×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الشاه إسماعيل ـ ذو الفقار رئيس قبيلة موصلو التركيّة وأعلن الولاء للدولة العثمانيّة.

ولم تتوفّر لدينا معلومات كافية عن ذي الفقار وكيفيّة سيطرته على بغداد، إلاّ أنّ الثابت أنّه ينتمي إلى أُسرة لريّة تسكن الحدود العراقيّة الإيرانيّة، وكان في ذلك الوقت قد حصل على دعم ومسانده من قبائل كلهور القويّة، فاستطاع بواسطتها الهجوم على والي بغداد من قِبل الدولة الصفويّة وقتله وسيطر على بغداد بسهولة.

أمّا الشاه طهماسب فإنّ أوّل عمل فكّر به بعد استلامه الواقعي للحكم في إيران هو إرجاع العراق لسيطرة الدولة الصفويّة، فجّهز جيشاً قوّياً متوجّهاً لبغداد عن طريق كرمانشاه، وحاول في عدّة هجمات عسكريّة غلبة خصمه، إلاّ أنّ صمود ذي الفقار ومقاومته أفشلت كافة محاولات طهماسب العسكريّة، لكن الخيانة نجحت في مقام خاب فيه سلاح الصفويّين، فقد أغرى الشاه طهماسب أخوي ذي الفقار وحثّهم على قتله، فمات ذو الفقار وهو يدافع أعداءه في داخل بيته الخاصّ(١).

وأخيراً فقد احتلّ طهماسب العراق، ودخل بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة ٩٣٦هـ، ثمّ توجّه بعد عدّة أيام الزيارة العتبات المقدّسة في مدينتي النجف وكربلاء المقدّستين(٢).

متى دخل الكركي ايران ثانية وكم بقي فيها؟

نتيجة للرابطة القويّة التي قامت بين الشاه طهماسب الصفوي والمحقّق الكركي، فمن الطبيعي جدّاً أن يرحّب الكركي بقدوم طهماسب إلى العراق الذي خلّص العراقيين من سيطرة ذي الفقار، ومن الطبيعي جدّاً أن يلتقي الرجلان في مدينة النجف الأشرف عندما دخلها طهماسب زائراً في جمادى الآخر سنة ٩٣٦هـ، لذلك نلاحظ أنّ الشاه هنا يطلب

١ ـ أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث: ٣٤ ـ ٣٥.

٢ ـ أحسن التواريخ: ١٨٩.

٤١
من الكركي التوجّه إلى ايران لإكمال نشاطه الذي بدأه زمن والده.

لكن المحقّق الكركي في هذه المرّة أراد أن يذهب إلى ايران وهو يتمتّع بصلاحيّات واسعة تمكّنه من تطبيق خطّته التبلغيّة الشاملة، وتمكّنه أيضاً من الوقوف أمام معارضيه من رجال الدين والحكومة، ولعلّه أيضاً لاختبار صدق نيّة طهماسب حيث أوعد الكركي بدعمه ومساندته. لذلك كلّه نلاحظ أنّ المحقّق الكركي طلب من الشاه إصدار مرسوم سلطاني يعطيه فيه صلاحيات كاملة.

والذي يغلب على الظنّ أنّ الكركي كتب بنفسه صيغة هذا المرسوم وقدّمه لطهماسب كشرط رئيسي لذهابه إلى إيران، فعند قراءتنا لهذا المرسوم نُشاهد أنّه لم يكتب بلغة المراسيم الحكوميّة المعهودة، بل بلغة فقهيّة، حيث تضمّن قطعة من رواية عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، التي يستدلّ بها الفقهاء على ثبوت الفقيه واليك ترجمة النصّ الكامل لهذا المرسوم الذي يعبّر عنه بـ "الفرمان"، والذي صدر في سنة ٩٣٦هـ، حين كان الكركي وطهماسب في مدينة النجف الأشرف.


بسم الله الرحمن الرحيم

حيث يبدو ويتّضح من الحديث الصحيح بالنسبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام): "انظروا إلى مَن كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فأرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكم فمَن لم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادّ على الله، وهو على حدّ الشرك"(١).

وواضح أنّ مخالفة حكم المجتهدين، الحافظين لشرع سيّد المرسلين، هو والشرك في درجة واحدة. لذلك فإنّ كلّ مَن يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيّد

١ ـ الكافي ١:٥٤ حديث ١٠ و٧:٤١٢ حديث ٥، التهذيب ٦:٢١٨ حديث ٥١٤ و٣٠١ حديث ٨٤٥.

٤٢
المرسلين، ونائب الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، لايزال كاسمه العلي عليّاً عالياً، ولا يتابعه، فإنّه لا محالة مردود، وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البلغية والتدبيرات العظيمة.

كتبه طهماسب ابن شاه إسماعيل الصفويّ الموسويّ(١)

ومن الملاحظ أنّ هذا المرسوم خال من أي تأريخ، إلاّ أنّ الفرمان الثاني الذي صدر للمحقّق الكركي في سنة ٩٣٩هـ فيه إشارة إلى تاريخ المرسوم الأوّل، وهو سنة ٩٣٦هـ(٢).

