المكتبة العقائدية » موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 5 (لـ محمد مهدي الخرسان)



الصفحة 287
وإذا عرفنا أنّ الراوي هو مجاهد وهو من المكيين وكان من تلامذة ابن عباس المبرزّين، فكان يأتي الطائف لزيارة استاذه فيسأله هو عن بناء الكعبة، وأحسبه رجع إلى مكة بعد هذا الحديث.

وقد استغل عبد الملك بن مروان الموقف بالشام، فمنع أهل الشام من الحج وذلك ان ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلمّا رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضجّ الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض من الله علينا.

فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدّثكم أنّ رسول الله قال: (لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس)، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة الّتي يروي أنّ رسول الله وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة وعلّق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام أهل الشام يأتون بذلك أيام بني أمية(1).

مواقف ابن الزبير العدائية لبني هاشم:

لقد مرّ بنا قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للزبير حين تواقفا في يوم الجمل: «قد كنّا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك»(2).

____________

(1) أنظر تاريخ اليعقوبي 3/7 ـ 8.

(2) تاريخ الطبري 5/204 حوادث 36 ط الحسينية بمصر.


الصفحة 288
واشتهر عنه (عليه السلام) قوله: «ما زال الزبير منا حتى نشأ ابنه المشؤم عبد الله»(1).

وقال أيضاً فيه: «خبّ ضبّ يروم أمراً لا يدركه، نصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعدُ مصلوب قريش»(2).

وهذا من بعض ما كان يخبر به قبل وقوعه من الحوادث، وهو ممّا علّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من لدن عليم حكيم.

روى الذهبي عن الواقدي قال: «حدثنا ربيعة بن عثمان وابن أبي سبرة وغيرهما قالوا: جاء نعي يزيد في ربيع الآخر سنة أربع وستين فقام ابن الزبير فدعا إلى نفسه، وبايعه الناس، فدعا ابن عباس وابن الحنفية إلى بيعته، فامتنعا، وقالا: حتى يجتمع لك الناس، فداراهما سنتين ثمّ أنّه أغلظ لهما ودعاهما فأبيا»(3).

وقد ذكر المؤرخون له مواقف عدائية تنمّ عن كامنٍ حقد ونُصب بغيض.

وإلى القارئ بعض ما ذكروه فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عطية العوفي قال: «فلمّا جاء نعي يزيد بن معاوية وبايع ابن الزبير لنفسه ودعا الناس إليه، دعا ابن عباس ومحمّد بن الحنفية إلى البيعة فأبيا يبايعان له، وقالا حتى يجتمع لك البلاد ويتسق لك الناس، فأقاما على ذلك ما أقاما، فمرة

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي 4/480 ط الأولى بمصر، وشرح النهج محمّد عبده 3/260 حكمة 354 ط الاستقامة، وقد روى أبو عمر في الاستيعاب هذه الكلمة في ترجمة ابن الزبير بدون لفظ المشؤم، وأحسب أنها ثقلت عليه فحذفها.

ورواها ابن الأثير في أسد الغابة 3/162 في ترجمة ابن الزبير. كما ذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد 5/72 ط لجنة التأليف والترجمة والنشر، وفي 3/96 طبعة أخرى، وذكرها المفيد في الجمل /192، وهي في نهج البلاغة نسخة جديدة محققة وموثقة، تحقيق وتوثيق دكتور صبري إبراهيم السيّد، جامعة عين شمس وجامعة قطر.

(2) أنظر سفينة البحار 3/33.

(3) سير أعلام النبلاء 4/465 ط دار الفكر، مختصر تاريخ دمشق 12/190 هامش المصدر.


الصفحة 289
يكاشرهما ومرة يلين لهما، ومرة يباديهما، ثمّ غلظ عليهما، فوقع بينهم كلام وشرّ، فلم يزل الأمر يغلظ حتى خافا منه خوفاً شديداً، ومعهما النساء والذرية، فأساء جوارهم وحصرهم وآذاهم، وقصد لمحمد بن الحنفية فأظهر شتمه وعيّبه، وأمره وبني هاشم أن يلزموا شعبهم بمكة، وجعل عليهم الرقباء، وقال لهم فيما يقول: لتبايعُنّ أو لأحرقنّكم بالنار، فخافوا على أنفسهم»(1).

