المكتبة العقائدية » مناظرات في الإمامة (الجزء الثالث) (لـ عبد الله الحسن)


المناظرة الثامنة والخمسون

(مناظرة العلامّة الحلي(1) مع علماء المذاهب الاربعة بمحضر الشاه خدا بنده(2) )

يقال: إنّ الشاه خدابنده غضب يوماً على امرأته فقال لها: أنت طالقثلاثاً، ثمّ ندم وجمع العلماء.

فقالوا: لابدّ من المحلّل.

فقال: عندكم في كلِّ مسألة أقاويل مختلفة أو ليس لكم هنااختلاف ؟

فقالوا: لا.

فقال أحد وزرائه: إنّ عالماً بالحلّة وهو يقول ببطلان هذا الطلاق.

فبعث كتابه إلى العلاّمة، وأحضره، فلمّا بعث إليه.

قال علماء العامّة: إنّ له مذهباً باطلاً، ولا عقل للروافض(3) ، ولا يليقبالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل.

قال الملك: حتّى يحضر.

فلمّا حضر العلاّمة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الاربعة،وجمعهم.

فلمّا دخل العلاّمة أخذ نعليه بيده، ودخل المجلس، وقال:السلام عليكم، وجلس عند الملك.

فقالوا للملك: ألم نقل لك إنّهم ضعفاء العقول.

قال الملك: اسألوا عنه في كلِّ ما فعل.

فقالوا له: لم ما سجدت للملك وتركت الاداب ؟

فقال: إنَّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان ملكاً وكان يسلمعليه، وقال الله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفُسِكم تحيّةً منعنِد الله مباركةً)(4) ، ولا خلاف بيننا وبينكم أنّه لا يجوز السجود لغير الله.

ثمّ قال له: لم جلست عند الملك ؟

قال: لم يكن مكان غيره، وكلّما يقوله العلاّمة بالعربي كان المترجميترجم للملك.

قالوا له: لايّ شيء أخذت نعلك معك، وهذا ممّا لا يليق بعاقل بلإنسان ؟

قال: خفت أن يسرقه الحنفيّة كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله !!

فصاحت الحنفيّة: حاشا وكلاّ، متى كان أبو حنيفة في زمان رسولالله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بل كان تولّده بعد المأة من وفاته ـ صلّى الله عليهوآله وسلم ـ.

فقال: فنسيت فلعلّه كان السارق الشافعي !!

فصاحت الشافعيّة كذلك، وقالوا: كان تولّد الشافعي في يوم وفاةأبي حنيفة، وكانت نشوءه في المأتين من وفاة رسول الله ـ صلّى الله عليهوآله وسلم ـ.

وقال: لعلّه كان مالك !!

فصاحت المالكية كالاوّلين.

فقال: لعلّه كان أحمد ففعلت الحنبليّة كذلك.

فأقبل العلاّمة إلى الملك، وقال: أيّها الملك علمت أنّ رؤساءالمذاهب الاربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآلهوسلّم ـ ولا الصحابة، فهذا أحد بدعهم أنّهم اختاروا من مجتهديهم هذهالاربعة، ولو كان فيهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوّزون أن يجتهدبخلاف ما أفتى واحد منهم.

فقال الملك: ما كان واحد منهم في زمان رسول الله ـ صلّى الله عليهوآله وسلّم ـ والصحابة ؟!

فقال الجميع: لا.

فقال العلاّمة: ونحن معاشر الشيعة تابعون لامير المؤمنين ـ عليهالسلام ـ نفس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وأخيه وابن عمّهووصيّه، وعلى أيّ حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل لأنّة لم يتحقّقشروطه، ومنها العدلان فهل قال الملك بمحضرهما ؟

قال: لا.

ثمّ شرع في البحث مع العلمأ حتّى ألزمهم جميعاً، فتشيّع الملك،وبعث إلى البلاد والاقاليم حتّى يخطبوا بالائمّة الاثني عشر ـ عليهمالسلام ـ، ويضربوا السكك على أسمائهم وينقشوها على أطرافالمساجد والمشاهد منهم(5) .

ومن لطائفه أنّه بعد إتمام المناظرة وبيان احقيّة مذهب الاماميّةالاثنى عشريّة، خطب الشيخ ـ قدس الله لطيفه ـ خطبة بليغة مشتملة علىحمد الله والصلاة على رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ والائمة ـ عليهمالسلام ـ فلمّا استمع ذلك السيّد الموصلي الذي هو من جملة المسكوتينبالمناظرة.

قال: مالدليل على جواز توجيه الصلاة على غير الانبياء ـ عليهمالسلام ـ ؟

فقرأ الشيخ في جوابه ـ بلا انقطاع الكلام ـ: (الذين إذا أصابتهممصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهمورحمةٌ وأولئك هم المهتدون)(6) .

فقال الموصلي على طريق المكابرة: ماالمصيبة الّتي أصاب آله حتّىأنّهم يستوجبون لها الصلاة ؟

فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ: من أشنع المصائب وأشدّها أن حصل منذراريهم مثلك الّذي يرجّح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة والنكالعلى آل رسول الملك المتعال.

