المكتبة العقائدية » النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب - (ج 1) (لـ حسين الطبرسي النوري)



الصفحة 137

تسبق بها الشيعة في الموالاة بها، بسر اطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة فكتب كتاباً لطيفاً بخط رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه واخرج شقيقة صفراء فيها مائتان وعشرون ديناراً، فقال خذها وتوجه بها الى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوةً يوم كذا، فاذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشرذمة من فتيان العرب فاذا رأيت ذلك فاشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى ان تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا لابسة حريرين صفيقين تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق (فاعلم) أنها تقول: وا هتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين: علي ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول له بالعربية: ولو برزت في زي سليمان بن داوُد وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فاشفق على مالك، فيقول النخاس: فما الحيلة ولابد من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولابد من اختيار مبتاع يسكن قلبي اليه وإلى وفائه وامانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له: أن معك كتاباً ملصقاً لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه فإنْ مالت اليه ورضيَتْهُ فأنا وكيله في ابتياعها منك.

قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حده لي مولاي ابو الحسن عليه السلام في أمر الجارية (فلما نظرت) في الكتاب بكت بكاءً شديداً وقالت لعمر بن يزيد بعني لصاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة والمغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان اصحبنيه مولاي عليه السلام من الدنانير فاستوفاه مني وتسلمت الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى الحجيرة التي كنت آوى اليها ببغداد فما اخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولانا عليه السلام من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدها


الصفحة 138

وتمسحه على بدنها، فقلت تعجباً منها: تلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه؟ فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الانبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون أنبئك بالعجب: إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهي ملكه عرشاً مصنوعاً من اصناف الجوهر الى صحن القصر، ورفعه فوق اربعين مرقاة، فلما صعد ابن أخيه واحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكفاً ونشرت اسفار الانجيل تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوضت اعمدة العرش فانهارت إلى القرار، وخر الصاعد من العرش مغشياً عليه فتغيرت الوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدي: أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال دولة هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني فتطير جدي من ذلك تطيراً شديداً (وقال) للأساقفة أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جده لأزوجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتماً فدخل منزل النساء وأرخيت الستور وأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبراً من نور يباري السماء علواً وارتفاعاً في الموضع الذي كان نصب جدي فيه عرشه، ودخل عليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وختنه ووصيه وعدة من ابنائه عليهم السلام، فتقدم المسيح إليه فاعتنقه، فيقول له محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا ـ وأومأ بيده إلى أبي محمد عليه السلام ابن صاحب هذا الكتاب ـ فنظر المسيح الى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك رحم


الصفحة 139

آل محمد عليهم السلام قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر فخطب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وزوجني من ابنه وشهد المسيح عليه السلام وشهد أبناء محمد عليهم السلام والحواريون.

فلما استيقظت أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل فكنت أسرها ولا أبديها لهم وضرب صدري بمحبة أبي محمد عليه السلام حتى امتنعت من الطعام والشراب فضعفت نفسي ودق شخصي، ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي في مدائن الروم طبيب الاّ أحضره جدي وسأله عن دوائي فلما برح به اليأس (قال:) يا قرة عيني وهل يخطر ببالك شهوة فازودكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم الخلاص رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية، فلما فعل ذلك تجلدت في اظهار الصحة من بدني قليلا وتناولت يسيراً من الطعام فسر بذلك وأقبل على اكرام الأسارى واعزازهم، فأريت بعد أربع عشرة ليلة كأن سيدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمد عليه السلام فأتعلق بها وأبكي واشكو اليها امتناع أبي محمد عليه السلام من زيارتي، فقالت سيدة النساء عليها السلام: إن ابني أبا محمد لا يزورك وانت مشركة بالله على مذهب النصارى، وهذه اختي مريم بنت عمران تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإنْ ملت إلى رضاء الله ورضاء المسيح ومريم عليهما السلام وزيارة أبي محمد اياك فقولي: اشهد أن لا اله الّا الله وان أبي محمد رسول الله. فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين وطيبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد فاني منفذته اليك، فانتبهت وأنا اقول وأتوقع لقاء أبي محمد عليه السلام، فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد عليه السلام وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن اتلفت نفسي معالجة حبك، فقال: ما كان تأخري عنك الاّ لشركك، فقد اسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه


الصفحة 140

الغاية.

