المكتبة العقائدية » مناظرات المستبصرين (لـ عبد الله الحسن)



الصفحة 225

قال : إن اقتتال الصحابة فيما بينهم لا يخرجهم من دائرة الإيمان ; لقوله تعالى : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}(1) .

قلت : ولكنه تعالى يقول بعد ذلك : {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أليس لنا أن نحدِّد الفئة الباغية ، وإذا ما كانت قد فاءت إلى أمر الله أم لا ؟

قال : يا بنيَّ ! نحن نقول كما قال أبو زرعة : تلك فتنة وقى الله منها سيوفنا ، أفلا نقي منها ألسنتنا ؟

عند هذا الحدّ كان صاحبي قد بلغ به الغضب مبلغاً خشيت معه أن يأتي بتصرُّف لا يليق بالمقام ، وفي ذات الوقت بدأ الدكتور غير راغب في المضيِّ في هذا الاتجاه المزعج ، عندئذ أدركت أنه لا جدوى من الإصرار على توجيه الحوار عقائديّاً ، فعدنا إلى الحوار في ساحة العمل الإسلاميّ .

حركة التشيع في السودان

ويقول المحامي محمّد علي : إن الدكتور الحبر ... لم يرضه أن يعلو ذكر أهل البيت(عليهم السلام) في السودان ، وأن يسارع الشباب إلى الدخول في حصون ولايتهم ، فأخذ يدقُّ نواقيس الخطر ، ويؤلِّب ذوي الشأن ليتصدَّوا لحركة التشيُّع

____________

1- سورة الحجرات ، الآية : 9 .


الصفحة 226

التي عمَّت أرجاء السودان ، وأن على المسؤولين أن يقفوا في وجه هذا المدّ ، وأنه بهذا البيان يكون قد أدَّى ما عليه ; إذ لا يملك أن يفعل بهذا الصدد أكثر من التحذير .

لقد فات على الدكتور أن التشيُّع بما هو جوهر الدين قد صمد عبر التأريخ في وجه أعنف حملات الطمس والتشويه ، واستعصى على كل المؤامرات التي استهدفته منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى الآن ، وهو المذهب الوحيد الذي ظلَّ أمره في ازدياد ; لما يستبطن من حقّ ، ولتمسُّك أهله به ، ولقدرته على مواكبة العصر ، والوفاء بمتطلَّبات الزمن ، بينما اندثر غيره من المذاهب ، أو كاد ، حتى المذاهب الأربعة لم يعد التمسُّك بها إلاَّ تقليديّاً وشكليّاً ، ولم تعد قادرة على الوقوف أمام دعاوى التجديد الفقهيّ ، وفتح أبواب الاجتهاد التي تنطلق من هنا وهناك ..

والذي لا يعرفه الدكتور أو يتجاهله هو أن الولاء لأهل البيت(عليهم السلام)أسبق في دخوله إلى السودان من جميع الحركات السلفيَّة بما فيها حركة الإخوان ، وأن السودانيين قد عرفوا لأهل البيت(عليهم السلام) حقَّهم في ذات الوقت الذي عرفوا فيه الإسلام ، وأن البنية الاجتماعيَّة في السودان لا يهدِّدها انخراط الشباب في سلك التشيُّع لأهل البيت(عليهم السلام) ، الذين هم قوام الدين ، ونظام الأمّة ، ولكن ما يهدِّد المجتمع في دينه وحضارته هو انتماؤهم إلى تلك الجماعات الموتورة ، التي ورثت الحقد عن الخوارج وأهل الفتن وبني أمية وأئمَّة القشريين من لدن ابن تيمية إلى محمّد بن عبد الوهاب وأتباعه(1) .

____________

1- المتحوِّلون ، الشيخ هشام آل قطيط : 663 ـ 666 .


الصفحة 227

المناظرة الثانية والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني قبل تشيُّعه
مع ابن عمِّه المتشيِّع في الإمامة ووجوب البحث عن الحقيقة

قال الأستاذ عبد المنعم حسن تحت عنوان ( حوار في بداية الطريق ) : كنت قلقاً جدّاً وأنا أحاول تجنُّب أيِّ حوار مع ابن عمِّي حول هذا المذهب الجديد الذي تجسَّد في سلوكه أدباً وأخلاقاً ومنطقاً ، مما جعلني أفكِّر في أنه لا غضاضة في النقاش معه حول أصل الفكرة ، رغم قناعتي بأنَّ ما يؤمن به لا يتجاوز أطر الخرافة ، أو ربَّما نزوة عابرة جعلته يتبنَّى هذه الأفكار الغريبه .

قلقي كان نابعاً من تخوُّفي لأن أتأثَّر بفكرته ، أو ربَّما أجد أنها تجبرني على الاعتراف بها ، وبالتالي أخالف ما عليه الناس ، وما وجدت عليه آبائي ، وسأكون شاذّاً في المجتمع ، وربَّما اتُّهمت بأني مارق من الدين كما اتّهم ، ولكني تجاوزت كل ذلك ، وقرَّرت أن أخوض معه حواراً ، لعلّني أجد منفذاً أزعزع من خلاله ثقة هذا الرجل بما يعتنقه ، خصوصاً وأني قرأت كتباً لا بأس بها ضدَّ الشيعة والتشيُّع ، ومنها كان المخزون الذي من خلاله أنطلق لجداله ، فبدأت معه الحوار .

قلت له : الآن أنت تركت ما كان عليه الناس وأصبحت شيعيّاً ، فما هي الضمانات التي تمنعك من أن تغيِّر مذهبك غداً ؟


الصفحة 228

قال : الآية الكريمة تقول : {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(1) ، وأنا من أنصار الدليل أينما مال أميل ، وقد أفرغت وسعي ، وتوصَّلت إلى أن الطريق المستقيم هو مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، والدليل على صحّته أن الأدلّة التي يسوقها أصحابه مما اتّفق عليه جميع المسلمين .

قلت : لكن لماذا لم يكتشف غيرك هذه الحقيقة ؟

قال : أوّلا : من قال لك إنه لا يوجد غيري ؟!

وثانياً : وصول غيرك للحقيقة أو عدمه ليس دليلا على صحّة أو خطأ ما توصَّلت إليه ، إن المسألة تكمن في نفس وجدان الحقيقة والحقّ ، ومن ثَمَّ اتّباعه ،ولا شأن لي بغيري ، لأن الله يقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}(2) .

قلت له : لو افترضنا صحّة مذهب الشيعة ذلك يعني أن 90% من المسلمين على خطأ ; لأن كل المسلمين يؤمنون بمذهب أهل السنّة والجماعة ، فأين هذا التشيُّع من عامة الناس ؟

الكثرة ليست معياراً للحق

قال : الشيعة ليست بهذه القلّة التي تتصوَّرها ، فهم يمثِّلون غالبيَّة في كثير من الدول ، ثمَّ إن الكثرة والقلّة ليست معياراً للحقّ ، بل القرآن كثيراً ما يذمُّ الكثرة ، يقول تعالى : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(3) ، ويقول : {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ

____________

1- سورة البقرة ، الآية : 111 .

