المكتبة العقائدية » النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - (ج 1) (لـ حسين الطبرسي النوري)



الصفحة 74

كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة، فيجب على عامة المجتهدين الفحول ان يطلعوا عليه ويرجعوا إليه في استنباط الاحكام عن الأدلة كي يتم لهم الفحص عن المعارض ويحصل اليأس عن الظفر بالمخصص حيث أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين للمؤلف ممن أدركنا بحثه وتشرفنا بملازمته، فقد سمعت شيخنا المولى محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) يلقي ماذكرناه على تلامذته الحاضرين تحت منبره البالغين الى خمسمائة أو أكثر بين مجتهد أو قريب من الاجتهاد بان الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لاتتم قبل الرجوع الى (المستدرك) والاطلاع على ما فيه من الأحاديث " إنتهى.

هذا ما قاله بنفسه عندما وصل بحث: العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص.

وكان بنفسه يلتزم ذلك عملا، فقد شاهدت عمله على ذلك عدة ليال وفقت فيها لحضور مجلسه الخصوصي في داره الذي كان ينعقد بعد الدرس العمومي لبعض خواص تلامذته كالسيد ابي الحسن الموسوي، والشيخ عبد الله الگلپايگاني، والشيخ علي الشاهرودي، والشيخ مهدي المازندراني، والسيد راضي الاصفهاني وغيرهم، وذلك للبحث في اجوبة الاستفتاءات، فكان يأمرهم بالرجوع الى الكتب الحاضرة في ذلك المجلس وهي " الجواهر " و " الوسائل " و " مستدرك الوسائل " فكان يأمرهم بقراءة ما في المستدرك من الحديث الذي يكون مدركاً للفرع المبحوث عنه، واما شيخنا الحجة شيخ الشريعة الاصفهاني فكان من الغالين في المستدرك ومؤلفه، سألته ذات يوم ـ وكنا نحضر بحثه في الرجال عن مصدره في المحاضرات التي كان يلقيها علينا ; فاجاب: كلنا عيال على النوري، يشير بذلك الى المستدرك.

وكذا كان شيخنا الاعظم الميرزا محمد تقي الشيرازي، وغير هؤلاء من الفطاحل مقر له بالعظمة رحمه الله(1).

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 552 - 554.


الصفحة 75

وقد تحدث الطهراني عن سبب تأليفه النوري قدس سره لكتاب المستدرك، وكان يتحدث عن كتاب الاشعثيات الذي يقال له الجعفريات وهي الف حديث باسناد واحد، وتلك الأحاديث مرتبة على كتب الفقه، الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الجنائز، الطلاق، النكاح، الحدود، الدعاء، السنن والآداب، وقد روى جميعها السيد الشريف الاجل اسماعيل بن الامام موسى بن جعفر عليه السلام عن ابيه موسى عن ابيه جعفر عن آبائه عليهم السلام ولذا يقال له الجعفريات، قال الطهراني:

" هذا الكتاب مما لم يظفر به العلامة المجلسي ولا المحدث الحر العاملي مع شدةتنقيبهما للكتب، وانما ذخره الله تعالى لشيخنا العلامة النوري ومنّ عليه بحصول نسخة منه ضمن مجموعة عنده ثم هيأ له مصادر أخرى مصححة معتبرة ووفقه لتأليف مستدرك الوسائل عن تلك المصادر كما ذكرها مع براهين صحتها واعتبارها في أول خاتمة المستدرك، وكان حصوله عنده أول داع وأقوى محرك له على هذا التأليف، ولذا بدأ بذكره في الخاتمة قبل سائر المصادر، كما أنه قدم أحاديثه في كل باب على سائر الأحاديث، فاصبح كتاب المستدرك من بركة هذا الكتاب ومصادره المعتبرة كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة في أنه يجب على عامة المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا اليها في استنباط الأحكام عن الأدلة كي تتم له الفحص عن المعارض ويحصل اليأس عن الظفر بالمخصص، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين لمؤلفه ممن أدركنا بحثه وتشرفنا بملازمته، فلقد سمعت شيخنا الآية الخراساني صاحب الكفاية يلقي ماذكرنا على تلامذته الحاضرين تحت منبره البالغين إلى خمسمائة أو أكثر بين مجتهد أو قريب من الأجتهاد مصرحاً لهم بان الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لاتتم قبل الرجوع إلى المستدرك والاطلاع على ما فيه من الأحاديث ولقد شاهدت عمله على ذلك في عدة ليال وفقت لحضور مجلسه الخصوصي في داره الذي كان ينعقد بعد الدرس العمومي لبعض خواص تلاميذه للبحث في أجوبة الاستفتاءات بالرجوع إلى الكتب الحاضرة في ذلك المجلس ومنها المستدرك فكان


الصفحة 76

يأمرهم بقراءة ما فيه من الحديث الذي يكون مدركاً للفرع المبحوث عنه وأما شيخنا الحجة شيخ الشريعة الاصفهاني فكان من الغالين في المستدرك ومؤلفه وكذا شيخنا الآية الأتقى ميرزا محمد تقي الشيرازي قدس الله اسرارهم "(1).

