المكتبة العقائدية » النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - (ج 1) (لـ حسين الطبرسي النوري)



تقريظ آية الله العظمى الامام المجدد
السيد محمد حسن الشيرازي قدس سره الشريف
المتوفي سنة 1212 هـ. ق

بسم الله الرحمن الرحيم

قد كتب هذا الكتاب بحمد الله تعالى وتأييده وحسن توفيقه وببركات امام العصر ولي الله وحجته في ارضه وبلاده، وخليفته على خلقه وعباده عليه وعلى آبائه البررة الكرام افضل الصلاة والسلام ; بنهاية القوة، وحسن الترتيب، وجودة التهذيب، واني لا اعرف كتاباً كتب في هذا الباب بهذا الحسن، ويلزم على جميع المتدينين الرجوع اليه لدفع الشبهات وتصحيح العقيدة ليصلوا ان شاء الله تعالى ببريق انوار هدايته الى منزل الايقان والايمان ومحل الأمن والأمان.

جعل الله تعالى عز اسمه كل من له يد في امر الخير هذا من انصاره عليه السلام.

حرره الأحقر   
محمد حسن الحسيني


الصفحة 4

حياة العلامة الشيخ
حسين النوري رحمه الله


الصفحة 5

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

فقد كتبت هذه الأوراق في حياة خاتمة المحدّثين الثقة الثبت الفقيه المجتهد الشّيخ حسين النوري قدّس سرّه لتكون مقدّمة لكتاب النجم الثّاقب في أحوال الامام الغائب عليه السلام الذي وفّقنا الله لترجمته الى اللّغة العربيّة مع التحقيق والتعليق والتقديم.

وحاولنا أن نسلك طريق الايجاز في كتابة ترجمة حياة العلامة النوري قدّس سرّه لتكون أنسب لوضعها في مقدّمة كتاب النجم الثاقب، وسمّينا هذه الرسالة "حياة العلامة النوري"، أسأل الله تعالى التوفيق والقبول والله تعالى الموفق للصواب.


الصفحة 6

سيرته الذاتيّة


الصفحة 7

هويّته الشّخصيّة

اسمـه:

الحسين بن محمّد تقي بن علي محمّد النوري الطبرسي(1).

ولادتـه:

في 18 شوال سنة 1254 هـ.ق في قرية (يالو) من قرى (نور) أحد كور طبرستان وهي (مازندران) ولذا يلقّب بالطبرسي وبالمازندراني(2).

والـده:

الميرزا محمّد تقي بن علي محمد بن محمّد تقي النوري ولد في قرية (نور) سنة 1201 هـ.ق وهاجر الى اصفهان لطلب العلم وحضر على أفاضلها، وقدم العراق وأقام في كربلاء وحضر على علمائها، ثمّ هاجر الى النّجف وعاد الى بلاده حائزاً على درجة الفضل والاجتهاد وأخذ يرشد ويقضي بالخصومات، وصارت له حوزة من الطلاب، وصار مرجعاً للتقليد وكان محتاطاً متحرجاً في فتاواه.

قرأ في اصفهان على المحقّق المولى علي النوري، وتتلمذ في كربلاء عند السيد محمّد المجاهد نجل صاحب الرياض.

____________

1- راجع خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877 ـ الفوائد الرضويّة (الشيخ عباس القمي): ص 149 ـ ريحانة الأدب (ميرزا محمّد علي المدرّس): ج 3، ص 389 ـ نقباء البشر (آقا بزرگ الطهراني): ج 2، ص 543 - 544 ـ معارف الرّجال (الشّيخ محمّد حرز الدين): ج 1، ص 271 ـ هديّة الأحباب: ص 180 وغيرها.

2- راجع معارف الرجال: ج 1، ص 271.


الصفحة 8

تتلمذ عليه المولى عباس النوري. والعالم الفقيه الشيخ محمد التنكابني، والمولى فتح وغيرهم.

له مؤلفات كثيرة منها كتاب المدارج في الأصول، ودلائل العباد في شرح الارشاد يقع في ثلاثة عشر جزءاً، وهو أهمّ ما كتب، وكشف الحقائق، وهداية الأنام، وكشف الأوهام، ورسالة في الفور والتراخي، ورسالة في الصوم، ورسالة في الامامة، ورسالة في الاشتقاق والتصريف، ورسالة في الصيد والذباحة والأطعمة والأشربة، ورسالة في الرضاع وغير ذلك كثير.

