ولست بمتجنّ على السلفي في ذلك السطو على جهد الألباني، لأنّه لو كان قد راجع بنفسه تلك المصادر الّتي ذكرها لوجد الحاكم والذهبي والخطيب قد ذكروا كلمة (وهو يبخّل) فزهٍ بهكذا تحقيق!!
3- البيهقي ذكر الخبر في سننه ـ كما مر ـ وفيه (وهو يبخّل) لكن في كتابه شعب الإيمان اختلفت روايته، ففي الجزء الثالث لم يذكر الكلمة(1)، وفي الجزء الخامس: «قال لابن الزبير (وهو يخبر) (وهو ينحار) »(2)، وفي الجزء السابع (وهو ينحل)(3)، فأي هاتيك هو الصحيح؟
ومن الطرافة ما ذكره في الجزء الخامس من تحقيق حول لفظي (وهو يخبر) (وهو ينحار): فالأولى بسنده عن الدارمي والثانية بسنده عن الفريابي(4)، فمن كان محتاطاً إلى هذا الحد في النقل في الفرق بين الروايتين، لماذا لم يحقق لنا معنى (وهو ينحار) الّتي ذكرها؟
ثمّ ما باله ذكر الخبر هنا بسنده عن عبد الله بن المساور، وفي الجزء السابع صار عبد الله بن أبي المساور؟(5).
وما باله ذكر هناك كلمة (وهو ينحل)؟ وما هو معناها؟ كلّ ذلك التحريف والتصحيف من التخريف، وسرت عدواه إلى الخبر الّذي رواه بعد الخبر
____________
(1) شعب الإيمان 3/225تحـ محمّد السعيد بسيوني زغلول نشر دار الكتب العلمية بيروت.
(2) نفس المصدر 5/31.
(3) نفس المصدر 7/76.
(4) نفس المصدر 5/31.
(5) نفس المصدر 7/76.
هل تنحلني من النحلة بمعنى العطية؟ أو من تنحّله ادعاه لنفسه وهو لغيره؟ أو من نحله القول نسبه إليه؟
وهل تدنني من الدنو بمعنى القرب؟ أو من الدناوة بمعنى القرابة؟ أو من الدناءة بمعنى الحقارة؟ ومن الدنيّ كغنيّ الساقط الضعيف؟ أو من دنّى في الأمور تدنية تتبع صغيرها وكبيرها؟ كلّ ذلك لم يفصح عنه رواته.
مع أنّ خبر سعيد بن جبير الّذي رواه المسعودي وقد مرّ آنفاً وفيه قول ابن الزبير (أنت الّذي تؤنبني وتبخلّني) صريح صحيح، وقد رواه محمّد بن نصر المروزي مسنداً في كتابه تعظيم قدر الصلاة(1). فبعد هذا التصريح لا معنى للتحريف والتصحيف، بل يعد ذلك من التزييف والتخريف.
4- نور الدين الهيثمي (ت 807) ذكر الخبر في مجمع الزوائد، وقال: «رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات»(2).
وهذا الرجل أكبر همه النظر في رجال الأسانيد ـ شأن قومه ـ دون إعارة المتون قليلاً من الإلتفات، فما دام الرواة عنده ثقات، فعلينا التسليم بما رووه وإن كان من الترهات؟!
ويبدو من المصحّفين أنّهم تبعوا مَن قبلهم في التعتيم على ما يخدش كرامة أحدٍ الصحابة مثل ابن الزبير المعيّر بالبخل، وإن تمّ ذلك على إهدار
____________
(1) راجع رقم /3.
(2) مجمع الزوائد 8/167 ط القدسي سنة 1353.
وعندي أنّ هؤلاء أشدّ بخلاً من ابن الزبير الّذي ضنّ بمال المسلمين عليهم، فإنّهم بخلوا حتى برواية الحقيقة وكتموا الحقّ. فالله أولى بهم {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}(1).