(قال بشر) فقلت لها: وكيف وقعت في الأسارى؟ فقالت: أخبرني ابو محمد عليه السلام ليلة من الليالي أن جدك سيسير جيشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا ثم يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت ذلك فوقعت علينا طلايع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر بأنّي ابنة ملك الروم الى هذه الغاية أحد سواك، وذلك باطلاعي اياك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت اليه في سهم الغنيمة عن اسمي فقلت نرجس، فقال: اسم الجواري.

قلت: العجب انك رومية ولسانك عربي، قالت: نعم من ولوع جدي وحمله اياي على تعلم الآداب أن اوعز إلى امرأة ترجمانة لي في الاختلاف الي وكانت تقصدني صباحاً ومساء وتفيدني العربية حتى استمر لساني عليها واستقام.

(قال بشر:) فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولاي ابي الحسن عليه السلام فقال: كيف أراك الله عز الاسلام وذل النصرانية وشرف محمد وأهل بيته عليهم السلام؟

قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني، قال: فاني أحببت أن اكرمك، فما أحب اليك عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد؟ قالت: بشرى بولد لي، قال لها: ابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً ويملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، قالت: ممن؟ قال: ممن خطبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية، قالت: من المسيح ووصيه؟ قال لها: ممن زوجك المسيح عليه السلام ووصيه، قالت: من ابنك أبي محمد عليه السلام؟ فقال: هل تعرفينه؟ قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء صلوات الله عليها.

قال: فقال مولانا: يا كافور أدع اختي حكيمة، فلما دخلت قال لها: ها هية،


الصفحة 141

فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيراً، فقال لها ابو الحسن عليه السلام: يا بنت رسول الله خذيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فانها زوجة أبي محمد وأم القائم(1).

ذكر ولادته عليه السلام:

روى جماعة من قدماء الاصحاب مثل أبي جعفر الطبري، والفضل بن شاذان، والحسين بن حمدان الحضيني، وعليّ بن الحسين المسعودي، والشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وغيرهم كيفية ولادته بعدة اسانيد صحيحة وغيرها عن حكيمة.

وروى الصدوق ذلك بسندين عاليين، احدهما عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عليهما السلام عن حكيمة بنت الجواد عليه السلام، والآخر عن محمد بن عبد الله عن حكيمة، والمتن بمضمون واحد، ولكن بما أن الثاني اكثر تفصيلا فلذلك نذكر الخبر بلفظه مع الاشارة إلى الفوارق بينهما في محلها.

روى محمد بن عبد الله المطهري، قال: قصدت حكيمة بنت محمد عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي فيها فقالت لي: اجلس فجلست ثم قالت لي: يا محمد! إنّ الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجّة ناطقة أو صامتة ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين تفضيلا للحسن والحسين عليهما السلام وتمييزاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما إلا أنّ الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن كما خصّ ولد هارون على ولد موسى وإن كان موسى حجة على هارون والفضل لولده [ أي ولد الحسين عليه السلام ]إلى يوم القيامة، ولابدّ للأمّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلّص فيها المحقّون، لئلا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرسل، وإن الحيرة لابدّ واقعة بعد مضي أبي

____________

1- الغيبة (الشيخ الطوسي): ص 124 - 128.


الصفحة 142

محمد الحسن عليه السلام.

فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن عليه السلام ولد فتبسّمت ثم قالت لي: إذا لم يكن للحسن عليه السلام عقب فمن الحجة من بعده؟ وقد أخبرتك انّ الامامة لا تكون لأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام، فقلت: يا سيّدتي حدّثيني بولادة مولاي وغيبته عليه السلام. قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي عليه السلام وأقبل يحدّ النظر اليها، فقلت له: يا سيّدي لعلّك هويتها فأرسلها اليك؟ فقال: لا يا عمّة لكنّي أتعجّب منها، فقلت: وما أعجبك؟ فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عزوجل الذي يملأ الله الأرض به عدلا وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها اليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن فسلّمت وجلست، فبدأني عليه السلام وقال: يا حكيمة ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمد، قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن أستأذنك في ذلك، فقال: يا مباركة انّ الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً.

قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمد وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أيّاماً ثمّ مضى الى والده ووجّهت بها معه.

قالت حكيمة: فمضى ابو الحسن عليه السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفّي وقالت: يا مولاتي ناوليني خفّك، فقلت: بل أنت سيّدتي ومولاتي والله لا دفعت اليك خفّي لتخلعيه ولا خدمتيني بل أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله خيراً يا عمّة فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس، فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف [ ومن هنا تبتدئ رواية موسى(1)، وكذلك رواية

____________

1- وهي الرواية الاُولى التي رواها الصدوق في كمال الدين: ص 424.


الصفحة 143

محمد المتقدّم، في غيبة الشيخ الطوسي.

وفي الاُولى(1) هكذا:

قالت حكيمة: بعث اليّ ابو محمد الحسن بن عليّ عليه السلام فقال: يا عمة اجعلي افطارك الليلة عندنا فانّها ليلة النصف من شعبان...

وفي الثانية(2):

قالت حكيمة(3): بعث اليّ أبو محمد عليه السلام سنة خمس وخمسين ومائتين في النصف من شعبان وقال: يا عمّة... ](4).

وفي الرواية الاُولى(5):

يا عمّتاه بِتي الليلة عندنا(6) فانّه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزوجل(7) الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.

فقلت: ممّن يا سيدي [ ولست أرى بنرجس شيئاً من اثر الحمل ](8)؟

____________

1- أي رواية موسى في كمال الدين.

2- أي رواية محمد بن عبد الله المطهري التي في غيبة الشيخ الطوسي.

3- قد نقلنا الترجمة والّا في الأصل: ففي الاولى: عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدّثتني حكيمة بنت محمد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قالت... الخ ـ وفي الثانية: عن محمد بن عبد الله المطهري عن حكيمة بنت محمد بن عليّ الرضا قالت... الخ.

4- وضعنا هذا القوس لأجل ان توصل بقية الرواية فيها، والاّ فلا يوجد القوس في الاصل.

5- وهي الرواية بالسند الثاني عند الصدوق عن محمد بن عبد الله المطهري المتقدمة.

6- في الترجمة زيادة (لأنّها ليلة النصف من شعبان).

7- في الترجمة زيادة (وحجته على خلقه).

8- سقطت هذه الزيادة من الترجمة.


الصفحة 144

فقال: من نرجس(1).

وبرواية الشيخ:

يا عمّة اجعلي الليلة افطارك عندي فانّ الله عزوجل سيسرك بوليّه وحجته على خلقه خليفتي من بعدي.

قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد واخذت ثيابي عليّ وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السلام وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله، فقلت: جعلت فداك يا سيدي، الخلف ممّن هو؟

قال: من سوسن.

فأدرت طرفي فيهنّ فلم أر جارية عليها اثر غير سوسن(2).

وفي الرواية الاُولى:

يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من اثر الحبل.

فقال: من نرجس لا من غيرها.

قالت: فوثبت اليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثر حبل.

فعدت اليه عليه السلام فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لأنّ مثلها مثل أم موسى عليه السلام لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها احدٌ إلى وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى عليه السلام، وهذا نظير موسى عليه السلام.

قالت حكيمة: فعدت اليها فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا.

وعلى رواية الحسين بن حمدان الحضيني في الهداية عن غيلان الكلابي وموسى

____________

1- كمال الدين (الصدوق): ص 427.

2- الغيبة (الطوسي): ص 141.


الصفحة 145

بن محمد الرازي واحمد بن جعفر الطوسي وغيرهم من حكيمة...(1).