2- سورة المائدة ، الآية : 5 .

3- سورة الزخرف ، الآية : 78 .


الصفحة 229

شَاكِرِينَ}(1) ، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(2) ، وبذلك لا تكون الكثرة دليلا على أنهم على حقٍّ .

أمَّا التشيُّع كمنهج سماويٍّ فهو موجود ، بدليل أني شيعيٌّ ، وإذا وجِّه الإشكال إلى عدم انتشار التشيُّع فهذا يتوجَّه أيضاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أوَّل دعوته وحتى وفاته ; إذ أن الإسلام لم يكن منتشراً ، ومع ذلك فهو الحقُّ المنزل من قبل الله تعالى .

قلت متعجِّباً : وهل تريدني أن أسلِّم بأن آباءنا وأجدادنا الذين عرفناهم متديِّنين طريقهم غير الذي أمر به الله ؟!

ابتسم قائلا : أنا لست في مقام بيان وتقييم أحوال الماضين ، فالله أعلم بهم ،ولكن أذكِّرك بأن القرآن يرفض أن يكون الأساس في الاعتقاد تقليد الآباء والأجداد ، يقول تعالى : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}(3) .

أخذ الدين عن طريق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)

شعرت بأن الحوار قد أخذ منحىً عاماً ، وأن حجّته بدت في هذا المجال قويَّة ومدعَّمة بآيات قرآنية ، فقرَّرت أن أناقش معه مفردات معتقده التي قرأت نقدها من الكتب ، وتركتها كورقة أخيرة في النهاية ; لأني على ثقة من أنه لا يستطيع الإجابة عليها ، ولقد أضفت إليها رأيي الخاص ، ولأغيِّر مجرى الحديث

____________

1- سورة الأعراف ، الآية : 17 .

2- سورة سبأ ، الآية : 13 .

3- سورة البقرة ، الآية : 170 .


الصفحة 230

إلى حيث أريد قلت له : حسناً ، ماذا تقول الشيعة ؟!

هنا اعتدل في جلسته وقال : الشيعة يقولون : إن هذا الدين الخاتم لا يجوز لنا أخذه إلاَّ عن طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، ويعتبرون أن هذا هو عين التمسُّك بسنَّته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو المطلوب من كل إنسان .

قلت ساخراً : كلُّنا نتّبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا أحد يرى أنه خلاف ما جاء به عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام .

قال : الأمر ليس مجرَّد ادّعاء ، إنّما يجب إثبات ذلك بالدليل ، ونحن كشيعة نرى أن المسألة الأساسيّة التي ابتليت بها الأمّة هي مسألة الإمامة والقيادة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتي اختصَّ بها عليٌّ (عليه السلام) كوصيٍّ وخليفة ، ومن بعده أئمَّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وواحدة من مستلزمات هذه الوصاية والإمامة الخلافة السياسيّة ، ومن أهل البيت فقط يصح أخذ الدين ، أمَّا ما أخذ من غيرهم فلا نقول إنه باطل مطلقاً ، ولكنّه حقٌّ مخلوط بباطل ، ونحن مأمورون بأخذ الحقِّ فقط دون غيره .

قلت : وما جدوائيَّة البحث حول قضيَّة مرَّت عليها قرون ؟ وهل يفيدنا إذا ما كان عليٌّ (عليه السلام) هو الخليفة أم أبو بكر ؟!

ابتداء افتراق الأمة لما غصبت الخلافة من علي (عليه السلام)

سكت قليلا ثمَّ قال : عندما ننظر ـ يا أخي ـ لكل مشكلة ، يجب البحث عن جذور تلك المشكلة حتى نحلِّلها ، وما عليه المسلمون اليوم من فرقة وشتات وضياع إنما هو ناتج عن ذلك اليوم الذي حجبت فيه الخلافة عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأعطيت لغيره بلا حقٍّ ، ومن هناك ابتدأ افتراق الأمّة ، والآن أنا أمامك أقول لك : إن الشيعة على حقٍّ ، وأنت ترى خلاف ذلك ، من هنا جاءت


الصفحة 231

ضرورة البحث في الماضي لنعرف أين الأصل ، ومن الذي خالف .

هنا أخذتني العزّة ، وقرَّرت الهجوم عليه من كل جانب ، فانهلت عليه بالأسئلة مقاطعاً : إذن أنتم تشكِّكون في الصحابة ؟!

أجاب بهدوء : نحن لسنا في مقام التشكيك في أحد ، ما نقوله أن كل من اتّبع الحق من الصحابة أو غيرهم على رؤوسنا ، نقدِّسهم ، نحترمهم ، وكل من خالف النهج السماويّ القويم فلن نسمح لأنفسنا أخذ معالم ديننا منه .

الصحابة ومسألة الخلافة

فقلت له : لا أريدك أن تناقشني في عموميَّات ! من غير المعقول أن كل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر خالفوا قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ! أتدري ماذا يعني ذلك ؟يعني أن نشكِّك في كل ديننا ، فكيف تجوِّزون لأنفسكم ذلك ؟ وأرجو ألا تستعمل معي التقيَّة المعروفة عندكم .

أجاب : أولا : التقيَّة شرعيَّة من الكتاب والسنة ، ولها مجالها ، وهي ليست واجبة في كل الأحوال ، إنما لها ظروفها الخاصة ، وأنا لا أمثِّل كل الشيعة ، بإمكانك أن تطّلع على كتب الشيعة ، فلن تجد غير كلامي هذا .

أما بالنسبة للصحابة فالأمر لا يصل إلى مستوى التشكيك في الدين إلاَّ إذا كان الدين عندك ملخَّصاً في الصحابة .

قاطعته : إنهم هم الذين نقلوا لنا الدين .

قال : بحثنا الآن حول نقلهم ، وهذا أوَّل الكلام وبيت القصيد ، أنتم تجرحون الرجال في علم الجرح والتعديل ، وتبدأون عمليَّة معرفة أحوال الرجال من القرون المتأخِّرة بعد عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونحن الشيعة نبدأ ممن كان


الصفحة 232

حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ; لأن منهم من كان منافقاً ، وآخر كان لا يفقه شيئاً . وهكذا .

أضف إلى ذلك : من الذي قال : إن الجميع قد بايع أبا بكر ؟ ارجع لكتب التاريخ ستجد أن أوَّل المعترضين كان علياً (عليه السلام) ، ومعه مجموعة من الصحابة .

قلت : لو كان الأمر كما تدّعون لنصر الله عليّاً وخذل أبا بكر ، وهذا دليل على أن الله اختار للأمّة أبا بكر .

