المكتبة العقائدية »  (لـ )



الصفحة 74
إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في البَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِمُ الاَْمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلاَحِهمْ في بِلاَدِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَو ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْب(1) لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ(2).

اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّوني، وَسَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُوني، فَأَبْدِلنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وأَبْدِلُهمْ بِي شَرَّاً مِنِّى، اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ(3) كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، أَمَاوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلفَ فَارِس مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْم.

هُنَالِكَ، لَوْ دَعَوْتَ، أَتَاكَ مِنْهُمْ * فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيم

ثم نزل(عليه السلام) من المنبر.

قلتُ أنا: والارمية جمع رَميٍّ وهو: السحاب، والحميم في هذا الموضع: وقت الصيف، وإنما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذكر لانه أشد جفولاً، وَأسرع خُفوفاً(4)، لانه لا ماء فيه، وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء، وذلك لا يكون في الاكثر إلا زمان الشتاء، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دُعوا، والاغاثة إذا استغيثوا، والدليل على ذلك قوله: «هنالك، لو دعوت، أتاك منهم...».

____________

1. القَعْب ـ بفتح القاف ـ: القدح الضخم.

2. عِلاقة القَعْب ـ بكسر العين ـ: مايعلق منه من ليف أونحوه.

3. مِثْ قلوبهم: أَذِبْها، ماثه يميثه: أذابه.

4. خُفُوفاً: مصدر غريب لخَفّ بمعنى انتقل وارتحل مسرعاً، والمصدر المعروف «خفّاً».


الصفحة 75

[ 26 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها يصف العرب قبل البعثة ثم يصف حاله قبل البيعة له]

[العرب قبل البعثه]

إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَار، مُنِيخُونَ(1) بَيْنَ حِجارَة خُشْن(2)، وَحَيَّات صُمٍّ(3)، تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ(4)، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الاَْصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالاْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ(5).

منها:

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهمْ عَنِ المَوْتِ،

____________

1. مُنِيخُون: مُقيمون.

2. الخُشْن: جمع خَشْنَاء من الخشونة.

3. وصف الحيّات «بالصّمّ» لانها أخبثها إذ لا تنزجر بالاصوات كأنها لا تسمع.

4. الجَشِب: الطعام الغليظ أوما يكون منه بغير أدم.

5. معصوبة:مشدودة.


الصفحة 76
وَأَغْضَيْتُ(1) عَلَى القَذَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا(2)، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الكَظَمِ(3)،وَعَلىْ أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ العَلْقَمِ.

ومنها:

وَلَمْ يُبَايعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهِ عَلَى البَيْعَةِ ثَمَناً، فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ المبايِعِ، وخَزِيَتْ(4) أَمَانَةُ المُبْتَاعِ(5)، فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا(6)، وَأعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا(7)، وَعَلاَ سَنَاهَا(8)، وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ(9)، فَإِنَّهُ أحْزَمُ لِلنَّصْرِ.

____________

1. أغْضَيْت: أصلها من غض الطّرف، والمراد سكتّ على مضض.

2. الشّجَا: ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه.

3. الكظَم ـ بالتحريك أوبضم فسكون ـ: مخرج النفس، والمراد أنّه صبر على الاختناق.

4. خَزِيَتْ: ذلتْ وهانت.

5. المبتاع: المشتري.

6. أُهْبَتُها: عُدّتها.

7. شبّ لظاها: استعارة، وأصله صعود طرف النار الاعلى.

8. سَناها: ضوؤها.

9. استشعار الصبر: اتخاذه شعاراً كما يلازم الشعار الجسد.


الصفحة 77

[ 27 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وقد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزوالانبار بجيش معاوية فلم ينهضوا، وفيها يذكر فضل الجهاد، ويستنهض الناس، ويذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته]

[فضل الجهاد]

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ(1) الوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ(2) أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ البَلاَءُ، وَدُيِّثَ(3) بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ(4)، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِْسْهَابِ(5)، وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ(6) بِتَضْيِيعِ الجِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ(7)، وَمُنِعَ النَّصَفَ(8).

____________

1. جُنّتهُ ـ بالضم ـ: وقايته، والجُنّة: كل ما استترت به.

2. رغبةً عنه: زُهداً فيه.

3. دُيّثَ ـ مبني للمجهول من دَيّثَهُ ـ أي: ذلّلَهُ.

4. القَماءة: الصّغار والذل، والفعل منه قَمُؤَ من باب كَرُمَ.

5. الاسهاب: ذهاب العقل أوكثرة الكلام، أي حيل بينه وبين الخير بكثرة الكلام بلا فائدة.

