المكتبة العقائدية » موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 02 (لـ محمد مهدي الخرسان)



الصفحة 225

5- وفي حديث أبي مخنف بإسناده قال أشرف عثمان على الناس فسمع بعضهم يقول: «لا نقتله ولكن نعزله. فقال: أمّا عزلي فلا، وأمّا قتلي فعسى، وسلـّم على جماعة فيهم طلحة فلم يردّوا عليه فقال: يا طلحة ما كنت أرى أنّي أعيش إلى أن أسلـّم عليك فلا ترد عليَّ السلام»(1).

6- روى البلاذري ان مجمّع بن جارية الأنصاري مرّ بطلحة بن عبيد الله فقال: «يا مجمّع ما فَعَل صاحبك؟ قال: أظنكم والله قاتليه، فقال طلحة: فإن قتل فلا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل»(2).

7- روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادات مسند أبيه بسنده عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: «شهدت عثمان يوم حوصر في موضع الجنائز. ولو ألقي حجر لم يقع إلاّ على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة الّتي تلي مقام جبريل (عليه السلام) فقال أيها الناس، أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثمّ قال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثمّ قال: أيها الناس أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك ههنا؟ ما كنت أرى أنّك تكون في جماعة تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثمّ لا تجيبني...»(3).

8- وقال ابن أبي الحديد: «وكان طلحة من أشد الناس تحريضاً عليه، وكان الزبير دونه في ذلك. روي ان عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يحرّض على نفسي اللّهم لا تمتـّعه به ولقـّه عواقب بغيه»(4).

____________

(1) أنساب الأشراف 1ق4/567 تح ـ إحسان عباس.

(2) نفس المصدر /565.

(3) زيادات مسند أحمد 2/12 تح ـ أحمد محمّد شاكر، وقارن مجمع الزوائد 7/227- 228 و 9/91، ومستدرك الحاكم 3/97-98.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/404.


الصفحة 226

9- وروى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار: «إنّ طلحة كان يوم قتل عثمان مقنّعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام»(1).

10- وروى البلاذري في حديث له قول عثمان لطلحة: «يا بن الحضرمية ألـّبت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً؟ لا قبل الله ممّن قبل عذرك»(2).

11- وروى المدائني بسنده عن ابن سيرين قال: «لم يكن أحد من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشدّ على عثمان من طلحة»(3).

12- وروى الطبري في تاريخه بسنده عن ابن عيّاش المخزومي قال: «دخلت على عثمان فتحدثت عنده ساعة فقال: يا بن عيّاش تعال فأخذ بيدي فاسمعني كلام من على باب عثمان، فسمعنا كلاماً منهم من يقول ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد الله فوقف فقال أين ابن عُديس؟ فقيل: ها هو ذا، قال فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده: قال فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله ثمّ قال عثمان: اللّهمّ أكفني طلحة بن عبيد الله، فإنّه حمل عليّ هؤلاء وألـّبهم، والله إنّي لأرجو أن يكون منها - الخلافة - صفراً وأن يُسفك دمه، انّه انتهك مني ما لا يحلّ له...»(4).

13- وروى الواقدي بسنده عن محمّد بن زيد في حديث له قال: «ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حصر، فكان طلحة أشدّ الناس عليه»(5).

____________

(1) نفس المصدر /220- 404.

(2) أنساب الأشراف 1ق4/569 تح ـ احسان عباس.

(3) أنساب الأشراف 1ق4/572، والعقد الفريد 4/299 ط محققة.

(4) تاريخ الطبري 4/379 ط محققة.

(5) أنساب الاشراف 1ق4/506.


الصفحة 227

14- وفي حديث الطبري بسنده عن ابن الزبير جاء في آخره: «فحصروه أربعين ليلة وطلحة يصلي بالناس»(1).

15- وفي حديث آخر عنده بسنده عن عبد الرحمن بن ابزي قال: «فوالله ما نسينا أن خرج سودان بن حمران فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفان»(2).

رابعاً ـ عبد الرحمن بن عوف:

وهو صهر عثمان على اُخته لاُمه اُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط خلف عليها بعد الزبير فولدت له محمّد وإبراهيم وحميد وإسماعيل(3)وهو واهب الخلافة لعثمان ليليها من بعده على ما جاء في قول الإمام عليّ له. إنما آثرته بها لتنالها بعده، فلنقرأ ما رواه الشعبي وهو غير متهم على عبد الرحمن ولا عثمان وقد كان من المنحرفين عن الإمام.

