المكتبة العقائدية » مقتطفات من موسوعة حياة المحقق الكركي وآثاره (لـ محمد الحسّون)



الصفحة 50
أن نطرح السؤال التالي:

لماذا ترك الكركي ايران ثانيةً؟

هناك رأي طرحه وتبنّاه الدكتور حسن عباس نصر الله في كتابه "تأريخ كرك نوح" يذهب إلى أنّ خروج الكركي من ايران ثانيةً وعودته إلى العراق كان لأسباب سياسيّة بحتة، وهي الدعوة للدولة الصفويّة في العراق وإقامة دولة إسلاميّة فيه.

يقول الدكتور نصر الله في كتابه عند حديثه عن وفاة الكركي فيه مدينة النجف الأشرف: والظاهر أنّه قطنها في أواخر أيامه لأمر سياسي لا قصداً للزيارة(1).

وفي موضع آخر يقول: إنّني أعتقد أنّ الشيخ الكركي دخل العراق بمهمّة سياسيّة تقضي بالدعوة للدولة الصفويّة، ولإقامة دولة الإسلام على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً بعدما فوّض إليه الشاه طهماسب كلَّ الاُمور، ولقّبه نائب الإمام، وأطلق يده في شؤون الدولة. والمصادر لا تذكر جفوة بين الرجلين، بل تؤكّد إخلاص الشاه للمحقّق بعد وفاته إذ عيّن ختنه الشيخ بهاء الدين العاملي خليفة له(2).

وإنّي أقف أمام هذا الرأي موقف المتحيّر، كيف يذهب إليه مؤلّفٌ كتبَ عن كرك نوح وادّعى أنّه أحاط بكلّ ما يتعلّق بها وبرجالها. ولو أجال هذا الدكتور النظرَ في اُمّهات الكتب التأريخيّة، وتعرّف على جميع المعاناة التي لاقاها الكركيّ في ايران لغيّر رأيه حتماً.

ولو قرأ ما ذكره المؤرّخ الايراني حسن بيك روملو، حيث صرّح بأنّ الرخصة قد صدرت من الشاه طهماسب للكركي بالتوجّه إلى عراق العرب(3)، لما ادّعى عدم حصول

____________

1 ـ تأريخ كرك نوح: 140.

2 ـ تأريخ كرك نوح: 145.

3 ـ أحسن التواريخ: 254.


الصفحة 51
"جفوة بين الرجلين".

وعلى كلّ حال فإنّ ما نكتبه في الأسطر والصفحات التالية يبيّن خطأ هذا الإدّعاء، فنقول:

إنّنا نجزم بأنّ الكركي لم يترك ايران ويتوجّه إلى العراق باختياره، وهو يجني يوميّاً ثمار عمله الدؤوب، ويشاهد نجاح خطّته التبليغيّة التي رسمها وبذل في تطبيقها كلّ ما في وسعه، وتحمّل من أجلها مصاعب جمّة كادت تودي بحايته. بل خرج مكرهاً منها بعد أن تجمّعت في وجهه قوى كبيرة لم تدّخر وسيلة للنيل منه، والظاهر أنّ الشاه طهماسب خشي مغبّة انفجار الصراع فلجأ إلى إبعاد الكركي إلى العراق.

ويشهد لذلك أنّ المؤرّخ الإيراني حسن بيك روملو المعاصر للمحقّق الكركي قد صرّح بذلك في كتابه الفارسي "أحسن التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة 980هـ، حيث ربط بين محاولة خصوم الكركي نقل نشاطهم ضدّه من الخفاء إلى العلن، وبين صدور الرخصة لخاتم المجتهدين بالتوجّه إلى عراق العرب(1)، هذه الرخصة هي تعبير ملطف عن الإبعاد.

وصرّح بذلك أيضاً المؤرّخ الايراني الآخر السيّد عبد الحسين الحسيني الخاتون آبادي (ت 1105هـ) حيث قال في وقائع سنة 940هـ: وقد خرجت الرخصة للكركي بالتوجّه لعراق العرب(2).

وآخر تأريخ يدلّ على تواجد الكركي في ايران هو السادس من شهر جمادى الأولى سنة 939هـ، وهو تأريخ إجازته لعلي بن الحسن الزواري(3)، حيث توجّه الكركي

____________

1 ـ أحسن التواريخ: 254.

2 ـ وقائع السنين والأعوام: 462.

3 ـ طبقات خلفاء وأصحاب أئمة: 412، أعيان الشيعة 8:186 و368، مستدرك أعيان الشيعة 5:313، الذريعة 4:75/310، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): 136 و152.


