المكتبة العقائدية » مؤتمر علماء بغداد (لـ مقاتل بن عطية البكري)


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين محمد النبي العربي وآله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه المطيعين.

وبعد:

فهذا كتاب (مؤتمر علماء بغداد) الذي انعقد بين السنّة والشيعة الذين جمعهم الملك الكبير (ملك شاه سلجوقي) تحت اشراف العالم العظيم الوزير (نظام الملك)، وكان من قصّة ذلك:

ان الملك شاه لم يكن رجلاً متعصبّاً أعمى، يقلّد الآباء والأجداد عن عصبية وعمى، بل كان شاباً متفتّحاً محباً للعلم والعلماء وكان في نفس الوقت ولعاً باللهو والصيد والقنص.

أما وزيره (نظام المُلك) فقد كان رجلاً حكيماً فاضلاً، زاهداً عارفاً عن الدنيا، قويّ الإرادة، يحب الخير وأهله، يتحرّى الحقيقة دائماً، وكان يحب أهل بيت النبي حباً جماً كثيراً، وقد أسس المدرسة النظامية - في بغداد- وجعل لأهل العلم رواتب شهرية، وكان يحنو على الفقراء والمساكين.

حوار بين الملك وبعض جلسائه

وذات مرّة دخل على الملك شاه احد العلماء الكبار واسمه: (الحسين بن علي العلوي) وكان من كبار علماء الشيعة... ولمّا خرج العالم من عند الملك استهزء به بعض الحاضرين وغمزه فقال الملك: لماذا إستهزئتَ به؟ قال الرجل: ألا تعرف أيها الملك انه من الكفار الذين غضب الله عليهم ولعنهم؟ فقال الملك - متعجباً-: ولماذا؟ أليس مسلماً؟ فقال الرجل: كلا انه شيعي!، فقال الملك: ومامعنى الشيعي؟ أليس الشيعة هم فرقة من فرق المسلمين؟ قال الرجل: كلا انهم لا يعترفون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، قال الملك: وهل هناك مسلم لا يعترف بإمامه هؤلاء الثلاثة؟ قال الرجل: نعم هؤلاء هم الشيعة، قال الملك: وإذا لا يعترفون بإمامة هؤلاء الصحابة فلماذا يسميّهم الناس مسلمين؟ قال الرجل: ولذا قلت لك انهم كفار.... فتفكّر الملك مليّاً، ثم قال: لابد من إحضار الوزير نظام الملك لنرى جليّة الحال.

حوار الملك مع وزيره
والكلام حول السنة والشيعة

أحضر الملكُ نظامَ الملك وسأله عن الشيعة: هل هم مسلمون؟ قال نظام الملك: اختلف أهل السنة فطائفة منهم يقولون أنهم مسلمون لأنهم -أي الشيعة- يشهدون ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ويصلّون ويصومون، وطائفة منهم يقولون انهم كفار. قال الملك: وكم عددهم؟ فقال نظام الملك لا حصي عددهم كاملاً ولكنهم يشكّلون نصف المسلمين تقريباً. قال الملك: فهل نصف المسلمين كفار؟ قال الوزير: ان بعض أهل العلم يعتبرونهم كفاراً واني لا أُكفّرهم. قال الملك: فهل لك أيها الوزير أن تحضر علماء الشيعة وعلماء السنة لنرى جليّة الحال؟ قال الوزير: هذا أمر صعب واخاف على الملك والمملكة!.

قال الملك: لماذا؟ قال الوزير: لأن قضيّة الشيعة والسنة ليست قضية بسيطة، بل هي قضية حق وباطل قد أُريقت فيها الدماء، وأُحرقت فيها المكتبات، وأُسرت فيها نساء وأُلفّت فيها كتب وموسوعات وقامت لأجلها حروب!!

تعجب الملك الشاب من هذه القضية العجيبة، وفكّر مليّاً ثم قال: أيها الوزير انك تعلم ان الله أنعم علينا بالمُلك العريض، والجيش الكثيف فلابد ان نشكر الله على هذه النعمة، ويكون شكرنا ان نتحرّى الحقيقة ونرشد الضال الى الصراط المستقيم، ولابد ان تكون إحدى هاتين الطائفتين على حق والأخرى على باطل، فلابد ان نعرف الحق فنتبعه ونعرف الباطل فنتركه، فاذا هيّأت -أيها الوزير- مثل هذا المؤتمر بحضور العلماء من الشيعة والسنة بحضور القُوّاد والكتّاب وسائر أركان الدولة فاذا رأينا ان الحق مع السنة أدخلنا الشيعة في السنة بالقوة.

قال الوزير: وإذا لم يقبل الشيعة ان يدخلوا مذهب السنة فماذا تفعل؟ قال الملك الشاب: نقتلهم! فقال الوزير: وهل يمكن قتل نصف المسلمين؟ قال الملك: فما هو العلاج والحل. قال الوزير: ان تترك هذا الأمر.