فقد روى الشعبي في كتاب الشورى ومقتل عثمان قال: «فلمّا بايع - عليّ عثماناً - أتاه عبد الرحمن بن عوف فاعتذر إليه وقال: إن عثمان أعطانا يده ويمينه ولم تفعل أنت، فأحببت أن أتوثق للمسلمين فجعلتها له. فقال: إيهاً عنك إنّما آثرته بها لتنالها بعده، دقّ الله بينكما عطر منشم(4)»(5).

____________

(1) الطبري 4/371 ط محققة.

(2) نفس المصدر /379.

(3) كـتاب المردفات من قريش للمدائني. نـوادر المخطوطات 1/61 تح ـ عبد السلام هارون ط مصر.

(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/411 ط مصر الأولى.

(5) مثل يضرب للشر. قال الأصمعي هي - منشم - امرأة كانت تبيع العطر وكانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه. وقال ابن السكيت: العرب تكني عن الحرب بثلاثة أشياء: عطر منشم وثوب محارب، وبرد فاخر جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 1/445 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش ط الأولى بمصر سنة 1384هـ.

وقال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: استجيبت دعوة عليّ في عثمان وعبد الرحمن، فما ماتا إلاّ متهاجرين متعاديين.


الصفحة 228

وهذا ما حصل فعلاً، حيث استجيبت دعوة الإمام، كما تكشّف المكنون من السرّ المصون في تداول الخلافة فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه: «ان عثمان اعتل علة اشتدت به، وكتب عهداً لمن بعده، وترك موضع الاسم. ثمّ كتب بيده: عبد الرحمن بن عوف، وربطه وبعث به إلى اُم حبيبة بنت أبي سفيان، فقرأه حمران في الطريق، فأتى عبد الرحمن فأخبره.

فقال عبد الرحمن: وغضب غضباً شديداً: استعمله علانية ويستعملني سراً. ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدينة، وغضب بنو أمية، فدعا عثمان بحمران مولاه فضربه مائة سوط وسيّره إلى البصرة. فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. ووجّه إليه عبد الرحمن بابنه فقال: قل له: والله لقد بايعتك وإنّ فيَّ ثلاث خصال أفضلك بهنّ، إنّي حضرت بدراً ولم تحضرها. وحضرت بيعة الرضوان ولم تحضرها، وثبتّ يوم أحد وانهزمت.

فلمّا أدى ابنه الرسالة قال: قل له: أمّا غيبتي عن بدر فإنّي أقمت على بنت رسول الله صلّى الله عليه (وآله? وسلّم فضرب لي رسول الله سهمي وأجري، وأمّا بيعة الرضوان فقد صفق لي رسول الله بيمينه على شماله، فشمال رسول الله خير من أيمانكم، وأمّا يوم أحد فقد كان ما ذكرت، إلاّ ان الله قد عفا عني، ولقد فعلنا أفعالاً لا ندري أغفرها الله أم لا؟»(1)

وفي هذا الخبر نقرأ اعتراف خطير، وتعيير لا يحتاج إلى تفسير، وثـَمّ اعتذار بعد إقرار. ثمّ ختامٌ يدين صاحبه بالملام. وأهم ما فيه عقدة النقص الّتي كانت

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2/146 ط الغري سنة 1358 هـ.


الصفحة 229

تساور عثمان حين يعيّرونه بأنه ليس من البدريين الّذي اطـّلع الله عليهم فقال لهم اعملوا ما شئتم - هكذا يزعمون من يفخّمون - وقد كان عثمان مصرّاً على زجّ نفسه معهم.

فقد روى المحبّ الطبري في الرياض النضرة: «أن عبد الرحمن بن عوف مرض فأوصى بثلث ماله فصحّ فتصدق بذلك بيد نفسه. ثمّ قال يا أصحاب رسول الله كلّ من كان من أهل بدر له عليّ أربعمائة دينار فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له يا أبا عمر ألست غنيّاً؟ قال هذه وصلة من عبد الرحمن لا صدقة... اهـ»(1).

وقد تفسر على أنّ تلهفه كان ليحسب من أهل بدر، وهذا ما كان يشعره بمركب النقص بين الصحابة ومع ذلك فلم يجده نفعاً، فقد بقي ابن عوف يعيّر عثمان بذلك كلما سنحت له الفرصة! فقد روى البزار - بإسناد جيد -: «انّه - عثمان - عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك عليّ؟ فذكر الأمور الثلاثة. فأجابه عثمان بنحو ما مرّ»(2).