قال : بقولك هذا تلغي فلسفة الابتلاء التي يمتحن الله بها العباد ، إن الله يبيِّن الطريق للناس فقط ، ثمَّ يدعهم ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، والله لا يجبر الناس ، وإلاَّ نكون من الذين يقولون بالجبر فنسقط الثواب والعقاب ، ونتيجة كلامك هذا أن أيَّ شخص يتحكَّم في رقابنا يجب أن نهتف له ، ونعتبره تأييداً من الله ، وهذا ما لا يعقل .

ضرورة البحث في مسألة الإمامة أولا ثم الأصول الاُخرى

ورميت آخر سهم في جعبتي قائلا : إنكم تغالون في أهل البيت(عليهم السلام) ، وتقولون إنهم معصومون ، كما أنكم تبيحون زواج المتعة ، وتجمعون في الصلاة ، وتصلّون للحجر ، والأخير رأيته بعيني ، يعني لم أقرأه في كتاب فقط .

قال : أخي ! هذه فروع بإمكاني أن أناقشها معك ، ولكن من المنهجيَّة أن تبحث أولا حول الأصل الذي يتبعه الفرع أوتوماتيكياً ، فأنت عندما تريد أن تدعو شخصاً غير مؤمن بالله إلى الإسلام لن تبدأ معه بكيفيَّة الوضوء والصلاة ، بل لابدَّ من إقناعه بوجود الله تعالى ، ثمَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمَّ تفرِّع على ذلك .

فأطلب منك ـ أخي ـ أن تبحث بتجرُّد ، وسترى نور الحقيقة .

انتهينا من جلسة الحوار هذه وأنا متعجِّب من هذه الثقة التي يملكها ،


الصفحة 233

وفكَّرت في البحث ، ولكن ليس لكي أقتنع ، وإنما لأملك أدلّة أقوى أدحض بها حججه ، وبعد فترة قرَّرت ألا أدخل معه في نقاش حتى أكون بعيداً عن المشاكل ، وحتى لا أتأثَّر بهذه الأفكار الغريبة ، والتي أرى شخصاً عن قرب يتبنَّاها .

ثمَّ كانت البداية التي جعلتني أنطلق في البحث ...(1) .

____________

1- بنور فاطمة اهتديت ، عبد المنعم حسن : 55 ـ 59 .


الصفحة 234

المناظرة الثالثة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني
مع بعض أصدقائه حول العصمة في حديث الثقلين

قال الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني : جرى حوار بيني وبين أحد الأصدقاء حول عصمة الإمام ، قال لي : أنتم مغالون تبالغون في حبِّ أهل البيت(عليهم السلام)حتى ادّعيتم أنهم معصومون ، ومفوَّضون بالتشريع ، ونحن لا نرى سوى عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قلت : أولا : أهل السنة والجماعة لا يقولون بأن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم في كل شيء ، بل في أمر التبليغ فقط ، ولا ندري كيف يحدِّدون ويصنّفون الأمور الواردة عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيٌّ منها من الدين ، وأيٌّ من غيره ، وذلك بخلاف قول الشيعة الذين يقولون بعصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة ، ولا فرق في ذلك بين أمور التشريع وغيرها .

أمَّا عصمة أهل البيت(عليهم السلام)فالآية واضحة في دلالتها ، يقول تعالى : {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ}(1) الآية(2) .

____________

1- سورة الأحزاب ، الآية : 33 .

2- روى الحاكم النيسابوري ، عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) قالت : فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : هؤلاء أهل بيتي .

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه . المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3/146 .


الصفحة 235

أضف إلى ذلك مجموعة الأحاديث التي نستشفُّ منها بوضوح دلائل العصمة ، وحسبك في ذلك حديث الثقلين(1) ، بعد أن ثبتت صحّته لدى جمهور المسلمين سنَّةً وشيعةً .

قال : هذا الحديث لا يدلُّ على العصمة ، فهو فقط يخبرنا بالرجوع لأهل البيت(عليهم السلام) .

قلت : بل الحديث أوضح من أن يبحث فيه عن العصمة ; إذ أن صحّة الحديث يؤكِّد عصمتهم ، وإليك البيان ، وسألته : ما قولك في القرآن ؟

قال : ماذا تقصد ؟!

قلت : هل يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ؟

قال : لا .

قلت : إن اقتران أهل البيت(عليهم السلام)بالكتاب ، والتصريح بعدم الافتراق عنه يدلُّ على عصمتهم ; إذ أن صدور أيِّ مخالفة للشريعة منهم سواء كان عمداً أم سهواً أم غفلة يعتبر افتراقاً عن القرآن ، لو قلنا بأنهم يفترقون عنه ولو للحظة فهذا تكذيب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي أخبر عن الله عزَّوجلَّ بعدم وقوع الافتراق ، وتجويز الكذب على النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمِّداً مناف لعصمته حتى في مجال التبليغ ، وقد أكَّد على الحديث في أكثر من موضع .

أضف إلى ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتبر التمسُّك بهم عاصماً من الضلالة

____________

1- تقدَّم مع تخريجاته .


الصفحة 236

دائماً وأبداً ، كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأبيديَّة ، فإذا كان هنالك مجال لضلالتهم ولو للحظة فكيف يكون التمسُّك بهم عاصماً ؟!

هذا عن العصمة ، أمَّا ما قلته عن التفويض فلا أحد من الشيعة يقول به ، إنما هو قول أعداء الدين الذين حاولوا تشويه الصورة النقيَّة للتشيُّع ، وأنت إذا أردت أن تتعرَّف على معتقدات الشيعة فيجب عليك الاطّلاع عليها من كتبهم وأقوال علمائهم ، لا من كتب وأقوال المناوئين لهم ، الذين لا يتورَّعون عن الكذب والافتراء ، ومعروف عند الشيعة أن الأئمة يقولون بما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وها هو الإمام أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) يقول : علَّمني رسول الله ألف باب من العلم ، يفتح لي من كل باب ألف باب(1) .

فهم لا يقولون بالتفويض ، بل أهل السنة والجماعة هم الذين فوَّضوا الصحابة في التشريع ، حتى أمضوا اجتهادات الصحابة الواضحة مقابل النصوص المؤكَّدة .

بعد هذا الحوار أخذ صاحبي يبحث له عن مخرج ، وبدأ يقفز بالحديث هنا وهناك ، ويحاول أن يجد ثغرة يصطادني بها ، وعندما لم يجد قال لي : يا أخي ! أنا مفوِّض أمري إلى الله ، نحن أهل تسليم .

قلت : التسليم لا يكون إلاَّ للحقِّ ، أمَّا التفويض لله فلا يلغي إرادتك ويجمِّد عقلك ، إذا كنت تصبو إلى الحقيقة واصل بحثك عنها ، ثمَّ فوِّض الأمر إلى الله يهديك إلى الصراط المستقيم ، أمَّا أن تكون لا تدري أعلى حقٍّ أنت أم على

____________

1- تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 42/385 ، ينابيع المودة ، القندوزي : 1/231 ح71 ، نظم درر السمطين ، الزرندي : 113 .


الصفحة 237

غيره ، ثمَّ تفوِّض الأمر ، هذا تبرير لا يقبل شرعاً ولا عقلا ... وتركته وذهبت(1) .