ومن هذا كلّه يتّضح أنّ الكركي دخل ايران ثانية بصحبة الشاه طهماسب في منتصف سنة ٩٣٦هـ بعد عودته من احتلال العراق وزيارته للعتبات المقدّسة، حيث توجّه طهماسب من العراق إلى قزوين، ومنها إلى خراسان لمحاربة سلاطين الاوزبك الذين اعلنوا التمرّد على الدولة الصفويّة، وفي هذه الفترة كان الكركي بصحبة الشاه طهماسب الصفوي كما تشير المصادر التأريخيّة الفارسيّة إلى ذلك(٣).

وأمّا آخر تأريخ عثرت عليه يدلّ على وجود الكركي في إيران هو السادس من شهر جمادى الأولى سنة ٩٣٩هـ، وهو تأريخ إجازته لعلي بن الحسن الزواري(٤)، وهذا يعني أنّه بقي في ايران في هذه الفترة ثلاث سنوات فقط.

وإذا أضفنا لها الثلاث سنوات السابقة التي قضاها في ايران أيام الشاه إسماعيل،

١ ـ رياض العلماء ٣:٤٥٥، تعليقة أمل الآمل: ٥٨، روضات الجنّات ٤:٣٦٤، مستدرك الوسائل "الخاتمة" ٣:٤٣٢، الفوائد الرضويّة: ٣٠٥.

٢ ـ انظر وقائع السنين والأعوام: ٤٦١.

٣ ـ خلاصة التواريخ: ١٩٥.

٤ ـ طبقات خلفاء وأصحاب أئمة: ٤١٢، أعيان الشيعة ٨:١٨٦ و٣٦٨، مستدركات أعيان الشيعة ٥:٣١٣، الذريعة ٤:٧٥/٣١٠، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): ١٣٦ و١٥٢.

٤٣
فيصبح مجموع المدّة التي قضاها الكركي في ايران خلال الهجرتين الاُولى والثانية هي ستّ سنوات فقط.

أمّا ماذا فعل الكركي في تلك الفترة؟

وما هي نشاطاته في أيام الشاه طهماسب الصفوي؟ فنقول:

إنّ مجيء المحقّق الكركي إلى ايران ثانيةً في سنة ٩٣٦هـ يختلف تماماً عن مجيئة إليها سنة ٩١٦هـ أيام الشاه إسماعيل الصفوي، إذ أنّه في هذه المرّة دخل ايران بصحبة الشاه طهماسب(١) وهو يحتلّ منصب شيخ الإسلام في ايران وكافة المدن التابعة لها(٢). وفي يده أيضاً مرسوم سلطاني أمر فيه الشاه طهماسب أتباع دولته بإطاعة الكركي، "وأنّ كلّ مَن يخالفه ولا يتابعه لا محالة مردود وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البلغية والتدبيرات العظيمة".

ولعلّ هذا المرسوم يشكّل حالة لا نظير لها سابقاً في منحِ حاكم دولة كلّ هذه الصلاحيّات الكبيرة لأحد رجال الدين، ممّا أدّى إلى قول أحد الكتّاب المعاصرين: إنّ هذا البيان يمثّل أوّل خطاب سياسي في الإسلام على أساس ولاية الفقيه(٣).

وعلى كلّ حال فإنّ المحقّق الكركي قد استغلّ هذه الصلاحيات الممنوحة له، وخلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاث سنوات، وبواسطة رسم خطّة مدروسة ومحكمة، عمل بكلّ جدّ ومثابرة على نشر التشيّع في إيران والإشراف على كافة الشؤون الدينيّة فيها، حتّى لقّب بكلّ جدارة "باعث النهضة الشيعيّة في ايران، واضع الاُسس الدستوريّة للدولة الصفويّة".

١ ـ خلاصة التواريخ: ١٩٥.

٢ ـ رياض العلماء ٣:٤٥٠.

٣ ـ الهجرة العامليّة: ١٢٦.

٤٤
وذهب إلى أكثر من ذلك المؤرّخ الايراني المعروف الميرزا اسكندر بيك المنشىء (من أعلام القرن الجادي عشر) في كتابه الفارسي "تأريخ عالم آرا عباسى" الذي انتهى من تأليفه سنة ١٠٢٥هـ، حيث قال عن الكركي: كان في ذلك الحين ملك ايران وأهلها(١).

وقال المحدّث الشيخ يوسف البحراني (ت ١١٨٦هـ): كان الكركي من علماء الشاه طهماسب الصفوي، وجعل اُمور المملكة بيده، وكب رقماً [مرسوماً] إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ المزبور، وأنّ أصل الملك إنّما هو له; لأنّه نائب الإمام (عليه السلام).

وحكى عن السيّد نعمة الله الجزائري (ت ١١١٢هـ) قوله في أوّل كتابه "شرح عوالي اللآلي": وأيضاً الشيخ علي بن عبد العالي عطّر الله مرقده لمّا قدم أصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل الشاه طهماسب أنار الله برهانه، مكّنه من الملك والسلطان وقال له: أنتَ أحقّ بالملك; لأنّك النائب عن الإمام (عليه السلام)، وإنّما أكون من عمّالك أقوم بأوامرك ونواهيك(٢).

وقال العلاّمة الأميني (ت ١٣٩٠هـ): قدم ايران بطلب من الشاه طهماسب الصفوي، فأفاض العلم ونشر الدعوة، وبث الدّين وأقام معالمه وشيّد دعائمه، وكان السلطان يشدّ أزره ويقيم أمره ويمكّنه ممّا يتحرّاه من التثقيف وإقامة الأمت والأود، ويكتسح له الأشواك المتكدّسة أمام سعيه والعراقيل دون مغازيه. وبذلك كانت له الموفقيّة بالحصول على غايات شريفة قلّ من ضاهان فيها، أو أنّه اختصّ بها إلى عصره، وكان الشاه يقدّمه على جميع علماء عصره، وهو أهل لذلك كلّه(٣).