الصفحة 52
بعده إلى العراق واستقرّ في مدينة النجف الأشرف لمدّة سنة ونصف تقريباً، توفّي بعدها في الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة 940هـ. وكُتب التأريخ لم تُسجّل للكركي أي نشاط علمي أو سياسي أو اجتماعي، فرغم تتبّعي الكثير لهذه المصادر لم أعثر له على شيء يذكر في هذه الفترة.

والظاهر أنّه آثر العُزلة في اُخريات حياته، واكتفى بالتفرّج على الأحداث السياسيّة والعسكريّة الساخنة التي كانت تجري على الحدود العراقيّة الايرانيّة آنذاك، المتمثلة باستعداد السلطان سليمان القانوني لاحتلال العراق، وفي مقابلة كان الشاه طهماسب يجمع جيوشه ويستعدّ لخوض معركة كبيرة ضدّ القوات العثمانيّة.

إلاّ أنّ القدر شاء أن يموت الكركي ولم يرَ الجيوش العثمانيّة تحتلّ العراق، حيث دخل السلطان سليمان القانوني بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة 941هـ، أي بعد خمسة أشهر وستّة أيام من وفاة الكركي.

معاناة الكركي في ايران

أدّى النجاح الذي حقّقه الكركي في ايران، والصلاحيّات الكبيرة التي منحها الشاه طهماسب له، إلى ظهور عدّة قوى مخالفة للكركي، يتمتّع رجالها بمناصب سياسيّة ودينيّة كبيرة في الدولة الصفويّة، نستطيع أن نحصرها في ثلاث قوى:

1 ـ رجال الفرقة الصفويّة المعروفة بـ"القزلباش"، الذين كان لهم دور مهم في إنجاح ثورة الشاه إسماعيل وايصال العائلة الصفويّة إلى الحكم، حيث خاضوا معارك ضارية ضدّ أعدائهم، وقدّموا أعداداً كبيرة من الضحايا، وضربوا أروع آيات الفداء والتضحية والإخلاص لقائدهم الشاه إسماعيل.


الصفحة 53
ومن الطبيعي أن يردّ لهم إسماعيل هذا الجميل، وأن يفي لهم كلّ الوفاء بعد استلامه الحكم، فقلّدهم المناصب السياسيّة والعسكريّة الكبيرة في الدولة، فكانوا بحقّ رجال الثورة وقادتها العسكريين أيام الحرب، والمشرفين على الدولة الذين يحتلّون مناصبها الرئيسيّة أيام السلم.

وعند مجىء الكركي إلى ايران وتطبيق منهجه الاصلاحي، تكوّنت قوّة في مقابل قوّة القزلباش، نستطيع أن نطلق عليها بقوّة العلماء. وبذلك أحسّ كبار هذه الفرقة الصوفيّة بالخطر الذي يُهدّد مصالحهم ومناصبهم، لذلك وقفوا بكلّ قوّة بوجه الكركي وإصلاحاته الاجتماعيّة، وقد وصلت محاربتهم له إلى ذروتها حينما عزم أح د قادتهم محمود مهردار على قتل الكركي.

2 ـ بعض رجال الدّين الذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء، وعند إعلان الشاه إسماعيل الصفوي رسميّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في البلاد، استجابوا لدعوته وأعلنوا تأييدهم للشاه وللمذهب الجديد.

بعض هؤلاء وقف موقف المعادي والمعاند للكركي، حيث يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وأحقّ بمناصبها السياسيّة الدينيّة من الأجانب الذين جاءوا من وراء الحدود كالمحقّق الكركي الرجل العربي الغريب الذي جاء من قرية صغيرة من لبنان واحتلّ أعلى المناصب في الدولة الصفويّة، واستطاع الحصول على صلاحيات كبيرة من الشاه طهماسب.

لذلك نُشاهدهم يحاولون الوقوف أمام إصلاحات الكركيّ الاجتماعيّة، كتغيير القبلة حيث أعلن الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ـ الذي كان يحتلّ منصب الصدارة في زمن الشاه طهماسب ـ معارضته للكركي في هذا التغيير، وأدى الأمر إلى إجراء المناقشات الحادّة بينه وبين الكركي بحضور الشاه، والتي كانت الغلبة فيها للكركيّ، إلاّ أنّ


الصفحة 54
الدشتكي أصرّ على رأيه وعناده، ممّا أدّى إلى قيام الشاه طهماسب بعزله من منصب الصدارة.

