×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره / الصفحات: ٢١ - ٤٠

والمتأدّب بآدابهم الرفيعة.

ومن نافلة القول أن نعقد فصلا خاصّاً لبيان أخلاقه وسجاياه، فهي معروفة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، لكن ذلك من باب تذكرة النفس واطّلاع القارىء عليها لجعلها قدوة واُسوة حسنة، وجعل الترجمة كاملة إذ أنّني ألزمت نفسي بذكر كلّ ما يتعلّق به.

فكثير من العلماء الّذين ذكروه وترجموا له وصفوه بالأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة، وقد تعرّضتُ لذلك بشكل مفصّل في أصل الكتاب تحت عدّة عناوين، هي: تواضعه، وجوده وكرمه، زهده وورعه، ذكاؤه وفطنته، كثرة سفره، وكيفيّة تعامله مع المخالفين.

آثاره:

على الرغم من المكانة العلميّة العالية التي احتلّها محقّقنا الكركيّ، والدور السياسيّ الفعّال الّذي أدّاه على الساحة الإسلاميّة في النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري، إلاّ أنّنا لا نجد له آثاراً عمرانيّة على وجه الأرض كمسجد أو مدرسة أو مشروع خيريّ يحمل اسمه المبارك، كما نشاهده لبعض علمائنا الكبار.

ولعلّ السبب في ذلك هو كثرة سفره وتجواله المستمر في البلدان وعدم استقراره في مكان واحد، وانصرافه لاُمور كان يراها أهم من هذه وأنفع في نشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وإلاّ فبواسطة الأموال الكثيرة التي كانت تصل إليه ومقامه الرفيع كان بإمكانه أن يُخلّف أثراً كبيراً باسمه يستمر ليومنا هذا، كما فعل بعض معاصريه أو القريبي من عصره.

ومع ذلك فإنّنا نقرأ في بعض المصادر ما يشير إلى هذه الآثار:

فالزقاق الذي كان يسكن فيه في محلّة "العمارة" في مدرسة النجف الأشرف سُمّي

٢١
باسمه، وبمرور الأيام غيّره العوام فأصبح اليوم يعرف بـ "زقاق الكروكي"(١).

والمسجد الذي كان يصلّي فيه، الواقع في محلّة "البراق" في النجف الأشرف كان يُنسب إليه، ويسمّيه الناس بـ "مسجد الكركي"، ومعروف الآن بـ"مسجد الطريحي"(٢).

فلعلّ الكركي بنى هذا المسجد وأقام الصلاة جماعة فيه، ثمّ بعد هجرته إلى إيران أقام الصلاة فيه أحد مشايخ آل الطريحي، ومن بعده أولاده وأحفاده، فعُرف هذا المسجد باسمهم.

ومن المحتمل أن يكون آل الطريحي قد بنوا هذا المسجد قبل هجرة الكركي إلى العراق سنة ٩٠٩هـ، ثمّ تركوه فأقام الكركي فيه صلاة الجماعة، فعرف باسمه، ثمّ بعد هجرته إلى إيران عاد آل الطريحي إليه وبقي في أيديهم إلى يومنا هذا.

مراحل حياته:

الأولى: في كرك نوح، وتبدأ من ولادته سنة ٨٧٠هـ وحتّى هجرته إلى عواصم البلدان الإسلاميّة آنذاك دمشق وبيت المقدّس ومصر ومكّة المكرّمة في مطلع القرن العاشر.

الثانية: في عواصم البلدان الإسلاميّة، وتبدأ مع بداية القرن العاشر، وتنتهي قبل انتهاء العقد الأوّل منه بسنة أو سنتين.

الثالثة: عودته إلى كرك نوح، وتبدأ بعد انتهاء المرحلة السابقة وتنتهي أواخر سنة ٩٠٩هـ حيث هاجر الكركي فيها إلى مدينة النجف الأشرف.

الرابعة: في العراق، وتبدأ من أواخر سنة ٩٠٩هـ، وتنتهي في أواخر سنة ٩١٦هـ عند

١ ـ نفحات اللآهوت "المقدّمة": ٣٣. تحقيق الشيخ محمد هادي الأميني.

٢ ـ ماضي النجف وحاضرها ٣:٢٤٣، معارف الرجال ٢:٦١.

٢٢
هجرته الأولى إلى إيران.

الخامسة: هجرته الأولى إلى إيران، وتبدأ من أواخر سنة ٩١٦هـ، وتنتهي بين سنتي ٩١٨ ـ ٩١٩هـ، وهو آخر تأريخ عثرت عليه يدلّ على وجوده في إيران، إذ بعده ترك الكركي إيران وعاد للعراق.

السادسة: عودته إلى العراق، وتبدأ من نهاية المرحلة السابقة، وتنتهي في منتصف سنة ٩٣٦هـ حيث هاجر الكركي ثانيةً إلى إيران.

السابعة: هجرته الثانية إلى إيران، وتبدأ من منتصف سنة ٩٣٦هـ، وتنتهي في منتصف سنة ٩٣٩هـ حيث عاد الكركي فيها إلى العراق ثانيةً.

الثامنة: عودته إلى العراق ثانياً، وتبدأ من منتصف سنة ٩٣٩، وتنتهي بوفاة الكركي في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة ٩٤٠هـ.

مدحه واطراؤه:

مدحه وأطراه كلّ من ذكره وترجع له ابتداءً من القرن العاشر حتّى يومنا هذا، وقد أثبتُّ في أصل الكتاب أربعين عبارة قالها في الكركي أساتذته وتلاميذه ومعاصروه وأصحاب التراجم والسير، مرتّبةً حسب تأريخ صدور المدح والاطراء.