وروي: (ضُرب على قلبه بالاسْداد) جمع سد أي الحجب.

6. أُدِيل الحقّ منه، أي: صارت الدولة للحق بَدَلهُ. 7. سيم الخسف أي: أُولي الخسف، وكلّفه، والخسف: الذّل والمشقّة أيضاً.

8. النَّصَف: العدل، ومُنع مجهول، أي حُرِمَ العدلَ: بأن يسلط الله عليه من يغلبه على أمره فيظلمه.


الصفحة 78

[استنهاض الناس]

أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاَءِ القَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ(1) إِلاَّ ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ(2) وَتَخَاذَلتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغَارَاتُ(3)، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الاَْوْطَانُ.

وَهذَا أَخُو غَامِد قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الاَْنْبَارَ(4)، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا(5).

____________

1. عُقْر الدار ـ بالضم ـ: وسطها وأصلها.

2. تواكلتم: وكَلَ كل منكم الامر إلى صاحبه، أي لم يتولّهُ أحد منكم، بل أحاله كلٌّ على الاخر.

3. شُنّت عليكم الغارات: مُزِّقَت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقاً دفعةً بعد دفعة.

4. الانبار: بلدة على شاطىء الفرات الشرقي، ويقابلها على الجانب الاخر «هِيت».

5. المسالِحُ: جمع مَسْلَحَة ـ بالفتح ـ: وهي الثغر والمَرْقب حيث يُخشى طروقُ الاعداء.


الصفحة 79
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالاُْخْرَى المُعَاهَدَةِ(1)، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا(2) وَقُلْبَهَا(3) وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا(4)، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ(5)، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ(6)، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ(7)، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً.

فَيَا عَجَباً! عَجَباًـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتَِماعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً(8)، حِينَ صِرْتُمْ

____________

1. المعاهَدَة: الذميّة.

2. الحِجْل ـ بالكسر و بالفتح و بكسرين ـ: الخلخال.

3. القُلُب ـ بضمتين ـ: جمع قُلْب ـ بالضم فسكون ـ: السوار المُصْمَت.

4. الرعاث ـ جمع رَعثة ـ وهو: ضرب من الخرز.

5. الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء مع القول: إنّا لله وإنا اليه راجعون،والاسترحام: أن تناشده الرحمة.

6. وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم، ويروى (موفورين).

7. الكَلْم ـ بالفتح ـ: الجرح.

8. تَرَحاً ـ بالتحريك ـ أي: همّاً وحُزْناً.


الصفحة 80
غَرَضاً(1) يُرمَى: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْرُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْن!

فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ: هذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ(2) أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الحَرُّ(3)، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هذِهِ صَبَارَّةُ القُرِّ(4)، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا البَرْدُ، كُلُّ هذا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!

[البرم بالناس]

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ! حُلُومُ الاَْطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَالِ(5)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكمْ مَعْرِفَةً ـ وَاللهِ ـ جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعقَبَتْ سَدَماً(6).

____________

1. الغرض: ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها، فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون.

2. حَمَارّة القيظ ـ بتشديد الراء وربما خففت في ضرورة الشعر ـ: شدة الحر.

3. التسبيخ ـ بالخاء المعجمة ـ: التخفيف والتسكين.

4. صَبَارّة الشتاء ـ بتشديد الراء ـ: شدة برده، والقُر ـ بالضم ـ: البرد، وقيل هو بردالشتاء خاصة.

5. حِجال: جمع حَجَلة وهي القبة، وموضع يزين بالستور، وربات الحجال: النساء.

6. السّدَم ـ محرّكة ـ: الهم مع أسف أوغيظ، وفعله كفرح.


الصفحة 81
قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلاَْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً(1)، وَشَحَنْتُمْ(2) صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ(3) التَّهْمَامِ(4) أَنْفَاساً(5)، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخذْلاَن، حَتَّى قَالَتْ قُريْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلْكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالحَرْبِ.

للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً(6)، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ العِشْرِينَ، وها أناذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ!(7) وَلكِنْ لا رَأْيَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ!

____________

1. القيح: ما في القرحة من الصديد، وفعله كباع.

2. شحنتم صدري: ملاتموه.

3. النُغب: جمع نُغْبَة كجرعة وجُرَع لفظاً ومعنى.

4. التّهْمَام ـ بالفتح ـ: الهم، وكل تَفْعال فهو بالفتح إلاّ التِبيان والتِلقاءفهما بالكسر.

5. أنفاساً: أي جرعةً بعد جرعة، والمراد أن أنفاسه أمست هماً يتجرّعه.