3 ـ بعض رجال الدّين الشيعة الذين اختلفوا مع الكركي في بعض المباني الفقهيّة والمسائل الشرعيّة، كصلاة الجمعة، وأخذ الخراج حال غيبة الإمام (عليه السلام)، والتعامل مع السلاطين وقبول جوائزهم وهداياهم.

هؤلاء شكّلوا جبهة علمائية قويّة ضدّ الكركي، وبدأوا بردّ مبانيه وآرائه في مجالس البحث، وألّفوا رسائل ناقشوا فيها أقواله في تلك المسائل التي يعتبر بعضها جديداً على الحوزة العلميّة، وفي مقدّمتهم الشيخ إبراهيم القطيفي والميرزا نعمة الله الحلّي.

وقد واجه الكركي من هذه القوى الثلاثة مشاكل جمّة ومعاناة كبيرة، حيث اتّحدت جميعها ضدّة، كلّ يعمل حسب شاكلته وطريقته التي يراها، فحاول بعض العلماء وبمسانده جمع من الأمراء مناقشة الكركي في مجلس السلطان في حكم مسألة صلاة الجمعة والخراج زمن غيبة الإمام (عليه السلام)، بهدف الحطّ من منزلته العلميّة عند الشاه طهماسب، فلم يفلحوا في ذلك ولم يعقد ذلك المجلس.

فعمدوا إلى طريقة أخبث منها، فكتبوا كتاباً يحتوي على أنواع الزور والبهتان يتّهمون فيه الكركي باعتقاده باُمور باطلة، وألقوه في قصر الشاه في تبريز. وعندما اطّلع عليه الشاه عزم على معرفة كاتبه ومسبّبه،، وعندما عرف أنّ الأمير نعمة الله الحلّي كان وراء ذلك الكتاب، عزله من منصبه وأبعده إلى بغداد.

علماً بأنّ هذه الأحداث وقعت في سنة 938هـ(1).

وعندما خابت كلّ الحيل في النيل من الكركي وإسقاطه في عين الشاه، لجأ أعداؤه

____________

1 ـ خلاصة التواريخ: 218.


الصفحة 55
إلى أخسأ طريقة وألأمها تُستعمل عند عجز المختاصمين عن إقناع خصمهم بأرائهم، وهي القتل، فقد أوعزوا إلى أحد قادة القزلباش محمود مهردار للقيام بهذه المهمة. إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى لم تشأ إرادته أن يُقتل الكركي بهذه الطريقة، فنّجاه منها وأهلك خصمه، وذلك في سنة 939هـ(1).

الفصل الثالث: حياته العلميّة


عصره ومعاصروه:

يعتبر المحقّق الكركيّ من أعلام النصف الأوّل من القرن العاشر الهجري، إذ قبل هذا التأريخ كان مشغولا بالدرس والتحصيل، سواء في الحوزة العلميّة التي كانت قائمة آنذاك في جبل عامل، أو في عواصم البلدان الإسلاميّة التي هاجر إليها.

فقد درسَ الكركيّ أوّلا في مسقط رأسه، وفي مطلع القرن العاشر هاجر إلى مصر ودمشق وبيت المقدّس ومكّة المكرّمة حيث تتلّمذ على يد كبار المشايخ هناك واستجاز منهم، كمحمّد بن محمّد بن أبي الشريف (ت 906هـ) الذي قرأ عليه في بيت المقدّس(2)، وزكريا بن محمّد بن أحمد الأنصاري السنيكي الشافعي (ت 926هـ) شيخ الإسلام في مصر(3)، وعلاء الدين البصروي (ت القرن العاشر) اللذين قرأ عليهما في دمشق(4)، وعبد

____________

1 ـ خلاصة التواريخ: 223.

2 ـ انظر: بحار الأنوار 105:69 إجازة الكركيّ للقاضي صفي الدين عيسى، شذرات الذهب 8:29.

3 ـ رياض العلماء 4:450.

4 ـ انظر: بحار الأنوار 105:69 إجازة الكركيّ للقاضي صفي الدين عيسى، رياض العلماء 3:449، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): 161.


الصفحة 56
الرحمن بن الإبانة (ت القرن العاشر) الذي قرأ عليه في مصر(1).

ثمّ عاد إلى جبل عامل وأكمل دراسته على يد اُستاذين من كبار أساتذة ومشايخ كرك نوح آنذاك، واستجاز منهما في شهر رمضان سنة 909هـ، هما: علي بن هلال الجزائري(2)، وإبراهيم بن الحسن الورّاق "الدرّاق"(3).