إنتهى الحوار بين الملك ووزيره الحكيم العالم، ولكن بات الملك تلك الليلة متفكراً قلقاً ولم ينم الى الصباح، فكيف يستعصى عليه هذا الأمر المهم. وفي الصباح الباكر دعى نظام الملك وقال له: حسناً نستدعي علماء الطرفين، ونرى نحن من خلال المحادثات والمناقشات التي تدور بينهما ان الحق مع أيّهما، فان كان الحق مع مذهب السنة دعونا الشيعة بالحكمة والموعظة الحسنة ورغبناهم بالمال والجاه كما كان يفعل رسول الله (ص) مع المؤلّفة قلوبهم، وبذلك نتمكن من خدمة الاسلام والمسلمين، فقال الوزير: رأيك حسن ولكني أتخوّف من هذا المؤتمر! قال الملك: ولماذا الخوف؟ فقال الوزير: لأني أخاف ان يتغلّب الشيعة على السنّة وتُرجّح احتجاجاتهم علينا وبذلك يقول الناس في الشك والشبهة! فقال الملك: وهل يمكن ذلك؟ قال الوزير: نعم لأن الشيعة لهم أدلّة قاطعة وبراهين ساطعة من القرآن والأحاديث الشريفة على صحة مذهبهم، وحقيقة عقيدتهم! فلم يقتنع الملك بهذا الجواب من وزيره (نظام المُلك) وقال له لابد من إحضار علماء الطرفين لينكشف لنا الحق ونميّزه عن الباطل، فاستمهل الوزيرُ الملك الى شهر لتنفيذ الأمر، ولكن الملك الشاب لم يقبل ذلك... وأخيراً تقرر أن تكون لمدة خمسة عشر يوماً.

اجتماع علماء السنة والشيعة

وفي هذه الأيام جمع الوزير (نظام المُلك) عشرة رجال من كبار علماء السنة الذين يعتمد عليهم في التاريخ والفقه والحديث والأصول والجدل، كما أحضر عشر من كبار علماء الشيعة، كان ذلك في شهر شعبان في المدرسة النظامية ببغداد، وتقرّر ان ينعقد المؤتمر على الشروط التالية:

أولاً: ان يستمر البحث من الصباح الى المساء باستثناء وقت الصلاة والطعام والراحة.

ثانياً: ان تكون المحادثات مستندة الى المصادر الموثوقة والكتب المعتبرة لا عن المسموعات والشايعات.

ثالثاً: ان تُكتب المحادثات التي تدور في هذا المؤتمر.

وفي اليوم المعيّن جلس الملك ووزيره وقوّاد جيشه وجلس علماء السنة عن يمينه كما جلس علماء الشيعة عن يساره وافتتح وزير نظام الملك المؤتمر بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على محمد وآله وصحبه ثم قال: لابد ان يكون الجدال نزيهاً، وان يكون طلب الحق هو رائد الجميع وان لا يذكر أحدٌ صحابة الرسول(ص) بسب أو سوء.

بدء الكلام حول الصحابة

قال كبير علماء السنة (وهو الملقّب بالشيخ العباسي): اني لا اتمكن أن اجادل مذهباً يكفّر كل الصحابة.

قال كبير علماء الشيعة (وهو الملقّب بالعلوي واسمه الحسين بن علي): ومَن هم الذين يكفّرون الصحابة؟

قال العباسي: أنتم الشيعة هم اولئك الذين تكفّرون كل الصحابة.

قال العلوي: هذا الكلام منك خلاف الواقع، أليس من الصحابة علي عليه السلام و(العباس) و(سلمان) و(ابن عباس) و(المقداد) و(ابو ذر) وغيرهم، فهل نحن الشيعة نكفّرهم؟

قال العباسي: اني قصدتُ بكل الصحابة أبا بكر وعمر وعثمان واتباعهم.

قال العلوي: نقضتَ نفسك بنفسك، ألم يقرّر أهل المنطق ان (الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكليّة) فانك تقول مرة ان الشيعة يكفّرون كل الصحابة، وتقول مرة: ان الشيعة يكفّرون بعض الصحابة.

وهنا أراد نظام الملك ان يتكلم لكن العالم الشيعي لم يمهله وقال: أيها الوزير العظيم لا يحق لأحد ان يتكلّم إلا اذا عجزنا عن الجواب والاّ كان خلطاً للبحث، وإخراجاً للكلام عن مجراه، من دون نتيجة.

ثم قال العالم الشيعي: تبين ايها العباسي إن قولك ان الشيعة يكفّرون كل الصحابة كذب صريح.

ولم يتمكن العباسي من الجواب واحمرّ وجهه خجلاً ثم قال: دَعنا عن هذا ولكن هل انتم الشيعة تسبّون أبابكر وعمر وعثمان؟

قال العلوي: ان في الشيعة من يسبهم وفيهم من لا يسبهم.

قال العباسي: وانت ايها العلوي من أي طائفة منهم؟

قال العلوي: من الذين لا يسبّون ولكن رأيي ان الذين يسبّون لهم منطقهم، وان سبّهم لهؤلاء الثلاثة لا يوجب شيئاً، لا كفراً ولا فسقاً ولا هو من الذنوب الصغيرة.

قال العباسي: أسمعتَ أيها الملك ماذا يقول هذا الرجل؟

قال العلوي: ايها العباسي ان توجيهك الخطاب الى الملك مغالطة، فان الملك أحضرنا لأجل التكلم حول الحجج والأدلّة لا لأجل التحاكم الى السلاح والقوة.

قال الملك: صحيح ما يقول العلوي، ما هو ردّك أيها العباسي.

قال العباسي: واضح ان من يسب الصحابة كافر.

قال العلوي: واضح عندك لا عندي، ما هو الدليل على كفر من يسبّ الصحابة عن اجتهاد ودليل، ألا تعترف ان من يسبّه الرسول يستحق السب؟

قال العباسي: أعترف.

قال العلوي: فالرسول سبَّ أبا بكر وعمر.

قال العباسي: واين سبّهم؟ هذا كذب على رسول الله.

قال العلوي: ذكر أهل التواريخ من السنة ان الرسول هيئ جيشاً بقيادة (اسامة) وجعل في الجيش أبا بكر وعمر وقال: لعن الله من تخلّف عن جيش اسامة، ثم ان أبابكر وعمر تخلّفا عن جيش أسامة، فشملهم لعن الرسول ومن يلعنه الرسول يحق للمسلم ان يلعنه.

