المكتبة العقائدية » معالم الفتن (ج 2) (لـ سعيد أيوب)



الصفحة 294

وقال هانئ بن ثبيت: خرج غلام من آل الحسين، وهو ممسك بعود - أيعود قصب - من تلك الأبنية، وعليه إزار وقميص وهو مذعور يلتفت يميناوشمالا. فكأني أنظر إلى درتين في أذنييه، تذبذبان كلما التفت. إذ أقبل رجليركض فرسه. حتى إذا دنا من الغلام، مال عن فرسه ثم أخذ الغلام فقطعهبالسيف. قال هشام السكوني: هانئ بن ثبيت هو الذي قتل الغلام، خاف أنيعاب ذلك عليه فكنى عن نفسه (1).

ومكث الحسين نهارا طويلا وحده لا يأتيه أحد، حتى آتاه رجل من كندهيقال له مالك بن النسير. أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له فقطعالبرنس، وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دما. فقال لهالحسين: لا أكلت بها ولا شربت، حشرك الله مع الظالمين، وألقى ذلك البرنس،ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم. وقد أعيا. وجاء الكندي الذي ضربه حتى أخذالبرنس (2).

وأتى الحسين بصبي له فأجلسه في حجره، ثم جعل يقبله ويودعه. فرماهرجل من بني أسد بسهم فذبح ذلك الغلام. فتلقى الحسين دمه في يده. وألقاهنحو السماء وقال: رب إن تك حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لماهو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين (3). وأحاطوا بالحسين، وأقبل إلىالحسين غلام من أهله، فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه. فقال لها الحسين:

أحبسيه، فأبى الغلام، وجاء يشتد إلى الحسين فقام إلى جنبه، فأهوى بحر بنكعب إلى الحسين بالسيف. فقال الغلام: أتقتل عمي، فضربه بالسيف فاتقاهالغلام بيده فأطنها سوى الجلدة، فإذا يده معلقة. فنادى الغلام: يا أمتاه، فأخذهالحسين فضمه إلى صدره، وقال: يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسبفي ذلك الخير فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين، برسول الله صلى الله عليه

____________

(1) البداية 186 / 8، الطبري 258 / 6.

(2) البداية 186 / 8، الطبري 256 / 6.

(3) البداية 186 / 8، الطبري 257 / 6.


الصفحة 295

وسلم، وعلي بن أبي طالب، وحمزة، وجعفر، والحسن صلى الله عليهمأجمعين (1).

وبعد أن فرغت القوات الأموية من الخيول، ثم من الرجال، ثم منالأطفال، بدءوا يتفرغون للنساء، وكان هذا كله وفق خطة محكمة، هدفها أنيرى الحسين كل شئ قبل أن يقتلوه. يقول عبد الله بن عمار: فوالله ما رأيتمكسورا قط، قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا، ولا أمضى جنانامنه، ولا أجرأ مقدما. والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله. إن كانت الرجالةلتنكشف من عن يمينه وشماله. انكشاف المعزى إذ شد فيها الذئب، فوالله إنهلكذلك (2).

وتحرك شمر بن الجوشن في اتجاه منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، ثمقام بقواته فحالوا بين الحسين وبين رحله. فقال الحسين: ويلكم إن لم يكن لكمدين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنياكم أحرارا ذوي أحساب،منعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم. فقال له شمر: ذلك لك يا ابنفاطمة (3).

إحدى عشر - سلام عليك أبا عبد الله:

وقف الحسين في ساحة المعركة وحده. وكان النبي صلى الله عليهوسلم، يراقب الحركة من عالم غير العالم الذي يعيش فيه الناس. فأم سلمةستراه في المنام بعد قتل الحسين، وعلى لحيته التراب، ويقول لها: لقد شهدتقتل الحسين آنفا، لقد وقف الحسين في نهاية عمل أحسن أدائه، فأقام الحجةالدائمة التي شاء الله أن يجعلها حجة دامية لتقرع الذاكرة على امتداد التاريخ،وتدفع الذهن إلى طريق البحث عن الحقيقة، كان في مواجهة الحسين أنماط

____________

(1) البدية 187 / 8، الطبري 259 / 6.

(2) الطبري 259 / 6، البداية 188 / 8.

(3) الطبري 258 / 6، البداية 187 / 8.


الصفحة 296

بشرية أقوالها غير أفعالها، خرجت من خيام بها الكثير من التقيح والفساد، الذييسد أبواب الأمل. ولم يرفع الحسين يده استسلاما لهذه الأنماط، لأنه ليس منشيمة الرجل الشريف أن يتردى في هوة هذا الخوف الذليل، وأي شريف يكونغير أسف على ترك عالم الباطل هو الشئ الوحيد الذي يسود فيه، لم يرفعالحسين يده، وإنما تصدى للخيام التي بها حشدا من الجرائم، ومكتظة بالقتلوالآثام، وواجه العدوان البهيمي البربري الذي ليس له نظير، كان الحسين فيأحلك الأوقات يدعو لإقامة الدين، وكان خصومه الذين ترعرعوا تحت ثقافةالسب وأمام بيوت المال، يعملون من أجل الدنيا، كانوا يعملون من أجل كيسنقود، وكانوا يضعون العقبات أمام الحسين، حتى يظل عاجزا عن نيل ما يشتهيبينما يبلغ كل منهم ما يريد.

1 - صرخات الحسين:

أمام المجموع التي تقرقع أنيابها كرقعة أنياب الحيتان، وقف الحسينوالدماء تغطي وجهه بعد أن ضربه رجل من كنده بالسيف على رأسه، فقطعالبرنس وأدمى الرأس. فقال لهم: أعلى قتلي تحاثون؟ أما والله ولا تقتلون بعديعبدا من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله مني. وأيم الله، إني لأرجو أنيكرمني الله بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون. أما والله إن لو قدقتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم بذلكحتى يضاعف لكم العذاب الأليم (1). وكان قد قال: إني لم أخرج أشرا ولابطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي،محمد صلى الله عليه وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر،وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي علي بن أبي طالب.

فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق. ومن رد على هذا، أصبر حتىيقضي الله بيني وبين القوم الظالمين (2).

____________

(1) البداية والنهاية 188 / 1، الطبري 260 / 6، الكامل 264 / 3.

(2) مقتل الحسين / الخوارزمي 189 / 1.


الصفحة 297

كان الحسين يذكر ويقيم الحجة على امتداد الطريق، وكان الذين من حولهتلمع في عقولهم دنانير عبيد الله بن زياد. كما لمع العجل في قلوب بنيإسرائيل، كان يلقي عليهم كلمات فيها حياتهم، وبها بعيشوا أحرارا. وكانوايبحثون عن حجارة ليرجموه بها. هو يريد حياتهم، وهم يريدون قتله. وصاحالحسين: ما لك يا ابن سعد قطع الله رحمك، ولا بارك الله لك في أمرك، وسلطعليك بعدي من يذبحك على فراشك، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي منرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رفع صوته وتلى قوله تعالى (1):

(إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضهامن بعض والله سميع عليم " (2).

كان يذكرهم بما يعرفون وبما يخفون. وتعالت الأصوات: الحق مع آلمعاوية، وقطع ضجيجهم صوت الحسين: نعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم....

يا أمة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته. ثم قال: أما إنكم لن تقتلوا بعديعبدا من عباد الله فتهابوا قتله. بل يهون عليكم ذلك، عند قتلكم إياي،وأيم الله، إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة، ثم ينتقم لي منكم من حيث لاتشعرون. فناداه الحصين بن مالك: وبماذا ينتقم لك منا يا ابن فاطمة فقال:

يلقي بأسكم بينكم ويسفك دماءكم، ثم يصب عليكم العذاب الأليم (3).

وبعد أن حذرهم الحسين التحذير الأخير، عطش الحسين حتى اشتد عطشهفدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه، فجعل يتلقىالدم من فمه، ويرمي به إلى السماء، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم جمع يديهفقال: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تذر على الأرض منهم أحدا (4).

____________

(1) مقتل الحسين / الخوارزمي 30 / 2.

(2) سورة آل عمران: الآية 33 و 34.

(3) مقتل الحسين 34 / 2.

(4) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 193 / 9) والبداية والنهاية 187 / 8،الطبري 258 / 6.


الصفحة 298

2 - والله إنه ليحزنني قتل الحسين:

وقف الحسين أمام رحله الذي به، ما تركته السيوف من بقايا أجساد أبنائه.

مكث نهارا طويلا وحده، لا يأتيه أحد، حتى نزف دمه. وبعد أن ارتوت الأرضمن دمائه، نادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتلوهثكلتكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب على الحسين. وضربه زرعه بنشريك على كتفه اليسرى، وضرب على عاتقه. ثم انصرفوا عنه، وهو ينوءويكبو. ثم جاء إليه سنان بن أبي عمرو، فطعنه بالرمح فوقع (1). يقولعبد الله بن عمار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه، يحمل على من على يمينهحتى انذعروا عنه. فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جأشامنه، ولا أمضى جنانا منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله (2) وروى الطبري:

كان مع الحسين سكين، فعندما أخذ سيفه قاتلهم بسكينة ساعة (3).

وعندما جاء شمر بن ذي الجوشن، نظر إليه الحسين وقال: صدق اللهورسوله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأني أنظر إلى كلب أبقعيلغ في دماء أهل بيتي ". وكان شمر أبرص (4). ثم قال: اللهم أحبس عنهمالقطر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسامصيرة، فإنهم كذبونا وخذلونا. اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاواجعلهم طرائق قددا، ولا ترضى الولاة عنهم أبدا. فإنهم دعونا لينصرونا ثمعدوا علينا فقتلونا.. ثم أراد الحسين أن يقف، ولكن قضى الله أن تنتهيأعمال الحسين بالدعاء إليه سبحانه. وأن تنتهي حركته في هذه البقعة منالأرض، لتبدأ الحركة بصورة أخرى على امتداد الزمان. وروي أن الحسين سألعن هذه البقعة فقالوا: كربلاء، فقال: صدق الله ورسوله كرب وبلاء - وفي

____________

(1) البداية والنهاية 189 / 8، الطبري 360 / 2.

(2) البداية والنهاية 188 / 8.

(3) الطبري 360 / 6.

(4) البداية والنهاية 188 / 8، وابن عساكر (كنز العمال 226 / 12).


الصفحة 299

راية - صدق رسول الله أرض كرب وبلاء (1).

وشاء الله أن تحفر في ذاكرة المسلمين أحداث كربلاء، فالأحداث والأرضحزمة واحدة. داخل الذهنية الإسلامية، واسم كربلاء اسم مقصود له معنى،وللمعنى حكمة، ومن وراء الحكمة هدف. قال في لسان العرب: الكرب:

الحزن والغم، الذي يأخذ بالنفس. فإذا كان هذا وقودا لقاطرة، فإن هذه القاطرةستدخل إلى دائرة البلاء، من مدخل الأمان. وقال في المجمع: البلاء على ثلاثةأوجه: نعمة، واختبار، ومكروه. قال تعالى: (لتبلون في أموالكم وفيأنفسكم) يريد توطين النفس على الصبر. وقال تعالى: (وإذا ابتلى إبراهيم ربهبكلمات). أي اختبره، بما تعبده به من السنن. (فأتمهن) أي عمل بهن، ولميدع منهن شيئا. والبلاء يكون حسنا وسيئا، وأصله المحنة. والله يبلوا العبد، بمايحبه ليمتحن شكره، وبما يكرهه ليمتحن صبره. قال تعالى: (ونبلوكم بالشروالخير فتنة). وقال: (يوم تبلى السرائر)، أي تختبر السرائر في القلوب، منالعقائد والنيات وغيرها. وما أسر وأخفى من الأعمال. فيتميز منها ما طاب وماخبث. وقال (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، أي ليعاملكم، معاملة المختبرينلكم، وإلا فعالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شئ، وإنما يبلوا ويختبر منتخفى عليه العواقب. وقوله: (أيكم أحسن عملا) ليس يعني أكثركم عملا،ولكن أصوبكم عملا. وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة. وسنة البلاء لايستثنى فيها المؤمن والكافر، والمحسن والمسئ. وفي الحديث القدسي: " إنمابعثتك لأبتليك وأبتلي بك قومك، من يتبعك، ومن يتخلف عنك، ومن ينافقمعك.