قال طه حسين: «ويقول الرواة: إنّ عبد الرحمن بن عوف كان أوّل من اجترأ على عثمان، فألفى بعض أمره وأطمع الناس فيه وذلك أن بعض السعاة أقبلوا بإبل الصدقة، فوهبها عثمان لبعض أهل الحكم، فلمّا بلغ ذلك عبد الرحمن دعا بعض أصحاب النبيّ وأرسلهم فأستردّوا له الإبل وقسّمها بين الناس، وعثمان في الدار لم ينكر ذلك ولم يغيّره، بل لم يكلّم فيه عبد الرحمن وأصحابه...

وقـد جعل الناس بعد ذلك يظهرون إنكارهم لما يكـرهون من سياسة عثمان...

____________

(1) الرياض النضرة 2/288.

(2) فتح الباري 8/60 ط مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1378 هـ.


الصفحة 230

ثمّ لم يتحرج بعضهم من أن يواجه عثمان بالمعارضة على ملأ من الناس.

ولم يتحرج بعضهم الآخر من أن يعصي أمر عثمان إذا صدر اليه»(1).

أقول: ولم يتحرج جبلة بن عمرو الساعدي. من الأنصار. أن يقوم إلى عثمان وهو على المنبر في المسجد فيقول له: «إنزل ندرّعك عباءة ونحملك على شارف من الإبل إلى جبل الدخان»(2).

ولم يتحرّج جهجاه بن سعيد الغفاري، أن يثب إلى عثمان وهو على المنبر في المسجد فيأخذ العصا الّتي كانت بيده فيكسرها على ركبته فما ردّ أحدٌ عليه ولا منعه(3)، (ويقول علماء التفخيم: أصابت ركبته أكلة منذ ذلك اليوم).

ولم يتحرّج المسلمون يومئذ أن يثوروا بعثمان وبني أمية فتحاصبوا وحُصب عثمان حتى صرع وحمل مغشياً عليه...(4).

إذن فليتحمل عبد الرحمن بن عوف وزر تولية عثمان الخلافة، وليتحمّل وزر ما لحق به من نكير لسوء التدبير، وليجنِ ثمار ما صنعت يداه.

فقد رووا: «أن عثمان لمّا بنى داره بالزوراء وصنع طعاماً دعا الناس إليه ومنهم عبد الرحمن بن عوف، فلمّا نظر إلى البناء والطعام قال: يا بن عفان لقد صدّقنا عليك ما كنا نكذّب فيك، وإنّي أستعيذ بالله من بيعتك.

فغضب عثمان وقال: أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلاّ ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى مات»(5).

____________

(1) الفتنة الكبرى طه حسين 1/201.

(2) نفس المصدر /211.

(3) أنساب الأشراف 1ق4/537و582 تح ـ احسان عباس.

(4) الكامل لابن الأثير 3/67 ط بولاق.

(5) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/65 - 66.


الصفحة 231

وروى ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن عمرو بن دينار قال: «لمّا ذكروا من شأن عثمان الّذي ذكروا، أقبل عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحابه حتى دخلوا على عبد الله بن عمر فقالوا: يا أبا عبد الرحمن. ألا ترى ما قد أحدث هذا الرجل فقال: بخٍ بخ فما تأمروني؟ تريدون أن تكونوا مثل الروم وفارس إذا غضبوا على ملك قتلوه، قد ولاه الله الّذي ولاّه فهو أعلم، لستُ بقائل في شأنه شيئاً»(1).

وحاول الوليد بن عقبة التقريب بين الرجلين لكنه لم يفلح فقد جاء في مسند أحمد عن شقيق قال: «لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟

فقال له عبد الرحمن: أبلغه أنّي لم أفرّ يوم عينيين. قال عاصم يقول: يوم أحد. ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنّة عمر.

فانطلق فخبّر ذلك عثمان فرد عليه بنحو ما مرّ في الأوليين، ثمّ قال: إنّي لم أترك سنّة عمر فإني لا أطيقها ولا هو فأتِه فحدّثه بذلك»(2).