نشاطه الاجتماعي:

لم يقتصر نشاط المحقّق الكركيّ في إيران أيام الدولة الصفويّة على الدائرتين السياسيّة والعلميّة، بل تعدّاهما إلى دائرة أكثر أهميّة منهما، وتحتلّ مساحة أوسع، ويواجه المتصدّي لها مشاكل أكبر، وهي العمل في دائرة الإصلاحات الإجتماعيّة.

فعند دخول الكركيّ إلى إيران سنة ٩١٦هـ واجه تركيبة اجتماعيّة معقّدة، أفرزتها ظروف تأسيس دولة فتيّة، قامت على أنقاض حكومات محليّة عديدة كانت متصارعة فيما بينها، تابعة للدولة العثمانية التي تعتبر نفسها الوريث الوحيد للخلافة الإسلاميّة

٢٣
العالميّة.

فالشعب الايراني آنذاك كانت تحكمه عادات قديمة وتقاليد بالية ورثها من الآباء يصعب تغييرها، فالطرق الصوفيّة منتشرة في مساحات واسعة في إيران، ويتمتّع رجالاتها باحترام كبير بين أتباع هذه المذاهب، ويحتلّون أيضاً مناصب عالية في إدارة البلاد. فهم الّذين أوصلوا الصفويين إلى دفّة الحكم بعد خوضهم معارك طاحنة ضدّ أعدائهم، فمن الطبيعي جدّاً أن يحترمهم الشاه إسماعيل ويسند إليهم المناصب الكبيرة في الدولة، فهم القادة في أيام الحرب والرؤساء في أيام السلم.

فقد واجه الكركيّ مشكلة كبيرة في التعامل معهم، فهو لا يعترف بهم وبطرقهم الصوفيّة، وهم لا يعترفون به، بل لا يعترفون برجال الدين الشيعة الايرانيين وبآرائهم، فكيف يعترفون بالكركيّ الرجل الغريب الّذي جاء من أقصى بلاد العرب، ولم يكن له في تأسيس الدولة الصفويّة أي دور يُذكر؟!

وواجه الكركيّ أيضاً مشاكل كبيرة من قبل طبقة اُخرى ذات نفوذ وسلطة آنذاك، وهم رجال الدين الّذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء، وتشيّعوا خوفاً من سيف الشاه إسماعيل، وتقلّدوا المناصب الدينيّة الكبيرة في المدن الايرانية، فهم يعتبرون أنفسهم أحقّ بهذه المناصب من الكركيّ القادم من وراء الحدود.

وما أن استقرّ الكركي في إيران، وحاول تطبيق أحكام الشرع الحنيف، حتّى ثارت بوجهه طبقة اُخرى، تقلّ قوّتها عن الطبقتين السابقتين، إلاّ أنّ عددهم كبير لا يُستهان به، وهم طبقة المترفين وأصحاب الملاهي وأماكن القمار والمدمنين على شرب الخمور.

فكيف استطاع الكركيّ مواجهة كلّ هذه الطبقات الاجتماعيّة المتناقضة، وهو العربيّ الوحيد الّذي هاجر من مدينة النجف الأشرف آنذاك إلى بلاد هو غريب عن أهلها في كلّ شيء: في عاداتها وتقاليدها، في أفكارها، في طبائعها.

٢٤
فنرى أنّ الكركيّ، وهو الرائد البطل الذي جاء إلى إيران بعقليّة جديدة منفتحة، وبنفسيّة هادئة تميل إلى السلم والأمان، قرّر أن يبدأ إصلاحه الاجتماعي بقمّة الهرم وأعلى سلطة في الدولة الصفوية، وهو الشاه إسماعيل، فأنكر عليه قتل شيخ الإسلام في هراة الذي أبى أن يستجيب لطلب الشاه بالتنازل عن مذهبه.

وفعلا فقد نجح الكركيّ بإقناع الشاه ـ ولو مؤقتاً ـ بالعدول عن نهجه الدموي، وسلوك جادّة الحوار الهادىء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة الطيّبة والقول الحسن.

وقد فصّلنا الكلام في أصل الكتاب على ثلاثة مجالات اجتماعيّة عمل الكركي في إصلاحها، وهي: محاربة الفساد، الوقوف ضدّ الصوفيّة، تغيير القبلة.

وفاته ومدفنه:

على الرغم من أنّ يوم وفاة المحقّق الكركيّ كان مشهوداً في العالم الإسلامي عموماً والعراق خصوصاً، إلاّ أنّنا نلاحظ بعض الاختلافات قد حصلت في تأريخ وفاته بالنسبة للسنة والشهر واليوم الّذي توفّي فيه.

والغريب في الأمر أنّ هذه الاختلافات تصدر أحياناً من مؤلّف واحد في مصادر متعدّدة له، بل وفي مصدر واحد له أيضاً، فهو يذكر تأريخاً لوفاته عند ترجمة حياته، ويذكر تأريخاً آخر عند ذكره استطراداً في ترجمة شخص آخر.

فقد ذكرنا في أصل الكتاب ما صحّ عندنا منه، ثمّ أعقبناه بما وجدناه من اختلافات فيه، ثمّ أوردنا أخيراً بعض ما هذه كلمة واحدة في كتب التراجم والسير من أخطاء والتباسات.

فالصحيح في تأريخ وفاته في مدينة النجف الأشرف هو يوم السبت الثامن عشر من

٢٥
شهر ذي الحجّة سنة ٩٤٠هـ (١)، وقد شيّع فيها ودفن في حرم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)(٢).