وهكذا تكون دائرة الكرب، مدخلا إلى دائرة البلاء. وهكذا كان للحدثكله حكمة من ورائها هدف. لقد أراد الحسين، أن يقف في وجه أعدائه، آخذابكل سبب من الأسباب. ولكن الله قضى أن تقطع الأسباب، وأن يقع على أرضكربلاء. وروي أنهم تركوه نهارا طويلا وهو ينوء ويكبو، ثم التفوا حوله بعد أن

____________

(1) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 189 / 9).


الصفحة 300

صعدت الروح إلى بارئها، ونزل أحدهم من على فرسه، قيل إنه شمر بن ذيالجوشن. وقيل إنه سنان بن أنس. فاحتز رأسه، ورؤوس بقية من قتل معه.

يقول ابن كثير: كان معه رؤوس بقية أصحابه وهو المشهور، ومجموعهااثنان وسبعون رأسا. وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه. وحملت هذهالرؤوس إلى ابن زياد. ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام (1).

وسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سرواله بحر بن كعب، وأخذ قيس بنالأشعث قطيفته، وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجلمن بني نهشل بن دارم. ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها،ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه. فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عنظهرها، حتى تغلب عليه فيذهب به منها (2). ووجد بالحسين عليه السلام، حينقتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة (3). وأمر عمر بن سعد عشرةفرسان، أن يدوسوا الحسين، فداسوا الحسين بحوافر خيولهم، حتى ألصقوهبالأرض يوم المعركة (4). وكان عمر الحسين يوم قتل، ثمان وخمسين سنة (5).

وقتل معه سبعة عشر كلهم، ارتكض في رحم فاطمة عليها السلام (6). وجميعمن قتل مع الحسن اثنان وسبعون رجلا (7).

وعن حميد بن مسلم قال: انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر، وهومنبسط على فراش له وهو مريض. وإذا شمر بن الجوشن في رجاله معه يقولون: ألاتقتل هذا. فقال حميد: إنما هذا صبي، حتى جاء عمر بن سعد فقال: لا يعرضنلهذا الغلام المريض. فقال لي علي بن الحسين: جزيت من رجل خيرا. فوالله

____________

(1) البداية 190 / 8.

(2) الطبري 360 / 6.

(3) الطبري 260 / 6.

(4) البداية 189 / 8، الطبري 261 / 6.

(5) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد 198 / 9).

(6) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (198 / 9) البداية 189 / 8.

(7) الطبري 261 / 6، البداية 189 / 8.


الصفحة 301

لقد دفع الله عني، بمقالتك شرا. وقال حميد: فقال الناس، لسنان بن أنس:

قتلت حسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة ابنة رسول الله. قتلت أعظمرجال العرب خطرا، جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيل ملكهم. فأت أمراءك فاطلبثوابك منهم. وإنهم لو أعطوك، بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلا. فأقبلعلى فرسه، فأقبل حتى وقف، على باب فسطاط عمر بن سعد، ثم نادى بأعلىصوته:

أوقر ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فقال عمر: أشهد أنك لمجنون، أدخلوه علي. فلما أدخل قال: يا مجنونأتتكلم بهذا الكلام أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك (1).

اثنى عشر - بكاء وأحداث:

  • في دار أم سلمة رضي الله عنها:

  • عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة، وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟

    قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وعلى رأسه ولحيتهالتراب. فقلت: ما لك يا رسول الله. قال: شهدت قتل الحسين آنفا (2). وكانالنبي صلى الله عليه وسلم، قد أعطى أم سلمة التربة التي أتى بها جبريلعليه السلام يوم أن أخبره، بأن أمته ستقتل حسينا، وقال لها: " إذا تحولت هذهالتربة دما فاعلمي أن ابني قد قتل. فجعلتها في قارورة (3) - وفي رواية - فأخذتهاأم سلمة، فصرتها في خمارها (4). وممكن أن تكون فعلت هذا وذاك، لأنالإخبار بالحدث تكرر أكثر من مرة.

    ____________

    (1) البداية والنهاية 189 / 8، الطبري 261 / 16.

    (2) رواه الترمذي (البداية 217 / 8) والحاكم والبيهقي (الخصائص الكبرى 214 / 2) أسدالغابة 23 / 2.

    (3) أبو نعيم (الخصائص الكبرى 213 / 2.

    (4) رواه أحمد وأبو يعلى وقال الهيثمي رجال أبو يعلى رجال الصحيح (الزوائد 187 / 9).


    الصفحة 302

    وروي أن أم سلمة، عندما نظرت إلى التربة ووجدتها قد تحولت دمابكت، وقالت: " قد فعلوها ملأ الله قبورهم - أو - بيوتهم عليهم نارا. ووقعتمغشيا عليها (1). وفي رواية - لعنت أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم اللهعز وجل (2). وتوفيت أم سلمة رضي الله عنها، في نفس العام الذي قتل فيهالحسين (3). وكانت محبة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وإعطاء النبيالتربة لها فيه إشارة، أن الله تعالى أخبره بأن حياتها، ممتدة إلى أن تسمع بهذهالأحداث. فتبين الحقيقة في عالم خيم عليه الظلام.