ونستطيع أن نشير هنا إلى فعاليات الكركي في تلك الفترة وبشكل مختصر عبر عدّة

١ ـ تأريخ عالم آرا عباسى ١:١٥٤.

٢ ـ لؤلؤة البحرين: ١٥٢.

٣ ـ شهداء الفضيلة: ١٠٨.

٤٥
نقاط:

الاُولى: نشر الأحكام الشرعيّة وترويجها طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك بواسطة مجموعة من العلماء، حيث عيّن في كلّ مدينة رجل دين يعلّمهم مسائل الشرع الحنيف، ويقوم بكافة ما يتعلّق بالاُمور الشرعيّة كصلاة الجمعة والجماعة، والنظر في مشاكلهم الاجتماعيّة، والفصل في خلافاتهم الدنيويّة، وقد صرّح بعض المؤلّفين بما قام به الكركي في هذا المجال:

قال المؤرّخ الايراني المشهور حسن بيك روملو، المعاصر للمحقّق الكركي في كتابه الفارسي "أحسن التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة ٩٨٠هـ: إنّ بعد الخواجِة نصير الدين الطوسي في الحقيقة لم يسعَ أحد أزيد ممّا سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحقّ الجعفري ودين الأئمّة الاثني عشر، وكان له في... والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات، وبيان أحكام الصيام والصلوات، والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين و... مساعي جميلة، ورغّب العوام في تعليم الشرائع وأحكام الإسلام وكلّفهم بها(١).

وقال القاضي أحمد بن شرف الدين الحسين الحسيني القمّي (ت بعد ١٠١٥هـ) في كتابه "خلاصة التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة ٩٩٩هـ: وقد ظهرت له [للكركي] مساعي كبيرة في رواج المذهب الحقّ ومذهب الأئمّة الاثني عشر، وفي نشر مآثر شرائع خير البشر (صلى الله عليه وآله)، وحقوق هذا الشيخ المرحوم على الشيعة كثيرة(٢).

وقال السيّد نعمة الله الجزائري في "شرح عوالي اللآلي": وأمرَ بأن يُقرّر في كلّ بلدة

١ ـ أحسن التواريخ: ٢٤٨.

٢ ـ خلاصة التواريخ: ١٩٥.

٤٦
وقرية إماماً يصلّي بالناس ويعلّمهم شرائع الدين(١).

ونتيجة لذلك فقد لقّبه بعض المؤرّخين وأصحاب التراجم والسّير بـ "مروّج المذهب" ابتداءً من القرن الثاني عشر: منهم السيّد عبد الحسين الخاتون آبادي (ت ١١٠٥هـ)(٢)، والسيّد محمّد صالح الخاتون آبادي (ت ١١١٦هـ)(٣)، والسيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١هـ)(٤)، والميرزا محمّد علي التبريزي (ت ١٣٧٣هـ)(٥).

ولقّبه البعض الآخر بـ "المولى المروّج": منهم المحدّث الشيخ يوسف البحراني ١١٨٦ هـ)(٦)، والسيّد محمّد باقر الخوانساري (ت ١٣١٣هـ)(٧)، والمولى علي العلياري (ت ١٣٢٧هـ)(٨)، والسيّد حسن الصدر (ت ١٣٥٤هـ)(٩)، والسيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١هـ)(١٠)، والميرزا محمّد علي التبريزي (ت ١٣٧٣هـ)(١١)، والعلاّمة الأميني (ت ١٣٩٠هـ)(١٢).

وبعض المعاندين المخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لقّبوه بـ "مخترع مذهب

١ ـ حكاه عنه المحدّث البحراني في لؤلؤة البحرين: ١٥٢.

٢ ـ وقائع السنين والأعوام: ٤٦١.

٣ ـ حدائق المقرّبين "مخطوط" ٣١ ورقة قبل الأخير.

٤ ـ أعيان الشيعة ٨: ٢٠٩.

٥ ـ ريحانة الأدب ٣:٤٨٩.

٦ ـ لؤلؤة البحرين: ١٥١.

٧ ـ روضات الجنّات ٤:٣٦٠.

٨ ـ بهجة الآمال ٥:٤٥٧.

٩ ـ تكملة أمل الآمل: ٢٩١.

١٠ ـ أعيان الشيعة ٨:٢٠٨.

١١ ـ ريحانة الأدب ٣:٤٨٩.

١٢ ـ شهداء الفضيلة: ١٠٨.

٤٧
الشيعة"(١).

الثانية: ومن الأعمال البارزة التي تُذكر للمحقّق الكركي هو تأسيسه لحوزات علميّة في ايران مبنيّة على اُسس وقواعد مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتشجيعه لحركة التأليف والترجمة. فقد أدرك الكركي أنّ مهمّته صعبة للغاية، وأنّه لوحده لا يستطيع القيام بكافّة المهام، لذلك عمل على رسم خطّة محكمة تمكّنه من نشر تعاليم مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في كافة أنحاء الدولة الصفويّة، تعتمد على تربية مجموعة من الطلاّب يتوزّعون على مدن ايران للقيام بهذه المهمّة.