حديث الثقلين وآية التطهير يدلان على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)

وقال الأستاذ عبد المنعم قبل هذه المناظرة في كتابه : وحديث العترة يثبت فيما يثبت عصمة أهل البيت(عليهم السلام) ; لأن الذي لا يفارق القرآن ولا يفترق عنه يعني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مثل القرآن تماماً ، ولو كان هنالك ثمَّة احتمال ـ ولو ضئيل جدّاً ـ بافتراق أهل البيت(عليهم السلام) عن القرآن لما أكَّد لنا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلامه أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، وبهذا المعنى نفهم آية التطهير التي نزلت في أهل البيت(عليهم السلام){إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(2) .

ولقد أجمعت مصادر التفسير والحديث على نزول هذه الآية في خمسة : النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، كما جاء في صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل أهل البيت(عليهم السلام)(3) .

والآية ناطقة بعصمة أهل البيت(عليهم السلام) ، ممّا يؤهِّلهم دون غيرهم للقيام بدور الإمامة ، لحفظ الشريعة الإسلاميَّة ، وممارسة دور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القياديّ في

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن : 142 ـ 144 .

2- سورة الأحزاب ، الآية : 33 .

3- راجع : صحيح مسلم : 7/130 ، سنن الترمذي : 50/31 ح 3259 ، مسند أحمد بن حنبل : 1/331 ، السنن الكبرى ، البيهقي : 2/149 ، المصنّف ، ابن أبي شيبة : 7/501 ، ح 39 ـ 41 ، صحيح ابن حبان : 15/432 ـ 433 ، المستدرك ، الحاكم : 3/133 و147 و148 ، المعجم الكبير ، الطبراني : 3/54 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : 7/91 .


الصفحة 238

الأمّة ، والذي لا يتأتَّى إلاَّ لمعصوم مصطفى من السماء ، وهذا ما لخَّصته آية التطهير ، والتي صدِّرت بأداة الحصر ( إنَّما ) وهي من أقوى أدوات الحصر ، وفيها إذهاب الرجس عن أهل البيت(عليهم السلام) ، والرجس يعني مطلق الذنوب والآثام والأدناس ، والقيام بالتطهير بإرادة الله تعالى .. كل ذلك مؤدّاه عصمة أهل البيت(عليهم السلام) .

ومن أوضح الواضحات التي لا تقبل الجدل عندنا في السودان أن أصحاب الكساء ـ أو أصحاب العباء ـ هم الخمسة الذين نزلت فيهم آية التطهير كما تواتر في الأحاديث(1) .

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن : 141 ـ 142 .


الصفحة 239

المناظرة الرابعة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني مع بعض السلفيَّة
في التوحيد والتوسُّل وصفات الله تعالى

قال الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني في حواره مع البعض ، وسبب تأليفه كتابه القيِّم ( بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ) تحت عنوان ( لماذا هذا الكتاب ) : ذهبت في يوم من الأيام إلى أحد أصدقائي لزيارته ، فأخذنا الحديث إلى حيث الشيعة والتشيُّع ، فتجاذبنا أطراف الحديث حول هذا الموضوع ... وفي أثناء تداولنا للموضوع دخل علينا شابٌّ في مقتبل العمر ... ألقى علينا تحيَّة الإسلام ، ثمَّ جلس وبدأ يستمع ، ونحن نواصل الحوار ، انتبهت إليه وقد بدت عليه علامات الحيرة ، ثمَّ تدخَّل في النقاش بقوله : يبدو أن بعض الفرق الضالّة أثَّرت عليك يا أخي ! وأخذ يتفنَّن في المهنة التي يجيدها وأمثاله من توزيع أصناف الكفر والضلال والزندقة على كل الطوائف الإسلاميَّة عدا الوهابيّة ، كنت منذ دخوله قد علمت أنه وهابيٌّ ، وذلك من ثوبه الذي كاد أن يصل إلى ركبتيه من القصر ... قبل أن يتمَّ كلامه ارتفع أذان المغرب ، توقّفنا عن النقاش حتى نصلِّي ثمَّ نعود بعد الصلاة .

بعد الصلاة بادرني قائلا : من أيِّ الفرق أنت ؟! يبدو أنك من جماعة


الصفحة 240

الشيعة ؟!

قلت : تهمة لا أنكرها ، وشرف لا أدّعيه ، فما كان منه إلاَّ أن أرعد وأزبد وثارت ثائرته .

قلت له ـ وقد تجمَّع بعض أقارب صديقي حولنا ـ : إذا كان لديك إشكال تفضَّل بطرحه بأدب ، ولنجعله مناظرة مصغَّرة أو حواراً ـ وهو سلاحهم الذي يهدِّدون به الآخرين اغتراراً منهم بقوَّة مقدرتهم على الاحتجاج ـ .

وافق المغرور ، فقلت له : من أين نبدأ ؟ ما رأيك أن نبدأ بالتوحيد الذي تتمشدقون به ، وبسبب فهمكم الخاطىء له تضعون كل الناس في جبهة المشركين ؟

التوسل وتعظيم الأولياء ليسا من الشرك في شيء

فوافق أيضاً ، وبدأ الحوار والجميع يستمع ، قلت : ما تقولون في الله خالق الكون وصفاته ؟

قال : نحن نقول : لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، ولا تجوز عبادة غيره .

قلت : وهل يختلف اثنان من المسلمين في ذلك ؟

قال : الجميع يقول بذلك ، ولكن تطبيقهم خلاف قولهم ; إذ أنهم في الواقع مشركون ; لأنهم يتوسَّلون بالأموات ، ويخضعون لغير الله ، ويشركون به في طلب الحاجات ، والخضوع لغير الله ، وغيرها من الأشياء التي ذكرتها تعني عبادة غيره تعالى .

قلت : حسناً ، طالما الجميع يقول بأن الله واحد أحد فرد صمد ، ولا يجوز عبادة غيره بأيِّ حال من الأحوال فهذا جَيّد ، ويخرج الجميع من دائرة الشرك ، إلاَّ


الصفحة 241

إذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أنهم يعبدون غير الله ، أو يشركون بعبادته أحداً ، حينها يكونون مشركين .

أمَّا ما يفعلونه من أفعال مثل التوسُّل وتعظيم الأولياء واحترامهم فهذا ليس من الشرك في شيء ; لأن العبادة تعني الخضوع والتذلُّل لمن نعتقد أنه إله مستقلّ في فعله لا يحتاج إلى غيره ، أمَّا مجرَّد الخضوع والتذلُّل والاحترام فلا يعتبر عبادة ، وقد أمرنا به القرآن ; كالتذلُّل للوالدين والمؤمنين ، بل إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام) ، بناء على ذلك لا يكون احترام الأولياء وزيارة قبورهم والتوسُّل بهم وتعظيمهم شركاً بالله ; لأنهم لا يرون أن هؤلاء آلهة مستقلّون عن الله ، بل هم عباد أكرمهم الله بفضله ، فعطاؤهم من الله ، وليس لهم قدرة ذاتيّة مستقلّة .