وفي هذا الوقت كانت الحوزات العلميّة الشيعيّة مستقرّة في العراق والشام والبحرين، أمّا ايران فلم يكن فيها حوزات علميّة قويّة، وذلك لقلّة الشيعة فيها آنذاك، واعتناق الاُمراء والحكّام لمذهب التسنّن والدفاع عنه. نعم كانت هناك مدارس متفرّقة في بعض المدن الإيرانيّة المتفرّقة كالري وقم، وفي أصفهان كانت هناك مدرسة واحدة يديرها أحد سادات أصفهان هو علاء الدين محمّد(4)، ولكن المستوى العلمي لهذه المدارس كان ضعيفاً قياساً بالمدارس التي كانت خارج ايران.

ففي العراق كانت الحوزة العلميّة فيها قويّة ومستقرّة في مدينة النجف الأشرف، والتي استمرّت كنتيجة طبيعيّة لمدرسة الحلّة، التي كان لآل طاووس الدور الكبير في ترسيخ قواعدها، ومن بعدهم المحقّق الحلّي (ت 676هـ) والعلاّمة الحلّي (ت 726هـ) حيث لعبا دوراً هامّاً في تقوية هذه المدرسة المباركة وتقوية مبانيها الفقهيّة، ومن بعدها جاء دور فخر المحقّقين (ت 772هـ) ليكمل الشوط الذي كان قد بدأه والده العلاّمة.

وفي الشام عموماً وجبل عامل خصوصاً كانت هناك عدّة مدارس شيعيّة قويّة، أسّسها وعمل على تقويتها عدد من علماء لنان والمهاجرين إليه، كالشهيد الأوّل محمّد

____________

1 ـ رياض العلماء 3:449.

2 ـ أمل الآمل 1:122 / 129، بحار الأنوار 105:28، رياض العلماء 4:280، تعليقة أمل الآمل: 58، روضات الجنّات 4:356، مستدرك الوسائل "الخاتمة" 3:434.

3 ـ رياض العلماء 1:15 و4:281، روضات الجنّات 1:26 و4:357، أعيان الشيعة 2:127.

4 ـ تذكرة الشعراء: 256.


الصفحة 57
بن مكي الجزّيني (المستشهد سنة 786هـ)، وعلي بن هلال الجزائري (ت في القرن العاشر) الذي هاجر من العراق إلى جبل عامل، وعلي بن عبد العالي الميسي (ت 938هـ)، وعشرات آخرين غيرهم.

وفي البحرين التي تُعدّ من أقدم المدن العربيّة التي ترسّخ فيها التشيّع، كان فيها حوزة علميّة اُخرى يقطنها عدد كبير من أفاضل علماء الشيعة آنذاك، وقد غلب التفكير الاخباري على أكثر علمائها، كابن أبي جمهور الأحسائي (ت 901 ـ 907هـ) الذي كان من أفضل علماء البحرين في القرن التاسع، والشيخ إبراهيم القطيفي (ت بعد 945هـ) المعاصر للمحقّق الكركي والمخالف له.

وفي مقابل الحوزات العلميّة الشيعيّة كان لأهل السنّة عدّة حوزات عمليّة ومدارس مستقرّة في البلدان العربيّة كدمشق والقاهرة وبيت المقدّس ومكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة.

أمّا في ايران فقد كانت المراكز العلميّة السنيّة منتشرة في أغلب المدن فيها، خصوصاً في شيراز التي كانت تعتبر أهم مركز علمي في ذلك العصر، حيث تخرّج منها عدد من كبار العلماء، كالمفسّر الكبير البيضاوي (ت 685 هـ) والمتكلّم الفيلسوف الدواني (ت 908هـ)، وعلماء اُسرة الدشتكي كغياث الدين منصور (ت في القرن العاشر) المعاصر للمحقّق الكركي والصدر في زمن الشاه طهماسب.

ومدينة هراة كان فيها أيضاً حوزة علميّة قويّة زاخرة بكثير من العلماء والشعراء، كالمولى عبد الرحمن بن أحمد بن محمّد الدشتي الفارسي الصوفي النحوي الصرفي (ت 898هـ) الذي ينتهي نسبه إلى محمّد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.

والجامّي الذي كان أحد مشايخ الطريقة النقشبنديّة، ومن الشعراء والعلماء


الصفحة 58
المشهورين في العالم الإسلامي(1).