ولم تكن هذه الوقفة الطويلة والجولة العريضة في تفتيش المصادر المعنيّة عن كلمة عبد الله بن المساور ـ أبي المساور ـ إنّه سمع ابن عباس وهو يبخّل ابن الزبير، لاثبات بخل ابن الزبير، فذلك معروف ومشهور لا مناقشة فيه، وإنّما أردت تنوير القارئ عمّا يتخلل الكتب الحديثية من تحريف وتخريف، كنّا نود أن لا نجد عليه شاهداً واحداً، ولكنا وجدنا منها عليها شواهد، وقد مرّت بنا الحقائق مكشوفة الغطاء، تنبئ عن النُصب والعداء، أعمت بصائر الرواة وأبصار النساخين والمصنّفين، عن ذكر حقيقة بخل ابن الزبير، وكأنّهم بفعلهم هذا محو سيئة بخل ابن الزبير من صحيفته، وهم بفعلهم هذا سيلقون آثاماً.
وبالتالي تحذير القرّاء من اللهاث وراء أولئك الحفاظ الّذين أكبر همهم ذكر الاسناد وتصحيحه بتوثيق رجاله، دون الالتفات إلى صحة ما يرونه ويروونه، ولا يُخدعوا ببهرجة الألقاب الّتي منحوها لهم بغير حساب.
بواعث حسد ابن الزبير لابن عباس:
يقول علماء الأخلاق: إنّ دواعي الحسد سبعة:
الأوّل: خبث النفس وشحّها بالخير والعياذ بالله.
____________
(1) البقرة /79.
الثالث: حب الرآسة وطلب المال والجاه والتفرّد بالثناء.
الرابع: الخوف من فوت المقاصد، وهو يختص بالمتزاحمين المتنافسين في بلوغ غاية واحدة.
الخامس: التعزز بأن يثقل عليه أن يترفع عليه بعض أقرانه.
السادس: التكبر على الناس لأنّ طبعه يميل إلى الترفّع على بعض الناس فإذا أصابت النعمة ذلك البعض حسده.
السابع: التعجب بأن يكون المحسود في نظر الحاسد أقل شأناً منه، فإذا علا نجمه حسده وتعجب من فوزه كحسد الأمم لانبيائهم.
وقد تجتمع كلّ هذه الأسباب أو أكثرها في شخص واحد، فيعظم لذلك حسده ويمكن إرجاع بعض هذه الأسباب وتداخلها مع بعضها فيكون أهمها ثلاثة:
الأوّل: بغض المحسود فيأسى عليه الحاسد بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر، فيثير حسداً قد خامر بُغضاً، وهذا النوع لا يكون عاماً وإن كان أضرّها، لأنّه ليس يبغض كلّ الناس.
الثاني: أن تتجدد له نعمة أو يوفّق لعمل يُكسِبه حمداً يتفوّق به على الأقران، فيثير ذلك حسد الحاسدين، ولولا ما تجدد له لم يصبه الحسد، وهذا أخص ممّا سبق إذ لا يكون إلاّ فيما بين الأقران.
الثالث: وهو أخبثها أن يكون الحاسد بخيلاً لا بما في يديه، بل يشح حتى بالفضائل والنعم الّتي أنعم الله بها على عباده، فهو ساخط على الله تعالى وعدو لنعمه، وهذا أشد أنواع البخل وأخبث أنواع الحسد، لأنّ البخيل يمنعك ما في
فإن صادف الحاسد قدرة نزع إلى الشر والوقيعة بالمحسود، وان صادف عجزاً كان في حرب نفسية داخلية لا تهدأ ثورتها ولا تسكن حرارتها حتى يحل البوار بمحسوده، أو يبقى هو حرضاً أو يكون من الهالكين.
وإذا رجعنا نتصفح مواقف ابن الزبير العدائية السيئة مع بني هاشم عموماً وابن عباس خاصة، نجده تقمص الدواعي الثلاث في حسده فهو يراهم تفوقواً عليه شرفاً في الجاهلية والإسلام، ولم ينل ما ناله إلاّ بهم، وهذا هو الداعي الأوّل من بواعث حسده، وسيأتي في بعض محاورات ابن عباس معه ما يشير إلى هذا.
ثمّ هو يرى نعم الله سبحانه تتوالى عليهم كلّ حين فلم يخل بيتهم من رجال قصر عنهم شأوه، فلا يسعه أن يطاولهم في منكب أو موكب، وهذا هو الداعي الثاني من بواعث حسده أيضاً.