وهنا أطرق العباسي برأسه ولم يقل شيئاً.

فقال الملك (متوجّهاً الى الوزير): وهل صحّ ماذكره العلوي؟

قال الوزير: ذكر أهل التواريخ ذلك.

قال العلوي: واذا كان سب الصحابة حراماً وكفراً، فلماذا لا تُكفّرون معاوية بن أبي سفيان ولا تحكمون بفسقه وفجوره لأنه كان سبّ الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الى أربعين سنة وقد امتدّ سبُّ الامام الى سبعين سنة!؟

قال الملك: اقطعوا هذا الكلام وتكلّموا حول موضوع آخر.

جمع القرآن وتدوينه

قال العباسي: من بدعكم انتم الشيعة انكم لا تعترفون بالقرآن!

قال العلوي: بل من بدعكم أنتم السنّة أنّكم لا تعترفون بالقرآن والدليل على ذلك انكم تقولون: ان القرآن جمعه عثمان، فهل كان الرسول جاهلاً بما عمله عثمان، حيث إنه لم يجمع القرآن حتى جاء عثمان وجمعه، وثم: كيف ان القرآن لم يكن مجموعاً في زمن النبي وكان النبي يأمر قومه وأصحابه بختم القرآن فيقول: من ختم القرآن كان له (كذا) من الأجر والثواب، هل يمكن ان يأمر بختم القرآن ما لم يكن مجموعاً، وهل كان المسلمون في ضلال حتى أنقذهم عثمان؟.

قال الملك (موجّهاً كلامه إلى الوزير) وهل يصدق العلوي ان أهل السنة يقولون بان القرآن من جمع عثمان؟

قال الوزير: هكذا يذكر المفسرون وأهل التواريخ.

قال العلوي: إعلم ايها الملك ان الشيعة يعتقدون ان القرآن جُمع في زمن الرسول كما تراه الآن لم ينقص منه حرف ولم يزد فيه حرف، أمّا السنة فيقولون: ان القرآن زيد فيه ونُقص منه، وانه قُدّم وأخّر وان الرسول لم يجمعه وانما جمعه عثمان لما تسلّم الحكم وصار أميراً.

حوار حول الإمامة والخلافة

قال العباسي (وقد انتهز الفرصة): هل سمعت أيها الملك ان هذا الرجل لا يسمي عثمان خليفة وانما يسميّه أميراً.

قال العلوي: نعم عثمان لم يكن خليفة.

قال الملك: ولماذا؟

قال العلوي: لأن الشيعة يعتقدون بطلان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان!

قال الملك: (بتعجّب واستفهام) ولماذا؟

قال العلوي: لأن عثمان جاء الى الحكم بشورى ستة رجال بينهم عمر وكل أهل الشورى الستة لم ينتخبوا عثمان وانما انتخبه ثلاثة أو أثنين منهم، فشرعيّة خلافة عثمان مستندة الى عمر، وعمر جاء إلى الحكم بوصيّة ابي بكر، فشرعيّة عمر مستندة الى ابي بكر، وجاء ابو بكر الى الحكم بانتخاب جماعة صغيرة تحت شراسة السيف والقوة فشرعيّة خلافة أبي بكل مستندة الى السلاح والقوة ولذا قال عمر في حقه: (كانت بيعة الناس لأبي بكر فلتة من فلتات الجاهلية وَقى الله المسلمين شرها فمن عاد إليها فاقتلوه) وأبو بكر نفسه كان يقول:(أقيلوني فلستُ بخيركم وعليّ فيكم) ولذا فالشيعة يعتقدون بأن خلافة هؤلاء باطلة من اساسها.

قال الملك (موجهاً الكلام الى الوزير): وهل صحيح ما يقوله العلوي من كلام ابي بكر وعمر؟

قال الوزير: نعم هكذا ذكر المؤرخون!

قال الملك: فلماذا نحن نحترم هؤلاء الثلاثة؟

قال الوزير: اتباعاً للسلف الصالح!

قال العلوي للملك: أيها الملك قل للوزير. هل الحق أحق ان يتبّع أم السلف؟ أليس تقليد السلف ضد الحق مشمولاً لقوله تعالى: (قالوا إنّا وجدنا آبائنا على أمّة وانا على آثارهما مقتدون)؟!.

قال الملك (موجهاً الخطاب الى العلوي): اذا لم يكن هؤلاء الثلاثة خلفاء لرسول الله فمن هو خليفة رسول الله؟

قال العلوي: خليفة رسول الله هو الامام علي بن ابي طالب

قال الملك: ولماذا هو خليفة؟

قال العلوي: لأن الرسول عيّنه خليفة من بعده، حيث انه صلى الله عليه وآله وسلم أشار الى خلافته في مواطن كثيرة جداً ومن جملتها لما جمع الناس في منطقة بين مكة والمدينة يقال لها: (غدير خم) ورفع يد علي وقال للمسلمين: من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، ثم نزل عن المنبر وقال للمسلمين - وعددهم يزيد على مائة وعشرين ألف إنسان-: سلّموا على علي بإمرة المؤمنين، فجاء المسلمون واحداً بعد واحد وهم يقولون لعلي: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فجاء أبو بكر وعمر وسلَّما على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين وقال عمر: السلام عليك يا أمير المؤمنين (بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة). فإذن: الخليفة الشرعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي بن أبي طالب.

قال الملك (موجهاً الكلام الى الوزير) هل صحيح مايذكر العلوي؟

قال الوزير: نعم هكذا ذكر المؤرخون والمفسّرون.

قال الملك: دعوا هذا الكلام، وتكلّموا حول موضوع آخر.