6. مِراساً: مصدر مارسه ممارسة ومراساً، أي عالجه وزاوله وعاناه.

7. ذَرّفْتُ على الستين: زدتُ عليها، وروى المبرد «نَيّفت»، وهو بمعناه.


الصفحة 82

[ 28 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وهو فصل من الخطبة التي أولها: «الحمد لله غير مقنوط من رحمته» وفيه أحد عشر تنبيهاً]

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَ نَتْ(1) بِوَدَاع، وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع(2)، أَلاَ وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمارَ(3)، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ(4)، وَالغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ(5)! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ(6)! أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَل مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ(7)، أَلاَوَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالجَنَّةِ نَامَ

____________

1. آذَنَتْ: أعْلَمَتْ.

2. أشَرَفَتْ باطّلاع: أقبلت علينا بغتةً.

3. المِضْمار: الموضع والزمن الذي تضمّر فيه الخيل، وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن، ثم يُقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل، ثم تُرَدّ إلى القوت، والمدة أربعون يوماً، وقد يطلق التضمير على العمل الاول أوالثاني، وإطلاقه على الاول لانه مقدمة للثاني وإلاّ فحقيقة التضمير: إحداث الضمور وهو الهزال وخفة اللحم، وإنما يفعل ذلك بالخيل لتخف في الجري يوم السباق.

4. السَّبَقَة ـ بالتحريك ـ: الغاية التي يجب على السابق أن يصل إليها.

5. المنيّة: الموت والاجل.

6. البُؤس ـ بالضم ـ: اشتداد الحاجة، وسوء الحالة.

7. الرهبة ـ بالفتح ـ: هي مصدر رَهِبَ الرجل ـ من باب عَلمَ ـ رهباً بالفتح وبالتحريك وبالضم، ومعناه خاف.


الصفحة 83
طَالِبُهَا، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الحقُّ يَضْرُرهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لا يستقم بِهِ الهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ(1)، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ.

وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحُوزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً.

وأقول: إنّهُ لو كان كلامٌ يأخذ بالاعناق إلى الزهد في الدنيا، ويضطر إلى عمل الاخرة لكان هذا الكلام، وكفى به قاطعاً لعلائق الامال، وقادحاً زناد الاتعاظ والازدجار.

ومِن أعجبه قوله (عليه السلام): «ألا وَإنّ اليَوْمَ المِضْمارَ وَغَداً السِبَاقَ، وَالسّبَقَةُ الجَنّة وَالغَايَة النّار» فإن فيه ـ مع فخامة اللفظ، وعظم قدر المعنى، وصادق التمثيل، وواقع التشبيه ـ سرّاً عجيباً، ومعنى لطيفاً، وهو قوله (عليه السلام): «والسَبَقَة الجَنّة، وَالغَايَة النّار»، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين، ولم يقل: «والسّبَقَة النّار» كما قال: «والسّبَقَة الجَنّة»، لان الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب، وغرض مطلوب، وهذه صفة الجنة، وليس هذا المعنى موجوداً في النار، نعوذ بالله منها! فلم يجز أن يقول: «والسّبَقَة النّار»، بل قال: «والغَايَة النّار»، لان الغاية قد ينتهي إليها من لا يسرّه الانتهاء إليها ومن يسرّه ذلك، فصَلح أن يعبّر بها عن الامرين معاً، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل، قال الله عزّوجلّ: (قُلْ تَمتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكُم إلى النّارِ)، ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال: سبْقتكم إلى النار، فتأمل ذلك، فباطنه عجيب، وغوره بعيد، وكذلك أكثر كلامه(عليه السلام).

وفي رواية أخرى: «والسُّبْقة» بضم السين، والسبّقة اسم عندهم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أوعَرَض، والمعنيان متقاربان، لان ذلك لا يكون جزاءً على فعل الامر المذموم، وإنما يكون جزاءً على فعل الامر المحمود.

____________

1. الظعن ـ بالسكون والتحريك ـ: الرحيل عن الدنيا وفعْله كَقَطَعَ.


الصفحة 84

[ 29 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاجّ بعد قصة الحكمين]

[وفيها يستنهض أصحابه لما حدث في الاطراف]

أَيُّهَا النَّاسُ، الُْمجْتَمِعَةُ أبْدَانُهُمْ، الُمخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُمْ(1)، كَلامُكُم يُوهِي(2) الصُّمَّ الصِّلابَ(3)، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الاَْعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِي الَمجَالِسِ: كَيْتَ وَكَيْتَ(4)، فَإذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ!(5) مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ(6)، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ

____________

1. أهواؤهم: آراؤهم وما تميل إليه قلوبهم، والاهواء جمع هوى، بالقصر.