الفصل الثاني: حياته السياسيّة


إنّ مصادر التأريخ والتراجم والسّير قد ركّزت كثيراً على ترجمة حياة الكركي السياسيّة، ابتداءً من نشوء علاقته مع الدولة الصفويّة عند هجرته الأولى إلى ايران في أواخر سنة ٩١٦هـ ودخوله على الشاه إسماعيل الصفوي في مدينة هراة.

ومع ذلك كلّه فالمطالع لهذه المصادر يجد تضارباً كبيراً واختلافاً واسعاً فيما يتعلّق بحياته السياسيّة، بل إن بعض هذه المصادر أشار إلى دور الكركي أيام الدولة الصفويّة عَبرَ عدّة أحداث مهمّة آنذاك، دون أن يُحدّد لنا تأريخ التحرّك الواسع الذي قام به.

كلّ ذلك جعل بعض الكتّاب والمؤرّخين الذين اعتمدوا على تلك المصادر التأريخيّة يُطلقون لأقلامهم العنان، ولحساباتهم التخمينات تلو التخمينات، ولأفكارهم التحليلات الكثيرة الخاطئة.

فالنسبة للدور الذي لعبه الكركي في أيام الدولة الصفويّة يحاول البعض التقليل منه وعدم إعطائه أي أهميّة بالغة، بينما نجد أنّ البعض الآخر يُعطيه حجماً كبيراً أكبر من حجمه الواقعي، فيدّعي أنّ الكركي إنّما هاجر لايران لكي يستلم الحكم فيها ويُطبّق

١ ـ تأريخ نگارستان: ٣٨٣، أحسن التواريخ: ٢٣١، خلاصة التواريخ: ٢٣٦، تأريخ عالم آرا عباسى ١:١٤٥، وقائع السنين والأعوام: ٤٦١، حدائق المقرّبين "مخطوط"، لؤلؤة البحرين: ١٥٤، روضات الجنّات ٤:٣٧٢، مستدرك الوسائل "الخاتم" ٣:٤٣٤، بهجة الآمال ٥:٤٥٨، طرائف الحدائق ١:٢٣١، تكملة أمل الآمل: ٢٩٣، كشف الحجب والأستار: ٣٢٠ و٥٢٩، هدية الأحباب: ٢٣٦، أعيان الشيعة ٨:٢٠٨، ريحانة الأدب ٣:٤٩١، طبقات أعلام الشيعة لإحياء الداثر من القرن العاشر): ١٦٠ و٢٦٧، الغدير ٤:٤٠٤، الأعلام للزركلي ٤:٢٨١.

٢ ـ حبيب السير ٢:١١٤، تأريخ عالم آرا عباسي ١:١٤٥، الدر المنثور ٢: ١٦٠.

٢٦
النظام الإسلامي بناءً على قاعدة ولاية الفقيه المطلقة.

ويُضيف ثالث قائلا: إنّ الكركي غادر بلدته الصغيرة ليشرف على إدارة دولة إسلاميّة شملت الهضبة الإيرانيّة بكاملها مع العراق.

ورابع يدّعي أنّ اهتمام الكركي ببعض المسائل هو الذي أدّى إلى تغيير نظام الحكم في ايران وأوصل الشيعة إلى سدّة الحكم.

وبالنسبة للفترة الزمنيّة التي مكث فيها الكركي في ايران نلاحظ اختلاف آراء الكتّاب بين الإفراط والتفريط، فقائل بأنّ الكركي لم يمكث في ايران أصلا في زمن الشاه إسماعيل بل جاءها زائراً، ومكث قليلا جدّاً في أيام الشاه طهماسب، وقائل بأنّه مكث في عهد الشاهين الأب والابن أكثر من عشرين سنة.

وعلى كلّ حال فنحن نحاول عَبر هذه الأوراق القليلة الوقوف على الحياة السياسيّة لهذا الرجل العظيم، مبيّنين نشاطاته وفعالياته بشكل دقيق، وأسباب مجيئه لايران وتركها مرّتين متواليتين، ومعاناته المريرة الناشئة عن الحقد والحسد وعدم التديّن من بعض الحكّام والقادة.

في زمن الشاه إسماعيل:

في الوقت الذي كان الشاه إسماعيل الصفوي شاهراً سيفه في العقد الأوّل من القرن العاشر يحارب أعداءه، معتمداً على عدّة قبائل تركيّة صوفيّة مخلصة له، وبخوض معارك طاحنة من أجل إخضاع المدن الايرانيّة لسيطرته وإدخالها تحت نفوذ دولته الجديدة، وقد بدأ تحرّكه العسكري الواسع من آذربايجان سنة ٩٠٥هـ، واستطاع خلال فترة خمس سنوات فقط من احتلال أكثر المدن الايرانيّة، تبريز وأصفهان ويزد وكرمان وجنوب

٢٧
خراسان(١).

في نفس هذا الوقت كان المحقّق الكركي يتجوّل في عواصم البلدان الإسلاميّة آنذاك دمشق وبيت المقدس ومكّة المكرمة ومصر، ينتهل من العلوم الإسلاميّة ويدرس على يد كبار مشايخ المسلمين هناك، حيث حصل على عدّة إجازات علميّة تشهد بلوغه مرتبة عالية وتؤهّلة لدخول مرحلة جديدة من حياته(٢).

من هنا يمكن أن نقارن بين قائدين سوف يلتقيا بعد عدّة سنوات وهما يختلفان كلّياً وفي كلّ شيء، في المنشأ والمسيرة، واُسلوب الدعوة، وطبيعة التفكير والمزاج.

