المكتبة العقائدية »  (لـ )



الصفحة 100

[ 38 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها علة تسمية الشبهة شبهة، ثم بيان حال الناس فيها]

وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لاَِنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى(1)، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى، فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ.

[ 39 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[خطبها عند علمه بغزوة النعمان بن بشير صاحب معاوية لعين التمر]

[وفيها يبدي عذره، ويستنهض الناس لنصرته]

مُنِيتُ(2) بِمَنْ لاَ يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، لاَ أَبَا لَكُمْ! مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ؟ أَمَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ، وَلاَ حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ(3)؟! أَقُومُ

____________

1. سَمْتُ الهُدَى: طريقته.

2. مُنِيتُ: بُلِيتُ.

3. تُحْمِشُكُم: تُغْضِبُكم على أعدائكم.


الصفحة 101
فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً(1)، وَأُنادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً(2)، فَلاَ تَسْمَعُونَ لي قَوْلاً، وَلاَ تُطِيعُون لِي أَمْراً، حَتَّى تَكَشَّفَ الاُْمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَساءَةِ، فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ، وَلاَ يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ(3) جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الاَْسَرِّ(4)، وَتَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ الْنِّضْوِ الاَْدْبَرِ(5)، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
قوله (عليه السلام): «مُتَذَائِبٌ» أي: مضطرب، من قولهم: تذاءبت الريح أي: اضطرب هبوبها، ومنه سمّي الذئب، لاضطراب مشيته.

[ 40 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في الخوارج لما سمع(عليه السلام) قولهم: «لا حكم إلاّ لله»

قال(عليه السلام):

كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ:

____________

1. المُسْتَصرِخ: المستنصر (المستجلب من ينصره بصوته).

2. مُتَغَوّثاً: أي قائلا «وَاغَوْثاه».

3. جَرْجَرْتُمْ; الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته عند عَسْفِهِ.

4. الاسَرّ: المصاب بداء السّرَر، وهو مرض في كَرْكَرَة البعير، أي زَوْرِهِ، ينشأ من الدّبَرَةِ والقرحة.

5. النّضْوِ: المهزول من الابل، والادْبَرَ: المدبور، أي المجروح المصاب بالدّبَرة ـ بالتحريك ـ وهي العَقْرِ والجرح من القَتَبِ ونحوه.


الصفحة 102
لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاَْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر.

وفي رواية أُخرى أنّه(عليه السلام) لمّا سمع تحكيمهم قال: حُكْمَ اللهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ.

وقال:

أَمَّا الاِْمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ، وَأَمَّا الاِْمْرَةُ الْفَاجرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ.

[ 41 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها ينهى عن الغدر ويحذر منه]

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ(1) الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً(2) أوْقَى مِنْهُ(3)، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَان اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً(4)،

____________

1. التَّوْأمُ: الذي يولد مع الاخر في حمل واحد.

2. الجُنَّة ـ بالضم ـ: الوقاية، وأصلها ما استترت به من درع ونحوه.

3. أوقى منه: أشدّ وقاية وحفظاً.

4. الكَيْس ـ بالفتح ـ: الفطنة والذكاء.


الصفحة 103
وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ، مَا لَهُمْ! قَاتَلَهُمُ اللهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ(1) وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْن بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لاَ حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ(2).

[ 42 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها يحذر من اتباع الهوى وطول الامل في الدنيا]

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَْمَلِ(3); فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الاَْمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ.

أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ(4)، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ(5) كَصُبَابَةِ الاْنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا(6)، أَلاَ وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الاْخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ.

____________

1. الحُوّلُ القُلَّب ـ بضم الاول وتشديد الثاني من اللفظين ـ: هو البصير بتحويل الامور وتقليبها.

2. الحَرِيجَة: التحرج والتحرز من الاثام.

3. طُولُ الامَلِ: هو استفساح الاجل، والتسويف بالعمل.

4. الحَذّاء ـ بالتشديد ـ: الماضية السريعة.

5. الصبابة ـ بالضم ـ: البقيّة من الماء واللبن في الاناء.

6. اصطبّها صابّها: كقولك: أبقاها مبقيها، أوتركها تاركها.


الصفحة 104

[ 43 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية

إِنَّ اسْتَعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَجِرِيرٌ عِنْدَهُمْ، إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ، وَصَرْفٌ لاَِهْلِهِ عَنْ خَيْر إِنْ أَرادُوهُ، وَلكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِير وَقْتاً لاَ يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً، وَالرَّأْيُ مَعَ الاَْنَاةِ(1)، فَأَرْوِدُوا(2)، وَلاَ أَكْرَهُ لَكُمُ الاْعْدَادَ(3).

وَلَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هذَا الاَْمْرِ وَعَيْنَهُ(4)، وَقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَبَطنَهُ، فَلَمْ أَرَلِي إِلاَّ الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ. إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الاُْمَّةِ وَال أَحْدَثَ أَحْدَاثاً، وَأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالاً(5)، فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّروا.