ورواية علي بن الحسين المسعودي في (اثبات الوصية) عن جماعة من شيوخ العلماء منهم علان الكليني(2) وموسى بن محمد الغازي واحمد بن جعفر بن محمد بأسانيدهم: انّ حكيمة... كانت تدخل على ابي محمد عليه السلام فتدعو له أن يرزقه الله ولداً.

وانها قالت: دخلت عليه يوماً فدعوت له كما كنت ادعو، فقال لي: يا عمّة الذي تدعين الى الله أن يرزقنيه يولد في هذه الليلة ـ وكانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(3) ـ المولود الذي كنّا نتوقعه فاجعلي افطارك عندنا ـ وكانت ليلة الجمعة ـ فقلت له: ممن يكون هذا المولود العظيم يا سيدي؟ فقال: من نرجس يا عمّة.

قالت: يا سيدي ما في جواريك أحبّ اليّ منها ولا أخفّ على قلبي، وكنت إذا دخلتُ الدار تتلقاني وتقبّل يدي وتنزع خفي بيدها، فلما دخلت اليها فعلت بي كما كانت تفعل، فانكببْتُ على يدها وقبلتها ومنعتها مما كانت تفعله، فخاطبتني بالسيادة، فخاطبتها بمثله، فخاطبتها بمثله، فقالت لي: فديتك، فقلت لها: أنا فداك وجميع العالمين، فأنكرت ذلك، فقلت لها: لا تنكري فإنّ الله سيهب لك في هذه الليلة غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة وهو فرج المؤمنين، قالت: فاستحيت فتأملتها وقلت لسيدي أبي محمّد عليه السلام: أني لست أرى بها أثر حمل؟ فتبسم صلى الله عليه وقال لي:

____________

1- الهداية الكبرى: ص 355 ـ الطبعة الاُولى بيروت.

2- في المطبوع (علان الكلابي) ولعله واحد وهو علان الكليني.

3- قال المؤلف النورى: " هذا التاريخ مطابق لما في الكتاب الأخير (وهو أثبات الوصية)، وأما في الكتاب الاول (أي الهداية) فهو على النحو السابق الذي ذكرناه " وقد ذكر المؤلف هذا المقطع في الأصل ورأينا وضعه في الهامش أنسب. وأما ما قاله الحضيني في الهداية: " وكانت ليلة الجمعة لثمان ليال خلت من شهر شعبان سنة سبع وخمسين ومائتين من الهجرة ".


الصفحة 146

أنّا معاشر الأوصياء لا نُحمل في البطون، ولكنّا نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام، وانما نخرج من الفخذ الأيمن من أمّهاتنا ; لأننا نور الله الذي لا تناله الدناسات، فقلت له: يا سيدي لقد أخبرتني انّه يولد في هذه الليلة ففي أيّ وقت منها؟ فقال لي: في طلوع الفجر يولد المولود الكريم على الله إن شاء الله تعالى(1).

وفي الرواية الاُولى:

فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي.

وبرواية الشيخ الطوسي:

فلمّا أن صلّيت المغرب والعشاء الآخرة أتيت بالمائدة فأفطرت أنا وسوسن وبايتُّها في بيت واحد.

وفي الرواية الاُولى:

فلمّا أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة لا تقلب جنباً إلى جنب.

وبرواية موسى:

ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقبة ثم اضطجعت ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلّت ونامت.

قالت حكيمة: وخرجت اتفقّد الفجر، فاذا أنا بالفجر الاول كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد عليه السلام من المجلس فقال لا تعجلي يا عمّة فهاك الأمر قد قرب.

قالت: فجلست وقرأت الم السجدة، ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة،

____________

1- اثبات الوصية: ص 218، طبعة قم 1404 هـ ـ الهداية الكبرى: ص 355 ـ مدينة المعاجز عن الهداية: ص 588، الطبعة الحجرية، وقد نقلنا النصّ طبق ما في الترجمة وجمعناه من الكتب الثلاثة، ويبدو انّ المؤلف رحمه الله عمل ذلك والله العالم.


الصفحة 147

فوثبت اليها وضممتها إلى صدري، فقلت: اسم الله عليك.

ثم قلت لها: أتحسّين شيئاً؟

قالت: نعم يا عمة.

فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.

فأخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحسّ سيدي فكشفت الثوب عنه، فاذا أنا به عليه السلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده، فضممته اليّ فاذا به نظيف متنظف.

وفي الرواية الاُولى:

وَثَبَتْ فزعة فضممتها إلى صدري وسمّيت عليها، فصاح أبو محمد عليه السلام وقال: اقرئي عليها إنا أنزلناه في ليلة القدر، فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ وسلّم عليّ قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمد عليه السلام: لا تعجبي من أمر الله عزّ وجلّ، أن الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتمّ الكلام حتى غيّبت عنّي نرجس فلم أرها كأنّه ضرب بيني وبينها حجاب! فعدوت نحو أبي محمد عليه السلام وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمة فانّك ستجدينها في مكانها، قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، واذا أنا بالصبي عليه السلام ساجداً على وجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبّابتيه نحو السماء وهو يقول: أشهد أن لا اله الاّ الله وحده لا شريك له وانّ جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وانّ ابي أمير المؤمنين ثمّ عدّ اماماً اماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، فقال عليه السلام: اللهم أنجز لي وعدي وأتمم لي أمري وثبّت وطأتي واملأ الأرض بي عدلا وقسطاً.


الصفحة 148

وفي رواية:

رأت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ افق السماء، ورأت طيوراً بيضاء تهبط من السماء وتمسح اجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير(1).

قالت السيدة حكيمة:

فصاح أبو محمد الحسن عليه السلام: يا عمّة تناوليه فهاتيه.

وبرواية المسعودي والحضيني بعد ذكر النوم الاضطراري الذي وقع على السيدتين، قالت السيدة حكيمة:

فلم تنتبه إلاّ بحس مولاي وسيدي تحتها وبصوت أبي محمد عليه السلام وهو يقول يا عمتي هات ابني اليّ.

فكشفت عن سيدي صلى الله عليه فاذا أنا به ساجداً منقلباً إلى الأرض بمساجده، وعلى ذراعه الايمن مكتوب: " جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً " فضممته اليّ فوجدته مفروغاً منه يعني مطهر الختانة ولففته في ثوب.

وفي رواية موسى:

فجئت به اليه، فوضع يديه تحت اليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثمّ ادلى لسانه في فيه وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: تكلم يا بني.

وفي رواية المسعودي:

فأخذه وأقعده على راحته اليسرى وجعل يده اليمنى على ظهره... ثم قال: تكلم يا بني.

فقال [ الامام الحجة عليه السلام ]:

اشهد أن لا اله إلاّ الله وحده لا شريك له وان محمداً رسول الله ثم صلّى على

____________

1- كمال الدين (الصدوق): ص 431، باب 43، ما روي في ميلاد القائم عليه السلام، ج 7.


الصفحة 149

أمير المؤمنين وعلى الائمة عليهم السلام إلى أن وقف على ابيه ثم احجم.

وفي رواية المسعودي والحضيني بعد رسول الله: وان علياً أمير المؤمنين، ثم لم يزل يعد السادة الاوصياء صلى الله عليهم إلى أن بلغ إلى نفسه فدعا لأوليائه على يديه بالفرج(1).

وفي رواية الشيخ الطوسي:

فتناوله واخرج لسانه فمسحه على عينينه ففتحهما ثم ادخله في فيه فحنكه ثم أدخله في اذنيه وأجلسه في راحته اليسرى فاستوى ولي الله جالساً فمسح يده على رأسه، وقال له: يا بني انطق بقدرة الله(2).

وفي رواية الحافظ البرسي في مشارق الانوار:

عن الحسن بن محمد عن حكيمة قالت: فجئت به إلى [ ابن اخي ] الحسن [ بن علي ] عليهما السلام، فمسح يده الشريفة على وجهه [ الأنور الذي هو نور الأنوار ]وقال: تكلم يا حجة الله وبقية الأنبياء [ ونور الأصفياء وغوث الفقراء ]وخاتم الاوصياء [ونور الاتقياء ] وصاحب الكرة البيضاء(3) فقال: اشهد أن لا اله الاّ الله [ وحده لا شريك له ] واشهد ان محمداً عبده ورسوله واشهد أن علياً ولي الله. ثم عدّ الأوصياء.