26 ـ مستدرك مزار البحار.

لم يتم(2).

27 ـ معالم العبر في استدراك البحار السابع عشر.

فرغ منه بسامراء سنة 1296 (3).

28 ـ مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم، والشجرة المونقة العجيبة(4).

في سلسلة اجازات العلماء من عصره الى زمن الغيبة، وهو أول مؤلفاته فرغ منه ليلة الاثنين 24 رجب 1275.

وهو مشجر عجيب ذات فوائد جليلة في كشف طرق رواية المشايخ وكيفية اتصال اسانيدهم وسلسلة اجازاتهم(5).

29 ـ مواليد الائمة.

رسالة مختصرة فارسية في تعيين مواليدهم على ما هو الاصح عنده(6).

____________

1- الذريعة: ج 2، ص 110 - 111.

2- الذريعة: ج 21، ص 6 ـ ريحانة الادب: ج 3، ص 390 ـ نقباء البشر: ج 2، ص 554 ـ الفوائد الرضوية: ص 151 ـ خاتمة المستدرك: ص 878 وغيرها.

3- الذريعة: ج 21، ص 200 ـ ريحانة الادب: ج 3، ص 390 ـ نقباء البشر: ج 2، ص 551 ـ خاتمة المستدرك: ص 878.

4- نقباء البشر: ج 2، ص 554 ـ خاتمة المستدرك: ص 878 ـ الفوائد الرضوية: ص 151.

5- الذريعة: ج 23، ص 230 - 231.

6- الذريعة: ج 23، 235.


الصفحة 77

30 ـ ميزان السماء في تعيين مولد خاتم الانبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وهو باللغة الفارسية، اثبت فيه ان مولده صلّى الله عليه وآله وسلّم في السابع عشر من ربيع الاول بالبراهين الحسابية، المنظمة الى مقدمة اجماعية، فرغ منه في الثالث عشر من ربيع الثاني من سنة تسع وتسعين ومائتين والف، وطبع ايضاً في تلك السنة، وذكر في آخره المعجزات الاربعة الواقعة بالنجف في تلك السنة، ومعجزة اخرى وقعت بالسرداب المقدس بسرّ من رأى(1).

31 ـ النجم الثاقب في احوال الامام الغائب عليه السلام.

بالفارسية في غيبة الامام الثاني عشر عليه السلام، كتبه في ثلاثة اشهر بامر سيدنا الشيرازي المتوفي سنة 1312 هـ، مرتباً على 12 باباً، أشار في أوله الى اسماء جملة من كتب الغيبة، ثم أورد فهرس مطالب الكتاب، فرغ منه سنة 1303 هـ(2).

32 ـ نفس الرحمان في فضائل سيدنا سلمان.

وهو أول ما برز من مؤلفاته(3) بعد تأليفه مواقع النجوم المتقدم، قال النوري قدس سره عند عدّ مؤلفاته " فبرز مني بحمد الله تعالى كتاب نفس الرحمن في فضائل سيدنا سلمان عليه السلام وهو اول مؤلفاتي بعد الشجرة المونقة في سلسلة اجازات العلماء المسماة بمواقع النجوم "(4).

وقد عارضه بعض المؤلفين، واشيع بان النوري يفضل سلمان على سيدنا

____________

1- الذريعة: ج 23، ص 312 ـ ريحانة الادب: ج 3، ص 390 ـ خاتمة المستدرك: ص 878 ـ وغيرها.

2- الذريعة: ج 24، ص 69.

3- الذريعة: ج 24، ص 264.

4- خاتمة المستدرك: ص 878.


الصفحة 78

العباس بن امير الؤمنين عليهما السلام ـ اعوذ بالله تعالى ـ في هذا الكتاب، ولكن بعد البحث فيه من اوله الى آخره لم نجد هذه الدعوى، فيظهر انها من الافتراءات التي لا اصل لها.

وقد ذكرت له مؤلفات اُخرى:

1 ـ آداب الزيارة، ذكر المرحوم الشيخ حرز الدين(1) ولعله نفسه تحية الزائر، أو سلامة المرصاد. والله العالم.

2 ـ عدّ السيد محمد مرتضى الجنفوري في رسالته التي الّفها فهرساً لتصانيف الشيخ النوري ; من تصانيفه الفارسية المطبوعة ; جوابه عن سؤال السيد محمد حسن الكمال پوري المطبوع في البركات الاحمدية(2).

3 ـ تقريرات بحث استاذه الطهراني(3).

4 ـ تقريرات المجدد الشيرازي(4).

وقد رأى الكتابين المرحوم الميرزا محمد العسكري، بخطه الشريف في مكتبته، لكن احتمل الميرزا العسكري ان الثاني لغيره وإنما استنسخه بخطه(5).

5 ـ مجموعة من المتفرقات فيها فوائد نادرة(6).

6 ـ وأجوبة الاسئلة والاوراق المتفرقة(7).