____________

1. الاناة: التثَبّتُ والتأني.

2. أرْوِدُوا: ارفقُوا، أصله من أرْوَدَ في السير إرواداً، إذا سار برفق.

3. الاعْداد: التهيئة.

4. وَلَقَدْ ضرَبْتُ أنْفَ هذا الامْرِ وعَيْنَهُ: مَثَلٌ تقوله العرب في الاستقصاء في البحث والتأمل والفكر. 5. أوْجَدَ الناسَ مَقالاً: جعلهم واجدين له.


الصفحة 105

[ 44 ]
ومن كلام له (عليه السلام)

لمّا هرب مَصْقَلة بنُ هُبيرة الشيباني إلى معاوية، وكان قد ابتاع سَبْيَ بني ناجية من عامل أميرالمؤمنين(عليه السلام) وأعتقهم، فلمّا طالبه(عليه السلام) بالمال خاس به(1) وهرب إلى الشام، فقال

قَبَّحَ اللهُ(2) مَصْقَلَةَ! فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ! فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ، وَلاَ صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ(3)، وَلَو أَقَامَ لاََخَذْنَا مَيْسُورَهُ(4)، وَانْتَظَرْنا بِمَالِهِ وُفُورَهُ(5).

____________

1. خاسَ به: خان وغدر.

2. قَبّحَهُ الله: أي نحّاه عن الخير.

3. بكّته: قَرّعَهُ وَعَنّفَهُ.

4. مَيْسُورُه: ما تَيَسَّرَ له.

5. الوُفور: مصدر وَفَرَ المالُ، أي تم.


الصفحة 106

[ 45 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وهو بعض خطبة طويلة خطبها يوم الفطر]

[وفيها يحمد الله ويذم الدنيا]
[حمد الله]

الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوط(1) مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغْفِرَتِهِ، وَلاَ مُسْتَنْكَف(2) عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لاَ تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ، وَلاَ تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ.

[ذم الدنيا]

وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ(3)، وَلاَِهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ(4)، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، قَدْ عُجِّلَتْ لِلطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ(5); فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، وَلاَ تَسْأَلُوا فِيها فَوْقَ الْكَفَافِ(6)، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أكْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ(7).

____________

1. مَقْنُوط: ميؤوس، من القنوط وهو اليأس.

2. مُسْتَنْكف; الاستنكاف: الاستكبار.

3. مُنيَ لها الفَنَاءُ ـ ببناء الفعل للمجهول ـ أي: قُدّرَلها.

4. الجلاء: الخروج من الاوطان.

5. التَبَسَتْ بِقَلْبِ الناظِرِ: اختلطت به محبةً.

6. الكَفاف: ما يَكُفّكَ أي يمنعك عن سؤال غيرك، وهو مقدار القوت.

7. البلاغ: ما يتبلّغ به، أي: يقتات به مدّة الحياة.


الصفحة 107

[ 46 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
عند عزمه على المسير إِلى الشام

[وهو دعاء دعا به ربَّه عند وضع رجله في الركاب]

اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ(1)، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ(2)، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي الاَْهْلِ وَالمَالِ والْوَلَدِ.

اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، وَأَنْتَ الْخلِيفَةُ فِي الاَْهْلِ، وَلاَ يَجْمَعُهُما غَيْرُكَ، لاَِنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لاَ يَكُونُ مُسْتَصْحَباً، وَالمُسْتَصْحَبُ لاَ يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً.

وابتداء هذا الكلام مرويّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد قفّاه(عليه السلام) بأبلغ كلام وتمّمه بأحسن تمام; من قوله: «ولا يجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ» إلى آخر الفصل.

[ 47 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في ذكر الكوفة

كَأَنَّي بِكِ يَاكُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الاَْدَيمِ(3) الْعُكَاظِيِّ(4)، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ(5)، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ، وَإِنَّي لاََعْلَمُ أَنَّهُ مَاأَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلاَّ ابْتَلاَهُ اللهُ بِشَاغِل، وَرَمَاهُ بِقَاتِل!

____________

1. الوَعْثَاء: المشقة، وأصله المكان المُتْعِب لكثرة رمله وغوص الارجل فيه.

2. المُنْقَلَب: مصدر بمعنى الرجوع.

3. الاديم: الجلد المدبوغ.

4. العُكاظِيّ: نسبة إلى عُكاظ ـ كغراب ـ وهي سوق كانت تقيمها العرب في صحراء بين «نخلة» و«الطائف» يجتمعون إليه ليتعا كظوا، أي يتفاخروا.

5. النّوَازِل: الشدائد.