نسبة الإدعاء بتحريف القرآن

قال العباسي: ان الشيعة يقولون بتحريف القرآن.

قال العلوي: بل المشهور عندكم -ايها السنة- انكم تقولون بتحريف القرآن!

قال العباسي: هذا كذب صريح.

قال العلوي: ألَم ترووا في كتبكم انه نزلت على رسول الله آيات حول (الغرانيق) ثم نُسخت تلك الآيات وحُذف من القرآن.

قال الملك(للوزير): وهل صحيح مايدّعيه العلوي؟

قال الوزير: نعم هكذا ذكر المفسرون.

قال الملك: فكيف يُعتمد على قرآن محرّف؟

قال العلوي: إعلم أيه الملك أنّا لا نقول بهذا الشئ وانما هذه مقالة اهل السنُة، وعلى هذا فالقرآن عندنا معتمد عليه لكن القرآن - عند السنة- لا يمكن الاعتماد عليه!

قال العباسي: وقد وردت بعض الأحاديث في كتبكم وعن علمائكم؟

قال العلوي: تلك الاحاديث اولاً: قليلة، وثانياً: هي موضوعة ومزوّرة وضَعها أعداء الشيعة لتشويه سمعة الشيعة، وثالثاً: رواتها وأسنادها غير صحيحة، وما نقل عن بعض العلماء، فلا يعتمد على كلامهم، وانما علماؤنا العظام الذين نعتمد عليهم لا يقولون بالتحريف ولا يذكرون كما تذكرون أنتم حيث تقولون ان الله أنزل آيات في مدح الأصنام فقال- وحاشاه ذلك- تلك الغرانيق العُلى منها الشفاعة تُرتجى.

قال الملك: دعوا هذا الكلام وتكلموا بغيره.

الكلام حول رؤية الله وصفاته

قال العلوي: والسنة ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق بجلال شأنه.

قال العبّاسي: مثل ماذا؟

قال العلوي: مثل، هم يقولون: ان الله جسم، وانه مثل الانسان يضحك ويبكي وله يدٌ ورجل وعين وعورة ويُدخل رجله في النار يوم القيامة، وانه ينزل من السماوات الى سماء الدنيا على حمارٍ له!

قال العباسي: وما المانع من ذلك، والقرآن يصرّح به (وجاء ربك) ويقول: (يوم يُكشف عن ساق) ويقول: (يد الله فوق أيديهم) والسُنة وردت بأن الله يُدخل رجله في النار.

قال العلوي: أمّا ما ورد في السنة والحديث فهو باطل عندنا وكذب وافتراء، لأن أبا هريره وأمثاله كذبوا على رسول الله(ص) حتى أن عمر منع أبا هريرة عن نقل الحديث وزَجره.

قال الملك -موجهاً الخطاب الى الوزير-: هل صحيح ان عمر منع أبا هريرة عن نقل الحديث؟

قال الوزير: نعم منعه كما في التواريخ.

قال الملك: فكيف نعتمد على أحاديث أبي هريرة؟

قال الوزير: لأن العلماء اعتمدوا على احاديثه.

قال الملك: اذن: يجب أن يكون العلماء أعلم من عمر لأن عمر منع أباهريرة عن نقل الحديث لكذبه على رسول الله ولكن العلماء يأخذون بأحاديثه الكاذبة؟!

المحكم والمتشابه في القرآن

قال العباسي: هَب -أيها العلوي- ان الأحاديث الواردة في السنة حول الله غير صحيحة، ولكن ماذا تصنع بالأيات القرآنية؟

قال العلوي: القرآن فيه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأُخر متشابهات وفيه ظاهر وباطن فالمحكم الظاهر يُعمل بظاهره، واما المتشابه فاللازم ان تنزّله على مقتضى البلاغة من ارادة المجاز والكناية والتقدير والاّ لا يصح المعنى لا عقلاً ولا شرعاً فمثلاً: اذا حملت قوله تعالى (وجاء ربك) على ظاهره فقد عارضتَ العقل والشرع لأن العقل والشرع يحكمان بوجود الله في كل مكان وأنه لا يخلو منها مكان أبداً، وظاهر الآية تقول بجسميّة الله، والجسم له حيّز ومكان، ومعنى هذا ان الله لو كان في السماء خلا منه الأرض ولو كان في الأرض خلا منه السماء، وهذا غير صحيح لا عقلاً ولا شرعاً.

إرتبك العباسي أمام هذا المنطق الصائب وتحيّر في الجواب ثم قال: اني لا أقبل هذا الكلام، وعلينا ان نأخذ بظواهر آيات القرآن.

قال العلوي: فما تصنع بالآيات المتشابهات؟؟، ثم انك لا يمكنك ان تأخذ بظاهر كل القرآن، والاّ لزم ان يكون صديقك الجالس الى جنبك الشيخ احمد عثمان (وهو من علماء السنة وكان أعمى البصر) من أهل النار؟

قال العباسي: ولماذا؟

قال العلوي: لأن الله تعالى يقول: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) فحيث أن الشيخ أحمد أعمى الآن في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، فهل ترضى بهذا يا شيخ أحمد؟

قال الشيخ: كلا، كلا، فان المراد بـ(الأعمى) في الآية المنحرف عن طريق الحق.

قال العلوي: اذن: ثبت انه لا يتمكن الانسان ان يعمل بكل ظواهر القرآن.

وهنا اشتد الجدال حول ظواهر القرآن، هذا والعلوي يُفحم العباسي بالأدلة والبراهين.

فقال الملك: دعوا هذا الموضوع وانتقلوا الى غيره.