  • في دار عبد الله بن عباس:

  • عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصفالنهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم. فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، ماهذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه (4). وهكذا أخبر النبي صلى الله عليهوسلم، عن قتل الحسين. أخبر أثناء حياته، وفي مماته. ولا يحدث شئ فيكون الله عبثا. إن جبريل عليه السلام، نزل وأخبر بأن الحسين سيقتل. ومعنى أنهيقتل، أن جريمة قد حدثت، ولكل جريمة عقوبة، بمعنى أن جبريل عليه السلامأخبر بجريمة، وعقوبتها. فمن دخل في دائرة الجريمة، ضربته العقوبة. يقولالنبي صلى الله عليه وسلم: " إن جبريل أخبرني أن ابني هذا يقتل، وأنه اشتدغضب الله على من يقتله " (5). وكان النبي يحذر ويقول: " من آذى شعرة مني فقدآذاني ومن آذاني فقد آذى الله " (6). ولقد تحدثنا فيما سبق أن الله لا يجعل لقاتلمؤمن توبة. لأن هذا النمط من بني الإنسان، له ضربة لا بد أن ينالها في الدنيا،

    ____________

    (1) البداية 218 / 8.

    (2) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد 194 / 9).

    (3) البداية 232 / 8.

    (4) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد 194 / 9) البداية 217 / 8.

    (5) ابن عساكر (كنز العمال 127 / 12).

    (6) ابن عساكر (كنز العمال 96 / 12).


    الصفحة 303

    ولعذاب الآخرة أكبر. سئل ابن عباس عن رجل قتل مؤمنا، ثم تاب وآمن وعملصالحا ثم اهتدى. قال: ويحك وأنى له الهدى، سمعت نبيكم صلى الله عليهوسلم يقول: يجئ المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة، يقول يا رب سل هذا فيمقتلني. والله لقد أنزلها الله عز وجل على نبيكم (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤهجهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)، وما نسخها بعدأن أنزلها (1).

    وعن مرثد قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن القاتل والآمر،قالا: قسمت النار، سبعين جزءا فللآمر تسع وتسعون، وللقاتل جزء، وحسبه.

    (أي يكفيه هذا المقدار من العذاب) (2). إنه عدل الله، الذي تحت سلطانه لا يفرالظالمين. إن العصفور سيبحث عن قاتله يوم القيامة. فما بالك بالمؤمن وقاتله.

    روى الطبراني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يقتل عصفورا،إلا عج يوم القيامة، فقال: يا رب هذا قتلني عبثا، فلا هو انتفع بقتلي ولا هوتركني أعيش في أرضك " (3).

  • في قصر الإمارة:

    عند ما سارت القافلة الأموية، ومعها الرؤوس ومن بقي من آل الحسين،من كربلاء إلى الكوفة، كان لآل الحسين نداء، يقول قرة بن قيس: نظرت إلىتلك النسوة، لما مررن بحسين وأهله وولده، صحن ولطمن وجوههن. فمانسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة، حين مرت بأخيها الحسينصريعا وهي تقول: يا محمداه، يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذاحسين بالعراء مرمل مقطع الأعضاء، يا محمد وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفيعليها الصبا " (4) وبني أمية من قبل طافوا، برأس عمرو بن الحمق، وهي في

    ____________

    (1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة بسند صحيح (الفتح الرباني 4 / 16).

    (2) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني 5 / 16).

    (3) رواه الطبراني (الإصابة 349 / 6).

    (4) الطبري 262 / 6.


    الصفحة 304

    أيديهم. أما رأس الحسين عليه السلام، فهي أول رأس رفع على خشبة (1).

    ودخل الموكب إلى قصر الإمارة. فقام عبيد الله بن زياد، ونودي الصلاة جامعةفاجتمع الناس في المسجد، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهرالحق ونصر أهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، وحزبه وقتل الكذاب بنالكذاب، الحسين بن علي وشيعته. فلم يفرغ ابن زياد من مقالته، حتى وثبعليه عبد الله بن عفيف، وكان من شيعة علي عليه السلام، وكانت عينه اليسرىذهبت يوم الجمل مع علي، فلما كان يوم صفين، ضرب على رأسه ضربة،وأخرى على حاجبه، فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يفارق المسجد يصلى فيهإلى الليل، فلما سمع مقالة ابن زياد قال: يا ابن مرجانة إن الكذاب ابنالكذاب، أنت وأبوك، والذي ولاك وأبوه، يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيينوتتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد علي به. فوثب عليه الجلاوزةفأخذوه، ثم أمر بقتله، وأمر بصلبه في السبخة، فصلب (2).

    وفي القصر جلس ابن زياد للناس، وجاءت الوفود فأدخلهم. يقولحميد بن مسلم: وأذن للناس، فدخلت معهم، فإذا رأس الحسين موضوع بينيديه، وإذا هو ينكث بقضيب بين ثنيتيه. فما رآه زيد بن أرقم، لا ينجم عن نكتهبالقضيب قال له: أعل بهذا القضيب، عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره،لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هاتين الشفتينيقبلهما، ثم بكى زيد. فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لو لا أنكشيخ قد خرفت، وذهب عقلك لضربت عنقك. فنهض فخرج. فلماخرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله.

    فقلت: ما قال. قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبد عبدا، فاتخذهم تلدا،أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابنمرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضي

    ____________

    (1) البداية 193 / 58، الطبري 223 / 6.

    (2) الطبري 264 / 6، البداية والنهاية 191 / 8.


    الصفحة 305

    بالذل (1).

    وروي أنه لما دخل، برأس الحسين، وصبيانه، وأخوته، ونسائه، علىعبيد الله بن زياد، لبست زينب بنت فاطمة أرذل ثيابها، فلما دخلت جلست،فقال ابن زياد: من هذه؟ فلم تكلمه. فقال ذلك ثلاث، كل ذلك لا تكلمهفقال بعض إمائها هذه زينب ابنة فاطمة. فقال لها ابن زياد: الحمد الله الذيفضحكم وقتلكم، وأكذب أحدوثتكم. فقالت: الحمد لله، الذي أكرمنا بمحمدصلى الله عليه وسلم، وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضحالفاسق، ويكذب الفاجر. فقال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتبعليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه،وتخاصمون عنده. فغضب ابن زياد. فقال له عمرو بن حريث: أصلح اللهالأمير، إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشئ من منطقها... فقال لها ابنزياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك. فبكت،ثم قالت: لعمري: لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثتأصلي، فإن يشفك هذا، فقد اشتفيت. فقال لها: هذه شجاعة قد لعمري كانأبوك شاعرا شجاعا. قالت: ما للمرأة والشجاعة إن لي عن الشجاعة لشغلا،ولكني نفثي ما أقول.