وسيف الدين أحمد التفتازاني (ت 916هـ)، الذي كان شيخ الإسلام في هراة لمدّة ثلاثين سنة، والذي قتله الشاه إسماعيل الصفوي بعد فتحه هراة(2).

وغياث الدين بن همام الدّين الحسيني المدعو بخواند أمير (ت 941هـ)، الذي يُعدّ من المؤرّخين في ذلك الوقت.

وبعد قيام الدولة الصفويّة وإعلان رسميّة المذهب الشيعي في ايران، (ت 957هـ)(3)، وعائلة الدشتكي وفي مقدّمتهم غياث الدين منصور.

ومنهم من لم يعتنق التشيّع وهرب إلى المناطق المخاضعة للدولة العثمانية أو التي كانت تحت سيطرة التيموريين، مثل فضل الله بن روز بهان الخنجي (ت في القرن العاشر)، الذي شجّعه اُمراء الاُوزبك على التأليّف ضد الشيعة عموماً والدولة الصفويّة خوصاً(4).

ومنهم من لم يعتنق التشيّع ولم يفرّ إلى المدن الاُخرى، فأصبح ضحيّة السياسة الدمويّة للشاه إسماعيل الصفوي، حيث أمرَ بقتلهم ومصادرة أموالهم، كالقاضي الميبدي (ت 910هـ)، وسيف الدين أحمد التفتازاني (ت 916هـ).

وبعد هجرة المحقّق الكركيّ إلى ايران انتشرت المدارس العلميّة الشيعيّة فيها، حيث عمل بكلّ جدّ ومثابرة على إنشاء حوزات علميّة في مدن ايرانيّة كثيرة، خصوصاً كاشان وأصفهان حيث أسّس فيهما حوزتين كبيرتين ضمّت أعداداً كبيرة من طلبة العلوم الدينيّة، ووضع لهم الكركيّ منهجاً دراسيّاً عميقاً، وصرف لهم رواتب شهريّة لكي يتقرّغوا

____________

1 ـ كشف الأسرار "المقدّمة" 1:141.

2 ـ حبيب السّير 4:61، خلاصة التواريخ: 113.

3 ـ حبيب السّير 4:611.

4 ـ دين وسياست در دور صفوى: 381 ـ 382.


الصفحة 59
لطلب العلم.

منهجه في البحث العلمي:

تميّز المحقّق الكركي في كافّة مؤلّفاته بمنهج علميّ رصين، مبنيّ على اُسس وقواعد فقهيّة واُصوليّة تكون تارةً مشتركة بين كافة العلماء تقريباً، وتارةً اُخرى تكون مختصّة بصاحبها الكركي الذي ابتكرها وعمل على تطويرها في كافة مراحل حياته العلميّة، حتّى عرفت أبحاثه بقوّة المباني ومتانة الاستدلالات.

وفي أصل الكتاب بيّنا بشكل مفصّل المنهج الذي اتّبعه الكركي في تآليفه، وأوضحنا أهمّ أدواته ووسائله في استنباطه الأحكام الشرعيّة، وكيفيّة تعامله مع مصدَرَي التشريع الإسلامي الكتاب والسنّة، واستعانته بعلم الاُصول في معالجته لكثير من المسائل الفقهيّة المستعصية، واستفادته من كتب اللغة وبعض الأبيات الشعريّة، وكان ذلك تحت العناوين التالية: القرآن الكريم، السنّة المطهّرة، الإجماع، الأدلّة العقليّة، علم الاُصول، تعريفه لبعض المؤلّفات، استشهاده بالسفر.

دوره في تطوّر الفقه:

مرّ الفقه الشيعي عبر مسيرته المباركة بعدّة مراحل، ابتداءً من مرحلة التشريع، وانتهاءً بمرحلة التكامل، ومروراً بمرحلة التدوين، فالتطوّر، فالجمود والتقليد، فالنهوض، فالرشد والنموّ.

وكلّ مرحلة من هذه المراحل لها خصوصيّاتها التي تميّزها عن غيرها، ولها علماء قُرنت أسماؤهم بها حيث عملوا على ترسيخ دعائمها ووضع اُسسها الفقهيّة.

ويعتبر المحقّق الكركيّ حلقة الوصل بين مرحلتين مهمّتين من مراحل تطوّر الفقه الشيعي، هما مرحلة الرشد والنمو ومرحلة التكامل، وقد بيّنا ذلك في أصل الكتاب بشكل مفصّل.