7 ـ وقال العلامة الطهراني بعد عدّ مؤلفاته:

" كما انه لم يدع كتاباً في مكتبته الاّ وعلق عليه وشرح موضوعه واحوال مؤلفه، وما هنالك من الفوائد "(8).

____________

1- معارف الرجال: ج 1، ص 272.

2- نقباء البشر: ج 2، ص 552.

3 و 4 و 5 و 6 و 7- نقباء البشر: ج 2، ص 554.

8- نقباء البشر: ج 2، ص 554 - 555.


الصفحة 79

8 ـ وقال: " وقد كتب ما كان يمليه في مجالس وعظه من الأخلاق والآداب جماعة منهم المولى محمد حسين القمشهي الصغير "(1).

*  *  *

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 554.


الصفحة 80

أقوال العلماء فيه

ويحسن بنا ونحن نستعرض الجوانب العلمية في شخصية النوري قدس سره ان نسجل أقوال العلماء فيه لاجل أن نحيط بها من جميع الجوانب، ولأن اقوال العلماء تثبت شهادة علمية لموقعه العلمي.

1 ـ العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء رحمه الله تعالى في مقدمة قصيدته التي ردّ بها على القصيدة التي انكر صاحبها وجود الامام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد قدّم قصيدته تلك هدية الى صاحب رسالة كشف الأستار حيث قال:

" انه وردت الينا في هذه الايام قصيدة من بعض جماعة دار السلام ولكنها يتيمة وان كانت في سوق الشعراء ما لها قيمة، يسأل فيها عن امور الحجة المنتظر والامام الثاني عشر وتصدى شعراء العصر للجواب عنها ولكنهم لم يبلغوا حقيقته وان اجادوا، وما أصابوا الغرض وان احسنوا بما جاؤا به وأفادوا ; فقلت في نفسي أعط القوس باريها، فلا يخطي مراسيها، فعرضتها على علامة الفقهاء والمحدثين، جامع اخبار الائمة الطاهرين، حائز علوم الاولين والاخرين، حجة الله على اليقين، من عقمت النساء من ان تلد مثله، وتقاعست اساطين الفضلاء فلا يداني احدٌ فضله


الصفحة 81

ونبله، التقي الأواه، المعجب ملائكة السماء بتقواه، من لو تجلى الله لخلقه لقال هذا نوري، مولانا ثقة الاسلام الحاج ميرزا حسين النوري ادام الله تعالى وجوده الشريف، وحفظ سورة بقائه المبارك من التنقيص والتحريف ; فكتب أيده الله تعالى رسالة أبهرت العقول والالباب، ولم يأت احدٌ بمثلها في هذا الباب ; وحيث ان السؤال كان نظماً احببت ان يكون الجواب طبق السؤال، فنظمتها على الوزن والقافية على تشتت البال وجعلتها خدمة لامامنا الحجة ولنوابه الاعلام خصوصاً صاحب الرسالة فان له على جميع المؤمنين منة لايقوم بواجبها الشكر ولو مدى العمر "(1).

2 ـ وقال الشيخ حرز الدين قدس سره في وصفه:

" العالم الفاضل الجامع الثقة الجليل... وكان شيخاً عالماً محيطاً بعلم الحديث والرجال "(2).

3 ـ الشيخ عباس القمي صاحب كتاب مفاتيح الجنان:

" وكان رحمه الله تعالى حسن المحاضرة، سريع الكتابة، كثير الحافظة، مقبلا على شانه، مستوحشاً عن اوثق اخوانه، وكان شديد العبادة، كثير الزهادة، لم يفته صلاة الليل والقيام في طاعة ربه في آناء الليل، وكان جامعاً أعلى كل مكرمة وشرافة، وأسنى كل خصلة وفضيلة، وبلغ من كل خير ذروته، واخذ من كل علم شريف جوهره وحقيقته ; اما علمه فأحسن فنه الحديث، ومعرفة الرجال، والاحاطة بالاقوال، والاطلاع بدقائق الايات ونكات الاخبار بحيث تتحير العقول عن كيفية استخراجه جواهر الاخبار عن كنوزها، وترجع الابصار حاسرة عن ادراك طريقتهفي استنباط اشاراتها ورموزها، فسبحان الله المتعال من كثرة اطلاعه، وطول باعه، وشدة تبحره في العلوم والاخبار والسنن والاثار ; كان بحراً مواجاً وسراجاً وهاجاً،

____________

1- كشف الاستار: ص 245 - 246.

2- معارف الرجال: ج 1، ص 271.


الصفحة 82

وكان ضنيناً بعمره بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره، ونفيس جوهر حياته يمضي بلا فائدة، ويفنى بلا عائدة، بل اخذ منه حظه ونصيبه اما بجمع شتات الاخبار، وتأليف متفرقات ماورد عن الائمة الاطهار ; وأما بالذكر وتلاوة الآيات، او بالصلاة والنوافل المندوبات ; مواضباً لكل سُنة سنية، ومؤدّ لميسور دقائق الآداب الدينية ; كان واعظاً لغيره بافعاله والقواله، وداعياً الى الله بمحاسن احواله ; تذكر الله تعالى رؤيتهُ، ويزيد في العلم منطقه، ويُرَغِّبْ في الآخرةِ عمله ; ما قام أحدٌ من مجلسه إلا بخير مُستفاد جديد، وشوق الى الثواب، وخوف من الوعيد ; لايختار من الاعمال المندوبة الاّ أحمزها واتعبها، ولايأخذ من السنن الاّ احسنها.