    ونظر ابن زياد إلى علي بن الحسين، فقال له: ماسمك؟ قال: أنا علي بنالحسين. فقال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت. فقال له: ما لك لاتتكلم؟ قال: قد كان لي أخ، يقال له أيضا علي فقتله الناس. فقال ابن زياد:

    إن الله قد قتله. قال: الله يتوفى الأنفس حين موتها، وما كان لنفس أن تموت إلابإذن الله. فقال: أنت والله منهم، انظروا هل أدرك، والله إني لأحسبه رجلا.

    فقال مري بن معاذ: نعم قد أدرك. قال: اقتله. فتعلقت به زينب عمته، وقالت:

    حسبك منا أما رويت من دمائنا، وهل أبقيت منا أحدا، إن قتلته

    ____________

    (1) رواه أبو داوود والطبراني (البداية والنهاية 190 / 8) الكامل 296 / 3.


    الصفحة 306

    اقتلني معه فتركه (1).

    ثم نصب ابن زياد رأس الحسين بالكوفة، فجعل يدار به فيها، ثم دعاحر بن قيس. وأمره بحمل رأس الحسين، ورؤوس أصحابه إلى يزيد بنمعاوية (2).

  • في قصر الخلافة:

    لقد كانت سياسة معاوية أن يكون الأمراء للشدة وهو للين (3). وكذلككان ابنه، لقد مزقوا الأمة، وعندما تعرض قضاياها عليهم، تراهم يرفعونالحقائق، ويبررون المصائب، ويلقون جميع الأخطاء على جهات خارجية، أومعارضة داخلية. ويزعمون أن هؤلاء سببا في كل مشكلة، نظرا لأنهم يحسدونبني أمية على ما آتاهم الله من فضله. وعندما قدمت القافلة التي تحمل الرؤوس،وتأسر الأحياء، وعلم يزيد بن معاوية بذلك. روي أنه قال: لعن الله ابن سمية أماوالله، لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين " (4). فالذي يقول هذا، هونفسه الذي قام بتعيين ابن زياد، وفقا لمشورة سرجون الرومي، من أجل التصديلأهل الكوفة. وهو نفسه الذي أمر ابن زياد بمراقبة الحسين على جميع أبوابالكوفة. وهو نفسه الذي كشف عن وجهه الحقيقي، عندما دخل علي بنالحسين، وصبيان الحسين، ونساؤه عليه، والناس ينظرون. روي أنه قال لعلي:

    يا علي أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ماقد رأيت. فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا فيكتاب من قبل أن نبرأها. فقال يزيد لابنه خالد رد عليه. فما درى خالد ما يردعليه، فقال يزيد لابنه قل: ما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم (5).

    ____________

    (1) الطبري 262 / 6.

    (2) الطبري 264 / 6.

    (3) البداية والنهاية 136 / 8.

    (4) البداية 191 / 8، الطبري 264 / 6.

    (5) رواه الطبراني ورجاله ثقات (الزوائد 195 / 9) الطبري 265 / 6، البداية 194 / 8.


    الصفحة 307

    بل إن يزيد كشف عن أعماقه، عندما دخل رجل من أهل الشام، ونظر إلىفاطمة بنت علي، فقال ليزيد، يا أمير المؤمنين هب لي هذه. وعندما قال الرجلذلك، خافت فاطمة وأخذت بثياب أختها زينب. فقالت زينب للرجل: كذبت،والله ولؤمت، ما ذلك لك وله. فعندئذ، غضب يزيد بن معاوية وقال لها: كذبتوالله إن ذلك لي، وإن شئت أفعله، لفعلت. قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلكلك، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. فقال يزيد، إياي تستقبلين بهذا،إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. فقالت: بدين الله، ودين أبي، ودين أخي،وجدي، اهتديت أنت وأبوك وجدك. فقال يزيد، كذبت يا عدوة الله. قالت:

    أنت أمير مسلط، تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك (1).

    إنها خبايا تعرف في لحن القول. وروي عن مجاهد قال: لما جئ برأسالحسين فوضع بين يدي يزيد، تمثل بهذه الأبيات:

    ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج في وقع الأسل
    فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا لي هنيا لا تسل
    حين حكت بفناء بركها * واستحر القتل في عبد الأسل
    قد قتلنا الضعف من أشرافكم * وعد لنا ميل بدر فاعتدل

    قال مجاهد: نافق فيها. والله ثم والله ما بقي في جيشة، أحد إلا ذمهوعابه (2)، على هذا الشعر، وروي أن يزيد قال أيضا ورأس الحسين بين يديه،ينكتها بقضيب كان في يده: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام:

    يغلقن هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما

    فقال له أبو برزة الأسلمي: ارفع قضيبك، فلقد رأيت رسول الله صلى اللهعليه وسلم يلثمه (3). وروى الطبري أن يزيد، كان مسرورا بقتل

    ____________

    (1) رواه الطبراني (الزوائد 195 / 9) والبداية 195 / 8، الطبري 265 / 6.

    (2) البداية 192 / 8.

    (3) البداية 192 / 8.