توفي في ربيع الأوّل سنة 1263 هـ.ق(1).

إخوتـه:

1 ـ الميرزا هادي. وكان عالماً(2) انتقلت اليه الرئاسة بعد أبيه(3) فصار مرجعاً للأمور ثلاث عشرة سنة الى أن توفي في حدود 1290 هـ.ق(4).

2 ـ الفقيه الحكيم الميرزا علي(5). كان فقيهاً فيلسوفاً انتهت اليه المرجعية بعد أخيه المذكور الى أن توفي في نيف وتسعين ومائتين وألف هـ.ق(6).

3 ـ الميرزا حسن.

4 ـ الميرزا قاسم. الذي توفي شاباً قبل الجميع(7).

____________

1- راجع معارف الرجال (حرز الدين): ج 2، ص 205 - 207 ـ الكرام البررة (آقا بزرگ): ج 1، ص 222 - 224.

2- معارف الرجال: ج 2، ص 207.

3- الكرام البررة: ج 1، ص 224.

4- نقباء البشر: ج 2، ص 555.

5- الكرام البررة: ج 1، ص 224.

6- نقباء البشر: ج 2، ص 555.

7- الكرام البررة: ج 1، ص 224.


الصفحة 9

وكانا من الفضلاء الأعلام، كما كانا يدرسان سطوح الفقه والأصول وتوفيا قبل (1300 هـ.ق)(1).

والشيخ حسين النوري اصغر اخوته جميعاً(2).

ابن اختـه:

الشيخ فضل الله بن المولى الشيخ عباس النوري(3). وهو صهره على ابنته(4).

وقد استشهد في اضطرابات ثورة الدستور التي وقعت في ايران، وقضيتهُ مشهورة.

نشأتـه:

نشأ يتيماً فقد توفي والده الحجة الكبير وله ثمان سنين(5). وقد أثر اليتم فيه فلم ينسه وفي أواخر أيام حياته عندما كتب ترجمة لنفسه في أواخر كتابه المستدرك متذكراً: " وتوفي والدي العلامة أعلى الله تعالى مقامه... وأنا ابن ثمان سنين، فبقيت سنين لا أحد يربيني... "(6).

فنشأ رحمه الله تعالى عصامياً معتمداً على نفسه. وقد وضحت عصاميته جلية في مستقبل حياته وهي تفسر صبره وتحمله المشاق واصراره ومثابرته التي تحتاج الى وقفة خاصة في ملامح شخصيته.

*  *  *

____________

1 و 2- نقباء البشر: ج 2، ص 555.

3- معارف الرجال: ج 2، ص 206 ـ الكرام البررة: ج 1، ص 224.

4 و 5- نقباء البشر: ج 2، ص 544.

6- خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877، الطبعة الحجرية.


الصفحة 10

أسـفاره

انحصرت اسفاره بين الأسفار وراء طلب العلم، والأسفار الدينية للحج والزيارة، ويعدّ نسبة الى اقرانه كثير الأسفار.

ولعل الأنسب تسمية اسفاره من القسم الأول بالهجرات كما عبّر عنها تلميذه الوفي الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه الله.

وكان لهذه الأسفار والهجرات المباركة الأثر الكبير في حياته وتركيب شخصيته العلمية والاجتماعية.

1 ـ اول هجرة له كانت في مقتبل عمره وبداية شبابه فهاجر الى طهران واتصلفيها بالعالم الجليل الشيخ عبد الرحيم البروجردي فعكف على الاستفادة منه(1).

2 ـ ثم هاجر الى العراق سنة (1273 هـ.ق) وبقي في النجف ما يقارب الأربع سنوات(2) ثم رجع الى ايران.

3 ـ هاجر الهجرة الثالثة في سنة (1278 هـ.ق)، وهي الهجرة الثانية الى العراق(3).

____________

1- راجع نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877، الحجرية.

2- نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877، الطبعة الحجرية.

3- خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877، الطبعة الحجرية ـ نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ وقال الشيخ حرز الدين في (معارف الرجال): ج 1، ص 271: "... هاجر من طهران الى النجف سنة 1277 ".