فالشاه إسماعيل نشأ في بيئة عسكريّة صعبة، وفي ظلّ عائلة قادت تحرّكاً سياسياً وعسكرياً من أجل استلام الحكم في إيران، وقضى بعض رجالاتها فترة من أعمارهم في السجن أو مشرّدين عن وطنهم خوفاً من القتل الذي لاحقهم وأصاب أخوي اسماعيل: يار علي وإبراهيم، وأباهم حيدر، وجدّهم جنيداً(٣). فلم يكن الشاه إسماعيل يفكّر بشيء سوى الانتقام من أعدائه وأخذ ثأر أخويه وأبيه وجدّه، فلم يعرف اُسلوباً في حياته غير القتل والهتك، فأطلق لسيفه العنان فحصد به رؤوس أعداد كبيرة من المسلمين المخالفين له.

والمحقّق الكركي وُلد في عائلة علميّة في قرية لبنانيّة صغيرة تُدعى "كرك نوح"، فوالده الشيخ حسين كان عالماً فاضلا(٤)، وكذلك جدّه عبد العالي كان يُعدُّ من علماء

١ ـ أحسن التواريخ: ٤٦ و٦٠ و٦٢، تأريخ عالم آرا عباسي ١:٢٨.

٢ ـ رياض العلماء ٣:٤٤١، مستدرك الوسائل "الخاتمة" ٣:٤٣٢، أعيان الشيعة ٨:٢٠٦.

٣ ـ تأريخ العراق بين احتلالين ٣:٢٧٠.

٤ ـ أعيان الشيعة ٨:٦٦، ماضي النجف وحاضرها ٣:٢٣٧، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): ٧١.

٢٨
تلك القرية(١). فنشأ الكركي نشأة هادئة مُحبّاً للسّلام، داعياً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يُفكر بشيء سوى مرضاة الله تعالى.

وبعد أن حصل الكركي من العواصم العلميّة على ما يريد، عاد إلى مسقط رأسه "كرك نوح" وبقي فيها فترة قصيرة حصل خلالها على شهادتين علميّتين من كبار مشايخ الكرك آنذاك: علي بن هلال الجزائري(٢)، وإبراهيم بن الحسن الوّراق "الدارق"(٣).

وليس من المستبعد أنّ أخبار نشوء الدولة الجديدة كانت تصل إليه وهو يعيش متنقلا بين العواصم العلميّة أو مستقرّاً في مسقط رأسه، فربّما كان لهذه الأخبار حافز قويّ لهجرته إلى مدينة النجف الأشرف.

وفعلا فقد قرّر الكركي الهجرة إلى العراق والبقاء في مدينة النجف الأشرف، حاضرة العالم الإسلامي ومقرّ الحوزة العلميّة، حيث وصل إليها في أواخر سنة ٩٠٩هـ واستقرّ فيها وبدأ نشاطه في أوائل سنة ٩١٠هـ(٤)، يدّرس ويربّي تلامذته، ويطرح مسائل فقهيّة جديدة لم تألفها حوزة النجف الأشرف آنذاك كمسألة الخراج وصلاة الجمعة والسجود على التربة المشويّة، وعدّة مسائل في الرضاع.

وفي نفس الوقت فإنّ وجود الكركي في العراق في تلك الفترة جعله أقرب إلى الأحداث التي كانت تضجّ بها الهضبة الايرانيّة، وما من شكّ أنّ المراكز الشيعيّة العريقة

١ ـ رياض العلماء ٤:٢٨١، روضات الجنّات ٤:٣٥٧، تكملة أمل الآمل: ٢٦٤، أعيان الشيعة ٨:١٧٠.

٢ ـ بحار الأنوار ١٠٥:٢٨، وانظر أمل الآمل ١:١٢٢/١٢٩ و٢:٢١/٦٣٣، رياض العلماء ٤:٢٨٠، تعليقة أمل الآمل: ٥٨، روضات الجنات ٤:٣٥٦، مستدرك وسائل الشيعة "الخاتمة" ٣:٤٣٤، الذريعة ١:٢٢٢/١١٦٦ و٨:٦٩/٢٣٨، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): ٢٦١ و١٦٩ و٢١٤ و(الضياء اللامع في القرن التاسع): ١٠١.

٣ ـ رياض العلماء ١:١٥ و٤:٢٨١، روضات الجنّات ١:٢٦ و٤:٣٥٧، الذريعة ١:١٣٣/٦٢١.

٤ ـ بحار الأنوار ١٠٥:٦٩.

٢٩
هناك كانت تراقب نمو الدولة الصفويّة الشيعيّة برضى، ولكننا نُلاحظ أنّ رضاها على تلك الأحداث الخطيرة لم يتحوّل إلى مبادرة تسهم إسهاماً حقيقياً وفاعلا في رسم الطريق للمذاهب والمواقف في نفس اتّجاه السياسة.

والغريب أنّنا لا نجد فيما صدر عن تلك المراكز في تلك الأيام كلمة واحدة تُشعر أنّ شيئاً خطيراً يحدث، ربّما لأنّ طريقة الشاه إسماعيل العنيفة في معالجة الاُمور لم تترك فسحة لإسهام كهذا، وربّما أيضاً لأنّ تلك المراكز كانت في تلك الفترة تعاني حالة من الضعف والخمود وتشكو من فقدان شخصيّة كبيرة على رأسها بمستوى شخصيّة وثقافة العلاّمة الحلّي، الذي انتقل بنفسه إلى خراسان حينما أعلى اولجايتو محمّد خدابنده دولته الشيعيّة قبل قرنين من الزمان وأسس حركة تعليم شيعيّة رائدة(١).