فقال له الحسن: اقرأ. [ فقرأ ] ما نزل على الانبياء فابتدأ بصحف ابراهيم فقرأها بالسريانية، ثم قرأ كتاب نوح وادريس وكتاب صالح وتوراة موسى، وانجيل عيسى، وفرقان محمد صلى الله عليه وعليهم اجمعين، ثم قصّ قصص الانبياء(4).

____________

1- اثبات الوصية (المسعودي): ص 220.

2- الغيبة (الطوسي): ص 141 ـ 142.

3- في المصدر هنا زيادة (والمصباح من البحر العميق الشديد الضياء، تكلم يا خليفة الاتقياء، ونور الاوصياء).

4- مشارق انوار اليقين: ص 101 ـ 102، وما في الاقواس زيادة في الترجمة ولعلها زيادة في نسخة المؤلف التي نقل منها.


الصفحة 150

وفي رواية الشيخ الطوسي:

فاستعاذ وليّ الله عليه السلام من الشيطان الرجيم واستفتح: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ اَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ اَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنْ لَهُمْ فِى الاَْرْضِ وَنرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون } وصلّى على رسول الله، وعلى أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبيه.

[ قالت حكيمة ](1): فناولنيه ابو محمد عليه السلام وقال: يا عمة ردّيه إلى امّه حتى تقرّ عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكنّ اكثر الناس لا يعلمون.

فرددته إلى امّه وقد انفجر الفجر الثاني فصليت الفريضة وعقبت إلى أن طلعت الشمس ثم ودّعت ابا محمد عليه السلام وانصرفت إلى منزلي(2).

وفي رواية موسى:

ثم قال ابو محمد عليه السلام: يا عمّة اذهبي به إلى امّه ليسلّم عليها وائتيني به.

[ قالت حكيمة ](3): فذهبت به، فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس.

ثم قال: يا عمة إذا كان اليوم السابع فأتينا.

قالت حكيمة: فلمّا اصبحت جئت لأسلِّم على ابي محمد عليه السلام، وكشفت الستر لاتفقد سيدي عليه السلام فلم أرَه، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي؟

فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته (أم موسى) موسى عليه السلام(4).

____________

1- هذه الزيادة ليست في المصدر، وانما في الترجمة.

2- الغيبة (الطوسي): ص 140 ـ 142.

3- هذه الزيادة ليست في المصدر، وانما في الترجمة.

4- كمال الدين (الصدوق): ص 425.


الصفحة 151

وفي الرواية الاُولى:

فصاح ابو محمد الحسن عليه السلام فقال: يا عمّة تناوليه وهاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلمّا مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي سلّم على ابيه فتناوله الحسن عليه السلام والطير ترفرف على رأسه... فصاح بطير منها فقال له: احمله واحفظه وردّه الينا في كل اربعين يوماً، فتناوله الطير وطار به في جو السماء واتبعهُ سائر الطير فسمعت ابا محمد يقول: أستودعك الذي استودعته أم موسى، فبكت نرجس، فقال لها: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه الاّ من ثديك وسيعاد اليك كما ردّ موسى إلى امّه وذلك قوله عزّ وجلّ: { فَرَدَدْنَاهُ اِلى اُمِّهِ كَىْ تَقَر عَيْنهَا وَلاَ تَحْزَن }.

قالت حكيمة: فقلت: ما هذا الطير قال: هذا روح القدس الموكل بالائمة عليهم السلام يوفّقهم ويسدّدهم ويربّيهم بالعلم(1).

وفي رواية المناقب القديمة:

أنه طلب من بعض جواريه التي كانت تعلم، أن تستر خبر هذا المولود، ثم نظر إلى هذا المولود الكريم وقال له سلّم عليها، ثم قبله وقال: استودعتك الله، ورجع وقال: يا عمة، اطلبي نرجس، فطلبتها. وقال: لا تطلبيها حتى تودعه، فودعته ورجعت، وتركناه مع ابيه ورجعنا.