2. يُوهي: يُضعف ويُفَتِّت. 3. الصمّ: جمع أصم، وهو من الحجارة الصّلْبُ المُصْمَت، والصِلاب: جمع صليب، والصليب: الشديد، وبابه ظريف وظراف، وضعيف وضِعاف.

4. كَيْت وكَيْت: كلمتان لا تستعملان إلاّ مكررتين:إما مع واوالعطف وإما بدونها، وهي كناية عن الحديث.

5. حِيدي حَيادِ: كلمة يقولها الهارب عند الفرار، وهي من الحَيَدَان: الميل والانحراف عن الشيء، وحيادِ ـ مبني على الكسر ـ كما في قولهم فِيحي فَيَاحِ، وهي من أسماء الافعال كَنَزَالِ.

6. أعاليل بأضاليل: جمع أُعْلُولة كما أن الاضاليل جمع أُضلولة، والاضاليل متعلقة بالاعاليل، أي: أنكم تتعللون بالاباطيل التي لا جدوى لها.


الصفحة 85
المَطُولِ(1)، لاَ يَمنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ! وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَ بِالْجِدِّ! أَيَّ دَار بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَىِّ إِمَام بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ المَغْرُورُ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمْنْ فَازَبِكُمْ فَازَ بَالسَّهْمِ الاَْخْيَبِ(2)، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ(3) نَاصِل(4).

أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلاَ أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُم.

مَا بَالُكُم؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلاً بَغَيْرِ عِلْم! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَع! وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ؟!

[ 30 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في معنى قتل عثمان

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ:

____________

1. المَطولُ: الكثير المطل، وهو تأخير أداء الدّيْن بلا عُذر.

2. السهم الاخْيَبُ: هو من سهام المَيْسِرِ الذي لا حظّ له.

3. الافْوَقُ من السهام: مكسور الفوق، والفوق موضع الوتر من السهم.

4. الناصل: العاري عن النصل، ولا يخفى طيش السهم الذي لا فوق له ولا نصل.


الصفحة 86
نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي.

وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ، اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الاَْثَرَةَ(1)، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الجَزَعَ(2)، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ في المُسْتَأْثِرِ وَالجَازعِ.

[ 31 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
لمّا أنفذ عبدالله بن العباس(رحمه الله) إلى الزبير

قبل وقوع الحرب يوم الجمل ليستفيئه إلى طاعته

قال له (عليه السلام):

لاتَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ(3)، يَرْكَبُ الصَّعْبَ(4) وَيَقُولُ: هُوَ الذَّلُولُ، وَلكِنِ القَ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ أَليَنُ عَرِيكَةً(5)، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ: عَرَفْتَني بَالحِجَازِ وَأَنْكَرْتَنِي بِالعِرَاقِ، فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا(6).

وهو (عليه السلام) أوّل من سمعت منه هذه الكلمة، أعني: «فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا».

____________

1. أساء الاَثَرَةَ: أساء الاستبداد، وكان عليه أن يخفف منه حتى لا يزعجكم.

2. أسأتم الجَزَعَ: أي لم تَرْفُقُوا في جزعكم، ولم تقفوا عند الحد الاولى بكم.

3. عاقصاً قَرْنه: من «عقص الشعر» إذا ضفره وفَتله ولواه، كناية عن تغطرسه وكِبره.

4. يركب الصعب: يستهين به ويزعم أنه ذلول سهل، والصعب: الدابة الجموح.

5. العريكة: الطبيعة والخلق، وأصل العَرْك دَلكُ الجسد بالدّباغ وغيره.

6. عَداهُ الامرُ: صرفه، وبَدَا: ظَهَرَ، والمراد: ماالذي صرفك عما كان بدا وظهر منك؟


الصفحة 87

[ 32 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها يصف زمانه بالجور، ويقسم الناس فيه خمسة أصناف، ثم يزهد في الدنيا]

[معنى جور الزمان]

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا في دَهْر عَنُود(1)، وَزَمَن كَنُود(2)، يُعَدُّ فِيهِ الُمحْسِنُ مُسِيئاً، وَيَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً، لاَ نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَلاَ نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَلاَ نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً(3) حَتَّى تَحُلَّ بِنَا.

[أصناف المسيئين]

فَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَاف:

مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ الفَسَادَ في الاَْرْضِ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلاَلَةُ حَدِّهِ(4)،

____________

1. العَنُود: الجائر ـ من «عَنَدَ يَعْنُدُ» كنصر ـ: جار عن الطريق وعدل.

2. الكَنُود: الكَفُور.