وروى ذلك أيضاً وفيه: «حتى إذا كانت سنة ست وستين غلظ عليهما ودعاهما إلى البيعة فأبيا»(2). وسيأتي خبر عطية بأوسع ممّا ذكرنا في حبس ابن الزبير لبني هاشم.

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي: «قطع عبد الله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جُمعاً كثيرة، فاستعظم الناس ذلك فقال: إنّي لا أرغب عن ذكره، ولكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم، فأنا أحبّ أن أكبتهم.

وقال: لمّا كاشف عبد الله بن الزبير بني هاشم وأظهر بُغضهم وعابهم، وهمّ بما همّ به في أمرهم، ولم يذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خطبته، لا يوم جمعة ولا غيرها، عاتبه على ذلك قوم من خاصته، وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته، فقال: والله ما تركت ذلك علانية إلاّ وأنا أقوله سرّاً وأكثر منه، لكنّي رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبّوا واحمرّت ألوانهم، وطالت رقابهم، والله ما كنتُ لآتي لهم سُروراً وأنا أقدر عليه، والله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثمّ أضرمها عليهم ناراً، فإنّي لا أقتل منهم إلاّ آثماً كفّاراً سحّاراً، لا أنماهم الله ولا بارك عليهم، بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر. والله ما ترك نبيّ الله فيهم خيراً، استفرع نبيّ الله صدقهم فهم أكذب الناس.

____________

(1) الطبقات 5/73ـ74 ط أفست ليدن.

(2) نفس المصدر /184 تح ـ السُلمي ط الطائف.


الصفحة 290
فقام إليه محمّد بن سعد بن أبي وقاص فقال: وفّقك الله يا أمير المؤمنين أنا أوّل من أعانك في أمرهم. فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال: والله ما قلت صواباً، ولا هممت برشد، أرهط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تعيب! وإياهم تقتل! والعرب من حولك، والله لو قتلت عِدّتهم أهل البيت من الترك مسلمين ما سوّغه الله لك، والله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره.

فقال: أجلس أبا صفوان فلست بناموس(1)»(2).

هذا بعضٌ من مواقفه الّتي أصحر فيها بعداوته من على المنبر في المسجد الحرام. ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أنّ الّذي بادر فأعلن مناصرته هو أخ عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الحسين (عليه السلام)، فلا غرابة بالخبث إذا خرج من معدنه، ولم ينكر عليه في ذلك الموقف العدائي سوى عبد الله بن صفوان الجمحي، وهذا الرجل فيما يقول الذهبي: «وكان سيّد أهل مكة في زمانه لحلمه وسخائه وعقله»(3). غير أنّ ابن الزبير وصفه بما لا يليق به فقال له: «فلست بناموس» أي لست الحاذق المطلّع على بواطن الأمور ولا صاحب السرّ، ومع هذه الإهانة، فقد بقي معه حتى قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وقد حملوا رأسه مع رأس ابن الزبير ورأس عبد الله بن مطيع إلى المدينة المنورة(4) وسيأتي له حديث آخر مع ابن الزبير ممّا يتعلق بابني العباس عبد الله حبر الأمة وأخيه عبيد الله حين رأى الناس عكوفاً عليهما هذا للفقه وهذا لبذل الطعام، فأساء القول كلّ منهما في الآخر مع أنّه من أصحابه حتى انّه قتل معه، لكن الرجل لم يمنعه ذلك من قول كلمة حقّ

____________

(1) الناموس: الحاذق وصاحب السرّ المطلع على باطن الامور.

(2) شرح النهج 4/489 ط الأولى بمصر و2/127 تح ـ محمّد أبو الفضل إبراهيم.

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي 5/167 ط دار الفكر.

(4) نفس المصدر.