وفي كلامه اشتباهان:

اولاهما: ان هجرته الأولى كانت سنة (1273) كما نصّ هو رحمه الله تعالى.

وثانيهما: ان الهجرة الثانية كانت سنة (1278) كما صرح هو نفسه في خاتمة المستدرك، وذكره تلميذاه آغا بزرگ في نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ والشيخ عباس القمي في (الفوائد الرضوية): ص 149.


الصفحة 11

قال النوري رحمه الله:

" ثم رجعت ثانياً الى العراق في سنة 1278، ولازمت العالم النحرير الفقيه الجامع، أفضل أهل عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني طاب ثراه... وبقيت معه برهة في مشهد الحسين عليه السّلام، ثمّ سنتين في الكاظم عليه السّلام "(1).

ومن كلامه رحمه الله يظهر أن هجرته الى العراق لم تحظ بالاستقرار الكامل حيث كان يتنقل مع استاذه الآية الكبرى الشيخ عبد الحسين الطهراني الشهير بشيخالعراقين بين كربلاء والكاظمية(2) وهذا شيء طبيعي باعتباره من حواري الشيخ عبد الحسين الطهراني(3).

4 ـ وفي سنة 1280 سافر الى حج بيت الله الحرام(4).

5 ـ سافر الى ايران سنة 1284، وزار الامام الرضا عليه السّلام(5).

____________

1- خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877.

2- راجع نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ الفوائد الرضوية: ص 149 - 150 ـ خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877.

3- معارف الرجال: ج 1، ص 271.

4- خاتمة المستدرك: ج 3، ص 877 ـ نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ أعيان الشيعة: ج 6، ص 143 ـ معارف الرجال: ج 1، ص 271.

5- نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ الخاتمة: ج 3، ص 877 ـ أعيان الشيعة: ج 6، ص 143.


الصفحة 12

6 ـ رجع الى العراق سنة 1286، وهي السنة التي توفي فيها شيخه الطهراني(1).

7 ـ وفي هذه الفترة سافر الى الحج مرة ثانية(2)، ورجع الى النجف الأشرف وأقام فيه(3).

8 ـ ثم هاجر الى سامراء في سنة (1292) ملتحقاً باستاذه المجدد الشيرازي وهو اوّل المهاجرين اليها(4).

يقول النوري:

" الى أن ساعدني التقدير الى المهاجرة الى الناحية المقدسة سرّ من رأى لمّا هاجر اليها السيد السند حجة الاسلام، ونادرة الأيام، واستاد ائمة البشر، ومجدد المذهب في القرن الثالث عشر، المنتهى اليه رئاسة الشيعة في عصره، والمطاع الذي انقاد له الجبابرة لنهيه وأمره... الآميرزا محمد حسن الشيرازي "(5).

9 ـ وفي هذه الفترة رزق الحج للمرة الثالثة(6).

قال النوري رحمه الله بعد أن تحدّث عن هجرته الى سامراء: " وبقيت فيها سنين ورزقني الله تعالى فيها الحج ثالثاً "(7).

10 ـ ولما رجع من حجه هذا سافر الى ايران للمرة الثالثة في سنة (1297) وزار مشهد الامام الرضا عليه السّلام(8).

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ الخاتمة: ج 3، ص 877 ـ أعيان الشيعة: ج 6، ص 143.

2- نقباء البشر: ج 2، ص 544.

3- نقباء البشر: ج 1، ص 544 ـ الخاتمة: ج 3، ص 877 ـ معارف الرجال: ج 1، ص 271.

4- نقباء البشر: ج 1، ص 544.

5- الخاتمة: ج 3، ص 877 - 878.

6- نقباء البشر: ج 2، ص 544.

7- الخاتمة: ج 3، ص 878.

8- نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ الخاتمة: ج 3، ص 878.


الصفحة 13

11 ـ وبعدما رجع الى العراق سافر الى الحج للمرة الرابعة في سنة (1299)(1).

12 ـ ورجع الى سامراء ملازماً استاذه المجدد الى أن توفي سنة (1312) فبقي المترجم له بعده بسامراء الى سنة (1314)(2).