    الصفحة 308

    الحسين (1). وعندما أمر بتجهيز أهل البيت، والذهاب بهم إلى المدينة قالتالسيدة سكينة: ما رأيت رجلا كافرا بالله، خير من يزيد بن معاوية (2). ورويعن الكلبي أنه قال: نشأت، وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاءبالدين (3). وقال اليافعي وأما حكم من قتل الحسين، أو أمر بقتله، ممن استحلذلك فهو كافر. (4) وقال التفتازاني، في شرح العقائد النفسية: والحق أن رضايزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت الرسول مما تواتر معناه،لعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه (5). وقال الذهبي: كان ناصبيا، فظا،غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعةالحرة (6). وقال ابن كثير: كان في يزيد خصال محمودة، من الكرم، والحلمالفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمالحسن، وكان حسن المعاشرة، وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات، وترك بعضالصلوات، في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات (7)، وابن كثير فيكتاباته التاريخية، يقدم في كثير من الأحيان آراء، لو أراد الباحث أن يقيم عليهادليل واحد، ما وجد هذا الدليل في كتب المسلمين المعتمدة. وذلك يعود إلىمنهج ابن كثير الخاص به، في رؤيته للأحداث التاريخية. فمن المعروف أنالحسين، وأهل الحرة وغيرهم خرجوا من أجل الأمر بالمعروف، والنهي عنالمنكر. فإذا عرضنا هذا الأمر، على تفكير ابن كثير نجد أنه لا يقره. بل ويوهنخروج الذين خرجوا، بجميع أسمائهم، فيقول: إن يزيد كان إماما فاسقا،والإمام الفاسق، لا يعزل بمجرد فسقه، ولا يجوز الخروج عليه، لما في ذلك

    ____________

    (1) الطبري 19 / 7.

    (2) الطبري 267 / 6.

    (3) تاريخ الخلفاء 229 / 1.

    (4) شذرات من ذهب / ابن العماد الحنبلي ص 68 / 1.

    (5) المصدر السابق 67 / 1.

    (6) المصدر السابق 67 / 1.

    (7) البداية 230 / 8.


    الصفحة 309

    من إثارة الفتنة " (1). فهذه رؤيته للمسار التاريخي. بمعنى: ليس في الإمكان.

    أبدع مما كان. لقد جاء يزيد، وعليه أن يستمر. وأن يورث الخلافة لولدهولولده أن يفعل من يشاء، فهذا حقه الذي كتبه الله له. ومن أراد أن ينهاه عنالمنكر، فمن حق أبناء معاوية، أن يؤدبونه، حتى يرجع إلى الطاعة، ولزومالجماعة (2).

  • الظهور والتشويه:

  • تحركت قافلة أهل البيت إلى المدينة. وفي المدينة نادى المنادي: قتلالحسين بن علي. يقول عبد الملك: لم أسمع والله واعية قط، مثل واعية نساءبني هاشم في دورهن على الحسين. فقال عمر بن سعيد بن العاص: هذه واعية،بواعية عثمان بن عفان (3). وبكى ابن عباس. على آل البيت، حتى فقد بصره فيآخر عمره (4). وروي أن رأس الحسين مكث في خزائن السلاح حتى وليسليمان، فبعث فجئ به، فكفنه ودفنه في مقابر المسلمين. فلما دخل العباسيونسألوا عن موضع الرأس، وأخذوه. وقيل غير ذلك، وليس هذا مجال بحثناوبعد قتل الحسين، بدأ الشعر يشق طريقه وهو يحمل معالم الألم على هذهالجريمة الشنعاء، ومن هذا قالت ابنة عقيل بن أبي طالب:

    ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
    بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم (5)

    وأنشد الحاكم أبو عبد الله النيسابوري:

    جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد * متزملا بدمائه تزميلا
    وكأنما بك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا

    ____________

    (1) البداية 223 / 8.

    (2) البداية 224 / 8.

    (3) الطبري 268 / 8.

    (4) مروج الذهب 121 / 3.

    (5) رواه الطبراني (الزوائد 200 / 9) الطبري 268 / 6، البداية 198 / 8.


    الصفحة 310

    قتلوك عطشانا ولم يتدبروا * في قتلك القرآن والتنزيلا
    ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا (1)

    وفي دور أهل الإيمان بدأت أحاديث الحوض، تطفوا على الساحة،بجانب الشعر، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إني تارك فيكم ثقلين،أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء والأرض وعترتي أهلبيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (2). وقوله صلى الله عليه وسلم:

    " أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ. وليردن علي أقوامأعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم " (3)وهذه الأحاديث، كانت تمثل صفعة قوية للتيار الأموي، الذين قتلوا أهلالبيت فإذا كانت مهمتهم سهلة في مواجهة الشعر، فإنها لم تكن كذلك معأحاديث الحوض، التي أصبحت، كمنشور سري يقره صحابة النبي صلى الله عليهوسلم الأوفياء. ويشق طريقه في الساحة التي بدأت تشعر بالندم بعد قتلالحسين، وتبحث عن مدخلا تقدم توبتها منه، إلى الله جل وعلا. ولم يجد التيارالأموي، غير عبيد الله بن زياد ليتصدى، لما استجد في الساحة بعد قتلالحسين. فبدأ ابن زياد صده بإنكار هذه الأحاديث، ثم مواجهة الذين يروونهابكل قسوة وكل عنف.

    روي أنه ذكر الحوض عند ابن زياد، فأنكر ذلك. فبلغذلك أنسا فقال: ما أنكرتم من الحوض؟ قالوا: سمعتالنبي يذكره؟ قال: نعم. ولقد أدركت عجائز بالمدينة، لا يصلينصلاة، إلا سألن الله تعالى أن يوردهن حوض محمد صلى الله عليه

    ____________

    (1) البداية 198 / 8.

    (2) رواه أحمد والترمذي وحسنه والطبراني وقال المناوي رجاله موثقون " الفتح الرباني186 / 1 ".

    (3) البخاري ك الدعوات ب الصراط جسر جهنم (الصحيح 141 / 4) مسلم (الصحيح53 / 15).


    الصفحة 311

    وسلم (1). وفي رواية قال ابن زياد: ولمحمد حوض؟ قالوا: هذا أنس بنمالك، يحدث أن له حوضا. فجاء أنس فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: " إن لي حوضا وأنا فرطكم عليه " (2).