قال : ولماذا لا يسألون الله مباشرة ؟ هل هناك مانع وهو القائل : {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(1) ؟

قلت : أيضاً قال تعالى : {وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}(2) ، ثمَّ إنك عندما تمرض لماذا تذهب إلى الدكتور ؟ ألم يقل الله تعالى في كتابه : {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}(3) ؟ أليس من أسمائه الشافي ؟

قال : هذه ضرورة في الحياة .

قلت : أيضاً تلك سنّة ، وسبب به تبتغى الحاجات ، والتفتُّ إلى الحاضرين وقلت : هل تجدون في كلامي هذا خطأ ؟

____________

1- سورة غافر ، الآية : 60 .

2- سورة المائدة ، الآية : 35 .

3- سورة الشعراء ، الآية : 80 .


الصفحة 242

فأقرُّوا بما قلت ، وزاد أحدهم ـ وكان صوفيّاً ـ : هذه الأشياء موجودة من زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسار عليها الصحابة والتابعون ، وكل المسلمين إلى أن جاء ابن تيميّة وتلميذه محمّد بن عبد الوهاب ببدعهم الجديدة هذه .

النقاش في مسألة التجسيم

قال الوهابي : إنكم تتحدَّثون بلا علم ، والوقت ضيِّق الآن ، فلنأخذ من الموضوع شيئاً نتناقش حوله ، وفي وقت آخر أكون مستعدّاً لنتحاور أكثر من ذلك .

قلت : عندي سؤال أخير حول التوحيد : ماذا تقولون في صفات الله ؟

قال : نحن لا نقول ، إنما نصفه بما وصف به نفسه في القرآن .

قلت : وبماذا وصف نفسه ؟ هل قال بأنه جسم يتحرَّك ؟ أو أن له يداً وساقاً وعينين ؟

قال : نحن نقول بما جاء في القرآن ، لقد قال تعالى : {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(1) ، وكثير من الآيات الأخرى التي تصف الله لنا ، فنقول : إن لله يداً بلا كيف .

قلت : إن قولك هذا يستلزم التجسيم ، والله ليس بجسم ، وهو ليس كمخلوقاته ، ثمَّ ما هو الفرق بينكم وبين مشركي مكة ؟ أولئك نحتوا أصنامهم بأيديهم وعبدوها ، وأنتم نحتم أصناماً بعقولكم ، وظلَّت في أذهانكم تعبدونها ، لقد جعلتم لله يداً وساقاً وعينين ومساحة يتحرَّك فيها {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ

____________

1- سوره الفتح ، الآية : 10 .


الصفحة 243

وَقَاراً}(1) ، وبكلمة : إن الآيات التي ذكرتها مجازيّة ، وترمز لمعان أخرى .

قال : نحن لا نؤمن بالمجازات والتأويلات في القرآن ؟

قلت : ما رأيك فيمن يكون في الدنيا أعمى ؟ هل يبعث كذلك أعمى ؟

قال : لا !

قلت : كيف وقد قال تعالى : {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى}(2) ، وأنتم تقولون : لا مجاز في القرآن ، ثمَّ إنه بناء على كلامك إن يد الله ستهلك ، وساقه ، وكل شيء مما زعمتموه ـ والعياذ بالله ـ عدا وجهه ، ألم يقل البارىء جلَّ وعلا : {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}(3) ، و{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِْكْرَامِ}(4) .

قال : هذه الأشياء لا ربط بينها وبين ما نقوله .

قلت : كلام الله وحدة واحدة لا تتجزَّأ ، وإذا استدللتم به على صحَّة قولكم يحقُّ لي أن أنطلق منه لتفنيد هذا القول ، وأنتم تستدلّون على مجي الله مع الملائكة صفّاً يوم القيامة ، كما فهمتم من القرآن .

قال : ذلك ما قاله الله تعالى في القرآن .

قلت : المشكلة تكمن في فهمك للقرآن ، إن في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات ، فلا تتّبع المتشابهات فتزيغ ، وإلاَّ أين كان الله حتى يأتي ؟

قال : هذه أمور لا يجب أن تسأل عنها .

____________

1- سورة نوح ، الآية : 13 .

2- سورة الإسراء ، الآية : 72 .

3- سورة القصص ، الآية : 88 .

4- سورة الرحمن ، الآية : 26 .


الصفحة 244

قلت : دعك من هذا ، ألا تقولون إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل ليستجيب الدعاء ؟

قال : نعم ، ذلك ما جاءنا عبر الصحابة والتابعين من أحاديث .

قلت : إذن أين هو الله الآن ؟!

قال : فوق السماوات .

قلت : وكيف يعلم بنا ونحن في الأرض .

قال : بعلمه .

قلت : إذن الذات الإلهيَّة شيء ، وعلمه شيء آخر .

قال : لا أفهم ماذا تقصد !

قلت : إنك قلت إن الله في السماء ، وبعلمه يعلم بنا ونحن في الأرض ، إذن الله شيء ، وعلمه شيء آخر .

سكت متحيِّراً ... واصلت حديثي : أو تدري ماذا يعني ذلك ؟ إنه يعني الشرك الذي تصفون به الآخرين ; لأن الفصل بين الذات الإلهيَّة والعلم واحد من اثنين ، إمَّا أن العلم صفة حادثة فأصبح الله عالماً بعد أن كان جاهلا ، وإمَّا أنها صفة قديمة وهي ليست الذات كما تدّعون فيعني الشرك ; لأنكم جعلتم مع الله قديماً ، أو يأخذنا قولكم هذا إلى أن الله مركَّب ، والتركيب علامة النقص ، والله غنيٌّ كامل ، سبحانه وتعالى عمَّا يصفه الجاهلون .

عندما وصلت إلى هذا الموضع من الكلام قال أحد الحاضرين : إذا كانوا يقولون بذلك فالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم براء ، ثمَّ التفت إليَّ قائلا : ما تقول أنت حول هذا الموضوع ؟ ومن أين لك بذلك ؟


الصفحة 245

كلام أهل البيت(عليهم السلام)حول التوحيد

بيَّنت لهم أن ما أقوله هو كلام أهل البيت(عليهم السلام) ، وهو كلام واضح تقبله الفطرة ، ولا يرفضه صاحب العقل السليم ، ويؤكِّد عليه القرآن ، وأتيتهم ببعض خطب الأئمَّة حول التوحيد ، منها خطبة الإمام علي (عليه السلام) ، يقول : أوَّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كلِّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنَّاه ومن ثنَّاه فقد جزَّأه ، ومن جزَّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ،ومن أشار إليه فقد حدَّه ، ومن حدَّه فقد عدَّه ، ومن قال : فيم فقد ضمَّنه ، ومن قال : علام فقد أخلى منه ...(1) .