3. القارعة: الخَطْب يقرع من ينزل به، أي يصيبه.

4. كَلالَةَ حَدّهِ: ضعف سلاحه عن القطع في أعدائه، يُقال: كَلّ السيف كَلالَةً أذا لم يقطع، والمُراد إعوازه من السلاح.


الصفحة 88
وَنَضِيضُ وَفْرِهِ(1).

وَمِنْهُمُ المُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَالمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَالُمجْلِبُ بِخَيْلِهِ(2) وَرَجِلِهِ(3)، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ(4)، وَأَوْبَقَ دِينَهُ(5) لِحُطَام(6) يَنْتَهِزُهُ(7)، أَوْ مِقْنَب(8) يَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَر يَفْرَعُهُ(9). وَلَبِئْسَ المَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضاً!

وَمِنْهُمْ مَنْ يَطلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الاْخِرَةِ، وَلاَ يَطْلُبُ الاْخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ

____________

1. نَضيضُ وَفْرِهِ: قلّة ماله، فالنضيض: القليل، والوفر: المال.

2. المُجْلِبُ بخَيْلِهِ: مِنْ «أجْلَبَ القوْمُ» أي جلبوا وتجمعوا من كل أوب للحرب.

3. الرَّجِل: جمع راجل.

4. أشرط نفسه: هيأها وأعدها للشر والفساد في الارض.

5. أوْبَقَ دِينَه: أهلكه.

6. الحطام: المال، وأصله ما تكسرَ من اليبس.

7. ينتهزه: يغتنمه أويختلسه.

8. المِقْنَب: طائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الاربعين.

9. فَرَعَ المنبر ـ بالفاء ـ: علاه.


الصفحة 89
طَامَنَ(1) مِنْ شَخْصِهِ، وَقَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَشَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَزَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلاَْمَانَةِ، وَاتَّخَذَ سِتْرَ اللهِ ذَرِيعَةً(2) إِلَى المَعْصِيَةِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ أقْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ المُلْكِ ضُؤولَةُ نَفْسِهِ(3)، وَانقِطاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ الحالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ القَنَاعَةِ، وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ في مَرَاح(4) وَلاَ مَغْدىً(5).

[الراغبون في الله]

وَبَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ، وَأَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْـمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيد نَادٍّ(6)، وَخَائِف مَقْمُوع(7)، وَسَاكِت مَكْعُوم(8)، وَدَاع

____________

1. طَامَنَ: خَفَضَ.

2. الذريعة: الوسيلة.

3. ضؤولة النفس ـ بالضم ـ: حقارتها.

4. مَرَاح ـ مصدر ميمي من راح ـ: إذا ذهب في العشي.

5. مَغْدَى ـ مصدر ميمي من غدا ـ: إذا ذهب في الصباح.

6. النّادّ: المنفرد الهارب من الجماعة إلى الوحدة.

7. المقموع: المقهور.

8. المكعوم: من «كَعَمَ البعيرَ» شدّ فاه لئلاّ يأكل أويعضّ.


الصفحة 90
مُخْلِص، وَثَكْلاَنَ(1) مُوجَع، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ(2) التَّقِيَّةُ(3)، وَشَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ، فَهُمْ في بَحْر أُجَاج(4)، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ(5)، وَقُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ(6)، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا(7)، وَقُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا، وَقُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا.

[التزهيد في الدنيا]

فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا أَصْغَرَ في أَعْيُنِكُمْ مِنْ حُثَالَةِ(8) الْقَرَظِ(9)، وَقُرَاضَةِ)الْجَلَمِ(10)، وَاتّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ;

____________

1. ثَكْلان: حزين.

2. أخمله: أسقط ذكره حتى لم يَعُد له بين الناس نباهة.

3. التّقِيّة: اتقاء الظلم بإخفاء المال.

4. الاُجاج: الملح.

5. ضامزة: ساكنة.

6. قَرِحَة ـ بفتح فكسر ـ: مجروحة.

7. ملّوا: أي أنهم أكثروا من وعظ الناس حتى سئموا ذلك، إذْ لم يكن لهم في النفوس تأثير.

8. الحُثالة ـ بالضم ـ: القُشارة ومالا خير فيه، وأصله ما يسقط من كل ذي قِشْر.

9. القَرَظ ـ محركة ـ: ورق السلم أوثمر السنط يدبغ به.

10. الجَلَم ـ بالتحريك ـ: مِقراض يُجَزّ به الصوف، وقُراضته: ما يسقط منه عند القرض والجزّ.