الصفحة 291
عند سلطان جائر، وإن لم ينفعه ذلك إذ لم يغيّر شيئاً من طبع ابن الزبير، لأنّه لا يرعوي لنصح، وأنّى له أن يقبل كلمة النصيحة وهو قد اشتمل في مكنونه على حقد دفين يغلي مرجله في صدره باعترافه منذ أربعين سنة، لذلك نصب العداوة لأهل البيت، وقد اعترف هو بذلك مصحراً أمام حاضريه حين دخل عليه ابن عباس فقال بكلّ وقاحة وصلف: (إنّي لأكتم بغضكم منذ أربعين سنة).

روى المسعودي في مروج الذهب فقال: «وذكر سعيد بن جبير أنّ عبد الله ابن عباس دخل على ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أنت الّذي تؤنّبني وتبخلني؟

قال ابن عباس: نعم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول: ليس المسلم الّذي يشبع ويجوع جاره.

فقال ابن الزبير: إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة، وجرى بينهما خطب طويل، فخرج ابن عباس من مكة خوفاً على نفسه، فنزل الطائف فتوفى هنالك».

ثمّ قال المسعودي: «ذكر هذا الخبر عمر بن شَبّة النميري عن سويد بن سعيد يرفعه إلى سعيد بن جبير، فيما حدّثنا به المهراني بمصر، والكلابي بالبصرة وغيرهما عن عمر بن شبّة»(1).

أقول: ليت المسعودي ذكر لنا تمام ما جرى بينهما من الخطب الطويل (ليت وهل تنفع شيئاً ليت؟).

وهذا الخبر رواه الجاحظ في رسالة الحاسد والمحسود فقال: «حُدثنا عن عليّ بن مسهر عن الأعمش عن طلح بن حباب عن سعيد بن جبير أنّه قال: قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أنت الّذي تؤنّبني؟ قال:

____________

(1) مروج الذهب 2/102 ط مصر و 3/89 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد بمصر.


الصفحة 292
نعم لأنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يقول: ليس بمؤمن من بات شبعانَ وجاره طاو، فقال له ابن الزبير: قلت ذاك وأتبعه بقول يدل على حسد كان ابن عباس من شره معصوماً، وكان ذاك بما في قلبه لبني هاشم مهزوماً، وكانت وخزة ثقيلة فلم يبدها له وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالس بني هاشم من أعاليها غامرة (عامرة ظ)، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة، فلمّا تجلت (تخلت ظ) البطحاء من صناديدها استقبله بما أكمن في نفسه، والحاسد لا يغفل عن فرصته، إلى أن يأتي الموت على رمّته، وما استقبل ابنَ عباس بذلك إلاّ لمّا رأى عمر قدّمه على أهل القِدم، ونظر إليه وقد أطاف به الحرم، فأوسعهم حكما، وتعقبوا منه رأياً وفهماً، وأشبعهم علماً ولحماً.

ويروي عن ابن سيرين انّه قال: ما رأيت أكثر علماً ولحماً من منزل ابن عباس»(1).

ويؤيد ما قاله الجاحظ ما قاله صاحب مشكاة الأدب: «إنّ ابن عباس أوّل من وضع موائد الطعام في الطرقات للناس، ولم يكن يعود إلى رفعه. وانّه كان ما يصرفه في اليوم خمسمائة دينار، وهذا ما ذكره الوطواط في غرر الخصائص أيضاً»(2).

وفي محاضرات الراغب: «كان يسمى معلّم الجود لسخائه، وحثّه على ذلك قولاً وفعلاً»(3).

____________

(1) أنظر مجموعة رسائل الجاحظ 7 ـ 8 ط نشر الساسي بمصر بمطبعة التقدم.

(2) مشكاة الأدب /915.

(3) محاضرات الراغب 1/278.