ثمَّ شرحت لهم مقصود الخطبة ، قال بعض الحاضرين : والله إنه كلام بليغ سلس ومحكم .

ثمَّ اتفقت كلمتهم حول هذا الشابِّ المسكين أنه مخطىء في اعتقاده ، ويجب عليه مراجعة حساباته حتى لا يذهب إلى نار جهنم .

ثمَّ دار النقاش حول الرسالة والرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والذي يدّعون أنهم أولى الناس به ، وقد ثبت لي أنهم أبعد ما يكون عن نبيِّ الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعن معرفته ، فكيف يكونون أولى الناس به ؟

____________

1- نهج البلاغة ، خطب أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) : 1/15 ـ 16 .


الصفحة 246

انقطاع حجة المُحاوِر وتعنته

وبالحوار انقطعت حجّته ، وأصبح محلَّ تهكُّم الآخرين ، وقبل أن نختم الحوار سألني محاولا استفزازي : شيخنا ! ما رأيكم في الصحابة الذين نعتبرهم نحن من أولياء الله الصالحين ؟

فقلت له : يا شيخ ! أول الدين معرفته ، وأنت لم تعرف الله فكيف تعرف أولياءه ؟! وتواعدنا لمواصلة الحوار يوماً آخر .

وفي ذلك اليوم جاء بوجه آخر ، ويبدو أنه أخذ جرعة قويَّة من مشايخه ، وابتدأ هذه المرَّة بالشتم والسبِّ أمام جمع من الحاضرين ، وطالبهم بعدم الجلوس معي ، ولا أبالغ إذا قلت إنه ظلَّ ما يقارب الساعتين يسبُّ ويشتم ويصرخ ، ويلوِّح بيده مهدِّداً ومتوعِّداً بقتلي جهاداً في سبيل الله ، ولا أدري من أين تعلَّم الجهاد ، وهو عمليّاً محرَّم عندهم ، خصوصاً ضدَّ الطواغيت ، ولعلّه لم يكن ملتفتاً إلى أن دم الحسين (عليه السلام) ما زال يغلي في عروق الشيعة .

مع ذلك ـ ويعلم الله ـ فإنني لم أردَّ عليه ; لأنني على بصيرة من ديني ، وتعلَّمت من سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف أنه صبر على أذى كفار قريش ، وكيف أمروا صبيانهم بملاحقته وإيذائه ، وطلبوا من الناس ألا يستمعوا إليه ، وهكذا التاريخ يعيد نفسه .

لأجل ذلك ـ عزيزي القارئ ـ أقدِّم كتابي هذا ، إنه الحق يصرخ لنصرته ، لقد رأيت في عيون الذين حضروا حواري هذا التلهُّف لمعرفة الحقيقة ، وما زلت أراها في عيون كل الأحرار ، الذين يدفعون ثمن التضليل الإعلامي وتزييف الحقائق .


الصفحة 247

وعندما يشعر الإنسان قبل ذلك بلذَّة الانتصار على النفس الأمَّارة بالسوء ،ويبصر نور الحقّ شعلة برَّاقة أمام ناظريه ... يتمنَّى أن يشاركه الآخرون هذا النور ، فيبيِّن لهم طريق ذلك ... وهذا الكتاب ما هو إلاَّ إثارة لدفائن العقول ، وتحفيز الآخرين للبحث عن الحقيقة ، التي كادت أن تضيع بين مطرقة اقتفاء آثار الآباء والأجداد ، وسندان سياسة التجهيل التي مارسها العلماء في حقّ الأبرياء ، مثل هذا الشابّ الذي أجريت معه الحوار ، إن هنالك الكثير ما يزال على فطرته يريد الحقَّ ، ولكن يلتبس عليه الأمر فيتمسَّك بما اعتقده من باطل ، وأصبح جزء من كيانه يدافع عنه بتعصُّب ، مانعاً الحقيقة أن تتسرَّب إلى عقله .

لقد منَّ الله عليَّ بالهداية بفضله ، وأدخلني برحمته إلى حيث نور الحقّ ، وشكراً لهذه النعمة يجب عليَّ أن أبلغ للناس ما توصَّلت إليه .

لذلك أسطِّر هذه المباحث ، وأكتب هذا الكتاب ، إنه شعلة حقٍّ أخذتها من فاطمة الزهراء عليها ، وأقدِّمها لكل طالب حقٍّ ، ولكل باحث عن الحقيقة ...(1) .

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن : 15 ـ 23 .


الصفحة 248

المناظرة الخامسة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني
مع بعض السلفيَّة في حديث أن الأئمة اثنا عشر

قال الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني : عندما كنت أحاور ذلك السلفي الذي أجريت معه المناظرة المذكورة في أوَّل الكتاب ، وفي أثناء حوارنا لمعت عيناه فجأة وكأنه عثر على ضالّته ، وفاجأني بسؤال معتقداً أنه سيضعني في زاوية حرجة .. سؤال من ظنَّ أنه بلغ منتهى العلم والحكمة ، قال : من قال لكم أن الأئمة اثنا عشر ؟ ولماذا هذا العدد بالذات ؟ وضحك !!

قلت له : يا أخي ! بالنسبة للعدد فلو فتحنا هذا الباب لمعرفة الحكمة من العدد سأجرُّ إليك أسئلة لا قبل لك بها ، فلماذا كان الخلفاء أربعة فقط ؟ ولماذا اختار موسى سبعين رجلا لميقات ربِّه ولم يكونوا ثمانين ؟ ولماذا خلق الله سبع سماوات وسبعاً من الأرض ، ولم تكن كل واحدة منهما عشرة مثلا ؟ ولماذا كان عدد نقباء بني إسرائيل اثني عشر ؟ ولماذا يقول تعالى : {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}(1) ولم يكونوا خمسة عشر ؟ ... وهكذا .

____________

1- سورة الأعراف ، الآية : 158 .


الصفحة 249

الأئمة اثنا عشر في صحاح وكتب السنة

أضف إلى ذلك أن الآيات والروايات التي وردت عن أهل البيت (عليهم السلام)كافية لتوجِّهنا للأخذ منهم ، ونحن لم نجد سوى الشيعة متمسِّكة بهم ، وهنالك تعلم بعدد الأئمة ، ولا ضرورة للاحتجاج عليك بعدد الأئمة من مصادركم ; لأن الموضوع فرعىٌّ ، ومع ذلك ـ وبلطف من الله تعالى لإظهار الحقّ ولإقامة الحجّة ـ لم تخل مصادر أهل السنة والجماعة من الأحاديث التي تحدِّد عدد الأئمَّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وصدفة كنت أحمل أحد مجلَّدات موسوعة تجمع ما جاء في الصحاح الستة من أحاديث ، وفتحت باب الإمارة ، وقرأت عليه : عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلُّهم من قريش ، وقلت له : هل سمعت ؟ فبهت الذي كفر .

وانتفض انتفاضة قويَّة وكأنه قد مسَّ بطائف من الشيطان ، وقال : من أين لك هذا الحديث ؟!