الصفحة 108

[ 48 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
عند المسير إلى الشام

[قيل: إنه خطب بها وهو بالنخيلة خارجاً من الكوفة إلى صفين]

الْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا وَقَبَ(1) لَيْلٌ وَغَسَقَ(2)، وَالْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لاَحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ(3)، والْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الاِْنْعَام، وَلاَ مُكَافَاَ الاِْفْضَالِ.

أَمّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي(4)، وَأَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هذَا المِلْطَاطِ(5)، حَتَّى

____________

1. وَقَبَ: دخلَ.

2. غَسَقَ: اشتدت ظلمته.

3. خَفَقَ النجم: غاب.

4. المُقَدِّمة ـ بكسر الدال ـ: صدر الجيش، ومقدّمة الانسان ـ بفتح الدال ـ: صدره.

5. المِلْطاط: حافة الوادي وشفيرُهُ وساحل البحر.


الصفحة 109
يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هذِهِ الْنُّطْفَةَ إِلَى شِرْذِمَة(1) مِنْكُمْ، مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ(2) دَجْلَةَ، فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ(3) الْقُوَّةِ لَكُمْ.

يعني (عليه السلام) بالملطاط ها هنا: السّمْتَ الذي أمرهم بلزومه، وهو شاطىء الفرات، ويقال ذلك أيضاً لشاطىء البحر، وأصله ما استوى من الارض.

ويعني بالنطفة: ماء الفرات، وهو من غريب العبارات وعجيبها.

[ 49 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها جملة من صفات الربوبية والعلم الالهي]

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ(4) الاُْمُورِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ(5) الظُّهُورِ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ; فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ، سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بِاعَدَهُ عَنْ شَيْء مِنْ خَلْقِهِ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ في

____________

1. الشرذمة: النفر القليلون.

2. الاكناف: الجوانب، و«موطّنين الاكْنَافَ» أي: جعلوها وطَناً. 3. الامْداد: جمع مَدَد، وهو ما يُمَدّ به الجيش لتقويته.

4. بَطَنَ الخفيّات: علِمَها من باطنها.

5. الاعْلام: جمع عَلَم ـ بالتحريك ـ وهو المنار يهتدى به، ثم عمّ في كل ما دل على شيء، وأعلام الظهور: الادلة الظاهرة.


الصفحة 110
المَكَانِ بِهِ، لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفِتِهِ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلوّاً كَبِيراً!

[ 50 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها بيان لما يخرب العالم به من الفتن وبيان هذه الفتن]

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ(1)، وَلَوْ أَنَّ الْحقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ; وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ(2)، وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى.

____________

1. المُرْتادِين: الطالبين للحقيقة.

2. الضِغْث ـ بالكسر ـ: قبضة من حشيش مختلط فيها الرطب باليابس.


الصفحة 111

[ 51 ]
ومن كلامه (عليه السلام)

لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه على شريعة(1) الفرات بصفين ومنعوهم الماء

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ(2)، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ، فَالمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَالْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ.

أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً(3) مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ(4)، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ(5) الْمَنِيَّةِ.

[ 52 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
قد تقدّم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين

[التزهيد في الدنيا]

أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاء، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها(6)، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ(7)، فَهِيَ تَحْفِزُ(8) بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو(9) بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ

____________

1. الشريعة: مورد الشاربة من النهر. 2. اسْتَطْعَمُوكُمُ القِتَال: طلبوا منكم أن تطعموهم القتال، كما يقال «فلان يستطعمني الحديث» أي يستدعيه مني.

3. اللُّمَةُ ـ بالتخفيف ـ: الجماعة القليلة.

4. عَمّسَ عَلَيْهِم الخَبَرَ: أبهمه عليهم وجعله مظلماً.

5. الاغراض: جمع غرض، وهو الهدف.

6. تَنَكّرَ مَعْرُوفُها: خفي وجهها.

7. حَذَّاء: ماضية، سريعة، وفي رواية «جذاء» أي مقطوعة الدّرِّ والخير.

8. تَحْفِزُهم: تَدفعهم وتسوقهم.

9. تَحْدُوـ بالواوبعد الدال ـ: تسوقهم بالموت إلى الهلاك.


الصفحة 112
أَمَرَّ(1) مِنْها مَا كَانَ حُلْواً، وَكَدِرَ(2) مِنْهَا ما كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الاِْدَاوَةِ(3)، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ(4)، لَوْ تَمَزَّزَهَا)الصَّدْيَانُ(5) لَمْ يَنْقَعْ(6)، فَأَزْمِعُوا(7) عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ المَقْدُورِ(8) عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ، وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الاَْمَلُ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الاَْمَدُ.

____________

1. أمَرّ الشيء: صار مُرّاً. 2. كدِر كدَراً ـ كفرح فَرَحاً وكدُر ـ بالضم كظرُف ـ كُدُورةً: تعكّرَ وتغير لونه واختلط بما لا يستساغ هو معه.

3. السَمَلَة ـ محركة ـ: بقية الماء في الحوض، والاداوة: المَطْهَرَةُ، وهي إناء الماء الذي يُتَطَهّرُ به.