وثالثة الأثافي يراهم قد سبقوا بفضائلهم علماً وحلماً وكرماً وجوداً شأواً بعيداً يقصر عن بلوغ مداه بخله وجهله، فهو يريد الوقيعة بهم حتى همّ بإحراقهم، وهذا هو الثالث من أهم بواعث حسده أيضاً وأضرّها عليه.
ولابدّ لنا من ذكر بعض الشواهد على تلك الدواعي نتبيّن منها ما لحق بابن عباس من أذاه لأنّه المحسود الأوّل من بني هاشم.
الشاهد الأوّل:
رحم الله أبا تمام حيث يقول:
| وإذا أراد الله نشر فضيلة | طويت أتاح لها لسان حسود |
| لولا اشتعال النار فيما جاورت | ما كان يعرف طيب عرَف العود |
| لولا التخوف للعواقب لم يزل | للحاسد النعمى على المحسود |
قال مؤرّج السدوسي المتوفى سنة 195 في كتابه حذف ـ أي قطع من طرفه ـ من نسب قريش نشرة صلاح الدين المنجّد: «وكان منادٍ يُنادي بمكة: من يريد العلم واللحم فليأت منزل عبد الله بن عباس...»(1).
ولقد روى ابن عبد البر في الاستيعاب(2)، والبُرّي التلمساني في الجوهرة(3)، والخرائطي في مكارم الأخلاق(4)، وابن عساكر(5)، وأبو الفرج في الأغاني(6) وغيرهم. قالوا:
«انّ عبد الله بن صفوان بن أمية ـ وهو من أخص أصحاب ابن الزبير ـ مرّ يوماً بدار عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه، ومرّ بدار أخيه فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير فعيّره وقال له: أصبحت والله كما قال الشاعر:
| فإن تصبك من الأيام قارعة | لم نبك منك على دنيا ولا دين(7) |
فتميّز غيظاً وغضباً وقال: وما ذاك يا أعرج؟
____________
(1) نسب قريش /8 نشرة صلاح الدين النجّد.
(2) الاستيعاب 1/373 ط حيدرأباد و 2/347 بهامش الإصابة ط مصطفى محمّد سنة 1358.
(3) الجوهرة 2/19.
(4) مكارم الأخلاق /58 السلفية بمصر سنة 1350.
(5) أنظر تهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران 7/202.
(6) الأغاني 15/151 ـ 152 ط دار الكتب المصرية.
(7) البيت لذي الأصبع العدواني وقصيدته مشهورة في المفضليات.
فدعا صاحب شرطته عبد الله بن مطيع العدوي وقال له انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية(1) قد وضعها الله فنصبتماها، بدّدا عني جمعكما، واخرجا عني ومن انضوى إليكما من ضُلاّل أهل العراق، وإلاّ فعلتُ وفعلتُ. فجاء ابن مطيع فبلّغ. فقال له عبد الله بن عباس: قل لابن الزبير يقول لك ابن عباس ثكلتك أمك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: رجل يطلب فقهاً ورجل يطلب فضلاً، فأي هذين تمنع؟
وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني فجعل يقول:
| لا درَّ درُّ الليالي كيف تضحكنا | منها خطوبٌ أعاجيبٌ وتبكينا |
| ومثل ما تحدث الأيام من غيرٍ | في ابن الزبير عن الدنيا تسلّينا |
| كنا نجيء ابن عباس فيسمعنا | فقهاً ويكسبنا أجراً ويهدينا |
| ولا يزال عبيد اللّه مترعةٌ | جفانُه مطعما ضيفاً ومسكينا |
| فالبر والدين والدنيا بدارهما | ننال منها الّذي نبغي إذا شينا |
| إن النبيّ هو النور الّذي كشطت | به عمايات ماضينا وباقينا |
| ورهطه عصمة في ديننا ولهم | فضل علينا وحقّ واجب فينا |
| ففيم تمنعنا منهم وتمنعهم | عنا وتؤذيهم فينا وتؤذينا؟ |
| ولستَ فاعلم بأولاهم به رحِماً | يا بن الزبير ولا أولى به دينا |
| لن يؤتي الله إنساناً ببغضهم | في الدين عزاً ولا في الأرض تمكينا» |
____________
(1) منسوبة إلى أبي تراب وهي كنية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن أحب كناه إليه لأن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كنّاه بها.