ولا ننسى أنّ العراق في الوقت الذي دخله الكركي سنة ٩٠٩هـ كان خاضعاً للدولة العثمانيّة، وبقي كذلك حتّى اجتاحته جيوش الدولة الصفويّة، حيث دخل الشاه إسماعيل الصوفي بغداد في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ٩١٤هـ(٢)، وذهب في أوائل رجل لزيارة العتبات المقدّسة في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة ثمّ عاد إلى ايران.

وهنا نطرح وهو: هل اجتمع الشاه إسماعيل بالمحقّق الكركي عند زيارته لمدينة النجف الأشرف؟ فمن المعلوم لدى الجميع تأييد الكركي للدولة الصفوية، ومن المعلوم أيضاً أنّ الشاه إسماعيل عندما أعلن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو المذهب الرسمي في البلاد، دعا علماء النجف للتوجّه إلى ايران للعمل على نشر التعاليم الإسلاميّة، فهل طلب

١ ـ انظر الهجرة العامليّة: ١٢٢.

٢ ـ أحسن التواريخ: ١٠٣، خلاصة التواريخ: ٩٤، شرح جنگها وتأريخ زندگانى شاه إسماعيل صفوى: ٢٤٠، شاه إسماعيل صفوى: ٦٧، شاه إسماعيل أوّل: ٣٠١.

٣٠
الشاه في هذا الاجتماع ـ على القول بحصوله ـ من الكركي التوجّه إلى ايران؟

على أي حال، سواء اجتمع الرجلان أم لا، فإنّ هناك عدّة مؤشّرات تدلّ على رابطة حسنة بين الكركي والدولة الصفويّة في هذه المرحلة.

وهنا يرد سؤال آخر وهو:

لماذا هاجر الكركي إلى ايران؟

نقول: كان شعار الشاه إسماعيل الصفوي وأنصاره في أوّل معركة خاضوها"الله الله علي ولي الله"، كأنّما أراد بهذا الشعار أن يصرّح بهويّة الدولة الجديدة. وليلة تتويجه في تبريز أعلن أنّ التشيّع هو المذهب الوحيد المسموح به، وأصدر أمراً بأن يخطب خطباء آذربايجان باسم الأئمّة الاثني عشر(١)، وأن يكون الأذان بـ "أشهد أنّ عليّاً ولي الله" و"حيّ على خير العمل"(٢).

وهذه كلّها شعائر لم يُصرخ بها في دار الإسلام منذ أربعمائة وتسع وخمسين سنة، أي منذ دخول طغرل بيك السلجوقي بغداد في سنة ٤٤٨هـ وقطع الخطبة باسم الخليفة الفاطمي، كما أمر أئمّة المساجد بنسخ المذموم والمبتدع في إقامة الصلاة(٣).

وكانت في تبريز أكثريّة غير شيعيّة، إلاّ أنّ الشاه بدا مُصمّماً على أن تُنفّذ أوامره، حتّى بعد أن جاءه النذير من بعض الشيعة المحلّيين بأنّ ذلك سيُنشىء وضعاً صعباً. ويبدو أنّ كلّ شيء قد تمّ بهدوء فيما بعد، بل إنّ الشاه الجديد المملوء حماسة حصل على مساعدة ثمينة حينما أخرج إليه قاضي البلد نصر الله الزيتوني كتاباً في الفقه الجعفري كانت الحركة الجديدة في أمسّ الحاجة إليه، وهو كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة

١ ـ حبيب السّير ٤:٤٦٧.

٢ ـ أحسن التواريخ: ٦١.

٣ ـ حبيب السّير ٤:٤٦٧.

٣١
الحلّي(١).

هذا الاُسلوب الحاسم اتّبعه الشاه إسماعيل حيثما امتدّ ظلّه، وحين كان الجمهور يستكين إلى حكم الشاه الجديد، أو ينظّم له الاستقبالات الحاشدة، كان من الفقهاء غير الشيعة مَن يتصدّى لمراميه، وإذ ذاك يلجأ الشاه إلى أسهل وأفظع حلّ، أعني القتل، وهكذا سقط منهم ضحايا، وفرّ بعضهم إلى العثمانيين(٢).

بيد إنّنا نجد من علماء السنّة من اتّخذ بين ذلك سبيلا فتعاطف مع أهداف الشاه، بل وساهم في نشر التشيّع فيما بعد كالأمير جمال الدين عطاء الله الحسيني الدشتكي الشيرازي(٣)، ومحمّد بن أحمد الخفري (ت ٩٥٧هـ)(٤)، والأمير عبد الوهاب ابن الأمير عبد الغفّار(٥)، والقاضي شمس الدين الجيلاني(٦)، والأمير جمال الدين بن عبد الله الاسترابادي الذي كان حيّاً سنة ٩٢٩هـ.

وكلّ هذا يدّل على ندرة مصادر وفقهاء الشيعة بالنسبة لحجم الدولة الجديدة ومشروعها وبالصعوبات التي كانت تعترض نشر إقامة التشيّع على أساس متين.

على أنّ هذه الصعوبات تبدو لنا ذات أثر جانبي حين نضيف إلى ما عرفناه أنّ الشاه إسماعيل شُغل بالشؤون السياسيّة والعسكريّة لدولته النامية، فلم يول الأمر عناية خاصّة.