وليس مزيد نكير على عثمان من قول عبد الرحمن بن عوف بعد وفاة أبي ذر بالربذة فتذاكر هو وعليّ في فعل عثمان فقال عليّ: «هذا عملك. فقال عبد الرحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، إنّه قد خالف ما أعطاني»(3). وثمة كلمة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قالها لعبد الرحمن بن عوف تصلح أن تكون جواباً له على ما مرّ، فقد قال له: «يا بن عوف كيف رأيتَ صنيعَك مع

____________

(1) المصنف لابن أبي شيبة 1/223.

(2) مسند أحمد 1/241 تح ـ أحمد محمّد شاكر.

(3) أنساب الأشراف 1ق4/546.


الصفحة 232

عثمان؟ ربّ واثق خَجِلَ، ومن لم يتوخّ بعمله وجه الله عاد مادحه من الناس له ذامّاً»(1).

وليس بدون ذلك قوله - وقد ذكر عنده عثمان - في مرضه الّذي توفى فيه: «عاجلوه قبل أن يتمادى ملكه، فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى منها نَعَم عبد الرحمن بن عوف، فمنعه إياها، فقال عبد الرحمن: اللّهمّ اجعل ماءها غوراً، فما وجدت فيها»(2).

وأخيراً حلف أن لا يكلـّم عثمان، وأوصى أن لا يصلي عليه، فصلّى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص(3). وقد يفاجأ القارئ بالمفارقة الكبرى إذا أخبرته أنّ عبد الله بن عوف أخا عبد الرحمن بقي مع عثمان يوم الدار ودافع عنه حتى قتل كما في أنساب الأشراف(4)، وكلا الأخوين أسرف في أمر عثمان، ولكن عبد الله أسرف من أخيه. وقد خلـّف من الأموال القناطير المقنطرة بأرقام خيالية كماً وكيفاً، وحسب القارئ أن يقرأ ما قاله المسعودي في مروج الذهب: «وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور منهم...

وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري، ابتنى داره ووسّعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ ربع ثمن ماله: أربعة وثمانين ألفاً»(5).

وقال ابن سعد في الطبقات: «وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً.

____________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4/558 ط مصر الأُولى.

(2) نفس المصدر /547.

(3) نفس المصدر.

(4) اُنظر أنساب الأشراف 1ق4/571.

(5) مروج الذهب 2/342 ط السعادة بمصر تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


الصفحة 233

وقال: وكان فيما خلـّفه ذهب قطـّع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه»(1).

ومع هذا الثراء العجيب الغريب فقد وقف على رأسه سائل وبين يديه طبق فيه عنب فأعطاه عنبة، فقيل له: أنّى تقع هذه منه؟ فقال: فيها مثاقيل ذرّ كثير(2)، وليتني أدري كيف نصدّق بعد هذا ما يرويه له علماء التفخيم من أحاديث سخائه الحاتمي؟!

خامساً ـ سعد بن أبي وقاص:

ولاّه عثمان الكوفة ست سنين فعمل له سنة وأشهراً ثمّ عزله لأنّه استقرض مالاً من بيت المال ولم يؤده، فطالبه ابن مسعود وكان على بيت المال، وجرى بينهما كلام تسابّا فيه، ووصل الخبر إلى عثمان فعزله وولّى أخاه لاُمه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن المجيد، وذلك في سنة 26.

وقد روى البلاذري في فتوح البلدان: «أن عثمان أقطع سعداً قرية هرمز»(3).

وروى ابن زنجويه في كتاب الأموال عن موسى بن طلحة قال: «أقطع عثمان سعد بن مالك وعدّ نفراً آخرين»(4).

وروى ابن سعد في الطبقات عن عائشة بنت سعد قالت: «أرسل سعد بن أبي وقاص إلى مروان بن الحكم بزكاة عين ماله خمسة آلاف درهم وترك سعد يوم مات مائتي ألف وخمسين ألف درهم»(5).

____________

(1) طبقات ابن سعد 3/96.

(2) راجع كتاب الأموال لابن زنجويه /770 تح ـ د شاكر ذيب فياض.

(3) فتوح البلدان /282.

(4) الأموال /626.

(5) طبقات ابن سعد 3ق1/105.


الصفحة 234

على أنّ عمر كان قد قاسم سعد ماله حين عزله عن العراق(1)، وإنّما تنامى ماله في عهد عثمان الّذي أقطعه مع آخرين الاقطاعات وحباه بجزيل الهبات. ومع ذلك المال الوفير كان على شفا جرف هارِ من البخل فانهار به. فقد وقف عليه سائل وبين يديه طبق عليه تمر، فأعطاه تمرة فقبض يده فقال: إنّ الله تعالى يقبل منّا الذرة والخردلة، فكان في هذه - التمرة - مثاقيل ذرّ(2).