الشاهد الثاني:
روى أبو الفرج في الأغاني بسنده عن العتبي، قال: «قدم معن بن أوس مكة على ابن الزبير فأنزله دار الضيفان وكان ينزلها الغرباء وأبناء السبيل والضيفان، فأقام يومه لم يطعم شيئاً، حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيس هرم هزيل فقال: كلوا من هذا، وهم نيف وسبعون رجلاً، فغضب معن وخرج من عنده فأتى عبد الله بن العباس فقراه وحمله وكساه، ثمّ أتى عبد الله بن جعفر وحدّثه حديثه فأعطاه حتى أرضاه، وأقام عنده ثلاثاً حتى رحل، فقال يهجو ابن الزبير ويمدح ابن جعفر وابن عباس (رضي الله عنه):
| ظللنا بمتن الرياح غدية | إلى أن تعالى اليوم في شرّ محضر |
| لدى ابن الزبير حابسين بمنزل | من الخير والمعروف والرفد مقفر |
| رمانا أبو بكر وقد طال يومنا | بتيس من الشاه الحجازي أعفر |
| وقال اطعموا منه ونحن ثلاثة | وسبعون إنساناً فيا لؤم مخبر |
| فقلنا له لا تقرباً فأمامنا | جفان ابن عباس العلا وابن جعفر |
| وكن آمناً وارفق بتيسك فإنّه | له أعنزٌ ينزو عليها وأبشر»(1) |
ولمعن بن أوس حديث مكارم من ابن عباس أنعم عليه فمدحه فيها.
فقد روى أبو الفرج بسنده عن عبد الله بن عليّ بن منجوف، قال: «مرّ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بمعن بن أوس المزني وقد كفّ بصره فقال له يا معن كيف حالك؟ فقال له: ضعف بصري وكثر عيالي وغلبني الدَين، قال: وكم
____________
(1) الأغاني 10/157 ط الساسي.
| أخذت بعين المال لما نهكته | وبالدين حتى ما أكاد أدان |
| وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى | وردّ فلان حاجتي وفلان |
فقال له عبد الله: الله المستعان، إنّا بعثنا إليك بالأمس لقمة فما لكتها حتى انتزعت من يدك، فأي شيء للأهل والقرابة والجيران؟ وبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى فقال معن يمدحه:
| إنّك فرع من قريش وإنّما | تمجّ الندى منها البحور الفوارع(1) |
| ثووا قادة للناس بطحاء مِكة | لهم وسقايات الحجيج الدوافع |
| فلمّا دعوا للموت لم تبك منهم | على حادث الدهر العيون الدوامع»(2) |
الشاهد الثالث:
روى المقريزي في كتابه المقفى عن ابن جريج ـ وهو عبد الملك قاضي مكة ـ قال: «قال لي ابن أبي مليكة ـ وهو عبد الله بن عبيد الله قاضي ابن الزبير ومؤذنه ـ جاء ابن الزبير مال أوّل ما جاءه، فانطلق ابن عباس إليه، وهو في قيقعان ـ جبل بمكة ـ فقال: انك قد دعوت الناس إلى ما قد علمت، وقد جاءك مال وبالناس حاجة، فقال ابن الزبير: وما أنت وهذا؟ إنك أعمى، أعمى الله قلبك.
فقال ابن عباس: بل أعمى الله قلبك.
____________
(1) قوله: إنك فرع... الخ هو مخروم وروى وانك بالواو فلا خرم، والفرع مستعار من فروع الشجرة وهي أغصانها، والفوارع جمع فارع وهو العالي... أ هـ من خزانة الأدب.
(2) الأغاني 10/157 ط الساسي.
قال ابن عباس: والله لأنا أفقه منك ومن أبيك.
فلمّا خرج قال لقائده: مَن عنده؟ قال: ابنته وامرأته.
قال: فهلاّ أخبرتني؟ فوالله لو علمتُ ما أسمعتهما شتمه.
قال ـ ابن أبي مليكة ـ ثمّ أرسل إليه ابن الزبير أبا قيس الزرقي بأنا لسنا أوّل ابني عم استبّا، فاكفف عني وأكفّ عنك.
قال ابن عباس: إن كفّ كففت، وإن أذاع أذعت...»(1).