والذي نظنّه أنّ ذلك يتّصل أيضاً بالصورة الساذجة التي كان يحملها عن التشيّع، فقد عاش طفولته في بيئة شيعيّة يغلب عليها الطابع الصوفي، لم تعرف التشيّع فقهاً وكلاماً،

١ ـ أحسن التواريخ: ٦٢.

٢ ـ انظر شذرات الذهب ٨:١٣٢ و١٣٨.

٣ ـ حبيب السّير ٣:٢٥٨.

٤ ـ حبيب السّير ٤:٦١١.

٥ ـ حبيب السّير ٤:٦٠٩، شهداء الفضيلة: ١٢٩.

٦ ـ حبيب السّير ٤:٤٦٨.

٣٢
ولم تحقّق اتصالا ذا بال بالمراكز العلميّة الشيعيّة، فضلا عن أنّ حياته العاصفة بما صاحبها من نضج مبكّر لم تكن الطراز المناسب لنباء إنسان يقدّر أثر التغييرات العقليّة التقدير الذي تستحقّه.

حقّاً لقد أقام الشاه إسماعيل تنظيماً مرتجلا لنشر التعليم الشيعي، ولكنّنا لا نشهد لذلك كبير أثر، كما حقّق اتّصالا مبكّراً ومباشراً بقم والنجف الجامعتين العريقتين للشيعة، ولكننا لا نعرف أنّه حاول الإفادة منهما.

هكذا يمكن القول: إنّ المستوى المتواضع الذي حقّقه التعليم الشيعي في ايران حتّى هذه الفترة يمثّل ما تعطيه قوّتها الذاتيّة وفقهاؤها المحليّون، لكن كلّ شيء كان يفرض عملا أكثر جدوى، خاصّة وأنّ الدولة النامية الطموحة كانت المناجز الطبيعي للدولة العثمانية المترامية الأطراف، والتي أصبحت الممثّل الرسمي للتيار التقليدي في العالم الإسلامي، وأقامت نظاماً سياسياً ركيناً خليفته مبدأ الخلافة(١).

وهكذا توقّف كلّ شيء على مدد يأتي من الخارج، فوجّه الشاه إسماعيل النداء تلو النداء لعلماء النجف الأشرف للتوجّه إليه والعمل على ترسيخ قواعد الدولة الفتيّة ونشر مبادىء المذهب الحقّ.

إلاّ أنّ نداءاته هذه لم تلق أذناً صاغية، إلاّ من رجل عامليّ كركيّ كان يسكن تلك المدينة المقدّسة الزاخرة بكمّ هائل من العلماء والأفاضل، فاستجاب لدعوة الشاه إسماعيل، وتوجّه لايران وهو يحمل عقليّة كبيرة وآمال واسعة يرجو تحقيقها.

وبهجرة الكركي إلى ايران انفتح باب الهجرة اللبنانيّة إلى ايران على مصراعيه، وبدأ عصر جديد في الدولة الصفويّة حيث شهدت مدنها وقراها تواجداً علمائياً عربيّاً لبنانياً

١ ـ انظر الهجرة العامليّة: ١١٣ ـ ١١٥.

٣٣
جاء من جبل عامل والبقاع.

متى دخل الكركي ايران وكم بقي فيها؟

لم تعيّن المصادر المتوفّرة لدينا التأريخ الدقيق لدخول الكركي ايران، إلاّ أنّها تجمع على أنّ دخوله كان بعد واقعة تأريخيّة، وهي فتح الشاه إسماعيل الصفوي لمدينة هراة وقتله شيخ الإسلام فيها المولى سيف الدين أحمد بن يحيى بن سعد الدين التفتازاني.

قال الميرزا عبد الله أفندي الأصفهاني (ت حوالي ١١٣٤هـ): ويلوح من بعض التواريخ الفارسيّة أنّ الشيخ علي الكركي هذا قد دخل بلد العجم في زمن سلطة الشاه إسماعيل، ودخل هراة في سنة غلبة السلطان المذكور على شاهي بيك خان ملك الاوزبك، وذلك بعد ظهور دولة الشاه إسماعيل المذكور بعشر سنين، وأنّ الشيخ علي المذكور دخل هراة بعد دخول الشاه إسماعيل هراة في تلك السنة(١).

وقال المحدّث النوري الميرزا حسين الطبرسي (ت ١٣٢٠هـ): ثمّ سافر إلى بلاد العجم في زمن سلطة الشاه إسماعيل سنة غلبة السلطان علي الشاه بيك خان ملك الاوزبك، وذلك بعد ظهور دولته بعشر سنين، وبعد دخوله هراة دخل عليه الشيخ بها واتّصل بصحبته(٢).

وقال السيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١هـ): من النجف رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي، فدخل عليه بهراة فأكرمه وعرف قدره، وكان له عنده المنزلة العظيمة(٣).

وعند تتبّعنا للمصادر التأريخيّة الفارسيّة التي ترجمت الشاه إسماعيل وشرحت

١ ـ رياض العلماء ٣:٤٤٥.

٢ ـ مستدرك الوسائل "الخاتمة" ٣:٤٣٢.

٣ ـ أعيان الشيعة ٨:٢٠٩.

٣٤
كتاب مقتطفات من موسوعة حياة المحقّق الكركيّ وآثاره للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ٣٥ - ص ٤٩)

٣٥

أمّا ماذا فعل الكركي في تلك الفترة؟

وما هي النشاطات التي قام بها في أيام الشاه إسماعيل الصفوي؟ فنقول: تحدّثنا قبل عدّة أوراق عن قائدين يختلفان كليّاً في صفاتها، وطبائعهما، ومستوى تفكيرهما وتطلّعاتهما.