وفعلا فقد أسس عدّة حوزات في ايران أهمّها كانت في كاشان وأصفهان، حيث خصّص مبالغ معيّنة للدارسين فيها من أجل أن يتفرّغوا لطلب العلم. ونتيجة لذلك فقد كثر عدد المشتغلين بدراسة العلوم الإسلاميّة، وشهدت ايران آنذاك حركة علميّة ثقافية قويّة أدّت إلى بروز مشاريع كبرى في مجالات التأليف والترجمة.

الثالثة: لم يكتف الكركي بنشر الأحكام الإسلاميّة بين عوام الناس وترغيبهم في تعليم مسائل الحلال والحرام، بل رأى أنّ من الضروري التوجّه إلى الحكّام والمسؤولين عن المدن الإيرانيّة لتعليمهم أوّلا أحكام الشرع الحنيف، وثانياً ترغيبهم وحثّهم على تطبيق هذه الأحكام بين الناس وعدم الخروج عنها ومعاملة الرعية بالجور.

قال المحدّث الشيخ يوسف البحراني: كان الشيخ [الكركي] يكتب إلى جميع البلدان كُتباً بدستور العمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في اُمور الرعيّة.

وحكى عن السيّد نعمة الله الجزائري قوله في "شرح عوالي اللآلي": ورأيت للشيخ [للكركي] أحكاماً ورسائل إلى المماليك الشاهيّة وإلى عمّالها أهل الاختيار فيها،

١ ـ انظر: نواقض الروافض "مخطوط" ورقة ٩٨ ب، اُصول مذهب الشيعة الإماميّة ٣:١٢٢٤، الفكر الشيعي والنزعات الصوفيّة: ٤١٦.

٤٨
تتضمّن قوانين العدل وكيفيّة سلوك العمّال مع الرعيّة في أخذ الخراج وكميّته ومقدار مدته(١).

الرابعة: ولمّا رأى الكركي أنّ بعض المسؤولين على الشؤون الدينيّة لا يطبّقون الأحكام الإسلاميّة ولا يلتزمون بها، فبدأ بعزلهم عن مناصبهم الدينيّة وإبدالهم بمن هو أفضل منهم.

ولم يكتف الكركي بذلك بل ذهب إلى أكثر منه حيث أخذ يحث الشاه طهماسب على عزل بعض المسؤولين في المناصب العاليّة، كمنصب الصدارة الذي يعتبر أعلى منصباً سياسياً دينيّاً في البلاد، لذلك عزل الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي (ت ٩٤٦هـ) من منصب الصدارة، ونصب بدله تلميذ الكركي الأمير معزّ الدين الأصفهاني (ت ٩٥٢هـ)، ثمّ عزل هذا أيضاً ونصب بدله الأمير أسد الله الشوشتري (ت ٩٦٣هـ).

يقول حسن بيك روملو عن هذا الموضوع: ثمّ لمّا جاء الشيخ علي المرّة الثانية إلى بلاد العجم قد صار الأمير غياث الدين صدراً، وكان النزاع والكدورة بينهما باقية. وقد كانت تبعة الشيخ علي من الأعراب في كلّ المواضع يرتكبون لقطع الاُمور الشرعيّة وفصلها ويقومون بها من غير توقّف وتقييد بأوامر ديوان الصدارة وخطاباته، إلى أن قوى النزاع والعداوة شيئاً فشيئاً بينهما، وآل الأمر إلى المناقشة في مجلس الشاه، وَرَجّح السلطان جانب الشيخ علي وعزل الأمير غياث الدين منصور عن الصدارة(٢).

ويقول اسكندر بيك المنشيء: كانت الصدارة في عهد الشاه طهماسب بيد عالمين هما الميرزا نعمة الله الحلّي والمير قوام الدين حسن الأصفهاني، فلما مات قوام الدين قام مقامه الأمى غياث الدين منصور الدشكتي الشيرازي. ولمخالفة نعمة الله الحلّي مع علي

١ ـ لؤلؤة البحرين: ١٥٢.

٢ ـ أحسن التواريخ: ٣٩٣.

٤٩
كتاب مقتطفات من موسوعة حياة المحقّق الكركيّ وآثاره للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ٥٠ - ص ٦٥)

٥٠
أن نطرح السؤال التالي:

لماذا ترك الكركي ايران ثانيةً؟

هناك رأي طرحه وتبنّاه الدكتور حسن عباس نصر الله في كتابه "تأريخ كرك نوح" يذهب إلى أنّ خروج الكركي من ايران ثانيةً وعودته إلى العراق كان لأسباب سياسيّة بحتة، وهي الدعوة للدولة الصفويّة في العراق وإقامة دولة إسلاميّة فيه.

يقول الدكتور نصر الله في كتابه عند حديثه عن وفاة الكركي فيه مدينة النجف الأشرف: والظاهر أنّه قطنها في أواخر أيامه لأمر سياسي لا قصداً للزيارة(١).

وفي موضع آخر يقول: إنّني أعتقد أنّ الشيخ الكركي دخل العراق بمهمّة سياسيّة تقضي بالدعوة للدولة الصفويّة، ولإقامة دولة الإسلام على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً بعدما فوّض إليه الشاه طهماسب كلَّ الاُمور، ولقّبه نائب الإمام، وأطلق يده في شؤون الدولة. والمصادر لا تذكر جفوة بين الرجلين، بل تؤكّد إخلاص الشاه للمحقّق بعد وفاته إذ عيّن ختنه الشيخ بهاء الدين العاملي خليفة له(٢).