    وعن زيد بن أرقم قال: بعث إلي، عبيد الله بن زياد فأتيته. فقال: ماأحاديث تبلغنا وتروونها عن رسول الله لا نسمعها في كتاب الله، وتحدث أن لهحوضا. قال زيد: لقد حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأوعدناه. فقال ابن زياد: كذلك ولكنك شيخ قد خرفت. قال زيد: إني قدسمعته أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي رواية -سمعته أول خطبة النبي في غدير خم، في الوصية بكتاب الله وأهل بيته (3). وفيرواية قال ابن زياد: أرأيتم الحوض الذي تذكرون، ما أراه شيئا. فقال له ناسمن أصحابه: عندك رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،فأرسل إليهم فسلهم. فأرسل إلى زيد بن أرقم، فسأله عن الحوض. فحدثهحديثا موثقا. فقال: أنت سمعت هذا من رسول الله... " الحديث (4).

    وعن أبي سبرة الهذلي قال: كان عبيد الله بن زياد، يكذب بالحوض،بعدما سأل عنه أبا برزة والبراء بن عازب، وعائذ بن عمرو، ورجلا آخر (5).

    وكان تكذيب ابن زياد بالحوض تكذيبا له ثقافته الواسعة، على أرض اتخذت منقبل ثقافة سب أمير المؤمنين علي عنوانا لها، وتحت خيام هذه الثقافات، نشأتأجيال يقرؤن القرآن، لا يجاوز تراقيبهم، وهذه الأجيال ما خرجت إلا من تحت

    ____________

    (1) رواه ابن أبي عاصم وقال الألباني إسناده صحيح على شرط مسلم وأخرجه أحمد (كتابالسنة 321 / 2.

    (2) قال الألباني أخرجه الآجري في الشريعة وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات (كتاب السنة322 / 2).

    (3) رواه ابن أبي عاصم وقال الألباني إسناده صحيح على شرط مسلم (كتاب السنة322 / 2).

    (4) رواه ابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات رجال الشيخين (كتاب السنة 322 / 2).

    (5) رواه ابن أبي عاصم وقال الألباني إسناده ثقات (كتاب السنة 323 / 2).


    الصفحة 312

    خيام بني أمية. وثقافة إنكار الحوض، شقها ابن زياد بالسكين، وبالسيف وجلدعليها الظهور، ومنع العطايا عن كل من قال إن للنبي حوض. لأنه يعلم أنإثبات الحوض، سيترتب عليه أمور تدينه، وتدين ملك بني أمية الطويلالعريض، وإذا كان ابن زياد قد جمع من حوله، أتباع يقولون بقوله. فإن طائفةالحق، كان يدوي في أسماعهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا "قالوا: سمعنا. فقال: " اسمعوا " قالوا: سمعنا، فقال: " إنه سيكون عليكم أمراءفلا تعينوهم على ظلمهم. فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد علي الحوض " (1).

    وكان في ذاكرتهم أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا فرطكم علىالحوض، ولأنازعن أقواما، ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا رب أصحابي أصحابي.

    فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (2). وقوله: " إني تارك فيكم الثقلينأحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتيأهل بيتي، وإنهم لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " (3).

    لقد كان في ذاكرة طائفة الحق، الذين لا يضرهم من خذلهم أو من ناوأهمأو من عاداهم، الكثير من أقوال النبي صلى الله عليه آله وسلم. وكانوا يعلمونأن في الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، عنوان أصيل للأخذ بأسبابالمعرفة. لهذا هرولوا إلى دائرة الطهر، في وسط هذا الليل الذي لا نجوم فيه.

    ولقد صدق في هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: " يا حذيفة،إن في كل طائفة من أمتي قوما شعثا غبرا. إياي يريدون، وإياي يتبعون،ويقيمون كتاب الله أولئك مني وأنا منهم وإن لم يروني " (4).

    ____________

    (1) رواه أحمد وابن أبي عاصم وابن حبان في صحيحه (الفتح الرباني 30 / 23) (كتابالسنة 352 / 2).

    (2) رواه البخاري ك الدعوات ب الصراط جسر جهنم (الصحيح 141 / 4) ومسلم (الصحيح59 / 15).

    (3) رواه أحمد والترمذي وحسنه والطبراني وقال المناوي رجاله موثقون (الفتح الرباني186 / 1).

    (4) رواه أبو نعيم (كنز العمال 184 / 12).


    الصفحة 313
  • نظرات على كربلاء:

  • عندما خرج الحسين كان خروجه، من تحت مظلة المثل الأعلى المرتفع.

    وكان خصومه قد خرجوا من كهف المثل الأعلى المنخفض. ولم يكن خروجالحسين، نتيجة لوجود المجتمع الحر، وإنما كان الخروج من أجل خلقالمجتمع الحر، لأن المجتمع الحر هو الذي يقيم الحضارة الحق. والحضارة لاتقاس بسجونها وبريق ذهبها، وإنما تقاس بعدلها. وعندما توجه الحسين إلىالكوفة، وعلم بمقتل رسله هناك، وبأن الذين أرسلوا إليه قد خذلوه، لم يتراجعوسار في إتجاه الطريق، الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن مقتلهفيه. وذلك بعد أن حدد مصدر البلاء، الذي أكره الناس على عدم إقامة الحقوالعدل. لقد توجه الحسين إلى كربلاء، ليس من أجل مقاومة الجماهير، وإنمامن أجل مواجهة السلطة التي اتخذت مال الله دولا، ودين الله دغلا، وعباد اللهخولا، وأصبحت تفرخ الذين يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم. أي تفرخخوارج جدد، ولكن تحت مظلة بني أمية. لقد اتجه الحسين نحو كربلاء، علىامتداد الطريق كان يعلم أنه يسير، بين حراب الذين يكرهون، ويخافون أنيفقدوا ما يحبون. ولكنه واصل المسير، وحوله نداء خالد من الرسول الأعظميقول فيه: " من حضره فلينصره "، وفيه أيضا: " أنا حرب لمن حاربتم... "، كانالحسين في خطاه، يقيم الحجة على كل صامت، أو متراجع، أو متردد اعتلالابفساد المناخ، وسطوة القبائل، وتقاليدها وقوانينها، وتمادى الارهاب، وقطعالرؤوس وقتل الأطفال والنساء، كما فعل بسر بن أرطاة وغيرهوعلى أرض كربلاء، فاض الدم القاني، الذي أراد صاحبه، أن يخرج الأمةمن خيام القبائل حيث الحقد والحسد والإرهاب، الذي رفع بنو أمية أعلامه زمناطويلا. وعلى مقربة من الوادي الذي يفيض بالدم القاني، تربع قاضي، علىكرسي من الصلب، والنحاس الأصفر، وكأنه يصرخ في أتباعه: اسلكوا هذاالسبيل، فلن تجدوا أنفسكم إلا فيه، ومن أبى فإن له من خنجري معولا ولأمزقنبه أحشاء الأرض.