فالشاه إسماعيل لا يعرف سوى منطق السيف الذي حصد به رؤوس الكثير من معارضيه، وأخضع به مناطق شاسعة من العالم الإسلامي له.

والمحقّق الكركي لا يعرف سوى منطق الحوار الهادىء، والدعوة لله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأخيراً فقد التقى هذان الرجلان في مدينة هراة سنة ٩١٦هـ، ووجد الكركي نفسه أمام قائد عسكري خضعت له الرقاب، وركعت أمامه مدن بكاملها، واستسلم له رجال دين كبار من أهل السنّة وأعلنوا اعتناقهم المذهب الشيعي خوفاً على نفوسهم من الإزهاق.

إلاّ أنّنا نشاهد أنّ الكركي الذي جاء إلى ايران بعقليّة جديدة وشخصيّة قويّة قادرة، قرّر أن يقف بحزم أما الشاه إسماعيل في اللقاء الأوّل الذي جرى بينهما.

فقد دخل الكركي على الشاه إسماعيل بعد فتحه لهراة، فوجده أمر بقتل جماعة من فقائها السنّة، بينهم شيخ الإسلام فيها سيف الدين أحمد بن يحيى الشهير بأحمد الحفيد، فأنكر عليه ما فعل; لأنّه وضع السيف في موضع الحوار، وقال: لو لم يُقتل لأمكن أن نتمّ عليه بالحجج والبراهين حقيّة مذهب الإماميّة، ويزعن بإلزامه جميع أتباعه.

إنّ لهذه الحادثة دلالتها الواضحة على ما أشرنا إليه من عقليّة جديدة حملها الكركي إلى ايران، وشخصيّة قويّة قادرة تتمتّع بثقة كبيرة بالنفس.

وأراها تصلح مفتاحاً للدراسة الرجل في ميدان عمله الجديد. ويلوح لي أنّ هذا

٣٦
الموقف الشجاع والبعيد النظر قد ترك أثره في الشاه إسماعيل ـ ولو لفترة محدودة ـ فالمتتبّع لتأريخه من بعد يلاحظ اعتدالا لم يكن يتمتّع به من قبل.

هكذا استطاع الكركي أن يدفع الشاه إسماعيل إلى الموقع الذي صمّم على العمل من خلاله، ولا مفرّ لنا من أن نتصوّر أنّ الشاه قد أطلق يده في العمل.

وعلى كلّ حال فقد باشر الكركيّ تطبيق أفكاره، اتّخذ من كاشان ـ معقل الشيعة العريق وبلد الإيمان ـ مقرّاً له(١)، ومنها صار يوجّه النشاط الديني في ايران، أمر بأن يُفرد في كلّ بلد وقرية إماماً يصلّي بالناس ويعلّمهم شرائع الدين(٢).

وواضح أنّ هذا يعني خطّة لنشر التعليم الشيعي شملت ايران كلّها، كان الكركيّ يشرف عليها بنفسه، متنقّلا من بلد إلى آخر. ومن الجدير بالذكر أنّه كان يقوم بنفسه بتدريس كبار رجال الدولة كالأمير جعفر النيشابوري وزير الشاه الذي ألّف له "الرسالة الجعفريّة".

ويقال: إنّه كان ينفق سبعين ألف دينار شرعي سنوياً على الطلبة(٣)، وهذا مبلغ هائل جدّاً في تلك الأيام، يدلّ على أنّ الكركي كان على درجة عالية من التمكّن والاستقلال في موارده الماليّة. كما يدلّ على اهتمامه البالغ بتخريج أكبر عدد من الفقهاء، وهو أمر مفهوم جدّاً بالقياس إلى ما عرفناه من ندرة الفقهاء الشيعة في ايران حتّى ذلك الحين.

وهكذا صار الكركي "نقطة الدائرة" و"معتقد حكّام الإسلام" و"مراجع العلماء" على حدّ تعبير المؤرّخ الايراني المعروف خوانر أمير المعاصر للمحقّق الكركيّ(٤).

١ ـ تأريخ عالم آرا عباسي ١:١٥٤.

٢ ـ روضات الجنات ٤:٣٦٢.

٣ ـ روضات الجنّات ٤:٣٦٣، أعيان الشيعة ٨:٢٠٩.

٤ ـ تأريخ عالم آرا عباسي ٤:٦٠٩ ـ ٦١٠، الهجرة العامليّة: ١٢٣ ـ ١٢٤.

٣٧
وهنا لابدّ من الإشارة إلى حادثة هامّة وقعت للكركيّ في هذه الفترة، وهي مجيء سفير من قبل الدولة العثمانيّة بين سنتي ٩١٨هـ و٩١٩هـ حاملا معه ثلاثة إشكالات، أحدها: أنّ تأريخ تأسيس الدولة الصفويّة وإعلان رسميّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فيه يساوي في حساب الجمّل باللغة الفارسيّة "مذهب ناحق" أي المذهب الباطل، وفي هذا إشارة إلى بطلان هذه الدولة وعدم أحقيّة المذهب الشيعي.

فأجابه المحقّق الكركي بسرعة: نحن قوم من العرب وألسنتنا تجري على لغتهم لا على لغة العجم، وعليه فمتى أضعفتَ "المذهب" إلى ضمير المتكلّم "نا" يصير الكلام "مذهبنا حقّ"(١).