الجبر والتخيير

قال العلوي: ومن انحرافاتكم وأباطيلكم -أنتم السنة حول الله سبحانه انكم تقولون: ان الله يجبر العباد على المعاصي والمحرمات ثم يعاقبهم عليها؟

قال العباسي: هذا صحيح لأن الله يقول: (ومن يضلل الله) ويقول: (طبع الله على قلوبهم).

قال العلوي: أما كلامك انه في القرآن، فجوابه: ان القرآن فيه مجازات وكنايات يجب المصير اليها، فالمراد (بالضلال) ان الله يترك الانسان الشقي ويهمله حتى يضل، وذلك مثل قولنا: (الحكومة أفسدت الناس) فالمعنى انها تركتهم لشأنهم ولم تهتم بهم، هذا أولاً، وثانياً: ألم تسمع قول الله تعالى: (ان الله لا يأمر بالفحشاء) وقوله سبحانه (إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا، إنا هديناه النجدين)، وثالثاً: لا يجوز عقلاً ان يأمر الله بالمعصية ثم يعاقب عليها، ان هذا بعيد من عوام الناس فكيف من الله العادل المتعال سبحانه وتعالى عما يقول المشركون والظالمون علوّاً كبيرا.

قال الملك: لا، لا، لا يمكن أن يجبر الله الانسان على المعصية ثم يعاقبه، ان هذا هو الظلم بعينه، والله منزّه عن الظلم والفساد (وان الله ليس بظلاّم للعبيد)، ولكن لا أظن ان أهل السنة يلتزمون بمقالة العباسي؟

ثم وجّه خطابه الى الوزير وقال: هل أهل السنة يلتزمون بذلك؟

قال الوزير: نعم المشهور بين أهل السنة ذلك!

قال الملك: كيف يقولون بما يخالف العقل؟

قال الوزير: لهم في ذلك تأويلات واستدلالات.

قال الملك: ومهما يكن من تأويل واستدلال، فلن يُعقل ولا أرى إلاّ رأي السيد العلوي بأن الله لا يجبر أحداً على الكفر والعصيان، ثم يعاقبه على ذلك؟!.

نسبة الإدعاء بأن النبي (ص) يشك بنبوته والتصرفات التي لا تليق بمقامه:

قال العلوي: ثم ان السنة يقولون ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان شاكّاً في نبوّته.

قال العباسي: هذا كذب صريح.

قال العلوي: ألستم ترون في كتبكم ان رسول الله قال (ما أبطأ عليّ جبرئيل مرة الاّ وظننت انه نزل على ابن الخطاب) مع العلم ان هناك آيات كثيرة تدل على ان الله اخذ الميثاق من النبي محمد (ص) على نبوّته؟

قال الملك -موجهاً الخطاب الى الوزير-: هل صحيح ما يقوله العلوي من ان هذا الحديث موجود في كتب السنة؟

قال الوزير: نعم يوجد في بعض الكتب.

قال الملك: هذا هو الكفر بعينه.

قال العلوي: ثم ان السنة ينقلون في كتبهم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحمل عائشة على كتفيه لتتفرّج على المطبلين والمزمّرين، فهل هذا يليق بمقام رسول الله ومكانته؟

قال العباسي: انه لا يضر.

قال العلوي: وهل انت تفعل هذا، وانت رجل عادي، هل تحمل زوجتك على كتفك لتتفرّج الى الطبّالين؟؟

قال الملك: ان من له أدنى حياء وغيرة لا يرضى بهذا فكيف برسول الله وهو مثال الحياء والغيرة والايمان. فهل صحيح ان هذا موجود في كتب أهل السنة؟

قال الوزير: نعم موجود في بعض الكتب!

قال الملك: فكيف نؤمن بنبيٍّ يشكّ في نبوته؟

قال العباسي: لابد من تأويل هذه الرواية؟

قال العلوي: وهل تصلح هذه الرواية للتأويل؟، أعرفت ايها الملك ان اهل السنة يعتقدون بهذه الخرافات والأباطيل والخزعبلات؟

قال العباسي: واي اباطيل وخرافات تقصد؟

قال العلوي: لقد بيّنتُ لك انكم تقولون:

1- ان الله كالانسان له يد ورجل وحركة وسكون.

2- ان القرآن محرّف فيه زيادة ونقصان.

3- ان الرسول يفعل ما لا يفعله حتى الناس العاديين من حمل عائشة على كتفه.

4- ان الرسول كان يشكّ في نبوّته.

5- ان الذين جاؤوا الى الحكم قبل علي بن ابي طالب، استندوا الى السيف والقوة في اثبات انفسهم، ولا شرعيّة لهم.

6- ان كتبهم تروي عن ابي هريرة وامثاله من الوضّاعين والدجّالين والى غير ذلك من الأباطيل.

قال الملك: دعوا هذا الموضوع وانتقلوا إلى موضوع آخر.

فيمن نزلت (عبس وتولى)

قال العلوي: ثم ان السنة ينسبون الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالا يجوز حتى على الانسان العادي!

قال العباسي: مثل ماذا؟

قال العلوي: مثل انهم يقولون: ان سورة (عبس وتولَّى) نزلت في شأن الرسول!

قال العباسي: وما المانع من ذلك؟

قال العلوي: المانع قول الله تعالى: وانك لعلى خلق عظيم، وقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فهل يُعقل ان الرسول الذي يصفه الله تعالى بالخُلق العظيم ورحمة للعالمين ان يفعل بذلك الأعمى المؤمن هذا العمل اللانساني؟؟

قال الملك: غير معقول ان يصدر هذا العمل من رسول الانسانية ونبي الرحمة، فاذن: ايها العلوي: فيمن نزلت هذه السورة؟

قال العلوي: الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل بيت النبي الذين نزل القرآن في بيوتهم تقول أنها نزلت في عثمان بن عفان، وذلك لما دخل عليه ابن أم مكتوم فأعرض عنه عثمان وأدار ظهره اليه.