4. المَقْلَة ـ بالفتح ـ: حَصاة يضعها المسافرون في إناء، ثم يصبون الماء فيه ليغمرها، فيتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك إذا قل الماء، وأرادوا قسمته بالسوية.

5. التمزّزُ: الامتصاص قليلاً قليلاً، والصّدْيَانُ: العطشانُ.

6. لم يَنْقَعْ: لم يُرْوَ.

7. أزْمِعُوا الرحيلَ: أي اعزموا عليه، يقال: أزمع الامرَ، ولا يقال أزمع عليه.

8. المقدور: المكتوب.


الصفحة 113

[ثواب الزهاد]

فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ(1)، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ(2)، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ(3) مُتَبَتِّلِي(4) الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ، الِْتمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أوغُفْرَانِ سِيِّئَة أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَما أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.

[نعم الله]

وَتَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاثاً(5)، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَة إِلَيْهِ وَرَهْبَة مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ [عَنْكُمْ] ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلاِْيمَانِ.

____________

1. الوُلّه العِجَال; الوُلّه: جمع وَالهة وهي كلّ أُنثى فَقَدتْ ولدها، وأصل الوَلَهِ: ذهابُ العقل، والعِجال من النّوق ـ جمع عَجُول ـ: وهي التي فقدت ولدها.

2. هَدِيلُ الحمام: صوته في بكائه لفقد إلفه.

3. جَأرْتُمْ: رفعتم أصواتكم; والجُؤار: الصوت المرتفع.

4. المتبَتّل: المنقطع للعبادة.

5. انماثت انمياثاً: ذَابَتْ ذَوَباناً.


الصفحة 114

ومنها: في ذكر يوم النحر وصفة الاضحية

وَمِنْ تَمَامِ الاُْضحِيَةِ(1) اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا(2)، وَسَلاَمَةُ عَيْنِهَا، فَإِذَا سَلِمَتِ الاُْذُنُ وَالْعَيْنُ سَلِمَتِ الاُْضْحِيِةُ وَتَمَّتْ، وَلَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ(3) تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى المَنْسَكِ(4).

[ 53 ]
ومن كلام له (عليه السلام)

[وفيه يصف أصحابه بصفين حين طال منعهم له من قتال أهل الشام]

فَتَدَاكُّوا(5) عَلَيَّ تَدَاكَّ الاِْبِلِ الْهِيمِ(6) يَوْمَ وِرْدِهَا(7)، قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا(8)، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِليَّ، أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْض لَدَيَّ، وَقَدْ قلَّبْتُ هذَا الاَْمْرَ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ، فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعْني إِلاَّ قِتَالُهُمْ أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله)، فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ، وَمَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الاْخِرَةِ.

____________

1. الاضحية: الشاة التي طلب الشارع ذبحها بعد شروق الشمس من عيد الاضحى.

2. اسْتِشراف أُذُنِها: نَفَقّدُها حتى لاتكون مجدوعة أومشقوقة.

3. عَضْباء القَرْن: مكسورته.

4. تَجُرّ رجلها إلى المنْسَك: أي عرجاء; والمنسك: المذبح.

5. تَدَاكّوا: تزاحموا عليه ليبايعوه رغبةً فيه.

6. الهيِم: العِطاش من الابل.

7. يوم وِرْدِها: يوم شربها الماء.

8. المثَاني ـ جمع المثناة بفتح الميم وكسرها ـ: حبل من صوف أوشعر يُعْقَلُ به البعير.


الصفحة 115

[ 54 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين

أمَّا قَوْلُكُمْ: أَكُلَّ ذلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَوَاللهِ مَا أُبَالِي دَخَلْتُ إِلَى المَوْتِ أَوْ خَرَجَ المَوْتُ إِلَيَّ.

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: شَكّاً في أَهْلِ الشَّامِ! فَوَاللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلى ضَوْئِي(1)، فهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا(2).

____________

1. تَعْشُو إلى ضوئي: تستدل عليه ببصر ضعيف.

2. تَبُوء بآثامها: ترجع.


الصفحة 116

[ 55 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
[يصف أصحاب رسول الله]

[وذلك يوم صفين حين أمر الناس بالصلح]

وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ(1)، وَصَبْراً عَلى مَضَضِ الاْلَمِ(2)، وَجِدّاً عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالاْخَرُ مِنْ عَدُوِّنا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ(3) الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا(4)، أيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، ومَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ(5)، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الاِْسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ(6) وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلاِيمَانِ عُودٌ، وَأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا(7) دَماً، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً!

____________

1. اللّقَم ـ بالتحريك وبوزن صُرَد أيضاً ـ: معظم الطريق أوجادّته.

2. مَضَض الالم: لذعته وبُرَحاؤه.