فاستضحك الحاضرون، وتعجّبوا من بداهة جواب آية الله فيالعالمين، وقد انشد بعض الشعرأ:

إذا العلوي تابع ناصبيّــاًبمذهبه فما هـو من أبيــه
وكان الكلب خيراً منه حقّاًلانّ الكلب طبع أبيه فيـه(7)

____________

(1) هو: أبو منصور الحسن بن الشيخ الفقيه النبيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحليالمشهور بالعلامة، له أكثر من تسعين كتاباً في مختلف العلوم الاسلامية، من أشهرها: مختلفالشيعة، المنتهى، نهج الحق وكشف الصدق، منهاج الكرامة، الالفين، وهو ابن أخت المحققالحلي حيث اهتم بتربيته وتدريسه، بالاضافة إلى ذلك فقد تتلمذ العلاّمة على أيدي أساطينالعلمأ منهم: والده، والسيدين جمال الدين أحمد، ورضي الدين علي ابني طاووس، والشيخميثم بن علي البحراني وغيرهم الكثير، توفي ليلة السبت الحادي والعشرين من شهر محرمالحرام سنة ست وعشرين وسبعمائة، حيث قد ولد لاحدى عشرة ليلة خلون أو بقين من شهررمضان المبارك عام ثمانية وأربعين وستمائة في مدينة الحلة في العراق، ونقل نعشه الشريفإلى جوار أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ودفن هناك. راجع: روضات الجنات ج2 ص269رقم: 198.

(2) محمد بن أرغون بن أبغا بن هلاكو بن تولى بن جنكزخان المغولي، السلطان غياث الدينالمعروف بخدابند ومعناه بالعربية عبد الله، ملك العراق وخراسان وآذربيجان، ولد سنة نيفوسبعين وستمائة، كان على مذهب العامة فتشيع وكان يحب العمارة أنشأ مدينة جديدبأذربيجان سماها السلطانية توفي سنة 716. راجع: الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج3ص378 ترجمة رقم: 1003.

(3) الرافضة: اسم أطلقه خصوم ومبغضوا الشيعة عليهم وذلك للاستهانة بهم وتحقيرهم وسببذلك كله هو أنهم والوا علياً وأهل بيته واعتقدوا بإمامتهم ـ عليهم السلام ـ لما ثبت عندهمبالادلة القطعية الصارمة من خلافتهم وإمامتهم ووجوب التمسك بهم ـ عليهم السلام ـ، وهلمن يوالي علياً وأهل بيته ويتمسك بهم يعتبر رافضياً ؟ إذا كان كذلك فهذا نعم الاسم فنحنرفضنا غير أولياء الله وغير خلفائه، وأخذنا بأقوالهم وتركنا أقوال غيرهم واتبعناهم ولم نتبعغيرهم.

فهذا كل ما في المسألة فالذي يتبعهم ويروي أخبارهم ويذكر مناقبهم وفضائلهم يعتبررافضياً، يقول الربيع بن سلمان: قلت للشافعي: إن ههنا قوماً لا يصبرون على سماع فضيلةلاهل البيت فإذا أراد أحد أن يذكرها يقولون: هذا رافضي !! قال: فأنشأ الشافعي يقول:

إذا في مجلس ذكروا عليــاًوسبطيـه وفاطمة الزكيّــة
فأجرى بعضهم ذكرى سواهم‌فأيقـن أنــه سلقلقـيّــه
إذا ذكـروا عليـاً أو بنيــه‌تشاغل بالروايـات العليــة
وقال: تجاوزوا يا قوم هـذافهذا من حديث الرافضيــة
برأت إلى المهيمن من أنـاس‌يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربـي‌ولعنتــه لتلك الجاهليــة

فرائد السمطين ج1 ص135 ح98.

وقال ايضاً:

قالوا ترفضت ؟ قلت: كلاما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن تولَّيـت غيـر شــك‌خير إمام وخيــر هــادي
إن كان حب الولـي رفضاًفإننــي أرفض العـبــاد

فرائد السمطين ج1 ص423.

وقال أيضاً:

يا راكباً قف ‌بالمحصّب من‌ منى‌واهتف بقاعد خيفها والناهـض
سحراً إذا فاض‌ الحجيج إلى ‌منى‌فيضاً كملتطم الفرات الفائـض
إني أحب بني النبي المصطـفىوأعده من واجبـات فرائضـي
لو كان رفضاً حب آل محمـدٍفليشهد الثقلان إنـي رافضـي

فرائد السمطين ج1 ص423 ـ 424.

وبعد هذا كله تعرف أن السبب في التسمية يكمن في اتباع الشيعة لاهل البيت ـ عليهمالسلام ـ الذين قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عنهم: «أهل بيتي كسفينة نوح من ركبهانجا ومن تخلف عنها غرق وهوى» وقال أيضاً: «أوصيكم بالثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتيلن تضلوا ما إن تمسكتم بهما» ولهذه الادلة وغيرها تمسكنا بهم واتبعناهم فأطلقوا علينا هذاالاسم.

وقد جاء في المحاسن عن أبي بصير قال: قلت لابي جعفر ـ عليه السلام ـ جعلت فداك اسمسمينا به استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: وما هو ؟ قلت: الرافضة، فقال أبوجعفر ـ عليه السلام ـ: إن سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى ـ عليهالسلام ـ فلم يكن في قوم موسى أحدٌ أشد اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم فسمَّاهم قوم موسىالرافضة فأوحى الله تعالى إلى موسى ـ عليه السلام ـ أن أثبت لهم هذا الاسم في التواراة فإنينحلتهم وذلك اسم قد نحلكموه الله. سفينة البحار ج3 ص384.

ولكن يأبى الله عز وجل إلا أن يجعل علياً ـ عليه السلام ـ شبيهاً لهارون حتى في شيعتهومحبيه ألم يقل سيد البشر ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاأنه لا نبي بعدي» ؟ فكل خصال هارون ـ عليه السلام ـ ثابتة لعلي ـ عليه السلام ـ إلا النبوة.

(4) سورة النور: الاية 61.

(5) روضات الجنات للخونساري: ج2 ص279.

(6) سورة البقرة: الاية 156 و157.

(7) روضات الجنات: ج2 ص284.