13 ـ عاد رحمه الله تعالى الى النجف الأشرف سنة (1314) عازماً على البقاء بها حتى أدركه الأجل(3).

*  *  *

____________

1 و 2 و 3- نقباء البشر: ج 2، ص 544 ـ الخاتمة: ج 3، ص 878.


الصفحة 14

برامجه العبادية

وتتضح بعدة ملامح من سلوكه العبادي منها في:

زهده وعبادته:

كان زاهداً عابداً لم تفته صلاة الليل(1).

وكان شديد العبادة كثير الزهادة لم يفته صلاة الليل والقيام في طاعة ربه في آناء الليل(2).

ويتجلى من برنامجه اليومي سلوكه الرباني وانقطاعه الى الحق تعالى وتبتله، وتعرف في انسانية الانسان وتشرق من جوانبه انوار كمال الانسان وكمالية الانسان الكامل، وتبين آثار الاسماء الجلالية والجمالية بنفسها بدون ان تحتاج الى اظهارها وابرازها بالاعتبار والبيان، واليك هذا المقطع الذي صوره تلميذه البار عن حياته اليومية:

" كان أعلى الله مقامه ملتزماً بالوظائف الشرعية على الدوام، وكان لكل ساعة منيومه شغل خاص لايتخلف عنه ; فوقت كتابته من بعد صلاة العصر الى قرب

____________

1- اعيان الشيعة: ج 6، ص 143.

2- الفوائد الرضوية (الشيخ عباس القمي): ص 151.


الصفحة 15

الغروب ; ووقت مطالعته من بعد العشاء الى وقت النوم.

وكان لاينام الاّ متطهراً.

ولاينام من الليل الاّ قليلا. ثم يستيقض قبل الفجر بساعتين فيجدد وضوءه ـ ولا يستعمل الماء القليل بل كان لا يتطهر الاّ بالكر ـ ثم يتشرف قبل الفجر بساعة الى الحرم المطهر.

ويقف ـ صيفاً وشتاءاً ـ خلف باب القبلة فيشتغل بنوافل الليل الى أنْ يأتي السيد دواد ـ نائب خازن الروضة ـ وبيده مفاتيح الروضة، فيفتح الباب، ويدخل شيخنا، وهو اول داخل لها وقتذاك.

وكان يشترك مع نائب الخازن بايقاد الشموع، ثم يقف في جانب الرأس الشريف فيشرع بالزيارة والتهجد الى ان يطلع الفجر، فيصلي الصبح جماعة مع بعض خواصه من العبّاد والاوتاد، ويشتغل بالتعقيب. وقبل شروق الشمس بقليل يعود الى داره، فيتوجه رأساً الى مكتبته العظيمة المشتملة على الوف من نفائس الكتب والآثار النادرة العزيزة الوجود، او المنحصرة عنده، فلا يخرج منها الاّ للضرورة.

وفي الصباح يأتيه مَن كان يعينه على مقابلة ما يحتاج الى تصحيحه، ومقابلته مما صنّفه، أو استنسخه من كتب الحديث وغيرها، كالعلامتين الشيخ علي بن ابراهيم القمي، والشيخ عباس بن محمد رضا القمي، وكان معينه على المقابلة في النجف وقبل الهجرة الى سامراء وفيها ايضاً المولى محمد تقي القمي الباوزئيري "(1).

وعظه وخطابته:

ويقول تلميذه الزكي استمراراً في شرح برنامج استاذه العبادي، فقد كانت تملك سيرته اليومية:

" اما في يوم الجمعة فكان يغير منهجه، ويشتغل بعد الرجوع من الحرم

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 546.


الصفحة 16

الشريف بمطالعة بعض كتب الذكر والمصيبة لترتيب مايقرؤه على المنبر بداره، ويخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة الى مجلسه العام فيجلس ويحيي الحاضرين ويؤدي التعارفات، ثم يرقى المنبر، فيقرأ مارآه من الكتب بذلك اليوم، ومع ذلك يحتاط في النقل بمالم يكن صريحاً في الاخبار الجزمية.

وكان اذا قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته.

وبعد انقضاء المجلس يشتغل بوظائف الجمعة من التقليم والحلق وقص الشارب والغسل والادعية والآداب والنوافل، وغيرها.