3. التّصاول: أن يحمل كل واحد من النّدّين على صاحبه.

4. يتخالَسان أنْفُسَهُما: كل منهما يطلب اختلاس روح الاخر.

5. الكَبْت: الاذلال.

6. جِران البعير ـ بالكسر ـ: مقدّمُ عنقه من مذبحه إلى مَنْحَره; وإلقاء الجِران كناية عن التمكّن.

7. الاحتلاب: استخراج ما في الضرع من اللبن.


الصفحة 117

[ 56 ]
ومن كلام له (عليه السلام) لاصحابه

أما إنِّهُ سِيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ(1) بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ(2)، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ(3)، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ! أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي; فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي، فَإِنَّهُ لي زَكَاةٌ،وَلَكُمْ نَجَاةٌ; وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّأُوا مِنِّي، فَإِنِّي وَلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الاِْيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.

____________

1. سيَظْهَرُ عليكُم: سيغلب.

2. رَحْبُ البُلْعُوم: واسعُهُ.

3. مُنْدَحِقُ البَطْن: عظيم البطن بارزه، كأنه لِعِظَمِهِ مُنْدلقٌ من بدنه يكاد يَبينُ عنه، وأصل «اندحق» بمعنى انزلق.


الصفحة 118

[ 57 ]
ومن كلامه(عليه السلام)
كلّم به الخوارج [حين اعتزلوا الحكومة وتنادوا: أن لا حكم إلاّ لله]

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ(1)، وَلاَ بَقِيَ مِنْكُمْ آبرٌ، أَبَعْدَ إِيمَاني بِاللهِ وَجِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ! لَقَدْ (ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)! فَأُوبُوا شَرَّ مَآب(2)، وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الاَْعْقَابِ(3)، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاًّ شَامِلاً، وَسَيْفاً قَاطِعاً، وَأَثَرَةً(4) يَتَّخِذُهَاالظَّالِمونَ فِيكُمْ سُنَّةً.

قوله (عليه السلام): «ولا بقي منك آبر» يُروى على ثلاثة أوجه:

أحدها أن يكون كما ذكرناه، بالراء، من قولهم: رجلٌ آبِرٌ: للذي يأبر النخل، أي: يصلحه.

ويروى: «آثِرٌ»، يُراد به: الذي يأثر الحديث، أي: يحكيه ويرويه، وهو أصح الوجوه عندي، كأنه(عليه السلام)قال: لا بقي منكم مُخبر!

ويروى: «آبِز» ـ بالزاي معجمة ـ وهو: الواثب، والهالك أيضاً يقال له: آبزٌ.

[ 58 ]
وقال(عليه السلام)
لمّا عزم على حرب الخوارج

وقيل له: إن القوم قد عبروا جسر النهروان

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.

يعني بالنطفة: ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جماً، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضيّ ما أشبهه.

____________

1. الحاصِبُ: ريح شديدة تحمل التراب والحصى، والجملة دعاء عليهم بالهلاك.

2. فأوبُوا شرّ مآب: انقلبوا شرّ منقلب بضلالتكم في زعمكم.

3. الاعقاب: جمع عقِب ـ بكسرالقاف ـ وهو مؤخر القدم.

4. الاثَرة: الاستبداد بفوائد الملك.


الصفحة 119

[ 59 ]
وقال(عليه السلام)
لمّا قتل الخوارج

فقيل له: يا أميرالمؤمنين، هلك القوم بأجمعهم، فقال:

كَلاَّ وَالله، إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلاَبِ الرِّجَالِ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ(1)، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ(2)، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلاَّبِينَ.

[ 60 ]
وقال(عليه السلام) فيهم

لاَ تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ.

يعني: معاوية وأصحابه.

____________

1. قَرَارات النساء: كناية عن الارحام.

2. كُلّما نَجَمَ منهم قَرْنٌ قُطِعَ: كلما ظهر أوطلع منهم رئيس قُتل.


الصفحة 120

[ 61 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
لمّا خُوِّف من الغيلة(1)

وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةً(2) حَصِينةً، فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْنِي; فَحِينَئِذ لاَ يَطِيشُ السَّهْمُ(3)، وَلاَ يَبْرَأُ الْكَلْمُ(4).

[ 62 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[يحذر من فتنة الدنيا]

أَلاَ وإنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لاَ يُسْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ فِيهَا، وَلاَ يُنْجَى بِشَيْء كَانَ لَهَا، ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً، فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ; فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ، بِيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً(5) حَتَّى قَلَصَ(6)، وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ.

____________

1. الغَيْلة: القتل على غِرّة بغير شعور من المقتول كيف يأتيه القاتل.

2. الجُنّة ـ بالضم ـ: الوقاية والملجأ والحصن، وقد سبقت.

3. طاش السهم عن الهدف ـ من باب باع ـ أي: جاوره ولم يصبه.

4. الكَلْمُ ـ بالفتح ـ: الجرح.