أفعاله كانت منطبقة على كلامه، وكلامه مقصور على ما خرج عن أمامه ; لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر والليل والنهار، وكنت استفيد من جنابه في البين الى أن نعب بيننا غراب البين "(1).

وقال في مكان آخر: " شيخنا الاجل الاعظم، وعمادنا الارفع الاقوم، صفوة المتقدمين والمتأخرين، خاتم الفقهاء والمحدثين، سحاب الفضل الهاطل، وبحر العلم الذي ليس له ساحل، مستخرج كنوز الاخبار، ومحي ما اندرس من الاثار، كنز الفضائل ونهرها الجاري، شيخنا ومولانا العلامة المحدث الثقة النوري أنار الله تعالى برهانه واسكنه بحبوحة جنانه "(2).

وقال في كتاب آخر له بعبارة تقرب من هذه العبارة(3).

4 ـ وقال تلميذهُ الشيخ آغا بزرگ الطهراني:

" وهو سندٌ من اجل الاسناد الثابتة ليوم المعاد، وكيف لا وهو خرِّيت هذه

____________

1- الفوائد الرضوية (القمي): ص 151 - 152.

2- الفوائد الرضوية (القمي): ص 149.

3- راجع هدية الاحباب (القمي): ص 180.


الصفحة 83

الصناعة، وإمام هذا الفن فقد سبر غور علم الحديث حتى وصل الى الاعماق فعرف الحابل من النابل، وماز الغث من السمين، وهو خاتمة المجتهدين فيه، اخذه عنه كل من تأخر من أعلام الدين وحجج الاسلام، وقلما كتبت اجازة منذ نصف قرن الى اليوم ولم تصدر بأسمه الشريف، وسيبقى خالد الذكر ما بقي لهذه العادة المتبعة من رسم، وهو اول من اجازني والحقني بطبقة الشيوخ في سن الشباب وقد صدرت عنه إجازات كثيرة بين كبيرة ومتوسطة ومختصرة وشفاهية "(1).

وقال في مكان آخر: " كان الشيخ النوري احد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر، فقد امتاز بعبقرية فذة، وكان آية من آيات الله العجيبة، كمنت فيه مواهب غريبة، وملكات شريفة اهلته لان يعدّ في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال اعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الاعمال الصالحة، وهو في مجموع آثاره ومآثره إنسان فرض لشخصه الخلود على مرّ العصور، والزم المؤلفين والمؤرخين بالعناية به والاشادة بغزارة فضله، فقد نذر نفسه لخدمة العلم، ولم يكن يهمه غير البحث والتنقيب والفحص والتتبع وجمع شتات الاخبار، وشذرات الحديث، ونظم متفرقات الآثار وتأليف شوارد السير، وقد رافقه التوفيق، واعانته المشيئة الالهية، حتى ليظن الناظر في تصانيفه ان الله شمله بخاصة الطافه، ومخصوص عنايته، وادخّر له كنوزاً قيمة لم يظفر بها اعاظم السلف من هواة الآثار ورجال هذا الفنّ، بل يخيل للواقف على امره ان الله خلقهلحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام {وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}.. "(2).

____________

1- نقباء البشر: ج 2، ص 555.

2- نقباء البشر: ج 2، ص 545.

وقد شحنت كتب الشيخ الطهراني بمدحه لاُستاذه النوري وقد تقدم منّا نقل بعضها في مواضع متعددة من هذه الرسالة، وخوفاً من التكرار والاطالة اكتفينا بهذا المقدار محيلين الى اماكنها للموارد الاخرى التي ذكرها العلامة الطهراني قدس سره، والطف ما قاله في احدى اجازاته (شيخي العلامة خاتمة المحدثين والمجتهدين المبرّء على رغم غدوه من كل شين التقي النقي الحاج الميرزا حسين نوري الطبرسي...) راجع ضياء الدراية: ص 102.


الصفحة 84

5 ـ وقال المؤرخ الايراني اعتماد السلطنة ـ وكان يشغل منصب وزير المطبوعات (الاعلام) في اواخر عصر ناصر الدين شاه ـ ما تعريبه:

" الحاج الميرزا حسين الطبرسي: من عظماء العلماء، وقد امتاز بجلالة قدره وعلو شأنه عن اقرانه، وبترويج امور المذهب الجعفري، وتشييد بنيان الطريقة الاثني عشرية، ونشر اخبار وآثار اهل بيت العصمة عليهم السلام، وقلما وفق احد من معاصريه لمثل ما وفق اليه في علمي الحديث والتفسير ومعرفة احوال الرواة وطبقات رجال الاسناد، وتراجم علماء الاسلام، وانه حالياً في مقدمة العلماء الايرانيين.