وكان لايكتب بعد عصر الجمعة ـ على عادته ـ بل يتشرف الى الحرم، ويشتغل بالمأثور الى الغروب.

كانت هذه عادته الى ان انتقل الى جوار به "(1).

احياؤه سنة المشي لزيارة الامام الحسين عليه السلام:

وهي من اعظم السنن التي نطقت بها الروايات المروية عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والائمة الطاهرين عليهم السلام ففي رواية ابي الصامت قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام وهو يقول: " مَنْ أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة الف حسنة، ومحى عنه الف سيئة، ورفع له الف درجة، فاذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك، وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل، فاذا أتيت باب الحائر فكبر اربعاً.. الحديث "(2).

وفي رواية ابي سعيد القاضي قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام في غرفة له فسمعته يقول: " مَنْ أتى قبر الحسين ماشياً كتب الله له بكل خطوة وبكل قدم يرفعهاويضعها عتق رقبة من ولد اسماعيل.. الحديث "(3).

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 547.

2- راجع وسائل الشيعة، كتاب الحج، ابواب المزار ومايناسبه: باب 41، ح 3.

3- راجع وسائل الشيعة، كتاب الحج، ابواب المزار ومايناسبه: باب 41، ح 6.


الصفحة 17

وفي رواية علي بن ميمون الصائغ عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " يا علي زر الحسين ولاتدعه.

قلت: ما لمن زاره من الثواب؟

قال: مَنْ أتاه ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحى عنه سيئة، وترفع له درجة.. الحديث "(1).

والروايات في ذلك مستفيضة كما وردت الروايات في استحباب الحج مشياً وكذلك زيارة امير المؤمنين عليه السلام، ولذلك كانت السنة المتعارفة عند المتشرعين القيام بهذه الشعيرة الالهية احسن قيام. ولكن يبدو ان هذه السنة حذفت من الاعمال العامة ككثير من المستحبات التي تركت اهمالا وتكاسلا، ولكن الشيخ النوري قدس سره كان همّه احياء السنن الداثرة والقيام بالشعائر الالهية المتروكة فكان " مما سنّه في تلك الاعوام: زيارة سيد الشهداء مشياً على الاقدام ".

فقد كان ذلك في عصر الشيخ الانصاري من سنن الاخيار واعظم الشعائر. لكن ترك في الاخير وصار من علائم الفقر وخصائص الادنون من الناس، فكان العازم على ذلك يتخفى عن الناس لما في ذلك من الذل والعار، فلمّا راى شيخنا ضعف هذا الامر اهتم له والتزمه فكان في خصوص زيارة عيد الاضحى يكتري بعض الدواب لحمل الاثقال والامتعة ويمشي هو وصحبه. لكنه لضعف مزاجه لايستطيع قطع المسافة من النجف الى كربلاء بمبيت ليلة كما هو المرسوم عند اهله بل يقضي في الطريق ثلاث ليال يبيت الاولى في (المصلى) والثانية في (خان النصف) والثالثة في(خان النخيلة) فيصل كربلاء في الرابعة، ويكون مشيه كل يوم ربع الطريق نصفه صبحاً، ونصفه عصراً، ويستريح وسط الطريق لاداء الفريضة وتناول الغذاء في ظلال خيمة يحملها معه.

____________

1- راجع وسائل الشيعة، كتاب الحج، ابواب المزار ومايناسبه: باب 41، ح 4.


الصفحة 18

وفي السنة الثانية والثالثة زادت رغبة الناس والصلحاء بالامر، وذهب ما كان في ذلك من الإهانة والذل الى ان صار عدد الخيم في بعض السنين ازيد من ثلاثين لكل واحدة بين العشرين، والثلاثين نفراً)(1).

وفي الواقع ان هذه الشعيرة الالهية ترسخت بعد الشيخ النوري قدس سره وتحولت بمرور الزمن الى ظاهرة سياسية خطرة على الوجود العلماني بالعراق مما دعى بالنظم السياسية العلمانية التي حكمت العراق ان تقف امام هذه الظاهرة بشدة وأعتى مظاهرها مجريات عام (1977) للميلاد في ظل نظام البعث الحاكم للعراق والتي ادت الى ثورة دينية سياسية وهياج شعبي.