5. سابغاً: ممتداً ساتراً للارض.

6. قَلَصَ: انقبض.


الصفحة 121

[ 63 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[في المبادرة إلى صالح الاعمال]

وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ(1)، وَابْتَاعُوا(2) مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا(3) فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ(4)، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ(5)، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَار فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً(6)، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ.

وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ(7): اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ(8) بِسُرْعَةِ الاَْوْبَةِ(9)، وَإِنَّ

____________

1. بَادِرُوا آجالَكُمْ بأعمالِكُم أي: سابقوها وعاجلوها بها.

2. ابتاعوا: اشتروا ما يبقى من النعيم الابدي، بما يفنى من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية.

3. الترحّل: الانتقال، والمراد هنا لازمه، وهو: إعداد الزاد الذي لا بدّ منه للراحل.

4. جُدّ بكم: أي حُثِثْتم وأُزْعجتم إلى الرحيل.

5. أظَلّكم: قرب منكم من كأنّ له ظّلاً قد ألقاه عليكم.

6. سُدى: مهملين.

7. يحدوه: يسوق،والجديدان: الليل والنهار.

8. حَرِيّ: جدير.

9. الاوْبَة: الرجعة.


الصفحة 122
قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لاَِفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ نُفُوسَكُمْ(1) غَداً.

فَاتَّقَىْ عَبْدٌ رَبِّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّمَ تَوْبَتَهُ، غَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، والشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِه، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا(2)، حتّى تَهْجُم مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا.

فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَة أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَةِ!

نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمِّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نَعْمَةٌ(3)، وَلاَ تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ، وَلاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلاَ كَآبَةٌ.

[ 64 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[وفيها مباحث لطيفة من العلم الالهي]

[الْحَمْدُ للهِ] الَّذِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حالاً، فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً، وَيَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً.

كُلُّ مُسَمّىً بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ، وَكُلُّ عَزِيز غَيْرَهُ ذَلِيلٌ، وَكُلُّ قَوِي غَيْرَهُ

____________

1. ما تَحْرُزُون به نفوسكم أي: تحفظونها به.

2. يُسَوّفها: يؤجّلها ويؤخرها.

3. لا تُبْطِرُهُ النعمة: لا تطغيه، ولا تسدل على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه.


الصفحة 123
ضَعِيفٌ، وَكُلُّ مَالِك غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ، وَكُلُّ عَالِم غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ، وَكُلُّ قَادِر غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَيَعْجَزُ، وَكُلُّ سَمِيع غَيْرَهُ يَصَمُّ(1) عَنْ لَطِيفِ الاَْصْوَاتِ، ويُصِمُّهُ كَبِيرُهَا، وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، وَكُلُّ بَصِير غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ الاَْلْوَانِ وَلَطِيفِ الاَْجْسَامِ، وَكُلُّ ظَاهِر غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِن، وَكُلُّ بَاطِن غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِر.

لَمْ يَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِيدِ سُلْطَان، وَلاَ تَخْوُّف مِنْ عَوَاقِبِ زَمَان، وَلاَ اسْتِعَانَة عَلَى نِدّ (2) مُثَاوِر(3)، وَلاَ شَرِيك مُكَاثِر(4)، وَلاَ ضِدّ مُنَافِر(5); وَلكِنْ خَلاَئِقُ مَرْبُوبُونَ(6)، وَعِبَادٌ دَاخِرُونَ(7)، لَمْ يَحْلُلْ فِي الاَْشْيَاءِ فَيُقَالَ: هُوَ فيها كَائِنٌ، وَلَمْ

____________

1. يَصَمّ ـ بفتح الصاد ـ: مضارع «صَمّ» ـ من باب علم ـ إذا أصيب بالصمم وفقد السمع; وما عظم من الاصوات حتى فات المألوف الذي يستطيع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها.

2. النِّد ـ بكسر النون ـ: النظير والمثل، ولا يكون إلاّ مخالفاً، وجمعه أنداد مثل حِمْل وأحْمال.

3. المثاور: المُوَاثِب والمُحارِب.

4. الشريك المكاثرِ: المُفاخِرُ بالكثرة، هذا إذا قرىء بالثاء المثلثة، ويروى «المكابر» ـ بالباء الموحدة ـ أي: المفاخر بالكِبْر والعظمة.

5. الضّدّ المُنافِر: الذي يحاكي ضده في الرفعة والنسب فيغلبه.

6. مَرْبُوبُون: أي مملوكون.

7. داخِرون: أذِلاّء، من دخر.


الصفحة 124
يَنْأَ عَنْهَا(1) فَيُقَالَ: هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ(2).