فلما اصبحت جئت لأسلّم عليه فلم أرَه فتعجبت، فقال: يا عمّة أنه في وديعة الله حتى يأذن الله في الخروج(2).

وفي رواية الشيخ الطوسي:

[ قالت حكيمة ]: فلمّا كان في اليوم الثالث اشتدّ شوقي إلى وليّ الله فأتيتهم

____________

1- كمال الدين (الصدوق): ص 428 ـ 429.

2- لم نجد هذا الكتاب القديم فلذلك ترجمنا الرواية من الاصل الفارسي مع انها تشبه الرواية التي رواها الصدوق والطوسي.


الصفحة 152

عائدة فبدأت بالحجرة التي فيها الجارية فاذا بها جالسة في مجلس المرأة النفساء وعليها اثواب صفر وهي معصبة الرأس، فسلّمت عليها والتفتّ إلى جانب البيت واذا بمهد عليه اثواب خضر، فعدلت إلى المهد ورفعت عنه الاثواب فاذا أنا بولي الله نائم على قفاه غير مخروم ولا مقموط، ففتح عينيه وجعل يضحك ويناجيني باصبعه، فتناولته وادنيته إلى فمي لأقبله فشممت منه رائحة ما شممت قط أطيب منها.

وناداني ابو محمد عليه السلام: يا عمتي هلمي فتاي اليّ فتناوله، وقال: يا بني انطق... وذكر الحديث، قالت: ثمّ تناولته منه وهو يقول: يا بني استودعك الذي استودعته ام موسى ; كن في دعة الله وستره وكنفه وجواره.

وقال ردّيه إلى امّه يا عمة، واكتمي خبر هذا المولود علينا، ولا تخبري به احداً حتى يبلغ الكتاب اجله.

فأتيت [ به ] أمّه وودعتهم(1).

وفي رواية موسى:

قال عليه السلام: يا عمة إذا كان اليوم السابع فأتينا.

..... قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت فسلّمت وجلست، فقال: هلمّي اليّ ابني، فجئت بسيدي عليه السلام وهو في الخرقة [ وبرواية الشيخ الطوسي والحضيني والمسعودي في ثياب صفر ] ففعل به كفعلته الاولى، ثمّ ادلى لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً أو عسلا، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: اشهد أن لا اله إلاّ الله وثنّى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين حتى وقف على ابيه عليه السلام ثم تلا هذه الآية: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ اَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ اَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنْ لَهُمْ فِى الاَْرْضِ

____________

1- الغيبة (الطوسي): ص 143.


الصفحة 153

وَنرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون }(1).

وفي رواية الحضيني، انّه عليه السلام قال له بعد تلاوة هذه الآية:

اقرأ يا بني مما انزل الله على انبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية، وكتاب ادريس، وكتاب نوح، وكتاب هود، وكتاب صالح، وصحف ابراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وانجيل عيسى، وفرقان جدي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ثم قصّ قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده(2).

وفي الرواية الأولى:

قالت حكيمة: فلمّا أن كان بعد اربعين يوماً ردّ الغلام ووجّه اليّ ابن اخي عليه السلام فدعاني فدخلت عليه فاذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت: سيدي هذا ابن سنتين! فتبسّم عليه السلام ثم قال: انّ أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وانّ الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإن الصبي منّا ليتكلّم في بطن أمّه ويقرأ القرآن ويعبد ربّه عزّ وجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء.

قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي كل اربعين يوماً إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمد عليه السلام بأيّام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمد عليه السلام: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس وهو خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي، قالت حكيمة: فمضى أبو محمد عليه السلام بعد أيام قلائل وافترق الناس كما ترى ووالله اني لأراه صباحاً ومساء وأنه لينبئني عما تسألوني عنه فأخبركم، ووالله اني لأريد أن اساله عن الشيء فيبدؤني به، وإنه ليرد على الأمر فيخرج إلى منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، وقد اخبرني البارحة

____________

1- كمال الدين (الصدوق): ص 425 ـ 426.

2- الهداية الكبرى: ص 356.


الصفحة 154

بمجيئك اليّ وامرني أن اخبرك بالحق.