موقعه في نفوس تلاميذه:

كل من كتب عنه كان معجباً بشخصيته حتى اولئك الذين لم يرتضوه وقدحوا بشيء ما في كتاباته، فانهم ارتضوا اخلاقه وصلاحه غير العادي ووصفوه باعلى صفات الصالحين. وكان له موقع كبير في نفوس تلاميذه واصحابه ومن يراه.

فهذا شيخ الباحثين مع ما اوتي من الفضل والعمل والصلاح والتقوى يقف موقف الرهبة والخشوع عندما يتذكر استاذه النوري بعد خمس وخمسين سنة، فيقول:

" ارتعش القلم بيدي عندما كتبت هذا الاسم، واستوقفني الفكر عندما رأيت نفسي عازماً على ترجمة استاذي النوري، وتمثل لي بهيئته المعهودة بعد ان مضى على فراقنا خمس وخمسون سنة، فخشعت اجلالا لمقامه، ودهشت هيبته له، ولاغرابةفلو كان المترجم له غيره لهان الامر، ولكن كيف بي وهو من اولئك الابطال غير المحدودة حياتهم واعمالهم، اما شخصية كهذه الشخصية الرحبة العريضة فمن الصعب جداً ان يتحمل المؤرخ الامين وزر الحديث عنها، ولا ارى مبرراً في موقفي هذا سوى

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 547 - 548.


الصفحة 19

الاعتراف بالقصور عن تأدية حقه... "(1).

وقال في مكان آخر:

" تشرفت بخدمته للمرة الاولى في سامراء في (1313) بعد وفاة المجدد الشيرازي بسنة وهي سنة ورودي العراق... وذلك عندما قصدت سامراء زائراً قبل ورودي الى النجف فوفقت لرؤية المترجم له بداره حيث قصدتها لاستماع مصيبة الحسين عليه السلام، وذلك يوم الجمعة الذي ينعقد فيه مجلس بداره، وكان المجلس غاصاً بالحضور والشيخ على الكرسي مشغول بالوعظ، ثم ذكر المصيبة وتفرق الحاضرون، فانصرفت وفي نفسي ما يعلمه الله من اجلال واعجاب واكبار لهذا الشيخ اذ رأيت فيه حين رأيته سمات الابرار من رجالنا الاول. ولما وصلت الى النجف بقيت أُمني النفس لو ان تتفق لي صلة مع هذا الشيخ لاستفيد منه عن كثب "(2).

وقال الشيخ عباس القمي وهو من ابرز تلاميذه في وصف استاذه النوري ومؤبناً له ومتأسفاً بلوعة حرى على ايامه:

" ويحق لي ان اقول ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر، وبقيت في الدهر ولكن بقاء الثلج في الحر، فلقد كان [له] (3) رحمه الله عليّ من الحقوق الواجبشكرها ما يكل شبا يراعتي وبراعتي عن ذكرها، وهو شيخي الذي اخذت عنه في بدء حالي وانضويت(4) الى موائد فوائده يعملات رحالي، فوهبني من فضله ما لا يضيع، وحنى عليّ حنو الظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه، وأَلْقَمَني ثدى معلومه، فعادت عليّ بركات انفاسه، واستضاءت من ضياء نبراسه، فما يسفح به

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 543.

2- نقباء البشر: ج 2، ص 545.

3- اضيفت لتتم الجملة.

4- في المصدر المطبوع (وانفيت).


الصفحة 20

قلمي انما هو من فيض بحاره، وما ينفح بها كلمي انما هو من نسيم اسحاره، وانا اتوسل الى رب الثواب والجزاء ان يجعل نصيبه من رضوانه أوفى الانصباء، وكم له رحمه الله من الله تعالى الطاف خفية، ومواهب غيبية، ونعم جليلة، اعظمها انه قدس سره مع كثرة اسفاره الف تأليفات كثيرة رائقة، وتصنيفات جليلة فائقة تبلغ عددها مايقرب من ثلاثين تخبر كل واحد عن طول باعه وكثرة اطلاعه... "(1).

*  *  *

____________

1- الفوائد الرضوية (الشيخ عباس القمي) مؤلف كتاب مفاتيح الجنان المشهور: ص 150 - 151.