لَمْ يَؤُدْهُ(3) خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ، وَلاَ تَدْبِيرُ مَا ذَرَأَ(4)، وَلاَ وَقَفَ بِهِ عَجْرٌ عَمَّا خَلَقَ،وَلاَ وَلَجَتْ(5) عَلَيْهِ شُبْهُةٌ فِيَما قَضَى وَقَدَّرَ، بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ، وَعِلْمٌ مُحْكَمٌ، وَأَمْرٌ مُبْرَمٌ(6). المَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ، المرَهُوبُ مَعَ النِّعَمِ!

[ 65 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
[في تعليم الحرب والمقاتلة]
في بعض أيام صفين

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: اسْتَشْعِرُوا الْخَشْيَةَ(7)، وَتَجَلْبَبُوا(8) السَّكِينَةَ،

____________

1. لم ينأ عنها أي: لم ينفصل انفصالَ الجسم. 2. بائن: منفصل.

3. لم يَؤدْه: لم يُثْقِلْهُ، آدَهُ الامرُ; يَأوده: أثقله وأتعبه.

4. ذرأ: خلق.

5. وَلَجَتْ عليه: دَخَلَتْ.

6. مُبْرَم: محتوم، وأصله من «أبْرَمَ الحبلَ» جعله طاقَيْن، ثم فتله، وبهذا أحكمه.

7. اسْتَشْعِرُوا الخَشْيَةَ: اجعلوها من شِعاركم. والشعار هو ما يلي البدنَ من الثياب.

8. تَجَلْببَ: لبِسَ الجِلْبَابَ، وهو ما تغطي به المرأة ثيابها من فوق.


الصفحة 125
وَعَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ(1)، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلْسُّيُوفِ(2) عَنِ الْهَامِ(3)، وَأَكْمِلُوا اللاَّْمَةَ(4)، وَقَلْقِلُوا السُّيُوفَ(5) فِي أَغْمَادِهَا(6) قَبْلَ سَلِّهَا، وَالْحَظُوا الْخَزْرَ(7)، وَاطْعُنُوا الشَّزْرَ(8)، وَنَافِحُوا بِالظُّبَا(9)، وَصِلُوا السُّيُوفَ بَالْخُطَا(10)، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ

____________

1. النواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الاضراس. ولكلّ إنسان أربعة نواجذ وهي بعد الارْحاءِ. ويسمى الناجذ ضرْسَ العقل. وإذا عضضت على ناجِذك تصلّبَتْ أعصابك وعضلاتك المتصلة بدماغك.

2. أنْبَى للسيوف: أبعد عنها.

3. الهام: جمع هامة، وهي الرأس.

4. اللاْمَة: الدّرع. وإكمالها أن يُزَاد عليها البَيْضَةُ ونحوها. وقد يراد من اللامة آلات الحرب والدفاع، وإكمالها على هذااستيفاؤها.

5. قَلْقِلُوا السيوف: حرّكوها في أغمادها.

6. الاغْماد: جمع غمد وهو بيت السيف.

7. الخزَر ـ محركةً، وسكّنها مراعاةً للسجعة الثانية ـ: النظر من أحد الشقّين، وهو علامة الغضب.

8. الشّزْر ـ بفتح الشين ـ: الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً.

9. نافحوا بالظّبا; نافحوا: كافحوا وضاربوا، والظّباـ بالضم ـ: جمع ظبة، وهي طرف السيف وحدّه.

10. صِلُوا السّيوفَ بالخُطَا: صِلوا من الوصل أي: اجعلوا سيوفكم متصلةً بخطا أعدائكم، جمع خطوة.


الصفحة 126
بِعَيْنِ اللهِ، وَمَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، فَعَاوِدُوا الْكَرَّ، وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ(1)، فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الاَْعْقَابِ(2)، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَطِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ نَفْساً، وَامْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْياً سُجُحاً(3)، وَعَلَيْكُمْ بِهذَا السَّوَادِ الاَْعْظَمِ، وَالرِّوَاقِ المُطَنَّبِ(4)، فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ(5)، فإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ فِي كِسْرِهِ(6)، قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً; فَصَمْداً صَمْداً!(7) حَتَّى يَنْجَلِيَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ (وَأَنْتُمُ الاَْعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)(8)

____________

1. الفَرّ: الفرار.

2. عَارٌ في الاعْقاب: هنا الاولاد، لانهم يُعْيّرُون بفرار آبائهم.

3. السُجُح ـ بضمتين ـ: السهل.

4. الرِّوَاق المُطَنّب; الرواق ـ ككتاب وغراب ـ: الفسطاط، والمُطَنّب: المشدود بالاطْنَاب جمع طُنُب ـ بضمتين ـ وهو حبل يشدّ به سُرَادِقُ البيت.

5. الثَبَجَ ـ بالتحريك ـ: الوسط.

6. كِسْرُه ـ بالكسر ـ: شِقّه الاسفل، كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون.

7. الصَّمْد: القصد، أي: فاثبتوا على قصدكم.