الصفحة 293
فهذه الأقوال مهما شككنا في صحتها فإنّها لم تنشأ من فراغ، بل فيما سيأتي من الشواهد على بواعث حسد ابن الزبير ما يدل على صحتها، وحسبنا منها أن نقرأ الأوّل والثاني والثالث منها. وفيها وفي غيرها ما يؤجج نيران الحسد والحقد في نفس ابن الزبير البخيل ويسرّ بغضهم، وهو يقرَ بذلك معترفاً على نفسه.

قال ابن عبد ربه: «ولمّا توطد لابن الزبير أمرُه وملك الحرمين والعراقين، أظهر بَعض بني هاشم الطعن عليه، وذلك بعد موت الحسن والحسين، فدعا عبد الله بن عباس ومحمّد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته، فأبوا عليه، فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر، وأسقط ذكر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من خطبته، فعوتب على ذلك فقال: والله ما يمنعني أنّي لا أذكره علانية من ذكره سراً وأصلي عليه، ولكن رأيت هذا الحيّ من بني هاشم إذا سمعوا ذكره أشرأبت أعناقهم، وأبغض الأشياء إليّ ما يسرّهم»(1).

ألا ترون من حقّ ابن عباس أن يثأر لنفسه ولقومه فيجابهه راداً عليه افتراءه، بما يزيد حنقه وبغضاءه. لذلك كان يتمثل بأبيات عنترة بن الأخرس المعنيّ من طيء:


أطل حمل الشناءة لي وبغضيبجهدك وانظرن من ذا تضير
فما بيديك خير أرتجيهوغير صدودك الخطب الكبير
إذا أبصرتني أعرضت عنيكأنّ الشمس من قبلي تدور(2)

____________

(1) العقد الفريد 4/413 تح ـ أحمد أمين ورفيقيه.

(2) الأبيات من أربعة في شرح حماسة أبي تمام للتبريزي 1/219 مطبعة حجازي بالقاهرة تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد، ومن خمسة أبيات في المؤتلف والمختلف للآمدي /225 بتحقيق عبد الستار أحمد فراج.


الصفحة 294
وقد تحاشى كثير من المحدّثين والمؤرخين ذكر كلمة ابن الزبير «إنّي لأكتم بغضكم منذ أربعين سنة»!! ومن الطبيعي أن لا يذكروها لأنّها تكشف عن سوء طويّة أنفوا منها، وأحسبهم على أحسن تقدير أنّهم استفظعوا وقع الكلمة، فاستعظموا ذكرها لفظاعتها، فألقوها في سلة المهملات في غيابة الجبّ، ولا ضير ما دام الجاحظ قد نمّ بها على استحياء، وذكرها المسعودي بدون خفاء، ونقلها أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج، والسيّد عليّ خان المدني الشيرازي في الدرجات الرفيعة وغيرهما، وأخال هؤلاء نقلوها عن المسعودي الّذي هو أيضاً تكتّم على ما جرى بين ابن عباس وابن الزبير من خطب طويل. ولكنه لم يسعه كتمان تلك الكلمة الّتي كبرت أن تخرج من أفواههم، والّتي هي حالقة الإيمان.

فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في خطبة له رواها جابر بن عبد الله: « (أيّها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً)، قال جابر: فقلت: يا رسول الله وإن صام وصلّى؟ قال: (وإن صام وصلّى وزعم انّه مسلم، احتجر بذلك من سفك دمه، وأن يؤدّى الجزية عن يد وهم صاغرون...) »(1).

وفي حديث ثان رواه ابن عباس قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (... فلو أنّ رجلاً صفن ـ أي وقف ـ بين الركن والمقام وصلّى وصام ثمّ مات وهو مبغض لآل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل النار) »(2).

____________

(1) مجمع الزوائد 9/172 عن الطبراني في الأوسط.

(2) نفس المصدر 9/171، وكتاب السنة لابن أبي عاصم 2/642 برقم 1546 ط المكتب الإسلامي تح ـ الألباني وفيه تصحيف كلمة (يبغض) بـ (ينقص)، والحاكم في المستدرك /149 وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.


الصفحة 295
وفي حديث ثالث رواه أبو سعيد الخدري عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «قال: (والّذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار) »(1).

إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي جعلت بغض بني هاشم من الكفر(2).

لك الله يا بن عباس ماذا لقيت من حسد ابن الزبير وحقده، وعنت بني أمية وبغضهم، وما ذلك إلاّ أنّك بلغت دونهم الذرى في مجدك، وسموت إلى العلياء في محتدك، وقديماً قالوا:


حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلنَ لوجههاحسداً وبغياً إنّه لذميم

ولأنت كما قال الآخر:


ان يحسدوك على علاك فإنّمامتسافل الدرجات يحسد من علا

{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}(3)، {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(4).

وقفة تحقيق لا ترفاً ولا سرفاً:

لقد قرأنا رواية المسعودي الّتي وثّقها بسماعه لها بمصر من المهراني وبالبصرة من الكلابي وغيرهما، وهي بدلالتها الواضحة الصريحة دلّت على مدى الانفصام والتنافر بين ابن عباس وبين ابن الزبير، كما كشفت عن نُصب مستحكم

____________

(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم 2246.

(2) المعجم الكبير للطبراني 11/ 118، ومجمع الزوائد 9/172.

(3) النساء /54.

(4) آل عمران /73 ـ 74.


الصفحة 296
في نفس ابن الزبير لأهل البيت أقرّ به على نفسه. وعرفنا منها أيضاً شدة وصرامة ابن عباس في قولة الحقّ ودحر الباطل.

كما قرأنا مقالة الجاحظ وهو على عثمانيته لم يستسغ في المقام الإغضاء عن ابن الزبير وكلمته، ولكنه قصّر في صراحته إلاّ أنّه لم يتخلّ عن أدبه الجاحظي حين كنّى، والكناية أبلغ من التصريح، فأشار بابن عم الكلام عمّا يقتضيه المقام، فنمّ على كلمة ابن الزبير النابية «إنّي لأكتم بغضكم» على استحياء، بعكس المسعودي الّذي ذكرها بدون خشية أو خفاء. وقد وردت الكلمة عند أصحاب مصادر متأخرين عن الجاحظ والمسعودي، وكلّهم أدوا أمانة النقل فلا تثريب عليهم. لكن هلمّ الخطب فيمن تولوا كبر حذفها وهم على أحسن تقدير استفظعوها فاستعظموا ذكرها لفظاعتها فألقوها في سلة المهملات وفي غيابة الجبّ، ولكني لم أدر لماذا تخاذلوا عن ذكر كلمة ابن الزبير الأخرى الّتي واجه بها ابن عباس حين دخل عليه فقال له: «أنت الّذي تؤنّبني وتبخّلي»؟! وما بالهم سرت عدوى دائهم إلى خبر آخر صنو ما سبق؟ رواه عبد الله بن مساور قال: «سمعت ابن عباس (وهو يبخّل ابن الزبير) » فحذف الجملة (بعضهم) وصحّفها آخرون تصحيفاً سخيفاً؟ فلا بد إذن من وقفة تحقيق دقيق تحذيراً للقارئ من مغبّة الاغترار ببهرجة ألقاب المحدثين الّذين جعلوا الحديث عضين، آمنوا ببعض وكفروا ببعض ـ كما قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}(1).

وبين يدي ذلك عرضاً بأصحاب المصادر الّتي روت كلمة عبد الله بن المساور أو ما في معناها:

____________

(1) الحجر /91.


الصفحة 297
1- الحافظ عبد بن حُميد (ت 249هـ) روى الحديث في مسنده بسنده عن عبد الله بن مساور: «سمعت ابن عباس ذكر ابن الزبير فبخّله...»(1) ثمّ ساق الحديث إلى آخره، وأحسبه أوّل محدّث ذكر الكلمة بمعناها.

2- البخاري (ت 256هـ) في تاريخه قال: «فقال عبد الله بن مساور: إنّ ابن عباس بخّل ابن الزبير وقال: ليس المؤمن الّذي يأكل وجاره جائع، قاله أبو نعيم ومعاوية بن هشام...»(2) ثمّ ساق ثلاثة أسانيد لهذا الخبر جاء في ثالثها عبد الله بن أبي مساور.