فذكرت له المصادر ، وأذكرها هنا تتمَّة للفائدة :

صحيح البخاري ، كتاب الأحكام ، ج9 ، ص729 .

صحيح مسلم ، ج3 ، كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش .

صحيح الترمذي ، ج4 ، ص501 .

سنن أبي داوود ، كتاب المهدي ، ص508 .

مسند أحمد بن حنبل ، ج1 ، ص398 .


الصفحة 250

ماذا قال علماء السنة في الحديث

وهذا الحديث جعل علماء أهل السنة يعيشون في تخبُّط ومشكلة كبيرة لن يخرجوا منها ، ولن يجدوا لها حلاًّ إلاَّ عند أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ، وهم الشيعة المعروفون بـ : الاثني عشريَّة ... ولقد حاول البعض أن يجد تفسيراً معقولا للحديث على أرض الواقع ، فمنهم من عدَّ أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً (عليه السلام)وتوقَّف ، ومنهم من زاد عليهم الحسن بن علي (عليهما السلام) ثمَّ تحيَّر ، وبعضهم أضاف إليهم معاوية وبني أمية فلم يوفَّق لضبط العدد ، وآخر أصبح انتقائيّاً يختار كما يتراءى له ... وهكذا .

والأمر لا غموض فيه ولا لبس عند شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ، ذلك بعد أن علمنا حقَّهم في الولاية والخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس من المعقول أن يخرج هذا العدد خارج دائرتهم ، وقد جاء في ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ، الباب ( 94 ) عن المناقب ، بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا جابر ! إن أوصيائي وأئمّة المسلمين من بعدي أوَّلهم عليٌّ ، ثمَّ الحسن ، ثمَّ الحسين ، ثمَّ علي بن الحسين ، ثمَّ محمّد بن علي المعروف بالباقر ، ستدركه يا جابر ! فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام ، ثمَّ جعفر بن محمّد ، ثمَّ موسى بن جعفر ، ثمَّ عليُّ بن موسى ، ثمَّ محمّد بن علي ، ثمَّ علي بن محمّد ، ثمَّ الحسن بن علي ، ثمَّ القائم ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، محمّد بن الحسن بن علي المهدي ، ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها .

أمَّا النصوص الواردة من مصادر الشيعة عن طريق أهل البيت(عليهم السلام)فهي متواترة وواضحة بخصوص هذا الشأن ، ولم يدّع أحد من الأمَّة أنه أحد الأئمة الاثني عشر كما قال أهل البيت(عليهم السلام)عن أنفسهم ...(1) .

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن : 147 ـ 149 .


الصفحة 251

المناظرة السادسة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني مع بعضهم
في حديث أصحابي كالنجوم

قال الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني : قلت لأحدهم وهو يحاورني : إن كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحاً أفلا يعتبر علي (عليه السلام) منهم فيحقّ لي اتبّاعه ؟

قال : عليٌّ (عليه السلام) من أكابر الصحابة !

قلت له : إذن أنا أقتدي بعليٍّ (عليه السلام) ، الذي رفض بيعة أبي بكر ، وقاتل عائشة وطلحة والزبير ، ولو ظفر بطلحة والزبير أثناء القتال في صفوف أعدائه لقتلهم ، وكنت سأقاتل مع عليٍّ (عليه السلام) لو كنت حاضراً في حرب صفّين ولو تمكَّنت من معاوية لقتلته ، وكنت سأجهز على عمرو بن العاص وهو يظهر سوأته لعليٍّ (عليه السلام)حتى لا يقتله ! أليس من حقي أن أقتدي بأيِّ صحابيٍّ كما تدّعون ؟! ... ألا ساء ما يحكمون(1) .

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن : 163 .


الصفحة 252

المناظرة السابعة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم السوداني وبعض الشيعة
مع بعض السلفيّة في أمر معاوية ويزيد

قال الأستاذ عبد المنعم السوداني : في إحدى المرَّات التقى بعض الإخوة الشيعة مع مجموعة وهابيّة صدفة ، وكنت موجوداً ، ولم تكن الرؤية واضحة لديَّ وإن كانت ملامح الصواب بدأت تلوح لي ، ويبدو أن هؤلاء الوهابيّة كان لهم حوار سابق مع الشيعة ، فبدأوا معهم النقاش حول قضية الحسين (عليه السلام) وكربلاء ، ورأيت الوهابيّة وقد احتوشوا الإخوة والشرر يتطاير من أعينهم وكأنهم يريدون القتال .

تحدَّث أحد الشيعة عن عدم أحقّيّة معاوية في تنصيب يزيد خليفة للمسلمين ، فذكر اسم معاوية مجرَّداً من الترضّي عليه ، فصرخ أحدهم في وجهه قائلا : قل : رضي الله عنه ، هل هو أخوك حتى تذكره مجرَّداً ؟!

فردَّ عليه الشيعي : هل أنت وأنا أفضل من عليٍّ (عليه السلام) وأكثر فهماً منه ؟ فشمَّر أحدهم عن ساعديه ، وكأنه ينوي ضربه ، وهو يقول : اسمعوا ، هذا هو ديدن الشيعة ، يشكِّكون في كل شيء ، وهذا الرجل يسألنا سؤالا بديهياً والإجابة عنه واضحة ، فلا أحد يرى أن هنالك أفضل من عليٍّ سوى الخلفاء الثلاثة ، رضي الله


الصفحة 253

عنهم جميعاً وأرضاهم .

فالتفت إليه الشيعي وقال : أولا : فليتكلَّم أحدكم ، ثانياً : إذا أردت الحديث فافهم أولا ما أقول ثمَّ تحدَّث ، وثالثاً : إذا كان علي (عليه السلام) أفضل منّا ـ وهو كذلك بلا شك ـ فهو أدرى منا بالأصول ، أليس كذلك ؟!

قالوا بحذر : نعم .

فقال لهم : عليٌّ (عليه السلام) حارب معاوية ، ليس فقط لم يترضَّ عليه كما تطالبوني ، بل قاتله أشدَّ قتال ، ولو ظفر به لألحقه بأجداده .

قال أحدهم وهو يمضغ مسواكاً : نقول كما قال السلف : تلك دماء عصم الله منها سيوفنا فلنعصم ألسنتنا ، ونحن نرى معاوية صحابيّاً جليلا ، وأنه فعل خيراً عندما نصب يزيد ، ونرى أن خروج الحسين بن علي (عليه السلام) كان خطأ منه ، وقد تاب يزيد .

قال الشيعي : قولك : فنعصم منها ألسنتنا ، لا ينطبق عليك ; لأنك الآن تقول إن معاوية صحابيٌّ جليل ، إذن لقد أخطأ عليٌّ في حربه لمعاوية ، ثمَّ من قال لك : إنك لن تسأل عن تلك الدماء ؟ لابدّ أن يكون لكم موقف تجاه ما جرى ، فهما جهتان : إحداهما على حقٍّ ، والأخرى على باطل ، ووقوفك الآن في وجهي اشتراك في تلك ( الفتنة ) كما تدّعي .