وإنّي أقف أمام هذا الرأي موقف المتحيّر، كيف يذهب إليه مؤلّفٌ كتبَ عن كرك نوح وادّعى أنّه أحاط بكلّ ما يتعلّق بها وبرجالها. ولو أجال هذا الدكتور النظرَ في اُمّهات الكتب التأريخيّة، وتعرّف على جميع المعاناة التي لاقاها الكركيّ في ايران لغيّر رأيه حتماً.

ولو قرأ ما ذكره المؤرّخ الايراني حسن بيك روملو، حيث صرّح بأنّ الرخصة قد صدرت من الشاه طهماسب للكركي بالتوجّه إلى عراق العرب(٣)، لما ادّعى عدم حصول

١ ـ تأريخ كرك نوح: ١٤٠.

٢ ـ تأريخ كرك نوح: ١٤٥.

٣ ـ أحسن التواريخ: ٢٥٤.

٥١
"جفوة بين الرجلين".

وعلى كلّ حال فإنّ ما نكتبه في الأسطر والصفحات التالية يبيّن خطأ هذا الإدّعاء، فنقول:

إنّنا نجزم بأنّ الكركي لم يترك ايران ويتوجّه إلى العراق باختياره، وهو يجني يوميّاً ثمار عمله الدؤوب، ويشاهد نجاح خطّته التبليغيّة التي رسمها وبذل في تطبيقها كلّ ما في وسعه، وتحمّل من أجلها مصاعب جمّة كادت تودي بحايته. بل خرج مكرهاً منها بعد أن تجمّعت في وجهه قوى كبيرة لم تدّخر وسيلة للنيل منه، والظاهر أنّ الشاه طهماسب خشي مغبّة انفجار الصراع فلجأ إلى إبعاد الكركي إلى العراق.

ويشهد لذلك أنّ المؤرّخ الإيراني حسن بيك روملو المعاصر للمحقّق الكركي قد صرّح بذلك في كتابه الفارسي "أحسن التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة ٩٨٠هـ، حيث ربط بين محاولة خصوم الكركي نقل نشاطهم ضدّه من الخفاء إلى العلن، وبين صدور الرخصة لخاتم المجتهدين بالتوجّه إلى عراق العرب(١)، هذه الرخصة هي تعبير ملطف عن الإبعاد.

وصرّح بذلك أيضاً المؤرّخ الايراني الآخر السيّد عبد الحسين الحسيني الخاتون آبادي (ت ١١٠٥هـ) حيث قال في وقائع سنة ٩٤٠هـ: وقد خرجت الرخصة للكركي بالتوجّه لعراق العرب(٢).

وآخر تأريخ يدلّ على تواجد الكركي في ايران هو السادس من شهر جمادى الأولى سنة ٩٣٩هـ، وهو تأريخ إجازته لعلي بن الحسن الزواري(٣)، حيث توجّه الكركي

١ ـ أحسن التواريخ: ٢٥٤.

٢ ـ وقائع السنين والأعوام: ٤٦٢.

٣ ـ طبقات خلفاء وأصحاب أئمة: ٤١٢، أعيان الشيعة ٨:١٨٦ و٣٦٨، مستدرك أعيان الشيعة ٥:٣١٣، الذريعة ٤:٧٥/٣١٠، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): ١٣٦ و١٥٢.

٥٢
بعده إلى العراق واستقرّ في مدينة النجف الأشرف لمدّة سنة ونصف تقريباً، توفّي بعدها في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة ٩٤٠هـ. وكُتب التأريخ لم تُسجّل للكركي أي نشاط علمي أو سياسي أو اجتماعي، فرغم تتبّعي الكثير لهذه المصادر لم أعثر له على شيء يذكر في هذه الفترة.

والظاهر أنّه آثر العُزلة في اُخريات حياته، واكتفى بالتفرّج على الأحداث السياسيّة والعسكريّة الساخنة التي كانت تجري على الحدود العراقيّة الايرانيّة آنذاك، المتمثلة باستعداد السلطان سليمان القانوني لاحتلال العراق، وفي مقابلة كان الشاه طهماسب يجمع جيوشه ويستعدّ لخوض معركة كبيرة ضدّ القوات العثمانيّة.

إلاّ أنّ القدر شاء أن يموت الكركي ولم يرَ الجيوش العثمانيّة تحتلّ العراق، حيث دخل السلطان سليمان القانوني بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة ٩٤١هـ، أي بعد خمسة أشهر وستّة أيام من وفاة الكركي.

معاناة الكركي في ايران

أدّى النجاح الذي حقّقه الكركي في ايران، والصلاحيّات الكبيرة التي منحها الشاه طهماسب له، إلى ظهور عدّة قوى مخالفة للكركي، يتمتّع رجالها بمناصب سياسيّة ودينيّة كبيرة في الدولة الصفويّة، نستطيع أن نحصرها في ثلاث قوى:

١ ـ رجال الفرقة الصفويّة المعروفة بـ"القزلباش"، الذين كان لهم دور مهم في إنجاح ثورة الشاه إسماعيل وايصال العائلة الصفويّة إلى الحكم، حيث خاضوا معارك ضارية ضدّ أعدائهم، وقدّموا أعداداً كبيرة من الضحايا، وضربوا أروع آيات الفداء والتضحية والإخلاص لقائدهم الشاه إسماعيل.