3- أبو عبد الله محمّد بن نصر بن الحجاج المروزي (ت 294هـ) روى في كتابه تعظيم قدر الصلاة بسنده عن سعيد بن جبير قال: «دخل ابن عباس على ابن الزبير فقال له ابن الزبير: أنت الّذي تؤنّبني وتبخّلني؟ قال ابن عباس: نعم، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنّ المسلم الّذي يشبع ويجوع جاره ليس بمؤمن) ». ثمّ ذكر بعده بسند آخر عن عبد الله بن المساور: «انّه سمع ابن عباس وهو يبخّل ابن الزبير يقول: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (ليس المسلم من شبع وجاره جائع إلى جنبه) »(3).

4- ابن أبي الدنيا القرشي (ت 281هـ) روى في كتابه مكارم الأخلاق نشر مكتبة الفرات بالقاهرة سنة 1411 بسنده حديث ابن المساور وفيه: «سمعت ابن عباس (وهو يبخّل) ابن الزبير يقول سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ليس المؤمن...) »(4).

____________

(1) أنظر منتخب مسند ابن حميد تح ـ صبحي البدري السامرائي ومحمود خليل الصعيدي نشر مكتبة السنة القاهرة سنه 1411.

(2) التاريخ الكبير (ترجمة عبد الله بن مساور) 3 ق 1/195 ط أفست المكتبة الإسلامية ديار بكر تركيا وكذا في ط دار الفكر بيروت في ترجمة عبد الله بن مساور.

(3) تعظيم قدر الصلاة 2/593 ط الأولى نشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

(4) مكارم الأخلاق نشر مكتبة الفرات بالقاهرة سنة 1411.


الصفحة 298
5- الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) روى الحديث كسابقه في المستدرك على الصحيحين وقال: «هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرّجاه»(1).

6- البيهقي (ت 458 هـ) روى في سننه الخبر كما في سابقه(2).

7- الخطيب البغدادي (ت 461هـ) روى الحديث في تاريخ بغداد في ترجمة عبد الملك بن أبي بشير كسابقه(3).

8- الحافظ المزي (ت 742هـ) روى الحديث في تهذيب الكمال في ترجمة عبد الله بن المساور وقال: «في أصل القطان: ابن أبي المساور قال: سمعت ابن عباس (وهو يبخّل ابن الزبير) »(4).

9- الحافظ الذهبي (ت 748 هـ) روى الحديث في تلخيص المستدرك على الصحيحين للحاكم، ووافق على تصحيح الحاكم، كما رواه أيضاً في سير أعلام النبلاء فقال: «عيب ابن الزبير بشحّ فروى الثوري - ثمّ ساق السند إلى عبد الله بن مساور - سمع ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل ويقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ليس المؤمن الّذي يبيت شبعان وجاره جائع) - ثمّ قال: - وروى عبيد الله بن عمر عن ليث قال: كان ابن عباس يكثر أن يعنف ابن الزبير بالبخل فقال: كم تعيرني؟»(5).

10- الحافظ ابن كثير (ت 774هـ) روى الحديث في تاريخه(6)، وكأنّه استثقل الكلمة فصنع كما صنع الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال كقوله.

____________

(1) المستدرك على الصحيحين 4/167.

(2) السنن الكبرى 10/3 ط مكتبة دار الباز بمكة المكرمة سنة 1414.

(3) تاريخ بغداد 10/391.

(4) تهذيب الكمال (ترجمة عبد الله بن المساور) 16/120 تح ـ بشار عواد ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1400 هـ.

(5) سير أعلام النبلاء 3/374 ـ 375 ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة 1413.

(6) البداية والنهاية 8/339 ط السعادة بمصر.


الصفحة 299
11- الطحاوي ذكر الخبر بسنده عن عبد الله بن المساور ـ او ابن أبي المساور ـ: «قال سمعت ابن عباس يعاتب ابن الزبير في البخل ويقول: ليس المؤمن الّذي يبيت شبعانَ وجاره إلى جنبه جائع». ثمّ قال الطحاوي: «فلم يرد بذلك انّه ليس بمؤمن إيماناً خرج بتركه إياه إلى الكفر، ولكنه أراد به انّه ليس في أعلى مراتب الإيمان»(1).