وهنا انبرى السيد جمال الدين (وهو من علماء الشيعة وكان حاضراً في المجلس) وقال: قد وقعت لي قصة مع هذه السورة وذلك: ان أحد علماء النصارى قال لي: ان نبينا عيسى أفضل من نبيكم محمد(ص) قلت لماذا؟ قال: لأن نبيكم كان سيئ الاخلاق يعبس للعميان ويدير اليهم ظهره، بينما نبينا عيسى كان حسن الأخلاق يبرئ الأكمه والأبرص. قلت: ايها المسيحي اعلم اننا نحن الشيعة نقول ان السورة نزلت في عثمان بن عفان لا في رسول الله صلى الله عليه ولآله وسلم، وان نبينا محمد (ص) كان حسن الاخلاق، جميل الصفات، جميد الخصال وقد قال فيه تعالى: (وانك لعلى خُلق عظيم) وقال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

قال المسيحي: لقد سمعت هذا الكلام الذي قلته لك من احد خطباء المسجد في بغداد!

قال العلوي: المشهور عندنا ان بعض رواة السوء وبايعي الضمائر نسبوا هذه القصة الى رسول الله ليُبرّؤا ساحة عثمان بن عفان فإنهم نسبوا الكذب الى الله والرسول وحتى ينزّهوا خلفاءهم وحكّامهم!

قال الملك: دعوا هذا الكلام وتكلّموا في غيره.

أحوال الخلفاء الثلاثة
ووصولهم إلى الحكم

قال العباسي: ان الشيعة تنكر إيمان الخلفاء الثلاثة، وهو غير صحيح اذ لو كانوا غير مؤمنين فلماذا صاهرهم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم؟

قال العلوي: الشيعة يعتقدون انهم -اي الثلاثة- كانوا غير مؤمنين قلباً وباطناً وان أظهروا الاسلام لساناً وظاهراً والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبل إسلام من تشهّد بالشهادتين ولو كان منافقاً واقعاً وكان يعاملهم معاملة المسلمين، فمصاهرة النبي لهم ومصاهرتهم للنبي من هذا الباب.

قال العباسي: وما هو الدليل على عدم إيمان ابي بكر؟

قال العلوي: الأدلة القطعية على ذلك كثيرة جداً، ومن جملتها: انه خان الرسول في مواطن كثيرة، منها: تخلّفه عن جيش أسامة ومعصية أمر الرسول في ذلك، والقرآن الكريم نفى الأيمان عن كل من يخالف الرسول، يقول تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليما).

فأبو بكر عصى أمر الرسول وخالفه فهو داخل في الآية التي تنفي إيمان مخالف الرسول.

وأضف الى ذلك ان رسول الله(ص) لعن المتخلّف عن جيش اسامة وقد ذكرنا سابقاً ان أبا بكر تخلّف عن جيش اسامة: فهل يلعن رسولُ الله المؤمن؟

طبعاً: لا.

قال الملك: اذن يصح كلام العلوي انه لم يكن مؤمناً!

قال الوزير: لأهل السنة في تخلّفة تأويلات.

قال الملك: وهل التأويل يدفع المحذور، ولو فتحنا هذا الباب لكان لكل مجرم ان يأتي لإجرامه بتأويلات؟

فالسارق يقول: سرقت لأني فقير، وشارب الخمر يقول: شربتُ لأنني كثير الهموم، والزاني يقول كذا وهكذا.. ويختل النظام ويتجرأ الناس على العصيان، لا.. لا.. التأويلات لا تنفعنا.

فاحمرّ وجه العباسي، وتحيّر، ماذا يقول، واخيراً... تلعثم وقال: وما هو الدليل على عدم ايمان عمر؟

قال العلوي: الأدلة كثيرة جداً، منها: انه صرّح بنفسه بعدم ايمانه!

قال العباسي: في أي موضع؟

قال العلوي: حيث قال: (ما شككتُ في نبوة محمد(ص) مثل شكّي يوم الحديبية) وكلامه هذا يدل: على انه كان شاكاً دائماً فيث نبوة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم، وكان شكّه يوم الحديبية اكثر واعمق واعظم من تلك الشكوك، فهل -ايها العباسي- قل لي بربك: الشاك في نبوة محمد(ص) يعتبر مؤمناً سكت العباسي وأطرق برأسه خجلاً.

فقال الملك- موجّهاً الخطاب الى الوزير-: هل صحيح قول العلوي ان عمر قال هكذا؟

قال الوزير: هكذا ذكر الرواة!

قال الملك: عجيب.. عجيب جداً.. اني كنت اعتبر عمر من السابقين الى الاسلام، واعتبر ايمانه ايماناً مثالياً، والآن ظهر لي ان في اصل إيمانه شك وشبهة!

قال العباسي: مهلاً ايها الملك، ابق على عقيدتك، ولا يخدعك هذا العلوي الكذاب.

فأعرض الملك بوجهه عن العباسي وقال مغضباً: ان الوزير نظام الملك يقول: ان العلوي صادق في كلامه، وان قول عمر الوارد في الكتب وهذا الأبله - يعني العباسي- يقول انه كاذب، اليس هذا العناد بعينه؟

أخبار عثمان بن عفان

ساد المجلس سكون رهيب، فقد غضب الملك وانزعج من كلام العباسي... وأطرق العباسي وسائر علماء السنة... وصمت الوزير.. وبقي العلوي رافعاً رأسه ينظر في وجه الملك، ليرى النتيجة؟.