٥٣
ومن الطبيعي أن يردّ لهم إسماعيل هذا الجميل، وأن يفي لهم كلّ الوفاء بعد استلامه الحكم، فقلّدهم المناصب السياسيّة والعسكريّة الكبيرة في الدولة، فكانوا بحقّ رجال الثورة وقادتها العسكريين أيام الحرب، والمشرفين على الدولة الذين يحتلّون مناصبها الرئيسيّة أيام السلم.

وعند مجىء الكركي إلى ايران وتطبيق منهجه الاصلاحي، تكوّنت قوّة في مقابل قوّة القزلباش، نستطيع أن نطلق عليها بقوّة العلماء. وبذلك أحسّ كبار هذه الفرقة الصوفيّة بالخطر الذي يُهدّد مصالحهم ومناصبهم، لذلك وقفوا بكلّ قوّة بوجه الكركي وإصلاحاته الاجتماعيّة، وقد وصلت محاربتهم له إلى ذروتها حينما عزم أح د قادتهم محمود مهردار على قتل الكركي.

٢ ـ بعض رجال الدّين الذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء، وعند إعلان الشاه إسماعيل الصفوي رسميّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في البلاد، استجابوا لدعوته وأعلنوا تأييدهم للشاه وللمذهب الجديد.

بعض هؤلاء وقف موقف المعادي والمعاند للكركي، حيث يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وأحقّ بمناصبها السياسيّة الدينيّة من الأجانب الذين جاءوا من وراء الحدود كالمحقّق الكركي الرجل العربي الغريب الذي جاء من قرية صغيرة من لبنان واحتلّ أعلى المناصب في الدولة الصفويّة، واستطاع الحصول على صلاحيات كبيرة من الشاه طهماسب.

لذلك نُشاهدهم يحاولون الوقوف أمام إصلاحات الكركيّ الاجتماعيّة، كتغيير القبلة حيث أعلن الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ـ الذي كان يحتلّ منصب الصدارة في زمن الشاه طهماسب ـ معارضته للكركي في هذا التغيير، وأدى الأمر إلى إجراء المناقشات الحادّة بينه وبين الكركي بحضور الشاه، والتي كانت الغلبة فيها للكركيّ، إلاّ أنّ

٥٤
الدشتكي أصرّ على رأيه وعناده، ممّا أدّى إلى قيام الشاه طهماسب بعزله من منصب الصدارة.

٣ ـ بعض رجال الدّين الشيعة الذين اختلفوا مع الكركي في بعض المباني الفقهيّة والمسائل الشرعيّة، كصلاة الجمعة، وأخذ الخراج حال غيبة الإمام (عليه السلام)، والتعامل مع السلاطين وقبول جوائزهم وهداياهم.

هؤلاء شكّلوا جبهة علمائية قويّة ضدّ الكركي، وبدأوا بردّ مبانيه وآرائه في مجالس البحث، وألّفوا رسائل ناقشوا فيها أقواله في تلك المسائل التي يعتبر بعضها جديداً على الحوزة العلميّة، وفي مقدّمتهم الشيخ إبراهيم القطيفي والميرزا نعمة الله الحلّي.

وقد واجه الكركي من هذه القوى الثلاثة مشاكل جمّة ومعاناة كبيرة، حيث اتّحدت جميعها ضدّة، كلّ يعمل حسب شاكلته وطريقته التي يراها، فحاول بعض العلماء وبمسانده جمع من الأمراء مناقشة الكركي في مجلس السلطان في حكم مسألة صلاة الجمعة والخراج زمن غيبة الإمام (عليه السلام)، بهدف الحطّ من منزلته العلميّة عند الشاه طهماسب، فلم يفلحوا في ذلك ولم يعقد ذلك المجلس.

فعمدوا إلى طريقة أخبث منها، فكتبوا كتاباً يحتوي على أنواع الزور والبهتان يتّهمون فيه الكركي باعتقاده باُمور باطلة، وألقوه في قصر الشاه في تبريز. وعندما اطّلع عليه الشاه عزم على معرفة كاتبه ومسبّبه،، وعندما عرف أنّ الأمير نعمة الله الحلّي كان وراء ذلك الكتاب، عزله من منصبه وأبعده إلى بغداد.

علماً بأنّ هذه الأحداث وقعت في سنة ٩٣٨هـ(١).

وعندما خابت كلّ الحيل في النيل من الكركي وإسقاطه في عين الشاه، لجأ أعداؤه

١ ـ خلاصة التواريخ: ٢١٨.

٥٥
إلى أخسأ طريقة وألأمها تُستعمل عند عجز المختاصمين عن إقناع خصمهم بأرائهم، وهي القتل، فقد أوعزوا إلى أحد قادة القزلباش محمود مهردار للقيام بهذه المهمة. إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى لم تشأ إرادته أن يُقتل الكركي بهذه الطريقة، فنّجاه منها وأهلك خصمه، وذلك في سنة ٩٣٩هـ(١).

الفصل الثالث: حياته العلميّة


عصره ومعاصروه:

يعتبر المحقّق الكركيّ من أعلام النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري، إذ قبل هذا التأريخ كان مشغولا بالدرس والتحصيل، سواء في الحوزة العلميّة التي كانت قائمة آنذاك في جبل عامل، أو في عواصم البلدان الإسلاميّة التي هاجر إليها.