قال محمد بن عبد الله: فو الله لقد اخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها أحد إلاّ الله عزّ وجل، فعلمت أن ذلك صدق وعدل من الله عزّ وجل وان الله عزّ وجل قد أطلعه على ما لم يطلع عليه احداً من خلقه(1).

وفي رواية المسعودي والحضيني:

[ قالت حكيمة ]: فلمّا كان بعد اربعين يوماً دخلت دار ابي محمد عليه السلام فاذا بمولانا صاحب الزمان يمشي في الدار فلم أر وجهاً أحسن من وجهه عليه السلام ولا لغة افصح من لغته.

فقال لي ابو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عز وجل.

قلت له: يا سيدي له اربعون يوماً وانا أرى من أمره ما أرى؟

فقال عليه السلام: يا عمتي أمَا علمت انّا معاشر الاوصياء ننشّؤ في اليوم ما ينشّؤ غيرنا في الجمعة، وننشّؤ في الجمعة ما ينشّؤ غيرنا في السنة؟

فقمت فقبّلت رأسه، فانصرفت، فعدت، وتَفَقَّدتُهُ فلم أرَه، فقلت لسيدي ابي محمد عليه السلام: ما فعل مولانا؟

فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى عليه السلام(2).

وفي رواية الحضيني:

ثم قال عليه السلام: لما وهب لي ربي مهديّ هذه الامة ارسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف بين يدي الله عز وجل.

فقال له: مرحباً بك عبدي لنصرة ديني، وإظهار أمري، ومهديّ عبادي، آليت اني بك آخذ، وبك اعطي، وبك اغفر، وبك اعذّب ; اردداه ايها الملكان ردّاه

____________

1- كمال الدين (الصدوق): ص 429.

2- الهداية الكبري: ص 356 - 357 ـ واثبات الوصية (المسعودي): ص 220.


الصفحة 155

ردّاه على ابيه ردّاً رفيقاً، وابلغاه فانّه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن احق به الحق وازهق به الباطل، ويكون الدين لي واصباً(1).

ثم قال الامام الحسن عليه السلام(2): لما خرج صاحب الزمان عليه السلام من بطن امّه سقط جاثياً على ركبتيه رافعاً بسبابتيه ثم عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله عبداً ذاكراً لله غير مستنكف ولا مسكتبر. ثم قال: زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة لو اذن لنا لزال الشك(3).

والذي يستفاد من سياق رواية الحضيني أن ذيلها المشتمل على حمله إلى السماء انما هو من تتمة خبر السيدة حكيمة، ولكن ظاهر المسعودي في اثبات الوصية أن خبر حكيمة يتم عند قوله عليه السلام: استودعناه... الخ ; لأنه نقل بعد ذلك: " وحدثني موسى بن محمد أنه قرأ المولد عليه عليه السلام فصححه وزاد فيه ونقص وتقرر بالروايات على ما ذكرناه "(4).

يعني حديث الولادة مع ما كتب في هذا الباب، صحح أكثره على الامام الحسن العسكري عليه السلام.

وروي عن الامام الحسن عليه السلام أنه قال: لما ولد الصاحب عليه السلام بعث الله عز وجل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف بين يدي الله.

____________

1- الهداية الكبرى: ص 357 ـ وعنه في البحار: ج 51، ص 27.

2- هكذا ذكره المؤلف في ترجمته ولكن في البحار: ج 51، ص 27 (ثم قالت) ـ وفي الهداية الكبرى: ص 357 ذكر الحديث باسناده عن نسيم ومارية قالا ـ وفي اثبات الوصية (المسعودي): ص 221 كذلك ـ ونفس الرواية رواها الصدوق في كمال الدين: ص 430 عن نسيم ومارية قالتا.

فالظاهر ان نقله الرواية عن الامام الحسن عليه السلام من سهو القلم والله اعلم.

3- الهداية الكبرى: ص 357 - 358 ـ وفي البحار: ج 51، ص 27 - 28 ـ وفي كمال الدين: ص 430، باختلاف يسير.

4- اثبات الوصية: ص 220.