12- ناصر الدين الألباني في الأحاديث الصحيحة(2)، وقد أفاض القول بذكر مصادر الحديث النبوي وعقب عليها بما اقتضاه المقام وختم كلامه مندّداً بالبخلاء الّذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.

فهؤلاء اثنا عشر حافظاً من مشاهير الحفّاظ من المحدّثين كلّهم ذكروا جملة (وهو يبخّل ابن الزبير) أو ما في معناها كما مر عن عبد بن حميد والبخاري والذهبي وابن كثير والطحاوي ولا تثريب عليهم.

إنّما التثريب بل والتتريب على أولئك الّذين لم يستمرؤا الحقّ فعافوه وحذفوا الكلمة نصاً ومعنى، وهم:

1- هنّاد ابن السري الكوفي (ت 243هـ) في كتابه الزهد(3)، وأخاله أوّل من تولى كبر ذلك.

2- الحافظ أبو يعلى الموصلي (ت 307هـ) روى الحديث في مسنده(4)، ولم يذكر الكلمة.

____________

(1) شرح معاني الآثار 1/28 ط بيروت دار الكتب العلمية سنة 1399 بتحـ محمّد زهري النجار.

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/229 برقم 149 ط 14 نشر المكتب الإسلامي سنة 1405.

(3) الزهد 2/507 ط الأولى نشر دار الخلفاء للكتاب الإسلامي الكويت.

(4) مسند أبي يعلى 2/549 نشر دار الكتب العلمية.


الصفحة 300
3- ابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ) في كتابه العلل، فقد ساق الحديث بدون كلمة ابن المساور سمعت ابن عباس (وهو يبخل ابن الزبير)، ثمّ أبدى إهتماماً بالغاً بتفاوت النقلة في اسم (المساور) أو (المسور) أو (أبي المساور) فقال: «سئل أبو زرعة عن حديث رواه قبيصة وثابت بن محمّد ووكيع وأبو نعيم عن الثوري فاختلفوا. فقال قبيصة عن الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير عن عبد الله بن أبي المساور عن ابن عباس عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ليس المؤمن الّذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه).

وقال ثابت عن الثوري عن عبد الملك عن عبد الله المسور عن ابن عباس...

وقال وكيع عن سفيان عن عبد الملك عن عبد الله بن مساور عن ابن عباس...

قال أبو زرعة: وَهِمَ ثابت فيما قال، وأبو نعيم أثبت في هذا الحديث من وكيع كأنّه حكم لأبي نعيم»(1).

أقول: ليت بعض هذا الإهتمام بتحقيق أبي المساور ـ المسور ـ مساور ـ كان من أبي حاتم لتحقيق المتن.

ومن الطريف قوله وكأنّه حكم لأبي نعيم مع أنّه لم يذكر سنداً لأبي نعيم فلاحظ!

4- تمام بن محمّد الرازي (ت 414هـ) في كتابه الفوائد(2).

5- البيهقي الشافعي (ت 458هـ) في شعب الإيمان، مع أنّه ذكر الكلمة في سننه الكبرى صحيحة، ووردت في شعب الإيمان مصحفة(3) كما سيأتي.

____________

(1) علل الحديث 2/329 ط السلفية بمصر.

(2) الفوائد2/105 تح ـ حمدي عبد المجيد السلفي ط مكتبة الرشد بالرياض سنة 1412هـ.

(3) الترغيب والترهيب 3/243 نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1417و 5/42 ط السعادة بمصر سنة 1381 بتحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.


الصفحة 301
6- المنذري (ت 656هـ) في كتابه الترغيب والترهيب(1).

7- ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في القول المسدد، نقلاً عن البخاري في تاريخه والطبراني وأبي يعلى(2)، وقد مرت بنا الإشارة إلى ما في تاريخ البخاري وفيه التصريح بأنّ ابن عباس بخّل ابن الزبير فلاحظ.