فقد درسَ الكركيّ أوّلا في مسقط رأسه، وفي مطلع القرن العاشر هاجر إلى مصر ودمشق وبيت المقدّس ومكّة المكرّمة حيث تتلّمذ على يد كبار المشايخ هناك واستجاز منهم، كمحمّد بن محمّد بن أبي الشريف (ت ٩٠٦هـ) الذي قرأ عليه في بيت المقدّس(٢)، وزكريا بن محمّد بن أحمد الأنصاري السنيكي الشافعي (ت ٩٢٦هـ) شيخ الإسلام في مصر(٣)، وعلاء الدين البصروي (ت القرن العاشر) اللذين قرأ عليهما في دمشق(٤)، وعبد

١ ـ خلاصة التواريخ: ٢٢٣.

٢ ـ انظر: بحار الأنوار ١٠٥:٦٩ إجازة الكركيّ للقاضي صفي الدين عيسى، شذرات الذهب ٨:٢٩.

٣ ـ رياض العلماء ٤:٤٥٠.

٤ ـ انظر: بحار الأنوار ١٠٥:٦٩ إجازة الكركيّ للقاضي صفي الدين عيسى، رياض العلماء ٣:٤٤٩، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): ١٦١.

٥٦
الرحمن بن الإبانة (ت القرن العاشر) الذي قرأ عليه في مصر(١).

ثمّ عاد إلى جبل عامل وأكمل دراسته على يد اُستاذين من كبار أساتذة ومشايخ كرك نوح آنذاك، واستجاز منهما في شهر رمضان سنة ٩٠٩هـ، هما: علي بن هلال الجزائري(٢)، وإبراهيم بن الحسن الورّاق "الدرّاق"(٣).

وفي هذا الوقت كانت الحوزات العلميّة الشيعيّة مستقرّة في العراق والشام والبحرين، أمّا ايران فلم يكن فيها حوزات علميّة قويّة، وذلك لقلّة الشيعة فيها آنذاك، واعتناق الاُمراء والحكّام لمذهب التسنّن والدفاع عنه. نعم كانت هناك مدارس متفرّقة في بعض المدن الإيرانيّة المتفرّقة كالري وقم، وفي أصفهان كانت هناك مدرسة واحدة يديرها أحد سادات أصفهان هو علاء الدين محمّد(٤)، ولكن المستوى العلمي لهذه المدارس كان ضعيفاً قياساً بالمدارس التي كانت خارج ايران.

ففي العراق كانت الحوزة العلميّة فيها قويّة ومستقرّة في مدينة النجف الأشرف، والتي استمرّت كنتيجة طبيعيّة لمدرسة الحلّة، التي كان لآل طاووس الدور الكبير في ترسيخ قواعدها، ومن بعدهم المحقّق الحلّي (ت ٦٧٦هـ) والعلاّمة الحلّي (ت ٧٢٦هـ) حيث لعبا دوراً هامّاً في تقوية هذه المدرسة المباركة وتقوية مبانيها الفقهيّة، ومن بعدها جاء دور فخر المحقّقين (ت ٧٧٢هـ) ليكمل الشوط الذي كان قد بدأه والده العلاّمة.

وفي الشام عموماً وجبل عامل خصوصاً كانت هناك عدّة مدارس شيعيّة قويّة، أسّسها وعمل على تقويتها عدد من علماء لنان والمهاجرين إليه، كالشهيد الأوّل محمّد

١ ـ رياض العلماء ٣:٤٤٩.

٢ ـ أمل الآمل ١:١٢٢ / ١٢٩، بحار الأنوار ١٠٥:٢٨، رياض العلماء ٤:٢٨٠، تعليقة أمل الآمل: ٥٨، روضات الجنّات ٤:٣٥٦، مستدرك الوسائل "الخاتمة" ٣:٤٣٤.

٣ ـ رياض العلماء ١:١٥ و٤:٢٨١، روضات الجنّات ١:٢٦ و٤:٣٥٧، أعيان الشيعة ٢:١٢٧.

٤ ـ تذكرة الشعراء: ٢٥٦.

٥٧
بن مكي الجزّيني (المستشهد سنة ٧٨٦هـ)، وعلي بن هلال الجزائري (ت في القرن العاشر) الذي هاجر من العراق إلى جبل عامل، وعلي بن عبد العالي الميسي (ت ٩٣٨هـ)، وعشرات آخرين غيرهم.

وفي البحرين التي تُعدّ من أقدم المدن العربيّة التي ترسّخ فيها التشيّع، كان فيها حوزة علميّة اُخرى يقطنها عدد كبير من أفاضل علماء الشيعة آنذاك، وقد غلب التفكير الاخباري على أكثر علمائها، كابن أبي جمهور الأحسائي (ت ٩٠١ ـ ٩٠٧هـ) الذي كان من أفضل علماء البحرين في القرن التاسع، والشيخ إبراهيم القطيفي (ت بعد ٩٤٥هـ) المعاصر للمحقّق الكركي والمخالف له.

وفي مقابل الحوزات العلميّة الشيعيّة كان لأهل السنّة عدّة حوزات عمليّة ومدارس مستقرّة في البلدان العربيّة كدمشق والقاهرة وبيت المقدّس ومكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.

