه جالسا على التراب، وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الوالهة الثكلى ذات الكبد الحرى، قد نال الحزن من وجنتيه وشاع التغيير في عارضيه وأبلى الدموع محجريه، وهو يقول:

سيدي، غيبتك نفت رقادي، وضيقت علي مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي.

سيدي، غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد، فما أحس بدمعة ترقى من عيني. وأنين يفتر من صدري، عن دوارج الرزايا، وسوالف البلايا، إلا ما مثل بعيني من غوابر أعظمها وأفظعها، وبواقي أشدها وأنكرها، ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.

قال سدير: فاستطارت عقولنا ولها، وتصدعت قلوبنا جزعا، من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظننا أنه سمت لمكروهة قازعة، أو حلت به من الدهر بائقة، فقلنا: لا أبكى الله يا ابن الورى عينيك، من أية حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم؟

قال: فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد عنها خوفه، وقال:

ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم.

وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خص الله به محمدا والأئمة من بعده عليهم السلام.

وتأملت فيه مولد قائمنا، وغيبته، وإبطاءه، وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم وخلعهم ربقة الاسلام عن أعناقهم التي قال الله: (وكل انسان ألزمناه طائرة في عنقه) - يعني الولاية - فأخذتني الرقة، واستولت علي الأحزان ....

كمال الدين: ٣٥٢ - ٣٥٤.

١٥
فإذا كان هذا حال الإمام عليه السلام في حزنه على ما يرد على الشيعة في غيبته، فبالحري للمؤمن المبتلى بتلك الهلكة أن يطول حزنه ولا ينام في ليلته، ويتأسف دائما في غيبة إمامه، ويتحسر لفراقه في آناء ليله وأطراف أيامه، ويناجي ربه تارة ويقول: ....

ويخاطب نفسه مرة ويقول:

ويحك يا نفس، إن كنت قد حرمت عن النظرة إلى تلك الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، ومنعت عن الاقتباس من أنوار علومه الإلهية، وحكمته المحمدية، بمرأى من الناس ومسمع منهم، ومحضر من الخلق ومشهد لهم، لمصالح وحكم تدور

١٦
عليها نظام العالم، لكن أبواب الوصول إليه مفتوحة، ومناهل الظماء لديه مترعة، دخلها قوم لم يسلكوا غير طريقتهم، وشرب منها زمرة لم يشربوا من غير آنيتهم، فارجعي البصر كرتين [ ترينهم ] بين الناس مختفين، وقد أشرنا إلى بعضهم في مطاوي هذا الكتاب، ولعل الله يوفقنا لاستقصاء جماعة منهم في رسالة منفردة تحن إليها قلوب أولي الألباب، فلو شابهتهم في الأعمال والأقوال، وصرت كأحدهم في الأفعال والأحوال، كنت معهم عند تقسيم هذا النوال، لكنك تدثرت بجلباب أعدائه، وأنخت راحلتك بغير فنائه، تصبحين وتمسين ولا يجري ذكره على قلبك ولسانك، وتبتغين مرضاة رب العالمين وفضله ولا تقدميه في امامك، فاتخذته وراءك ظهريا، فكأنه عليه السلام صار نسيا منسيا، فصرت محرومة من خصائص لطفه، ونفحات رحمته، فابك طويلا، فقد عظم المصاب، وطال العذاب، وإلى الله المشتكى من اتصال الغفلة وسوء المآب (١).

وشيخنا الكفعمي - مؤلف هذا الكتاب - أيضا أخذ هذه الطريقة وانتهجها، لما فيها من الأثر الوضعي في القلب وتقوية الروح، فجعل كتابه مخاطبة للنفس وتنبيها لها، فالكتاب حوار بين القوة العقلائية والقوة الشهوانية، بين القلب والهوى، بين الروح الطاهرة والنفس الأمارة.

فعلى كل من يريد الوصول إلى الحق والحقيقة والجمال الروحي أن يحاسب نفسه الأمارة ويخاطبها بهذه العبارات، حتى يصرعها ويجعلها خاضعة إلى القوة العقلائية، ويجعلها مسيرة لا مسيرة، فحينئذ يشملها الخطاب الرباني:

(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وادخلي جنتي) (٢).

(١) دار السلام ٤: ٩٢ - ٩٤.

(٢) الفجر ٨٩: ٢٧ - ٣٠.

١٧

ترجمة المؤلف

المؤلف:

الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل، الكفعمي مولدا، اللويزي محتدا، الجبعي أبا (١).

أحد أعيان القرن التاسع، الجامعين بين العلم والأدب، والكمال والعرفان، والزهد والعبادة، ويحكى في كثرة عبادته: أنه كان يقوم بجميع العبادات المذكورة في مصباحه، وتقوم زوجته بما لا يتسع له وقته منها.