الصفحة 91
وَارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَد رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا(1) مِنْكُمْ.
وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له بها إلى معاوية، وهي من كلام

أميرالمؤمنين(عليه السلام) الذي لا يشك فيه، وأين الذهب من الرّغام(2)! والعذب من الاجاج! وقد دلّ على ذلك الدليل الخِرِّيِت(3) ونقده الناقد البصير عمروبن بحر الجاحظ; فإنه ذكر هذه الخطبة في كتابه «البيان والتبيين» وذكر من نسبها إلى معاوية، ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها، جملته أنه قال: وهذا الكلام بكلام علي(عليه السلام)أشبه، وبمذهبه في تصنيف الناس وفي الاخبار عماهم عليه من القهر والاذلال ومن التقية والخوف أليق. قال: ومتى وجدنا معاوية في حال من الاحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد، ومذاهب العُبّاد!

[ 33 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
عند خروجه لقتال أهل البصرة

[وفيها حكمة مبعث الرسل، ثمّ يذكر فضله ويذم الخارجين]

قال عبدالله بن عباس (رحمه الله): دخلت على أَميرالمؤمنين صلوات الله عليه بذي قار وهو يخصِف نعله(4)، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمةَ لها! قال: والله لَهِيَ أَحَبُّ إِليَّ من إِمرتكم، إِلاّ أَن أُقيم حقّاً، أَوأَدفع باطلاً، ثمّ خرج(عليه السلام) فخطب الناس فقال:

____________

1. أشْغَفَ بها: أشد تعلقاً بها.

2. الرّغام ـ بالفتح ـ: التراب، وقيل: هوالرمل المختلط بالتراب.

3. الخِرّيت ـ بوزن سِكّيت ـ: الحاذق في الدلالة، وفعله كفرح.

4. يَخْصِفُ نَعْلَهُ: يَخْرزها.


الصفحة 92

[حكمة بعثة النبي]

إنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله)، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً، وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً، فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ(1)، وَبَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ(2)، وَاطْمَأَنَّتْ صِفَاتُهُمْ.

[فضل عليّ]

أَمَا وَاللهِ إنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا(3) حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا(4)، مَا عَجَزْتُ،وَلاَ جَبُنْتُ، وَإِنَّ مَسِيرِي هذَا لِمثْلِهَا، فَلاََنْقُبَنَّ(5) الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ.

[توبيخ الخارجين عليه]

مَالي وَلِقُرَيْش! وَاللهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ، وَلاَُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ، وَإِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالاَْمْسِ، كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ!

____________

1. بَوّأهُمْ مَحَلّتَهم: أنْزَلَهُمْ منزلتهم.

2. القناة: العود والرمح، والمراد به القوة والغلبة والدولة، وفي قوله: (استقامت قناتهم) تمثيل لاستقامة أحوالهم.

3. الساقَةُ: مؤخّر الجيش السائق لِمُقَدّمه.

4. ولّتْ بحذافيرها: بجملتها وأسرها.

5. نَقَبَ: بمعنى ثَقَبَ، وفي قوله: (لانْقُبَنّ الباطلَ) تمثيل لحال الحق مع الباطل كأن الباطل شيء اشتمل على الحق فستره، وصار الحق في طيّه، فلابد من كشف الباطل وإظهار الحق.


الصفحة 93

[ 34 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
في استنفار الناس إلى الشام [بعد فراغه من أمر الخوارج]

[وفيها يتأفف بالناس، وينصح لهم بطريق السداد]

أُفٍّ لَكُمْ(1)! لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاْخِرَةِ عِوَضاً؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ(2)، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَة(3)، وَمِنَ الذُّهُولِ في سَكْرَة، يُرْتَجُ(4) عَلَيْكُمْ حَوَارِي(5) فَتَعْمَهُونَ(6)، فَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ(7)، فَأَنْتُمْ لاَ تَعْقِلُونَ.

____________

1. أُفّ لكم: كلمة تضَجّر واستقذار ومهانة.

2. دوَرَان الاعين: اضطرابها من الجزع.

3. الغمرة: الواحدة من الغمر وهو: الستر، وغمرة الموت: الشدّة الّتى ينتهي إليها المحتضر.

4. يُرْتَجُ: بمعنى يغلق، تقول: رتج الباب أي: أغلقه. 5. الحَوار ـ بالفتح وربما كسر ـ: المخاطبة ومراجعة الكلام.

6. تَعْمَهُون: مضارع عَمِهَ، أي تَتَحَيّرون وتتردّدون.

7. المَألُوسة: المخلوطة بمس الجنون.