وكان والده الجليل الميرزا محمد تقي المازندراني من فحول المجتهدين ومشاهير رؤساء عهد الخاقان المبرور فتح علي شاه رحمه الله تعالى "(1).

وبعد ان ذكر كلاماً له حول شخصية الشيخ النوري قدس سره وتسجيل بعض مؤلفاته والتي ختمها بذكر كتابه المستدرك على الوسائل وقال عنه: " ويعدّ من اجلّآثار هذا العصر "(2).

عاد بالحديث عن الشيخ النوري حيث قال ما تعريبه: " وفي الحقيقة انه بجمعه واستخراجه وتتبعه واستقصائه لكل الأحاديث والاصول أحيى سنة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. وبرهن بالبرهان القاطع على درجة احاطته وتبحره.

وان هذا العالم العامل والفقيه الفاضل والمحدث الكامل محل الثقة والاعتماد والمؤتمن جداً عند حضرة حجة الاسلام ثقة الانام مجدد الاحكام نائب الامام عليه

____________

1 و 2- المآثر والآثار (اعتماد السلطنة): ص 155.


الصفحة 85

السلام الحاج الميرزا محمد حسن ادام الله ايام افاضاته "(1).

6 ـ وقال المؤرخ الرجالي الشيخ الميرزا محمد علي المدرس ما تعريبه:

" العالم الرباني القدوسي، صاحب الفيض القدسي، صفوة خاتم الفقهاء والمحدثين المتقدمين والمتأخرين، ناشر آثار الأئمة الطاهرين، الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن ميرزا محمد علي النوري الطبرسي، من ثقات الاعيان، ومن اكابر علماء الامامية الاثني عشرية في اوائل القرن الرابع عشر الهجري ; فقيه، محدث، متتبع، مفسر، رجالي، عابد، زاهد، ورع، تقي، معروف بمقامه القدسي، والورع، والتقوى، والعبادة، والكمالات النفسانية، وليس له نظير في علم الحديث، والتفسير ومعرفة احوال وطبقات المحدثين والرواة، وتراجم احوال علماء الاسلام، وكان مهتماً بترويج احوال المذهب الجعفري، وتشييد مباني الطريقة الحقة الاثنى عشرية، ونشر آثار الائمة الاطهار عليهم السلام. وقلما وفق احد الى رتبته في الخدمات الدينية، وفي الحقيقة فانه كان تالي المحمدين الثلاثة، وثالث المجلسيين، بل كان بعض اعاظم اساتذة عصره يرجحونه على المجلسي ايضاً... الخ "(2).

7 ـ وقد عبّر عنه الامام السيد الخميني قدس سره الشريف:

" المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الاميرزا حسين النوري نوّر الله مرقده الشريف "(3).

8 ـ وقال صاحب الأعيان:

" كان عالماً فاضلا محدثاً متبحراً في علمي الحديث والرجال، عارفاً بالسير

____________

1- المآثر والآثار (اعتماد السلطنة): ص 156، الطبعة الحجرية.

2- ريحانة الادب: ج 3، ص 389.

3- الاربعين: مقدمة شرح الحديث الاول.


الصفحة 86

والتاريخ، منقّباً، فاحصاً، ناقماً على اهل عصره عدم اعتنائهم بعلمي الحديث والرجال، زاهداً، عابداً، لم تفته صلاة الليل، وكان وحيد عصره في الاحاطة والاطلاع على الاخبار والآثار والكتب الغريبة "(1).

9 ـ وقال العلامة المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره وقد نقل عن العلامة النوري قدس سره قصة امر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ابا بكر وعمر بقتل ذي الثدية للمرة الثانية فكان حالهما الامتناع عن تنفيذ امر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كما كانت حالهما في المرة الاولى:

" وذلك فيما حدثني من اثق به في فضله وورعه وتتبعه ان ابا بكر مرّ بهذا المارق بعد ان امر بقتله فكره قتله، فوجده يصلي في بعض الاودية حيث لايطلع عليه سوى الله تعالى فراقه خشوعه وتضرعه فحمد الله تعالى على عدم قتله... " الى آخر القصة، ثم قال السيد شرف الدين قدس سره: " هذا ما حدثني به من اعرفه بالتقصي فيالبحث والتنقيب يرسله لي ارسال المسلّمات، وقد فاتني سؤاله عن مصدر حديثه هذا " ثم ذكر انه بعد البحث عنه بنفسه وجد الحديث ومصدره.

ثم ذكر بالهامش ان هذا الذي يعرفه بالبحث والتنقيب (هو شيخ المحدثين في عصره، وصدوق حملة الآثار، شيخنا ومولانا الاورع الميرزا حسين النوري صاحب المستدركات على الوسائل)(2).

وعلى هذا المنوال كانت كلمات جميع من ذكره حتى اولئك الذين لم يرتضوه فانهم ذكروه بالتتبع والاستقصاء والفقاهة وانه كان وحيد عصره بالاحاطة والاطلاع على الاخبار وما الى ذلك.

*  *  *

____________

1- اعيان الشيعة: ج 6، ص 143.

2- النص والاجتهاد: ص 95 - 96.