مرّت لحظات صعبة على العباسي، تمنّى فيها ان تنشق الأرض تحته فيغيب فيها، أو يأتيه ملك الموت فيقبض روحه فوراً، من شدّة الخجل وحَرج الموقف، فلقد ظهر بطلاب مذهبه، ولقد ظهرت خرافة عقيدته أمام الملك ووزيره وسائر العلماء والأركان.. ولكن: ماذا يصنع؟ لقد احضره الملك للسؤال والجواب، ولتمييز الحق من الباطل، ولهذا استجمع قواه ورفع رأسه وقال:

وكيف تقول ايها العلوي ان عثمان لم يكن مؤمناً في قلبه، وقد زوجه الرسول ببنتيه رقية وام كلثوم؟

قال العلوي: الأدلة في عدم ايمانه كثيرة ويكفي في ذلك: ان المسلمين -وفيهم الصحابة- اجتمعوا عليه فقتلوه، وانتم تروون ان النبي قال: (لاتجتمع أمتي على خطأ) فهل يجتمع المسلمون- وفيهم الصحابة- على قتل مؤمن؟

ولقد كانت عائشة تُشبّهه باليهود وتأمر بقتله وتقول: أُقتلوا نعثلاً- اسم رجل يهودي- فقد كفر، اقتلوا نعثلاً قتله الله، بُعداً لنعثل وسحقا.

وقد ضرب عثمان عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل حتى أُصيب بالفتق وصار طريح الفراش ومات.

وقد سفّر أبا ذر الغفاري، ذلك الصحابي الجليل الذي قال فيه الرسول: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر)، ونفاه وأبعده من المدينة المنورة الى الشام مرة أو مرتين ثم الى الربذة- وهي أرض جرداء بين مكة والمدينة- حتى مات أبو ذر في الربذة جوعاً وعطشا- في الوقت الذي كان عثمان يتقلّب في بيت مال المسلمين ويوزّع الأموال على أقاربه من الأمويين والمروانيين-!.

قال الملك للوزير: وهل يصدق العلوي في كلامه هذا؟

قال الوزير: ذكر ذلك المؤرّخون!

قال الملك: فكيف اتّخذه المسلمون خليفة؟

قال الوزير: بالشورى.

قال العلوي: مهلاً أيها الوزير، لا تقل ماليس بصحيح!

قال الملك: ماذا تقول أيها العلوي؟

قال العلوي: ان الوزير أخطأ في كلامه، ان عثمان لم يأت الى الحكم إلا بوصية من عمر وانتخاب ثلاثة من المنافقين فقط وفقط وهم: طلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فهل هؤلاء المنافقين الثلاثة يمثّلون المسلمين جميعاً؟

ثم ان التواريخ تذكر ان هؤلاء المنتخبين عدلوا عن عثمان عندما رأوا طغيانه وهتكه لأصحاب رسول الله ومشورته في أمور المسلمين مع كعب الأحبار اليهودي وتوزيعه أموال المسلمين بين بني مروان، فبدأ هؤلاء الثلاثة بتحريض الناس على قتل عثمان!

قال الملك- موجّهاً الخطاب الى الوزير-: هل صحيح كلام العلوي؟

قال الوزير: نعم، كذا يذكر المؤرخون!

قال الملك: فكيف قلت انه جاء إلى الخلافة بالشورى؟

قال الوزير: كنت أقصد شورى هؤلاء الثلاثة!

قال الملك: وهل إختيار ثلاثة أشخاص يصحح الشورى!

قال الوزير: ان هؤلاء الثلاثة شهد لهم رسول الله(ص) بالجنة؟!

حديث العشرة المبشرين بالجنة

قال العلوي: مهلاً أيها الوزير، لا تقل ماليس بصحيح ان حديث (العشرة المبشّرة بالجنة) كذب وافتراء على رسول الله(ص)!

قال العباسي: وكيف تقول انه كذب وقد رواه الرواد الموثّقون؟

قال العلوي: هناك أدلّة كثيرة على كذب هذا الحديث وبطلانه، أذكر لك منها ثلاثة:

الأول: كيف يشهد رسول الله بالجنة لمن آذاه وهو طلحة؟

فقد ذكر بعض المفسّرين والمؤرخّين ان طلحة قال: "لئن مات محمد لننكحن أزواجه من بعده- أو- لأتزوجنّ عائشة" فتأذّى رسول الله من كلام طلحة وأنزل الله قوله: "وماكان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلك كان عند الله عظيما".

الثاني: ان طلحة والزبير قاتلا الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام وقد قال رسول الله (ص) في حق علي عليه السلام: "ياعلي حربُك حربي وسلمك سلمي"، وقال: "من أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني"، وقال: "علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"، وقال: "علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيثما دار"، فهل: محارب رسول الله وعاصيه يكون في الجنة؟. وهل محارب الحق والقرآن يكون مؤمناً؟

الثالث: ان طلحة والزبير سعيا في قتل عثمان، فهل من الممكن أن يكون عثمان وطلحة والزبير كلهم في الجنة، وقد قاتل بعضهم بعضاً، ويقول رسول الله (ص) -في حديث له-: القاتل والمقتول كلاهما في النار؟؟

قال الملك متعجباً: هل كل ما يقوله العلوي صحيح؟

هنا سكت الوزير، ولم يقل شيئاً.

وسكت العباسي وجماعته ولم ينطقوا شيئاً.

ماذا يقولون؟

أيقولون الحق؟ وهل يسمح الشيطان بالاعتراف بالحق وهل ترضى النفس الأمّارة بالسوء أن تخضع للحق والواقع؟ أتظن ان الاعتراف بالحق أم سهل وبسيط؟

كلا.. انه صعب جداً، لأنه يستدعي سحق العصبية الجاهلية ومخالفة الهوى، والناس أتباع الهوى والباطل إلا المؤمنين وقليلٌ ماهُم!