الصفحة 60

مدرسة المحقّق الكركي:

استطاع الشهيد الأوّل إرساء قواعد مدرسة فقهيّة اُصوليّة عميقة لها اُصولها ومبانيها الخاصّة بها، وفتحَ أمام الفقه الشيعي آفاقاً واسعة جديدة كانت من أسباب ترقّية وازدهاره وتطوّره. فألّف (رحمه الله) في الفقه الاستدلالي التفريعي، فثبّت أركانه وشيّد معالمه، متأثّراً بمدرسة العلاّمة الحلّي (ت 726هـ)، الذي هو بدوره كان متأثّراً بمدرسة الشيخ الطوسي (460هـ).

وبعد قرن ونصف تقريباً من وفاة الشهيد الأوّل بدأت مدرسة اُخرى أصلها من جبل عامل أيضاً، رائدها وحامل لوائها وواضع لبناتها الاُولى واُسسها الفكريّة هو المحقّق الكركي. فقد استطاع هذا العالم الجليل بناء مدرسة فكريّة جديدة، وهي وإن كانت تابعة لمدرسة الشهيد في خطوطها العريضة، إلاّ أنّها تنفرد عنها بميّزاتها الخاصة وخصائصها العلميّة. عُرفت هذه المدرسة تارةً بمدرسة الكركيّ، وأخرى بالفقه الصفوي أو فقه الدولة الصفويّة. وقد استمرت ملامح هذه المدرسة حتّى أوائل القرن الثالث عشر عند ظهور المجدّد الكبير الوحيد البهبهاني.

وقد تميّز الكركي عمّن سبقه بصفتين مهمّتين.

الاُولى: قوّة مبانيّة، ومتانة استدلالاته، وأنّ احتجاجاته مفحمة ومسكتة، لذا قيل: إنّ الاستدلالات الفقهيّة عند مَن سبقه لم تكن بالمستوى المطلوب. وهذا بلا شكّ نابع من قوّة أثره على معاصريه ومن جاء بعده.

وكان (رحمه الله) يناقش آراء السابقين بمتانة خاصّة بعد ذكر آرائهم ودلائلهم وبراهينهم، ومن ثمّ يفندّها باسلوب أجود وأمتن وأدقّ.

الثانية: بحثه لمسائل جديدة لم يُعر لها السابقون أي أهميّة تُذكر كحدود اختيارات الفقيه وصلاة الجمعة والخراج; وذلك لاحتياج الدولة الشيعيّة الحاكمة في ايران لها خلال


الصفحة 61
تلك الفترة، ولابتلاء الناس بهذه المسائل.

وقد تأثّر بأفكار الكركي عدد من كبار علمائنا، شكّلوا فيما بعد المدرسة الفقهيّة الكركيّة، منهم: الشيخ عزّ الدّين الحسين بن عبد الصمد الجبعي الحارثي الهمداني العاملي (ت 984هـ) والد الشيخ البهائي، والشيخ تاج الدّين أبو محمّد عبد العالي ابن المحقّق الكركي (ت 993هـ)، والسيّد محمد باقر بن محمّد الحسيني الاسترابادي المعروف بـ "الميرداماد" ت (1041هـ)، والشيخ بهاء الدين محمّد بن الحسين بن عبد الصمد إلى زين الهمداني الجبعي (ت 1030هـ).

وفي مقابل مدرسة المحقّق الكركي نشأت مدرسة أخرى، رائدها وحامل لوائها هو المقدّس الأردبيلي أحمد بن محمّد (ت 993هـ) مؤلّف الكتاب الكبير المعروف "مجمع الفائدة والبرهان"، وهو شرح لكتاب "إرشاد الأذهان" للعلاّمة الحلّي. مع أنّ المقدّس الأردبيلي لم يكن ذا تجديد خاصّ، ولم تكن له مبان مستقلّة، بل كانت له طريقته الخاصّة في الاستدلال الفقهي، فهو يعتمد في استدلاله على الفكر والاجتهاد التحليلي من دون النظر إلى آراء بقيّة العلماء. ومع ذلك فقد كان لمدرسته أتباع من مشاهير علمائنا منهم: السيّد محمّد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي (ت1009هـ) صاحب كتاب "مدارك الأحكام"، والشيخ جمال الدين الحسن ابن الشيخ زين الدين العاملي الجبعي (ت 1011هـ)، والمولى محمد باقر بن محمد مؤمن الخراساني السبزواري (ت 109هـ)، والمولى محمّد محسن ابن الشاه مرتضى ابن الشاه محمود، المعروف بالفيض الكاشاني (ت 1091هـ).