الصفحة 87

منهجه العلمي

من يتتبع مؤلفات الشيخ النوري قدس سره وتلميذيه الشيخ عباس القمي قدس سره والشيخ آغا بزرگ الطهراني قدس سره يجد هناك وحدة منهج في اعمالهم، وانهم ينتمونالى منهج علمي واحد ولو ان بعض معالم المنهج قد تختلف شدة وضعفاً فيما بينهم.

ويمكن ايعاز التأثر الطبيعي بين الاستاذ وتلامذته، كما بينّا سابقاً فان قوة شخصية الاستاذ، اثرت بالعمق في الفكر والحياة العلمية لتلاميذه، حيث صور تلميذه الطهراني بان هناك وحدة بين تلاميذ النوري قدس سره حتى بعد وفاته وكأن دور الاستاذ قدس سره استمر بالعطاء بعد وفاته ايضاً، وقد انقضت على وفاته سنون طويلة، فالطهراني عندما يريد ان يكتب عن حياة احد زملائه الاجلاء وهو العلامة الشيخ عباس القمي قدس سره فانه ومن البداية يحدد علاقة القمي بالنوري ويعتبرها مسألة مهمة يلزم ابتداء الحديث بها، فيقول:

" هاجر الى النجف الاشرف فأخذ يحضر حلقات دروس العلماء الاّ انه لازم شيخنا الحجة الميرزا حسين النوري، وكان يصرف معه اكثر وقته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة بعض كتاباته، وكنت سبقته في الهجرة الى النجف بثلاث سنين، وفي الصلة بالمحدث النوري بسنتين حيث هاجر النوري الى النجف في سنة 1314 هـ...


الصفحة 88

ولا ازال اتذكر جيداً يوم تعرف المترجم له على شيخنا النوري واول زيارته له، كما اتذكر ان واسطة التعارف كان العلامة الشيخ علي القمي لأنه من اصحابه الاوائل ومساعديه الافاضل....

بقي المترجم له مع شيخنا النوري يقضي معظم اوقاته في خدمته واستنساخ مؤلفاته ومقابلة مسوداته، وقد استنسخ من كتبه خاتمة مستدرك الوسائل عندما ارسله الى ايران ليطبع، وكذا غيره من آثاره، وفي سنة 1318 هـ تشرف للحج وزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم... ثم رجع الى النجف وعاد الى ملازمة الشيخ النوري وحصل على الاجازة منه حتى توفي الاستاذ في سنة 1320 هـ.

بقيت الصلة بيننا نحن تلاميذ النوري فقد كانت حلقات دروس العلماء والمشاهير تجمعنا في الغالب... وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا ايضاً ونحن نواصلالقراءة على مشايخنا الاجلاء الآخرين... "(1).

ومع ان الفترة الزمنية التي لازموا بها شيخهم النوري قدس سره كانت قليلة بالنسبة الى السنين الكثيرة التي حضروا بها دروس العلماء والمشاهير، فانهم اصروا على ان يبقوا مفتخرين بانتمائهم الى النوري ومدرسته، وتجد الشيخ القمي يبقي انتمائه حتى بعد وفاته حيث يدفن (في الصحن الشريف في الايوان الذي دفن فيه شيخنا النوري وبالقرب منه)(2).

وكان طبيعياً ان يدرس الباحث لمدرسة النوري قدس سره العلمية من خلال تلاميذه الذين ينتمون اليه، والذين يعتبرون الامتداد الطبيعي لشخصيته العلمية وربما الاخلاقية، كما يفرض السير البحثي العلمي ان يدرس النوري بمنهجه العلمي من خلال مؤلفاته.

____________

1- نقباء البشر: ج 3، ص 998 - 999.

2- نقباء البشر: ج 3، ص 1000.


الصفحة 89

وهذا ما فعلناه سابقاً عند دراستنا منهج القمي قدس سره العلمي عندما كتبنا في حياته(1) وقد قلنا هناك: " ان تأثر هؤلاء الافذاذ به وبهذا المقدار الكبير من التأثر لم يكن عن عاطفة جوفاء وصداقة عابرة، بل لهم الحق في ذلك لانه اعطاهم كل وقته، ولم يترك شيئاً لنفسه دونهم بل فضلهم على نفسه وقدمهم على شخصه مع مقامه العلمي ووجاهته الاجتماعية "(2).

وقلنا هناك ايضاً:

" ان شخصية الاستاذ القوية، ومنهجه الايماني القويم، وجاذبيته الشخصية والمدرسية جذبت اولئك التلاميذ الافذاذ، وخرّجت علماءاً يبقى الزمن يفتخر بهم، ويبقى اتباع مذهب الحق يتباهون بوجود امثالهم كالشيخ القمي والشيخ الطهراني صاحب موسوعة الذريعة وغيرها "(3).

وخلاصة الكلام ان هناك ثلاثة مراجع يستفيد منها الباحث ليشخص معالم مدرسة الشيخ النوري:

1 ـ المرجع الاول مؤلفاته.

2 ـ المرجع الثاني تلاميذه الذين تخرجوا على يديه واعتزوا بانتمائهم اليه.