... مزَّق السيد العلوي ستار الصمت والسكوت فقال:

أيها الملك: ان الوزير والعباسي وكل هؤلاء العلماء يعلمون صدق كلامي وصحّة مقالتي، وحقيقة حديثي، ولو أنكروا ذلك، فان في بغداد من العلماء من يشهد على صدق كلامي وصحته وحقيقته، وانَّ في خزانة هذه المدرسة كتب تشهد بصدق كلامي، ومصادر معتبرة تصرّح بصحة مقالتي وحقيقته... فان اعترفوا بصدق كلامي فهو المطلوب، وإلاّ فأنا مستعد آلان الآن أن آتي اليك بالكتب والمصادر والشهود!

قال الملك (متوجّهاً الى الوزير): هل كلام العلوي صحيح من أنّ الكتب والمصادر تصرّح بصحة مقالته وصدق حديثه؟

قال الوزير: نعم.

قال الملك: فلماذا سكتَّ في أول الأمر؟

قال الوزير: لأني أكره أن أطعن في أصحاب رسول الله(ص)!

قال العلوي: عجيب! أنت تكره ذلك والله ورسوله لم يكرها ذلك حيث انه تعالى عرّف بعض الصحابة بالمنافقين وأمر رسوله بجهادهم كما يجاهد الكفار، والرسول بنفسه لعن بعض أصحابه!

عدالة الصحابة

قال الوزير: ألم تسمع أيها العلوي قول العلماء: ان كل أصحاب الرسول عدول؟

قال العلوي: سمعتُ ذلك، ولكني اعرف انه كذب وافتراء، اذ كيف يمكن أن يكون كل أصحاب الرسول عدول وقد لعن اللهُ بعضهم، ولعن الرسول بعضهم، ولعن بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً، وشتم بعضهم بعضاً، وقتل بعضهم بعضاً؟؟

وهنا وجد العباسي الباب مسدوداً أمامه، فجاء من باب آخر وقال: أيها الملك: قل لهذا العلوي إذا لم يكن الخلفاء مؤمنين فكيف اتخذهم المسلمون خلفاء، واقتدوا بهم؟

قال العلوي: أولاً: لم يتخذهم كل المسلمين خلفاء وإنما أهل السنة فقط.

ثانياً: ان هؤلاء الذين يعتقدون بخلافتهم ينقسمون إلى قسمين: جاهل ومعاند، أما الجاهل فلا يعرف فضائحهم وحقائقهم وإنما يتصورهم أناساً طيبين مؤمنين، وأما المعاند فلا ينفعه الدليل والبرهان مادام قد أصرَّ على العناد واللجاج، يقول تعالى: "ولو جئتهم بكل آية لا يؤمنون"، ويقول سبحانه: "سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون"!

ثالثاً: ان هؤلاء الذين اتخذوهم خلفاء أخطئوا في الاختيار، كما أخطأ المسيحيون حيث قالوا: "المسيح ابن الله"، وكما أخطأ اليهود حيث قالوا: (عُزير ابن الله)، فالانسان يجب عليه أن يطيع الله والرسول وأن يتبع الحق لا أن يتبع الناس على الخطأ والباطل، يقول تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول".

قال الملك: دعوا هذا الكلام، وتكلّموا حول موضوع آخر.

قال العلوي: ومن إشتباهات أهل السنة وأخطاءهم أنهم تركوا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتبعوا كلام الأولين.

قال العباسي: ولماذا؟

قال العلوي: لأن علي بن أبي طالب عيَّنه الرسول(ص) وأولئك الثلاثة لم يعيّنهم الرسول؛ ثم أردف قائلاً:

أيها الملك: انك لو عيَّنتَ في مكانك ولخلافتك إنساناً فهل يجب ان يتبعك الوزراء وأعضاء الحكومة؟ أم يحق لهم أن يعزلوا خليفتك، ويعيِّنوا إنساناً آخر مكانك؟

قال الملك: بل الواجب أن يتبعوا خليفتي الذي عيَّنته أنا، وأن يقتدوا به ويطيعوا أمري فيه.

قال العلوي: وهكذا فعل الشيعة، فقد اتبعوا خليفة رسول الله الذي عينه(ص) بأمر من الله تعالى وهو علي بن أبي طالب وتركوا غيره.

قال العباسي: لكن علي بن أبي طالب لم يكن أهلاً للخلافة حيث أنه كان صغير العمر، بينما كان أبو بكر كبير العمر، وكان علي بن أبي طالب قد قتل صناديد العرب وأباد شجعانهم فلم تكن العرب ترضى به، ولم يكن أبو بكر كذلك!

قال العلوي: أسمعتَ أيها الملك ان العباسي يقول: ان الناس أعلم من الله ورسوله في تعيين الأصلح، لأنه لا يأخذ بكلام الله ورسوله في تعيين علي بن أبي طالب، ويأخذ بكلام بعض الناس في أصلحية أبي بكر، كأنَّ الله العليم الحكيم لا يعرف الأصلح والأفضل حتى يأتي بعض الناس الجهّال فيختاروا الأصلح؟ ألم يقل الله تعالى: "وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرَة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا"؟

ألم يقل سبحانه: "ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؟

قال العباسي: كلا اني لم أقُل ان الناس أعلم من الله ورسوله.

قال العلوي: إذن لا معنى لكلامك، فان كان الله والرسول قد عيّنا إنساناً واحداً للخلافة والإمامة، فاللازم أن تقتدي به، سواء رضي به الناس أم لا!