أساتذته وشيوخه:

قرأ المحقّق الكركيّ أفاضل عصره واختصّ بهم ولازمهم كثيراً وأخذ عنهم، سواء


الصفحة 62
منهم أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أم أتباع مدرسة الخلفاء. حيث بدأ دراسته في مسقط رأسه كرك نوح، ثمّ شدّ الرحال إلى العواصم العلميّة الإسلاميّة آنذاك(1).

وقبل سرد أسماء أساتذة الكركي وشيوخه، لابدّ من الوقوف على عدّة نقاط:

الاُولى: الذي عثرتُ عليه أثناء تفحّصي في كتب التراجم والسّير، هو سبعة أعلام، ثبتَ عندي أنّ الكركيّ قرأ عليهم، ثلاثة من علماء الشيعة، وأربعة من علماء أبناء السنّة.

وهذا لا يعني أنّ هذا العدد يمثّل كافّة الأساتذة والشيوخ الذين قرأ عليهم الكركي; لأنّه يذكر في إجازاته أنّ له كثيراً من الأساتذة والشيوخ، وأنّ طرقه في الرواية كثيرة جداً، كإجازته لأحمد بن محمّد بن خاتون ولولديه نعمة الله علي وزين الدين جعفر، الصادرة لهم في مدينة النجف الأشرف، في الخامس عشر من شهر جمادى الاُولى سنة 931هـ(2).

وإجازته لعلي بن عبد العالي الميسيّ ولولده إبراهيم، الصادرة لهما في مدينة بغداد، في الحادي والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 934هـ(3).

وإجازته لزين الدين بابا شيخ علي بن كمال الدين مير حبيب الله الجزردانيّ، الصادرة له في مدينة النجف الأشرف في الحادي عشر من شهر صفر سنة 928هـ(4).

وإجازته للقاضي صفي الدين عيسى، الصادرة له في مدينة أصفهان، في التاسع من شهر رمضان سنة 937هـ(5).

وإجازته للقاضي صفي الدين عيسى، الصادرة له في مدينة أصفهان، في التاسع من

____________

1 ـ رياض العلماء 3:448، مستدرك الوسائل "الخاتمة" 3:241، ماضي النجف وحاضرها 3:241.

2 ـ أعيان الشيعة 3:137.

3 ـ بحار الأنوار 105:40.

4 ـ بحار الأنوار 105:40.

5 ـ بحار الأنوار 105:69.


الصفحة 63
شهر رمضان سنة 937هـ(1).

الثانية: عثرتُ على عشرة أعلام، عدّهم بعض علمائنا المؤرّخين وبعض معاصرينا المؤلّفين من أساتذة وشيوخ الكركي، وقد ثبتَ عندي أنّهم ليسوا من شيوخه، وقد فصّلت القول فيهم من أصل الكتاب.

الثالثة: قرأ الكركي في بلدته كرك نوح على علمين من أعلام عصره، وذلك قبل هجرته إلى عواصم البلدان الإسلاميّة في مطلع القرن العاشر، وبعدها على أربعة أعلام في دمشق وبيت المقدس ومصر ومكّة المكرمة.

وهذا يعني أنّه لم يقرأ على أحد في مدينة النجف الأشرف بعد هرجته إليها سنة 909هـ، ولا في ايران، سواء في هجرته الأُولى إليها سنة 916هـ، أو الثانية سنة 936هـ.

أي أنّه لم يشدّ الرحال إلى مدينة النجف الأشرف للدراسة على علمائها، ولم يبدأ تحرّكه العلمي والسياسي في العراق وايران إلاّ بعد وصوله إلى مرتبة علميّة مرموقة تمثّلت بحصوله على شهادات علميّة من أساتذته وشيوخة.

أمّا أسماء أساتذته وشيوخه ـ الذين ذكرتهم في أصل الكتاب بشكل مفصّل ـ فهم: إبراهيم بن الحسن الورّاق "الدّراق"، وزكريا الأنصاري، وعبد الرحمن بن الإبانة الأنصاري، وعلاء الدين البصروي، وعلي بن هلال الجزائري، ومحمّد ابن أبي الشريف المقدسي، ومحمّد بن خاتون العاملي.

تلامذته والراوون عنه:

من النشاطات العلميّة التي تُذكر للمحقّق الكركي هي تربيّته لعدد كبير من التلامذة،

____________

1 ـ بحار الأنوار 105:69.


الصفحة 64
حتّى إنّه قد تخرّج من عالي درسه أربعمائة مجتهد.