فهؤلاء الّذين لم يذكروا تبخيل ابن عباس لابن الزبير، ولعلهم حفاظاً على كرامة الأصحاب!؟

أمّا الّذين وردت الكلمة محرفة أو مصحفة في تصانيفهم تحريفاً مهيناً أو تصحيفاً مشيناً فهم:

1- البخاري في كتابه الأدب المفرد فقد ذكر الخبر بسنده إلى عبد الله بن مساور قال: «سمعت ابن عباس (يخبر) ابن الزبير يقول سمعت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...».

فظننت لأول وهلة أنّ ذلك غلط مطبعي فات مصحح الكتاب تصحيحه، لكني تيقنت أنّه تحريف متعمّد جرى لكلمة (يبخّل) حيث ورد كذلك في طبعتين من الكتاب(3)، وأكّد صحة يقيني وروده كذلك في شرح كتاب الأدب المفرد(4). وهذا تحريف مَهين فمن تولى كبر ذلك من النساخ أو الرواة عن البخاري، لأنّ البخاري روى معنى كلمة عبد الله بن مساور بلفظ: «إنّ ابن عباس

____________

(1) الترغيب والترهيب 3/243 نشر دار الكتب العلمية بيروت سنة 1417و 5/42 ط السعادة بمصر سنة 1381 بتحـ محمّد محي الدين عبد الحميد.

(2) القول المسدد في الذب عن مسند أحمد /21 ط مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة 1401.

(3) وهما طبعة إسلامبول سنة 1309 ص 25 وطبعة مصرية محققة بتحـ محمّد فؤاد عبد الباقي فراجع ص 39 ط السلفية سنة 1375.

(4) الأدب المفرد المسمى بفضل الله الصمد لفضل الله الجيلاني 1/201 ط السلفية سنة 1378 هـ.


الصفحة 302
بخّل ابن الزبير» وقد مرّ ذكره في النمط الأوّل برقم 2، فراجع تجده ذكر ذلك في التاريخ الكبير.

2- الطبراني (ت 360هـ) ذكر الخبر في معجمه بسنده إلى عبد الله بن المساور، قال: «سمعت ابن عباس (وهو ينحل) ابن الزبير...»(1).

فظننت أنّه تصحيف غير متعمد، وأنّه غلط مطبعي، فراجعت الطبعة الثانية من الكتاب وقد كتب عليها مزيدة ومنقحة(2) فوجدتها كذلك، وازدادت حيرتي من محقق الكتاب الّذي نعت طبعته الثانية بمزيدة ومنقحة وهو لم يزد في المقام شيئاً ولم ينقح تلك الكلمة!! بل زاد الأمر إيهاماً وإبهاماً حيث ذكر في الهامش مصادر ذكر الخبر فقال: «ورواه البخاري في الأدب المفرد/112، والحاكم 4/167 وصححه، ووافقه الذهبي وابن أبي شيبة في كتاب الإيمان والخطيب في تاريخ بغداد، وابن عساكر 9/136/2، والضياء في المختارة 62/192/1، وأبو يعلى 136/2 قال في المجمع 8/167 ورجاله ثقات، وله شواهد أنظر سلسلة الصحيحة (برقم 148) لشيخنا محمّد ناصر الدين الألباني». انتهى ما ذكره السلفي.

وعندما راجعت سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، وجدت السلفي قد أخطأ في ذكر الرقم وصوابه (149)(3)، ووجدته قد أخذ المصادر حتى الضياء المختارة عن الألباني نقل المسطرة ـ كما يقولون ـ وليته ذكر بقية ما ذكره الألباني من كلام وتعقيب فهو قد ذكر الخبر عن الضياء المختارة

____________

(1) المعجم الكبير /12ط الأولى بمطبعة الوطن العربي.

(2) المعجم الكبير 12/119ط الثانية مطبعة الزهراء الموصل.

(3) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/229 ط الرابعة ط المكتب الإسلامي.