الصفحة 94
مَا أَنْتُمْ لي بِثِقَة سَجِيسَ اللَّيَالي(1)، وَمَاأَنْتُمْ بِرُكْن يُمَالُ بِكُمْ(2)، وَلاَ زَوَافِرُ(3) عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ. مَا أَنْتُمْ إِلاَّ كَإِبِل ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِب انْتَشَرَتْ مِن آخَرَ، لَبِئْسَ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ سُعْرُ(4) نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! تُكَادُونَ وَلاَ تَكِيدُونَ، وَتُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلاَ تَمْتَعِضُونَ(5); لاَ يُنَامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ في غَفْلَة سَاهُونَ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَخَاذِلُونَ! وَأيْمُ اللهِ إِنِّي لاََظُنُّ بِكُمْ أنْ لَوْ حَمِسَ(6) الْوَغَى(7)، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ(8)، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِب انْفِرَاجَ الرَّأْسِ(9).

____________

1. سَجِيس ـ بفتح فكسر ـ: كلمة تقال بمعنى أبداً، وسجيس: أصله من «سجس الماء» بمعنى تغيّر وتكدّر، وكان أصل الاستعمال: «مادامت الليالي بضلامها».

2. يُمال بكم: يُمَال على العدوبعزكم وقوتكم.

3. الزّافرة من البناء: رُكْنُهُ، ومن الرجل عشيرته وأنصاره. 4. السَّعْر ـ بالفتح ـ مصدر سَعَرَ النار ـ من باب نَفَعَ ـ: أوقدها، وبالضم جمع ساعر، وهو ما أثبتناه، والمراد «لبئس مُوقدوا الحرب أنتم».

5. امْتَعَضَ: غَضِبَ.

6. حَمِسَ ـ كفَرِحَ ـ: اشتد وصَلُبَ في دينه فهو حَمِسٌ. 7. الوَغى: الحرب، وأصله الصوت والجَلَبَة.

8. اسْتَحَرّ: بلغ في النفوس غاية حدّته.

9. انفرجتم انفراج الرأس: أي كما ينفلق الرأس فلا يلتئم.


الصفحة 95
وَاللهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ(1)، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي(2) جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ ماضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ(3).

أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ(4) تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ(5)، وَتَطِيحُ السَّوَاعِدُ(6) وَالاَْقْدَامُ، وَيَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ مَا يَشَاءُ.

[طريق السداد]

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ:

فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ(7) عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ

____________

1. يَعْرُقُ لَحْمَهُ: يأكل حتى لا يبقى منه شيء على العظم.

2. فَرَاه يَفْريه: مَزّقَهُ يمزقه.

3. ما ضُمت عليه الجوانح: هو القلب وما يتبعه من الاوعية الدموية، والجوانح: الضلوح تحت الترائب، والترائب: ما يلي التّرْقُوَتَينِ من عَظْم الصدر.

4. المَشْرفِيّة: هي السيوف التي تنسب إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو إلى الريف، ولا يقال في النسبة إليها: مشارفي، لان الجمع ينسب إلى واحدة.

5. فَرَاشُ الهامِ: العظام الرقيقة التي تلي القحف.

6. تَطِيحُ السواعِدُ: تَسْقُطُ، وفعله كباع وقال.

7. الفَيْء: الخَرَاج وما يحويه بيت المال.


الصفحة 96
كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْما تَعْلَمُوا.

وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ: فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ في الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالاِْجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ.

[ 35 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
بعد التحكيم [وما بلغه من أمر الحكمين]

[وفيها حمد الله على بلائه، ثمّ بيان سبب البلوى]

[الحمد على البلاء]

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ(1)، وَالْحَدَثِ(2) الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ(صلى الله عليه وآله).

[سبب البلوى]

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الُْمجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ

____________

1. الخَطْبُ الفادح: الثقيل، من فدحه الدَّيْن ـ كقطع ـ إذا أثقله وعاله وبَهَظَهُ.

2. الحَدَث ـ بالتحريك ـ: الحادث، والمراد هنا ما وقع من أمر الحكمين كما هو مشهور في التاريخ.


الصفحة 97
مَخزُونَ رَأْيِي(1)، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِير(2) أَمْرٌ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الُْمخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ(3)، فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ(4):

أَمَرْتُكُمُ أَمْري بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى(5) * فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى الْغَدِ

____________

1. نَخَلْتُ لكم مخزونَ رأيي: أخلصته، من نخلت الدقيق بالمُنْخل.

2. قصير: هو مولى جذيمة المعروف بالابرش، والمثل مشهور في كتب الامثال.

3. ضَنّ الزّنْدُ بقَدْحِهِ: هذه كناية أنه لم يَعُدْ لَهُ رأي صالح لشدة ما لقي من خلافهم.