أمَّا عن الحسين بن علي (عليه السلام) فهو لم يخطىء كما تقول ، فهو كما قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : سيِّد شباب أهل الجنة(1) ، وهو من أهل بيت النبوَّة ، وتعلَّم من

____________

1- روى ابن أبي شيبة الكوفي ، عن علي (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة .

وروى ابن أبي شيبة الكوفي ، عن حذيفة قال : أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلَّيت معه المغرب ، ثمَّ قام يصلّي حتى صلى العشاء ، ثمَّ خرج فاتبعته ، فقال : ملك عرض لي ، استأذن ربَّه أن يسلِّم عليَّ ، ويبشِّرني أن الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة .

راجع : المصنّف ، ابن أبي شيبة الكوفي : 7/512 ، سنن الترمذي : 5/321 ح3856 ، صحيح ابن حبان : 15/413 ، المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 167 ، المعجم الكبير ، الطبراني : 3/35 ـ 38 ح2599 وح2608 وح2611 ، ذخائر العقبى ، أحمد بن عبدالله الطبري : 129 .


الصفحة 254

جدِّه كيف ينصر الحق ، ويزيد تعلَّم من أبيه ما تعلَّم كما نقلت إلينا كتب التأريخ .

قاطعه أحد الوهابيّة ، وساق كلاماً سيّئاً خارجاً عن حدود الأدب في الحوار والمناظرة ، كما هي عادة أمثاله وشاكلته ، بدل أن يدلي بحجّة أو برهان .

فقال له أحد الشيعة وهو يبتسم : هكذا دائماً كان أعداء الشيعة ، باسم الحقّ يقتلون الحقّ ، وباسم الفتنة يحجبون الناس عن الحقائق ، وبالنتيجة أنت لا تفترق عن سلفك كثيراً ، إنك تربية ذلك المنهج الذي تبنَّاه معاوية ويزيد وآل أميَّة ومن إليهم .

وبعد مشادّة كلاميّة عنيفة حصلت بينهم .. يقول الأستاذ عبد المنعم فقال له بعضهم : على كل حال يجب ألا تتأثَّر بكلام هؤلاء ، فإن في حديثهم سحراً يؤثِّر .

ضحكت وقلت له : هذا ما قالته قريش للنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جاء بالقرآن ، ورجعت إليه مرَّة أخرى قائلا له : دعنا من كل ذلك ، فأنا أسألك حول قضيّة الحسين بن علي (عليهما السلام) كمسألة واضحة ماذا تقولون فيها ؟

سكت وكأنه يبحث عن إجابة ، ثمَّ قال : لماذا تبحثون عن هذه الأشياء ؟!

قلت : أجب على سؤالي ، ودع عنك السبب .

قال : معاوية صحابيٌّ جليل ، ويزيد كان أميراً على المسلمين ، والحسين خرج على وليِّ أمر زمانه ، ولو كان يزيد قد أخطأ فربَّما يكون قد تاب ، فلا داعي


الصفحة 255

لأن نتحدَّث حوله ونشهِّر به .

قلت مختتماً هذا الحوار الذي لن يثمر عن شيء : أنت بهذا تلغي الآيات القرآنية التي شهَّرت بقابيل ونمرود وفرعون والسامري .. وغيرهم من الطغاة أعداء الرسالات ، وبقولك هذا تبرِّر لكل مخطىء في هذه الدنيا ; لأنه ربما يتوب ، وبهذه العقليّة تعطِّل الدين ، ويصبح كل التأريخ بلا فائدة .

كلمة أخيرة أقولها لك : أنتم لا ترتقون لمستوى الدفاع عن شريعة السماء ; لأنها لا تحتاج إلى مراوغة وكذب وافتراء ، وحديثي معك الآن إذا لم أصبح بسببه شيعيّاً فهو يبعدني عنكم أكثر فأكثر .

وحاول أن يعتذر قائلا : على كل حال ، نصيحة لك لا تقرأ لهؤلاء ، ونحن سنكون بالمرصاد لهم .

قلت : إذا كانوا على حق فالله ناصرهم ، وإن كانوا على باطل فأنتم أكثر بطلاناً منهم .

وتركته وانصرفت راجعاً إلى الإخوة ، فوجدت أن الوهابيّة لم تزل تدافع عن يزيد ومعاوية ، فتركتهم وانصرفت إلى بعض أشغالي أسفاً على حال هؤلاء المساكين الذين يردِّدون ما يقوله أحبارهم بلا وعي ولا فهم(1) .

____________

1- بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت ، عبد المنعم حسن السوداني : 189 ـ 192 .


الصفحة 256

المناظرة الثامنة والثلاثون

مناظرة
الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني
مع بعضهم في الافتراء على الشيعة وأثر أدعية أهل البيت (عليهم السلام)

قال الأستاذ عبد المنعم حسن السوداني : ولأهل البيت(عليهم السلام) تراث عظيم ، كان من الممكن أن تستفيد منه الأمَّة ، ولكنها أبت إلاَّ نفوراً ، وإحدى معاجزهم التي بهرتني ذلك المنهج في الدعاء ، وكيفيَّة التقرُّب إلى الله تعالى ، والأدب الرفيع في مخاطبة الربِّ سبحانه ، والقارئ للصحيفة السجّاديّة ـ وهي صحيفة كلُّها أدعية للإمام الرابع علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) ـ يتعجَّب لماذا لم يهتمَّ علماء السنة بهذه الصحيفة ، هل لأنها واردة عن أحد الأئمَّة أهل البيت ؟ أم ماذا ؟!(1) .

____________

1- يقول الدكتور أسعد الفلسطيني أحد المتشيعين فيما وجده أيضاً ولمسه في أدعية أهل البيت(عليهم السلام) : وأمَّا على صعيد الأخلاق والتربية الروحيّة فما عليك إلاَّ أن تنظر في مفاتيح الجنان ، والصحيفة السجّاديّة ، وغيرها من كتب الأدعية والزيارات المأثورة لترى سموَّ المستوى الذي أراد أهل البيت(عليهم السلام)أن يهذِّبوا به نفوس أتباعهم . المتحوِّلون : 476 .

ويقول الدكتور محمّد المغلي ( النمسا ) ـ وهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة بروكسل في بلجيكا ، وقد تشيَّع وأخذ بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)ـ : إن أحد الأسباب التي جعلته يتشيَّع هو تأثُّره البالغ بالأدعية المأثورة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وضرب أمثلة على ذلك وقال : مثل دعاء كميل ، ودعاء الافتتاح الذي يقرأ في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك ، ودعاء الصباح للإمام علي (عليه السلام) ، وأدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية ، وغيرها من الأدعية التي لا مثيل لها عند المذاهب الإسلامية الأخرى .

راجع كتاب المتحولون ، هشام آل قطيط : 556 ـ 557 .