وبعد كلّ ما ذكرناه من نشاط المحقّق الكركيّ، نشاهده فجأة يترك كلّ شيء في إيران ويعود إلى العراق، وهنا لابُدَّ من طرح السؤال التالي:

لماذا ترك الكركي إيران؟

لانستطيع أن نقول بأنّ الكركي ترك ايران مختاراً، وهو بعدُ لم يجتاز المراحل الاُولى من خطّته الواسعة التي وضعها لنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في إيران.

وفي نفس الوقت لا يمكننا أن نقول بأنّه استطاع أن يستمر في هذه الخطّة التعليميّة الشاملة، إذ قد واجهته عدّة عوائق من قِبل جهات متعدّدة وتيارات قويّة، يتمتّع رجالاتها بمناصب سياسيّة عالية ومكانة اجتماعيّة موموقة.

وكُتب التأريخ تحدّاًنا عن أحداث هامّة وقعت في ذلك الوقت، كغدر الصدر الكبير الأمير غياث الدين محمّد الاسترابادي بالمحقّق الكركي، ووقوف الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي بوجهه عندما أراد أن يغيّر اتجاه القبلة في بعض مدن ايران

١ ـ عالم آرا صفوي: ٤٧٨ ـ ٤٨٠، روضات الجنّات ٤:٣٦٢، ريحانة الأدب ٥:٢٤٦.

٣٨
عقدناه.

إضافة لذلك كلّه فإنّ الشاه إسماعيل لم يمنحه منصباً دينيّاً في دولته، فمنصب الصدر كان بيد الأمير غياث الدين منصور الدشتكي، ومنصب شيخ الإسلام لم تكن له أهميّة تُذكر في زمن الشاه إسماعيل، مع أنّنا لم نعثر على دليل تأريخي يدلّ على استلام الكركي له.

وهناك أدلّة واضحة تدلّ على أنّ للشاه إسماعيل دوراً هاماً في إخراج الكركي من ايران، فإنّه إنّما طلبه من العراق كي يستعين به ترسيخ قواعد دولته الفتيّة، لا لكي يكوّن قوّة تتألّف من مجموعة من الفقهاء في مقابل القوّة، الحقيقيّة التي يعتمد عليها، وهي رجال الفرقة الصوفيّة المعروفة بـ "القزلباش"، فقد صرّح المؤرّخ الإيراني المعروف حسن بيك روملو المعاصر للمحقّق الكركي بأنّ الرخصة قد خرجت للكركي في التوجّه لعراق العرب(١). وهذه الرخصة هي تعبير ملّطف عن الإبعاد.

وأخيراً فقد توجّه الكركي إلى العراق وسكن مدينة النجف الأشرف ما يقارب ستّ عشرة سنة وستّة أشهر، ابتداءً من سنة ٩٢٠هـ، حيث غادر العراق متوجّهاً إلى ايران ثانية بصحبة الشاه طهماسب الصفوي بعد دخوله بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الأولى من نفس السنة(٢).

في زمن الشاه طهماسب

عندما توفّي الشاه إسماعيل الصفوي يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رجب سنة ٩٣٠هـ، والذي قيل في تأريخ وفاته: "شاه با عدل شاه إسماعيل"، أي الشاه العادل

١ ـ أحسن التواريخ: ٢٥٤.

٢ ـ أحسن التواريخ: ١٨٩.

٣٩
الشاه إسماعيل، وهو في ريعان شبابه حيث بلغ عمره آنذاك ثماني وثلاثين سنة(١)، كان ولده طهماسب صغيراً يبلغ من العمر عشر سنوات وستّة أشهر وأربعة وعشرين يوماً، إذ أنّه ولد في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر ذي الحجّة سنة ٩١٩هـ في قرية شهاباد التابعة لمدينة أصفهان(٢)، لذلك فقد بقي لمدّة ستّ سنوات تحت وصايا لجنة من كبار القزلباش، وقد قيل في تأريخ استلامه للحكم "جاى پدر گرفتن" أي احتلّ مكان والده(٣).

كان الشاه طهماسب على النقيض من أبيه تماماً، رجلا يتحلّى بثقافة واسعة وعناية بالفنون(٤)، وفي غير اندفاع أبيه، كما كان متديّناً ملتزماً بأحكام الشرع الحنيف، وقد ورث دولة مترامية الأطراف ما تزال تبحث عن رابط روحي يشدّ رعاياها إلى كيانها السياسي والبيت الحاكم.

لذلك نلاحظ أنّ طهماسب قد تطلّع إلى المحقّق الكركي وبنى عليه الآمال في تحقيق هذا الهدف السياسي الديني، فأقام رابطة قويّة مع الكركي قبل أن يستلم الحكم الواقعي في ايران، ظهرت معالمها الواضحة في وقفيّة ماء الفرات التي حصلت سنة ٩٣٥هـ، أي قبل سنة من استلامه الحكم الواقعي، حيث أسند طهماسب تولية هذه الوقفيّة إلى الكركي ومدحه وأطراه فيها بعبارات جميلة تدلّ على مدى احترامه واعترازه بالكركي.

وفي سنة ٩٣٦هـ حينما استلم الشاه طهماسب الحكم الواقعي في ايران، كان العراق قد خرج من سيطرة الدولة الصفويّة منذ ستّ سنوات، إذ سيطر عليه سنة ٩٣٠هـ ـ بعد وفاة

١ ـ خلاصة التواريخ: ١٥٣ ـ ١٥٤.

٢ ـ خلاصة التواريخ: ١٢٧.

٣ ـ خلاصة التواريخ: ١٥٥.

٤ ـ أحسن التواريخ: ٤٤٨، دانشمندان آذربايجان: ٢٤٨.

٤٠