3 ـ المرجع الثالث اقوال العلماء في حقه.

وعند مراجعتنا لهذه المراجع الثلاث شخصنا هذه المعالم الاساسية لمدرسة النوري قدس سره، والتي ترجع الى عنصر واحد مشترك وهو اهتمامه بعلم الحديث وعلم الرجال. فكان (ناقماً على اهل عصره عدم اعتنائهم بعلمي الحديث والرجال)(4)، ولذلك اشتهر بلقب (خاتمة المحدثين)، مع حصوله على ملكة الاستنباط

____________

1- لمحة من حياة العلامة الشيخ عباس القمي قدس سره (المؤلف) مخطوط.

2- راجع: لمحة من حياة العلامة الشيخ عباس القمي قدس سره (المؤلف): ص 23، مخطوط.

3- راجع: لمحة من حياة العلامة الشيخ عباس القمي قدس سره (المؤلف): ص 19، مخطوط.

4- راجع اعيان الشيعة: ج 6، ص 143.


الصفحة 90

ورجوع البعض اليه برأيه ببعض القضايا التي تحتاج الى فتوى ورأي مستقل وقد عرفت عنه مميزات اختص بها دون علماء عصره اهمها:.

1 ـ تتبعه واستقصائه واحاطته بالاحاديث، وقد علمت مما تقدم من كلمات العلماء حقيقة ذلك، ولو راجعت اي كتاب من مؤلفاته. وبين يديك كتابه الرائع النجمالثاقب. تجده كالجالس على البحر يأخذ منه مايشاء ويترك مايشاء، وكانه يعمل بجهاز كمبيوتري احاط بجميع الاخبار في جميع مصادرها، وينقلب من روايات في باب الى رواية اخرى في باب اخر لايمت الى الباب الاول بصلة، وهذه الميزة قلما تجدها في غيره، وهذه الميزة بالخصوص جعلت بعض الاعاظم يصفهُ تالي المحمدين وثالث المجلسيين بل يقدمه على العلامة المجلسي قدس سره(1).

2 ـ كثرة تأليفاته، وقلما وفق احد الى ما وفق النوري قدس سره اليه بكثرة التأليف بعد العلامة المجلسي قدس سره صاحب البحار(2).

3 ـ احاطته بعلم الرجال، (وقد كان باعتراف جميع معاصريه رجالي عصره والوحيد بفنّه)(3).

ويشهد لذلك كتابه الجليل خاتمة المستدرك، فانه لايمكن لباحث في علم الرجال ان يغفل ما ورد فيه من آثار ومناقشات علمية سواءاً وافقه او خالفه فيها.

وقد جمع فيه احوال المتأخرين ومعاصريه وعزّ ان تجدها في غير كتبه، لذلك امست كتبه المصادر الاساسية في دراسة حياة العلماء المعاصرين له والمتقدمين عليه بفترات وجيزة.

____________

1 و 2- راجع ريحانة الادب: ج 3، ص 389.

3- راجع نقباء البشر: ج 2، ص 551.


الصفحة 91

4 ـ حفظه تراث اهل البيت عليهم السلام.

فان لتقادم الزمن، وبعد التاريخ عن مصادر الشريعة المقدسة سبب اختفاء، وضياع كثير من تلك الآثار الشريفة خصوصاً مالحق اتباع هذه المدرسة من المحنوالخطوب والمصائب الكثيرة التي سجلها المؤرخون لتلك الفترات الحرجة والمظلمة التي مرّ بها شيعة اهل البيت عليهم السلام. وبمراجعة دقيقة الى فهارس مؤلفات اصحابنا رضي الله تعالى عنهم تجد المقدار الكبير الذي فقدناه من تلك المؤلفات المهمة.

ومن جملة تلك الكتب الثمينة كتاب (مدينة العلم) للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى الذي يعدّ من الكتب الخمسة التي يرجع اليها في استنباط الاحكام الشرعية وهو بكبر كتاب (التهذيب) للشيخ الطوسي(1)، وقد اختفى بالكلية ولم يعد له اثر مع انه كان عند السيد ابن طاووس، وقد نقل منه في كتبه.

وقد احسّ المتأخرون في زمان العلامة المجلسي قدس سره بضرورة جمع ذلك التراث العظيم الذي هو الثقل الثاني (الاصغر)، فسعوا سعيهم وشكلوا اللجان من العلماء والفضلاء، واول واكبر عمل انجز على يد العلامة المجلسي قدس سره فخرج كتاب (بحار الانوار) وكتب السيد عبد الله شبر (جامع المعارف والاحكام) والشيخ عبد الله البحراني (عوالم العلوم والمعارف والاحوال من الآيات والاخبار والاقوال)، والحر العاملي جمع (وسائل الشيعة) والفيض الكاشاني (الوافي) والسيد هاشم البحراني في تفسيره الكبير (البرهان) وغيره ; ومع كل هذه الجهود العظيمة التي بذلها اولئك الافذاذ فقد فاتهم بعض تلك الاخبار لعدم حصولهم على بعض الكتب والتي اوصلها الله عزوجل الى العلامة النوري قدس سره، فشمّر عن ساعديه والّف موسوعاته التي

____________

1- في معالم العلماء (لابن شهرآشوب): ص 112، عندما عدّ مؤلفات الشيخ الصدوق قال: " مدينة العلم عشرة اجزاء " ـ وفي الفهرست (للشيخ الطوسي): ص 157: " وكتاب مدينة العلم أكبر مِنْ مَنْ لايحضره الفقيه ".