أمّا في ايران فقد كانت المراكز العلميّة السنيّة منتشرة في أغلب المدن فيها، خصوصاً في شيراز التي كانت تعتبر أهم مركز علمي في ذلك العصر، حيث تخرّج منها عدد من كبار العلماء، كالمفسّر الكبير البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) والمتكلّم الفيلسوف الدواني (ت ٩٠٨هـ)، وعلماء اُسرة الدشتكي كغياث الدين منصور (ت في القرن العاشر) المعاصر للمحقّق الكركي والصدر في زمن الشاه طهماسب.

ومدينة هراة كان فيها أيضاً حوزة علميّة قويّة زاخرة بكثير من العلماء والشعراء، كالمولى عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد الدشتي الفارسي الصوفي النحوي الصرفي (ت ٨٩٨هـ) الذي ينتهي نسبه إلى محمّد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.

والجامّي الذي كان أحد مشايخ الطريقة النقشبنديّة، ومن الشعراء والعلماء

٥٨
المشهورين في العالم الإسلامي(١).

وسيف الدين أحمد التفتازاني (ت ٩١٦هـ)، الذي كان شيخ الإسلام في هراة لمدّة ثلاثين سنة، والذي قتله الشاه إسماعيل الصفوي بعد فتحه هراة(٢).

وغياث الدين بن همام الدّين الحسيني المدعو بخواند أمير (ت ٩٤١هـ)، الذي يُعدّ من المؤرّخين في ذلك الوقت.

وبعد قيام الدولة الصفويّة وإعلان رسميّة المذهب الشيعي في ايران، (ت ٩٥٧هـ)(٣)، وعائلة الدشتكي وفي مقدّمتهم غياث الدين منصور.

ومنهم من لم يعتنق التشيّع وهرب إلى المناطق المخاضعة للدولة العثمانية أو التي كانت تحت سيطرة التيموريين، مثل فضل الله بن روز بهان الخنجي (ت في القرن العاشر)، الذي شجّعه اُمراء الاُوزبك على التأليّف ضد الشيعة عموماً والدولة الصفويّة خوصاً(٤).

ومنهم من لم يعتنق التشيّع ولم يفرّ إلى المدن الاُخرى، فأصبح ضحيّة السياسة الدمويّة للشاه إسماعيل الصفوي، حيث أمرَ بقتلهم ومصادرة أموالهم، كالقاضي الميبدي (ت ٩١٠هـ)، وسيف الدين أحمد التفتازاني (ت ٩١٦هـ).

وبعد هجرة المحقّق الكركيّ إلى ايران انتشرت المدارس العلميّة الشيعيّة فيها، حيث عمل بكلّ جدّ ومثابرة على إنشاء حوزات علميّة في مدن ايرانيّة كثيرة، خصوصاً كاشان وأصفهان حيث أسّس فيهما حوزتين كبيرتين ضمّت أعداداً كبيرة من طلبة العلوم الدينيّة، ووضع لهم الكركيّ منهجاً دراسيّاً عميقاً، وصرف لهم رواتب شهريّة لكي يتقرّغوا

١ ـ كشف الأسرار "المقدّمة" ١:١٤١.

٢ ـ حبيب السّير ٤:٦١، خلاصة التواريخ: ١١٣.

٣ ـ حبيب السّير ٤:٦١١.

٤ ـ دين وسياست در دور صفوى: ٣٨١ ـ ٣٨٢.

٥٩
لطلب العلم.

منهجه في البحث العلمي:

تميّز المحقّق الكركي في كافّة مؤلّفاته بمنهج علميّ رصين، مبنيّ على اُسس وقواعد فقهيّة واُصوليّة تكون تارةً مشتركة بين كافة العلماء تقريباً، وتارةً اُخرى تكون مختصّة بصاحبها الكركي الذي ابتكرها وعمل على تطويرها في كافة مراحل حياته العلميّة، حتّى عرفت أبحاثه بقوّة المباني ومتانة الاستدلالات.

وفي أصل الكتاب بيّنا بشكل مفصّل المنهج الذي اتّبعه الكركي في تآليفه، وأوضحنا أهمّ أدواته ووسائله في استنباطه الأحكام الشرعيّة، وكيفيّة تعامله مع مصدَرَي التشريع الإسلامي الكتاب والسنّة، واستعانته بعلم الاُصول في معالجته لكثير من المسائل الفقهيّة المستعصية، واستفادته من كتب اللغة وبعض الأبيات الشعريّة، وكان ذلك تحت العناوين التالية: القرآن الكريم، السنّة المطهّرة، الإجماع، الأدلّة العقليّة، علم الاُصول، تعريفه لبعض المؤلّفات، استشهاده بالسفر.

دوره في تطوّر الفقه:

مرّ الفقه الشيعي عبر مسيرته المباركة بعدّة مراحل، ابتداءً من مرحلة التشريع، وانتهاءً بمرحلة التكامل، ومروراً بمرحلة التدوين، فالتطوّر، فالجمود والتقليد، فالنهوض، فالرشد والنموّ.

وكلّ مرحلة من هذه المراحل لها خصوصيّاتها التي تميّزها عن غيرها، ولها علماء قُرنت أسماؤهم بها حيث عملوا على ترسيخ دعائمها ووضع اُسسها الفقهيّة.

ويعتبر المحقّق الكركيّ حلقة الوصل بين مرحلتين مهمّتين من مراحل تطوّر الفقه الشيعي، هما مرحلة الرشد والنمو ومرحلة التكامل، وقد بيّنا ذلك في أصل الكتاب بشكل مفصّل.

٦٠