    الصفحة 314

    لقد كان القاضي يمسك بين أسنانه بقطعة من ذهب، وكأنها جمرة ملتهبة.

    ويتحدث عن العدل، ولم يكن يعلم أن من العدل أن يقتص الله من الظالم. ومنالعدل، أن دم القتيل لا تضيع سدى.. إن ساعة الانتقام، ومكانه، وكيفيته،هي في علم الله تعالى، الذي أخبر عن مقتل الحسين، وساعته، ومكانه،وكيفيته. لقد ركب أتباع بني أمية بسفينة التي ربانها معاوية ويزيد ومروان. ولنيرى للسفينة شراع، إذا ما قلب البحر الهائج سطحه، وقد عبثت به الرياح والمدكيما تستمر حركة الأمواج. وعندئذ سيعلم ركاب السفينة وأن من العبث أن ينشدالمرء العدالة على ظهرها. وسيعلمون، أن معنى نزول جبريل عليه السلام بخبرمقتل الحسين، يعني في مقدمته الأولى، أن هذه الجريمة عليها من الله عقوبة.

    وعلى الجميع أن يأخذوا بأسباب السلامة، حتى لا يدخلوا تحت العقوبة.

    وأسباب السلامة، أصل أصيل في دائرة الاختيار. لكنهم صادروا السلامةوأسبابها، وصرخ فيهم صارخهم: لا مناص من موت الحسين، إذا أردنا نحن أننعيش.

    وبين الأمواج، سيعلمون أن السماء عادلة، وأن القتل لا يمكن إخفاؤهوسيخرج الزمان فعلتهم الغادرة إلى الضوء، لترى الأجيال أن الجراح ما زالتتتفجر منها الدماء. دماء تنادي بالحرية الحقيقية، تحت مظلة العبادة الحق.

    وتعلم الأجيال أن خروج الحسين، وضع على الجبابرة، والعتاة، وقواتهمالضاربة، لباس الذل والعار. ويا له من عار تخجل منه أي قوة ضاربة علىامتداد الزمان.

    5 - الاستعباد:

    بعد قتل الحسين، في إمكان كل رسام أن يرسم لك دمعة، أو جرحا، أوآهة. في إمكانه أن يرسم لك شجرة كهذه، أو يرسم لك شابا، اخترقت جسدهسيوف المجرمين من كل جهة، وقد علقوه على هذه الشجرة، ومن حوله الغيومتتلبد، والقمر معتما. يستطيع الرسام، أن يقوم بذلك، لتكرار الجرائم بعدالحسين. فلم يكن يمر يوما، إلا وترى فيه رجلا مصلوبا، أو رأس معلقة تتطوح


    الصفحة 315

    بعد أن هزت الرياح حبلها، ويستطيع الرسام أن يفهم ذلك، لذهاب الإنصاف منساحة بني أمية، حتى أنه لا يستطاع أن تشترى أوقية من العدالة داخل خيامهمبعد أن زرع بنو أمية شجرة، وتعهدوها برعايتهم، لتكون مشنقة لكل من طعن فيعدالتهم. ونحن هنا سنسلط الضوء على الأحداث التي تثبت ذلك.

    أولا - يوم الحرة أو يوم الأنصار:

    حدر النبي صلى الله عليه وسلم من الكيد لأهل المدينة، أو من فعلأي عمل يؤدي إلى خوفهم، فقال: " لا يكيد أهل المدينة أحد. إلا انماع كماينماع الملح في الماء " (1). وقال: " لا يريد أحد المدينة بسوء إلا أذابه الله فيالنار ذوب الرصاص. (2) وقال: " من أخاف أهل المدينة ظلما، أخافه الله وعليهلعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولاعدلا " (3). وبعد هذا التحذير أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن الحرةسيقتل بها خيار الناس من أصحابه الذين ساروا على هديه. فماذا حدث لأهلالمدينة يوم الحرة؟

    روي أن معاوية حين حضره الموت قال ليزيد: قد وطأت لك البلاد،وفرشت لك الناس، ولست أخاف عليكم إلا أهل الحجاز، فإن رابك منهمريب، فوجه إليهم مسلم بن عقبة. فإني قد جربته مرة، فلم أجد له مثلالطاعته (4).

    فمعاوية أوصى، وهو على فراش الموت بالكيد، ويضرب أهل المدينة إذا

    ____________

    (1) قال ابن كثير رواه البخاري (البداية 223 / 8) البخاري (الصحيح 322 / 1) ك الحجج بإثم من كاد للمدينة.

    (2) قال ابن كثير رواه مسلم (البداية 223 / 8) مسلم (الصحيح 121 / 4).

    (3) قال ابن كثير رواه أحمد (البداية 223 / 8)، (كنز العمال 238 / 12).

    (4) رواه الطبراني ورجاله ثقات (الزوائد 250 / 7) وابن كثير (البداية 239 / 8) والطبري179 / 6، فتح الباري 71 / 13، الكامل 311 / 3.