مشايخ إجازته الذين يروي عنهم:

يروي الشيخ الكفعمي عن:

والده الشيخ زين الدين علي بن الحسن، وكان من أعاظم الفقهاء والورعين، وقد ينقل عنه في كتابيه الكبيرين، معبرا عنه: بالفقيه الأعظم الأورع.

أخيه الشيخ شمس الدين محمد صاحب كتاب زبدة البيان في عمل شهر رمضان.

السيد الشريف الفاضل حسين بن مساعد الحسيني الحائري صاحب كتاب

(١) الكفعمي: نسبة إلى كفر عيما، قرية من ناحية الشقيف في جبل عامل قرب جبشيت، واقعة في سفح الجبل مشرفة على البحر.

واللويزي: نسبة إلى اللويزة، قرية في جبل عامل، ويقال: اللويزاوي أيضا من باب زيادات النسب.

والجبعي نسبة إلى جبع، ويقال: جباع بالمد، وهي قرية على رأس جبل عامل، ويقال أيضا: الجباعي من باب زيادات النسب.

١٨
تحفة الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار.

الشيخ زين الدين البياضي صاحب كتاب الصراط المستقيم.

السيد الحسيب علي بن عبد الحسين الموسوي الحسيني صاحب كتاب رفع الملامة عن علي في ترك الإمامة، وكان بينهما مكاتبات ومراسلات بالنظم والنثر.

أقوال العلماء في حقه:

المحدث الحر العاملي: كان ثقة فاضلا شاعرا عابدا زاهدا ورعا.

أمل الآمل ١: ٢٨.

العلامة المجلسي: من مشاهير الفضلاء والمحدثين والصلحاء المتورعين.

أعيان الشيعة ٢: ١٨٥، نقلا عن تكملة الرجال لعبد النبي الكاظمي، حيث ذكر أنه نقله عن خط الشيخ المجلسي.

العلامة المجلسي: وكتب الكفعمي أغنانا اشتهارها وفضل مؤلفها عن التعرض لحالها وحاله.

البحار ١: ٣٤.

المولى عبد الله الأفندي: العالم الفاضل الكامل الفقيه المعروف بالكفعمي، من أجلة علماء الأصحاب ... له يد طولى في أنواع العلوم سيما العربية والأدب، جامع حافل كثير التتبع في الكتب.

رياض العلماء ١: ٢١.

العلامة الخوانساري: الشيخ العالم الباذل الورع الأمين والثقة النقة الأديب الماهر المتقن المتين.

روضات الجنات ١: ٢٠

المحدث القمي: كان ثقة فاضلا أديبا شاعرا عابدا زاهدا ورعا.

الكنى والألقاب ٣: ٩٥

العلامة المامقاني: من مشاهير الفضلاء والمحدثين والصلحاء والمتورعين، وكان

١٩
بين زماني الشهيدين رحمهما الله، ووصفه في فهرست الوسائل بالورع، وعدالته لا تكاد تحتاج إلى بيان.

تنقيح المقال ١: ٢٧.

السيد الأمين: وكان واسع الاطلاع طويل الباع في الأدب سريع البديهة في الشعر والنثر كما يظهر من مصنفاته خصوما من شرح بديعيته، حسن الخط.

أعيان الشيعة ٢: ١٨٥.

السيد الصدر: هو العالم الكامل المعروف بالكفعمي.

تكملة الأمل: ٧٦.

العلامة الأميني: أحد أعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والأدب الناشرين لألوية الحديث والمستخرجين كنوز الفوائد والنوادر، وقد استفاد الناس بمؤلفاته الجمة وأحاديثه المخرجة وفضله الكثير، كل ذلك مشفوع منه بورع موصوف وتقوى في ذات الله إلى ملكات فاضلة ونفسيات كريمة، حلى جيد زمنه بقلائدها الذهبية، وزين معصمه بأسورتها، وجلل هيكله بأبرادها القشيبة، وقبل ذلك كله نسبه الزاهي بأنوار الولاية المنتهي إلى التابعي العظيم الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ذلك العلوي المذهب، العلي شأنه، الجلي برهانه، الذي هو من فقهاء الشيعة ...

الغدير ١١: ٢١٣.

المقري: وما رأيت مثله في سعة الحفظ.

أعيان الشيعة ٢: ١٨٥، نقلا عن نفح الطيب ٤: ٣٩٧.

الزركلي: أديب من فضلاء الإمامية .... له نظم ونثر.

الأعلام ١: ٥٣.

كحالة: مفسر محدث فقيه أديب وشاعر.

معجم المؤلفين ١: ٦٥

* * *

٢٠