الصفحة 92

ضمنها تلك الاخبار الشريفة. حتى قال تلميذه الطهراني قدس سره: " وقد رافقه التوفيق واعانته المشيئة الالهية حتى ليظن الناظر في تصانيفه ان الله شمله بخاصة الطافه ومخصوص عنايته، وادخر له كنوزاً قيمة لم يظفر بها اعاظم السلف من هواة الاثارورجال هذا الفن، بل يخيّل للواقف على امره ان الله خلقه لحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام "(1).

وبطبيعي الحال فان جمع تلك الشاردات، وشتات الاخبار، وشذرات الحديث ونظم متفرقات الآثار، وتأليف شوارد السير، يلزم الجامع ان يتغافل عن اجتهاده ورأيه في الحديث ـ كما فعل ذلك من قبله ـ ويتركه الى الاخرين ليبدوا ارائهم فيه، وكما هي سنة السلف الصالح والسيرة الصالحة فان الجامع للاخبار عليه ان يبذل جهده بجمع تلك الروايات الشريفة ويقدمها للاجيال فلرب حديث ضعيف عند مجتهد صحيح عند غيره، ولرب حديث صحيح عند مجتهد ضعيف عند غيره خصوصاً في الاداب والاخلاق والسيرة والتاريخ.

وقد اتخذ البعض هذه المسألة نقطة ضعف في مؤلفات الشيخ النوري قدس سره وقال: " ان الغالب على تصانيفه كونها مؤلفة على نزعة اهل الحديث "(2).

ولسنا بصدد الدفاع عن الشيخ النوري قدس سره او انتقاده، فان المؤاخذة التي سجلت ليست ببعيدة، ولكنها ليست بهذا الشكل الواسع ايضاً ويكفي مراجعة اقوال العلماء التي نقلها تلميذه الطهراني وغيره عن كتبه وبالخصوص كتاب المستدرك، ويكفي كلمة العلامة المجدد الشيرازي قدس سره حول كتابه النجم الثاقب، فان كتبه وان حوت بعض الروايات الغريبة او الضعيفة والضعيفة جداً فان فيها من قوة التتبع والاحاطة والبرهان العلمي ما جعل باقي العلماء يمجدونها ويعدونها في مصادرهم

____________

1- راجع نقباء البشر: ج 2، ص 545.

2- حاشية الانوار النعمانية: ج 2، ص 65.


الصفحة 93

الاولى المحترمة.

والمنهج العلمي يلزمنا اتخاذ الخط الوسط دائماً بين الافراط والتفريط. نعم اذااخرجنا كتابه (فصل الخطاب) الذي كان عليه أن لا يكتبه ولا يعدّه في مؤلفاته وكان عليه ان يجمعه ويتلفه ـ فسوف تبقى كتبه الاخرى شاهداً على منهجه العلمي الذي خدم به تراث آل محمد عليهم السلام من الضياع، ولكن ضمن الملاحظة المتقدمة ان فيها ما يعدّ بالضعاف والغرابة، ولكن قلما يخلو كتاب عند الخاصة والعامة من ذلك.

ولانردّ على اولئك الذين اتهموه بالاخبارية فانهم لم يراجعوا كتبه واقوال العلماء فيه، والاّ فان اصوليته واجتهاده مسلّمة وطريقته بالاستنباط التي هي طريقة المجتهدين، ولعل الشبهة جاءت من كتابه فصل الخطاب، او من كتاب المستدرك، والاثنان لايثبتان باي وجه من الوجوه مدعاهم، فاما في فصل الخطاب فانه لايقول بالتحريف الذي يقول به الاخباريون بل ويرفضه، وانه لايسلب الحجية من ظواهر الكتاب الكريم بل هو كباقي الاصوليين يقول بحجية ظواهر الكتاب الكريم.

5 ـ احياؤه لسنة الاجازة في الرواية.

الاجازة: " هو الكلام الصادر عن المجيز المشتمل على انشائه الاذن في رواية الحديث عنه بعد اخباره اجمالا بمروياته، ويطلق شائعاً على كتابة هذا الاذن المشتملة على ذكر الكتب والمصنفات التي صدر الاذن في روايتها عن المجيز اجمالا او تفصيلا، وعلى ذكر المشايخ الذين صدر للمجيز الاذن في الرواية عنه، وكذلك ذكر مشايخ كل واحد من هؤلاء المشايخ طبقة بعد طبقة الى ان تنتهي الأسانيد الى المعصومين عليهم السلام "(1).

ونشأت الاجازة من العصور المتقدمة لاخذ الرواية، وعرف استعمالها بين

____________

1- الذريعة: ج 1، ص 131.