فقد اهتمّ الكركي بشكل ملحوظ في تخريج علماء يأخذون على عاتقهم تطبيق البرنامج العلمي الإصلاحي الذي رسمه عند دخوله ايران، وإشرافه على الشؤون الدينيّة في كافة أنحاء الدولة الصفويّة، خصوصاً زمن الشاه طهماسب الصفوي (ت 984هـ).

ولاحظ الكركي أنّ نشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يتمّ إلاّ بواسطة مجموعة كبيرة من العلماء المؤمنين التابعين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ المذهب الرسمي لايران قبل نشوء الدولة الصفويّة هو المذهب السنّي، وأنّ عدد العلماء الشيعة كان قليلا جدّاً لا يتناسب وطموحات الكركي الكبيرة، لذلك نجده يوجّه الدعوة تلو الدعوة لعلماء لبنان للتوجّه إلى ايران والقيام بهذا الواجب الديني الكبير.

وتلامذته والراوون عنه الذين تعرّفت عليهم ـ وفصّلت القول فيهم في أصل الكتاب ـ فهم: إبراهيم المبسي، إبراهيم الخوانساري، أبو البركات، أبو المعالي الاسترابادي، أسد الله التُستري، أحمد الجامعي، أحمد بن خاتون، أحمد الخوانساري، بابا شيخ علي، باختيار، جابر العاملي، جعفر بن خاتون، حسن العزيزي، حسن الاسترابادي الجرجاني، حسن الموسوي الكركي، حسن الجامعي، حسين الموسوي الكركي، حسين بن عدار، حسين الهجري، حسين الحرّ، درويش محمّد العاملي، رحمة الله الفنّان، زين الدين الفقعاني، عبد الحيّ الاسترابادي، عبد العالي الكركي، عبد العباس الجزائري، عبد العلي بن أحمد الاسترابادي، عبد العلي بن علي الاسترابادي، عبد الله اليزدي، عطاء الله الآملي، علي بن خاتون، علي الجزائري، علي الزواري، علي الاسترابادي، علي الجبعي، علي المبسي، علي البسطامي، علي بن هلال الكركي، القاضي صفي الدين عيسى، فخر الدين الاسترابادي، قاسم عذافة، محمّد الاسترابادي، محمّد الأيهري الحموي، محمّد الحسيني الاسترابادي، محمّد الجزائري، محمّد الكاشاني، محمّد الرلاس، محمّد بن


الصفحة 65
خاتون، محمّد الاسترابادي، محمّد الحافظ الزواري، محمّد علي بن مقصود علي، محمّد مهدي الرضوي، محمود الجاپلقي، محمود الميبدي، نعمة الله الحلّي، يحيى البحراني المفتي،

إجازات الرواية:

قبل البدء بسرد الإجازات التي حصل عليها الكركيّ من مشايخه، والإجازات التي منحها للمجازين منه، لا بدّ من الوقوف عند عدّة نقاط نسلّط الضوء من خلالها على دور الكركيّ في هذا العلم، وعلى ماهيّة وطبيعة هذه الإجازات.

الاُولى الإجازة: هي إحدى الطرق السبعة لتحمّل الحديث: السماع، القراءة، الإجازة، المناولة، الكتابة، الإعلام، الوجادة. أو الثمانية، بإضافة الوصيّة لها(1).

والكركيّ لم يقتصر على طريق واحد في تحمّله للحديث، وهو الإجازة، بل تعدّاه إلى طريقين أعلى منها مرتبة هما: السماع، والقراءة. وسلك أيضاً طريقاً أقلّ منها مرتبة، وهو المناولة.

وقد أشار إلى ذلك في عدّة موارد من إجازاته:

منها: ما ذكره في إجازته الثانية لإبراهيم الخانيساريّ، الصادرة له في مدينة النجف الأشرف في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 924هـ، والموجودة على ظهر النسخة الخطيّة لكتاب "كشف الغمّة في معرفة الأئمّة" المحفوظة في مكتبة مدرسة النمازي في مدينة خوي في ايران برقم 161، حيث قال:

فأمّا روايتي لذلك عن أصحابنا فإنّما هي بالإجازة، وأمّا عن مشايخ أهل السنّة فبالقراءة لبعض المكمّلة بالمناولة، وبالسماع لبعض، وبالإجازة لبعض فقرات بعض

____________

1 ـ انظر: الوجيزة في الدراية للشيخ البهائيّ، المطبوعة في نشره "تراثنا"، العدد 32 ـ 33، ص 430.