أمّا موقفه من عثمان فقد كان من الخاذلين، فقد مرّ ذكر اسمه فيمن كتب كتاب الأحداث الّتي مارسها عثمان فأنكر الصحابة عليه ذلك. كما أنّه ورد ذكره في حديث أبي كعب الحارثي وقد مرّ جزء منه فيما يتعلق بإنكار عائشة وحفصة في أوّل موقف عثمان من الصحابة، فقد جاء فيه قول عثمان لعائشة وحفصة بعد أن أنكر عليه وأسمعا المسلمين استنكارهما، وسماهما بالفتّانتين فقال مهدداً لهما: «وإلاّ تنتهيان أو لأسبنّكما ما حلّ لي السباب، وإنّي لأصلكما لعالِم. فقال له سعد بن أبي وقاص: أتقول هذا لحبائب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: وفيما أنت وما هاهنا؟ قال: ثمّ أقبل على سعد عامداً إليه ليضربه قال: وانسلّ سعد فخرج من المسجد فاتبعه عثمان فلقي عليّاً بباب المسجد، فقال له عليّ: أين تريد؟ قال: أريد هذا الّذي كذا وكذا - يعني سعداً - فشتمه.

فقال له عليّ: أيّها الرجل دع هذا عنك». وستأتي بقية الحديث في موقف عثمان من بني هاشم(3).

____________

(1) طبقات ابن سعد 3ق1/105، روى البلاذري في فتوح البلدان /286 من حديث محمّد بن إسحاق قال: اتخذ سعد بن أبي وقاص باباً مبوباً من خشب وخصّ على قصره خصاً من قصب، فبعث عمر بن الخطاب محمّد بن سلمة الأنصاري حتى أحرق الباب والخصّ.

(2) كتاب الأموال لابن زنجويه تح ـ شاكر ذيب فياض ط مركز الملك فيصل للبحوث.

(3) المصنف لعبد الرزاق 11/355 و 356.


الصفحة 235

وقد روى الطبري حديث دخوله على عثمان يوم قتل ثمّ خرج وهو يسترجع ممّا يرى على الباب فقال له مروان: «الآن تندم أنت أشهرته(1)...»(2).

ولم يكن ينكر ذلك فقد كتب إليه عمرو بن العاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله وتولى كبره، فكتب إليه سعد: «إنّك سألتني من قتل عثمان وإنّي أخبرك إنّه قتل بسيف سلّته عائشة، وصقله طلحة، وسمّه ابن أبي طالب وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غيّر وتغيّر وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنّا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله»(3).

سادساً ـ عمرو بن العاص:

وقد كان صهراً لعثمان على أخته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وهذه المصاهرة، قد لا يعلمها كثير من الباحثين فضلاً عن سائر القرّاء. وقد مرّت منا الإشارة إلى أنّ أم كلثوم هذه من المردفات من قريش(4).

قال المدائني: «ثمّ تزوجها عمرو بن العاص فأخرجها معه إلى مصر، فقالت يوماً لخبّاز عمرو: لا تهيء له اليوم طعاماً فإنّي قد هيأت له غداءه، ودعا عمرو بالغداء، فقال الخبّاز: أرسلت إليّ أم كلثوم: لا تكلـّف شيئاً فقد هيأت له غداءه.

____________

(1) أي شهرته بالقول حتى صار كالبدنة الّتي يشعر جنبها علامة لها وكلّ ما ألصقته بشيء فقد أشهرته.

(2) تاريخ الطبري 4/377 ط دار المعارف.

(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1ق1/43.

(4) راجع رقم (2) الزبير، ورقم (4) عبد الرحمن بن عوف من(مواقف سنمّارية من بعض الصحابة).


الصفحة 236

قال: فغدّتنا، فتغدّى، فلمّا فرغوا وخرج من حضر قال لأم كلثوم: لا تعودي، فإني لم أتزوّجك لتطعميني، وإنما تزوّجتك لأطعمك. فماتت عنده»(1)، وسيأتي في آخر حديث عند الطبري: ففارقها حين عزله - يعني عثمان -.