ويبدو أنّ ابن الزبير لم يكفّ أذاه عن ابن عباس بل وعن سائر بني هاشم، بل كان يتطاول لنُصبه فينال حتى من مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما لا يليق بأيّ مسلم أن ينال ذلك. وقد مرت بنا كلمة ابن الزبير: (إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة) {وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدا}(2) لذلك كان ابن عباس يرد عليه.
وفي الشاهد التالي ما يدلنا على مدى التزام ابن عباس بالكفّ عن ابن الزبير ما وسعه ذلك، إلاّ أنّ ابن الزبير كان يثير الفتنة ويستثير ابن عباس، فيجيبه بما يسمه على الخرطوم حتى أمام أهله وصحبه، فلنقرأ:
الشاهد الرابع:
ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج(3)، وابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق(4)، والسيّد عليّ خان المدني في الدرجات الرفيعة فقال: «وروي ان عبد
____________
(1) المقفى الكبير 4/504 ط دار الغرب الإسلامي.
(2) الأعراف /58.
(3) شرح النهج 2/501 ط مصر الأولى.
(4) ثمرات الأوراق بهامش المستظرف 1/135.
فقال: معك في حجلتك من أصبح الغداة في قريش بمنزلة الرأس في الجسد، لا بل العينين من الرأس.
فقالت: أما والله لو أنّ بعض الهاشميين حضرك لكان خليقاً أن لا يقر لك بذلك.
فقال لها: إنّ الطعام والشراب عليَّ حرام حتى أحضرك الهاشميين وغيرهم ممّن لا يستطيع لذلك انكاراً.
قالت: إن أطعتني فلا تفعل، وأنت أعلم بشأنك.
فخرج ابن الزبير إلى المسجد فإذا بحلقة فيها جماعة من قريش، وفيها من بني هاشم عبد الله بن عباس وعبد الله بن نوفل بن الحرث ابن عبد المطلب، فقال لهم: أحبّ ان تنطلقوا معي إلى منزلي في حاجة عرضت، فقام القوم بأجمعهم حتى قاموا على باب منزله، فقال ابن الزبير: يا هذه اطرحي عليك سترك، وأذني للقوم يدخلوا، ففعلت، فلمّا أخذوا مجلسهم دعا ابن الزبير بالمائدة، فأكل القوم جميعاً، فلمّا فرغوا من الغذاء، قال لهم: إنما جمعتكم لحديث أوردته على صاحبة هذا الستر، فزعمت أن لو كان بعض الهاشميين حضرني ما أقرّ لي به، وقد حضرتم أيها الملأ جميعاً، وأنت يا بن عباس ما تقول؟ أخبرتها أنّ معها في خدرها من أصبح الغداة في قريش بمنزلة الرأس من الجسد، لا بل العينين من الرأس، فردّت عليّ ما قلت.
فقال ابن الزبير: لا بل قل، وما عسيت أن تقول، ألست تعلم انّ أبي حواري رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ أمي أسماء بنت صدّيق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ خديجة سيّدة نساء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عمتي، وأنّ صفية عمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جدتي، وأنّ عائشة أم المؤمنين خالتي، فهل تستطيع لهذا انكاراً يا بن عباس؟ فإن قدرت أن تنكر ذلك فافعل.
فقال ابن عباس: لقد ذكرت شرفاً شريفاً، وفخراً فاخراً، غير أنك بنا نلت هذا كلّه، وأدركت سنامه وعلوه، فأنت تفاخر مَن بفخره فخرت، وتسامي مَن بفضله سموت.
فقال ابن الزبير: هلمّ أنافرك قبل أن يبعث محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فقال ابن عباس: قد أنصف القارة من راماها، أسألكم يا معشر الحضور أعبد المطلب كان أضخم في قريش أم خويلد؟
فقالوا: اللّهمّ بل عبد المطلب.
فقال: أسألكم بالله أهاشم كان أضخم في قريش أم أسد؟
فقالوا: اللّهمّ بل هاشم.
فقال: أسألكم بالله أعبد مناف كان أضخم في قريش أم عبد العزى؟
قالوا: اللّهمّ بل عبد مناف.
فأنشأ ابن عباس يقول:
| تنافرني يا بن الزبير وقد قضى | عليك رسول الله لا قول هازل |
| فلو غيرنا يا بن الزبير فخرته | ولكنما فاخرت شمس الأصائل |