4. أخو هوازن: هو دُرَيْدبن الصِّمّة.

5. مُنْعَرَج اللّوى: اسم مكان، وأصل اللّوى من الرمل: الجدَدُ بعد الرّملة، وَمُنْعَرَجُهُ: منعطفهُ يمنةً ويسرة.


الصفحة 98

[ 36 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
في تخويف أَهل النهروان(1)

فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى(2) بِأَثْنَاءِ هذَا النَّهَرِ، وَبِأَهْضَامِ(3) هذَا الْغَائِطِ(4)، عَلَى غَيْرِ بَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ سُلْطَان مُبِين مَعَكُمْ، قَدْ طَوَّحَتْ(5) بِكُمُ الدَّارُ، وَاحْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ(6)، وَقَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ المخالفين، حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَىْ هَوَاكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ(7)، سُفَهَاءُ الاَْحْلاَمِ(8)، وَلَمْ آتِ ـ لاَ أَبَا لَكُمْ ـ بُجْراً(9)، وَلاَ أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً.

____________

1. النّهْرَوان: السم لاسفل نهربين لَخَافيقَ، وطرفاه على مقربة من الكوفة في طرف صحراء حَرُوراء.

وكان الذين خطّأوه في التحكيم قد نقضوا بيعته، وجهروا بعداوته، وصاروا له حرباً، واجتمع معظمهم عند ذلك الموضع، وهؤلاء يلقبون بالحَرُورِيّة، لما تقدم أن الارض التي اجتمعوا عليها كانت تسمى حَرُوراء، وكان رئيس هذه الفئة الضالة: حُرْقُوص بن زهير السعدي، ويُلقب بذي الثُّدَيّة (تصغير ثدية)، خرج إليهم أميرالمؤمنين يعظهم في الرجوع عن مقالتهم والعودة إلى بيعتهم، فأجابوا النصيحة برمي السهام وقتال أصحابه(عليه السلام)فأمر بقتالهم، وتقدم القتال بهذا الانذار الذي تراه، وقيل: إنه (عليه السلام) خاطب بها الخوارج الذين قتلهم بالنهروان. 2. صَرْعَى: جمع صرِيع، أي طريح.

3. الاهْضام: جمع هَضْم، وهو المطمئن من الوادي. 4. الغائط: ما سفل من الارض، والمراد هنا المنخفضات.

5. طَوّحَتْ بكم الدار: قَذَفَتْكم في مَتَاهَة وَمَضَلّة. 6. احْتَبَلَكُمُ المِقْدَارُ; احتبلكم: أوقعكم في حِبالته، والمقدار: القدر الالهي.

7. أخِفّاءُ الهامِ: ضعاف العقل; الهام: الرأس، وخفتها كناية عن الطيش وقلة العقل.

8. سُفَهَاء الاحلامِ; السفهاء: الحمقى، والاحلام: العقول.

9. البُجرْ ـ بالضم ـ: الشر والامر العظيم والداهية.


الصفحة 99

[ 37 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
يجري مجرى الخطبة

[وفيه يذكر فضائله (عليه السلام) قاله بعد وقعة النهروان]

فَقُمْتُ بِالاَْمْرِ حِينَ فَشِلُوا(1)، وَتَطَلَّعْتُ حِينَ تَعْتَعُوا(2)، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِينَ وَقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً(3)، فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا(4)، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا(5)، كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ، وَلاَ تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ.

لَمْ يَكُنْ لاَِحَد فيَّ مَهْمَزٌ، وَلاَ لِقَائِل فيَّ مَغْمَزٌ(6)، الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مَنْهُ، رَضِينَا عَنِ اللهِ قَضَاءَهُ، وَسَلَّمْنَا له أَمْرَهُ.

أَتَرَاني أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)؟ وَاللهِ لاََنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ. فَنَظَرْتُ في أَمْرِي، فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَإِذَا الميِثَاقُ في عُنُقِي لِغَيْرِي.

____________

1. فَشِلُوا: خاروا وجَبُنوا، وليس معناها أخفقوا كما نستعملها الان.

2. تَعْتَعُوا: ترددوا في كلامهم من عِيّ أوحَصَر.

3. الفوْت: السبق.

4. طِرْتُ بعِنَانِها: العنان للفرس معروف، وطاربه: سبق به.

5. اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِها; الرهان: الجعل الذي وقع التراهن عليه، واستبددت به: انفردت به.

6. لم يكن فِيّ مَهْمَزٌ ولا مَغْمَزٌ: لم يكن فِيّ عيبٌ أُعاب به، وهو من الهمز: الوقيعة، والغمز: الطعن.