ومهما يكن فلم تنفع هذه المصاهرة عثمان شيئاً، فكلّ أصهاره - هؤلاء - كانوا له أوّلاً أولياء ثمّ صاروا عليه أخيراً من الأعداء، وقد مرت بعض مواقف الزبير وابن عوف معه.

أمّا عمرو بن العاص فهو الّذي أوجد لعثمان مخرجاً من تبعة قتل عبيد الله ابن عمر حين قتل الهرمزان فلقنّه الحجة وقال له: «يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس فأعرض عنه»(2).

ومرت بنا كلمات الإدانة والخيانة الّتي رواها ابن سعد. وفيها، فلفته - عمرو - عن رأيه، وفيها: لكن عمرو بن العاص كلـّم عثمان حتى تركه. حتى كان موقف عثمان الخانع المائع بعد تصلبه مثار عجب الراوي فقال: عجبت لعثمان حين ولي كيف تركه، ولكن عرفت أنّ عمرو بن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه.

فعمرو بن العاص فتح للخليفة باباً للخلاص من العتاب، كما فتح باباً للمجرمين للإفلات من العقاب، ما دامت الجناية وقعت في زمان الحاكم السابق، ولم يتخذ إجراء العقوبة في حينه لموت الحاكم، فلا إصر على الحاكم اللاحق لو عفا عن المجرمين إنها حجة غريبة وعجيبة تفتقت عنها ذهنية ابن النابغة، لتبرئة عثمان من تبعة قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان وبقية الدماء البريئة.

____________

(1) اُنظر كتاب المردفات من قريش (نوادر المخطوطات 1/61 تح ـ عبد السلام محمّد هارون).

(2) طبقات ابن سعد 5/10 ط أفست ليدن.


الصفحة 237

وما أدري كيف تبدّل بالمنطق المعكوس ما أحتج به ولقنه لعثمان. فصار بعد ذلك يدين الإمام بدم عثمان لأنه لم يقتص من قتلته في حين كان قتله يوم لا سلطان للإمام، ولكنّ ازدواجية ابن النابغة والأنتهازية بلا حدود جعلته في مرابع الضلال يغدو ويروح.

والآن إلى بعض مواقفه من عثمان:

فلنقرأ ما ذكره الطبري من حديث الواقدي عن أبي عون مولى المسور قال: «كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان، فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثمّ جمعهما لعبد الله بن سعد، فلمّا قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خالياً به. قال: يا بن النابغة ما أسرع ما قمِل جرُّبان جبتـّك؟ إنما عهدك بالعمل عاماً أوّل، أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر. والله لولا أكلةٌ ما فعلتَ ذلك.

قال: فقال عمرو: إنّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتـّق الله يا أمير المؤمنين في رعيّتك.

فقال عثمان: والله لقد استعملتك على ظـَلـَعِكَ وكثرة المقالة فيك.

فقال عمرو: قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب، ففارقني وهو عني راض ِ.

قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لأستقمت. ولكني لنتُ عليك فاجترأت عليّ، أما والله لأنا أعزّ منك نفراً في الجاهلية، وقبل أن ألي هذا السلطان.


الصفحة 238

فقال عمرو: دع عنك هذا، فالحمد لله الّذي اكرمنا بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهدانا به. قد رأيتَ العاص بن وائل ورأيت أباك عفـّان، فوالله للعاصُ كان أشرف من أبيك.

قال: فانكسر عثمان. وقال: ما لنا ولذكر الجاهلية.

قال: وخرج عمرو ودخل مروان، فقال: يا أمير المؤمنين وقد بلغتَ مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك، فقال عثمان: دع هذا عنك، مَن ذكر آباء الرجال ذكروا أباه.

قال: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليّاً مرة فيؤلـّبه على عثمان، ويأتي الزبير مرة فيؤلـّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلـّبه على عثمان. ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان فلمّا كان حصر عثمان الأوّل خرج من المدينة، حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع، فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان.

قال: فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمّد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي، إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعني عثمان. قال: تركته محصوراً شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبد الله، قد يضرط العير والمكواة في النار(1).

فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر. فناداه عمرو ما فعل الرجل؟ يعني عثمان. قال: قـُتل. قال: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنتُ لأحرّض عليه، حتى إنّي لأحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.

فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش إنّه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا ان نخرج الحقّ من حافرة

____________

(1) مثل يضرب للرجل يخاف الأمر فيجزع قبل وقوعه. مجمع الأمثال 2/95.