8. (لن يَتِرَكُم أعمالكم): لن ينقصكم شيئاً من جزائها.


الصفحة 127

[ 66 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في معنى الانصار

قالوا: لمّا انتهت إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنباء السقيفة(1) بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال(عليه السلام): ما قالت الانصار؟

قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير.

قال(عليه السلام): فَهَلاَّ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ: بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهمْ، وَيُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟

قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟

فقال(عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الامارة فِيهمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ.

ثم قال: فَمَاذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟

قالوا: احتجت بأَنها شجرة الرسول(صلى الله عليه وآله).

فقال(عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الَّثمَرَةَ.

[ 67 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
لمّا قلد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل

وَقَدْ أَرَدْتُ تَوْلِيَةَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَلَوْ وَلَّيْتُهُ ِيَّاهَا لَما خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَةَ(2)، وَلاَ أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَةَ، بَلاَ ذَمٍّ لُِمحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْر، فَلَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وَكَانَ لي رَبِيباً.

____________

1. سقيفة بني ساعدة: اجتمع فيها بعض الصحابة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لاختيار خليفة له.

2. العَرْصَة: كل بقعة واسعة بين الدّور. والمراد ما جعل لهم مجالاً للمغالبة. وأراد بالعرصة عَرْصَةَ مصر، وكان محمد قد فرّ من عدوّه ظنّاً منه أنه ينجو بنفسه، فأدركوه وقتلوه.


الصفحة 128

[ 68 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في ذمّ أصحابه

كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةُ(1)، وَالثِّيَابُ الْمتَدَاعِيَةُ!(2) كُلَّما حِيصَتْ(3) مِنْ جَانِب تَهَتَّكَتْ(4) مِنْ آخَرَ، كُلَّما أَطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ(5) مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ رَجُل مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ(6) انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا(7).

الذَّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ! وَمَنْ رُمِيَ بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأَفْوَقَ نَاصِل(8).

____________

1. البِكار ـ ككتاب ـ جمع بكر: الفتيّ من الابل. العَمِدة ـ بفتح فكسر ـ: التي انفضح داخلُ سنَامِها من الركوب، وظاهُرهُ سليم.

2. الثياب المُتداعية: الخَلقَةُ المُتَخَرّقة. ومُدَاراتها: استعمالها بالرفق التام.

3. حيصَتْ: خِيطَتْ.

4. تَهَتّكَتْ: تَخَرّقَتْ.

5. المَنْسر ـ كمجلس ومنبر ـ: القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير. وأطلّ: أشرف.

6. إنْجَحَرَ: دخَلَ الجُحْرَ.

7. الوِجار ـ بالكسر ـ: جُحْرُ الضّبُع وغيرها.

8. الافْوَق من السهام: ما كُسر فُوقُهُ، أي موضع الوتر منه. والناصل: العاري من النصل. والسهم إذا كان مكسور الفُوقِ عارياً عن النصل لم يؤثّر في الرمية.


الصفحة 129
إِنَّكُمْ ـ وَاللهِ ـ لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ(1)، قَليِلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ، وَيُقِيمُ أَوَدَكُمْ(2)، وَلكِنِّي واللهِ لاَ أَرى إِصْلاَحَكُمْ بَإِفْسَادِ نَفْسِي.

أَضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ(3)، وَأَتْعَسَ جُدُودَكُمْ(4)! لاَ تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ،وَلاَ تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبطَالِكُمُ الْحَقَّ!

[ 69 ]
وقال(عليه السلام)
في سُحرة(5) اليوم الذي ضرب فيه

مَلَكَتْنِي عَيْنِي(6) وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَنَحَ لي رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)(7): يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الاَْوَدِ وَاللَّدَدِ؟ فَقَالَ: «ادْعُ عَلَيْهِمْ»، فَقُلْتُ: أَبْدَلَنِي اللهُ بِهمْ خَيْراً لي مِنْهُمْ، وَأَبْدَلَهُمْ بِي شَرّاً لَهُمْ مِنِّي.

يعني(عليه السلام) بالاود: الاعوجاج، وباللدد: الخصام. وهذا من أفصح الكلام.

____________

1. الباحات: الساحات.

2. أوَدَكم ـ بالتحريك ـ: اعوجاجكم.

3. أضْرَعَ الله خُدُودَكم: أذلّ الله وجوهكم.

4. وأتْعَسَ جُدُودَكم، أي: حط من حظوظكم. والتّعَسَ: الانحطاط والهلاك والعثار.

5. السُّحْرة ـ بالضم ـ: السّحَر الاعلى من آخر الليل.

6. مَلَكَتْني عَيْني: غلبني النوم.

7. سنح لي رسول الله: مرّبي كما تسنح الظباء والطير.


الصفحة 130

[ 70 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
في ذم أَهل العراق

[وفيها يوبّخهم على ترك القتال، والنصر يكاد يتمّ، ثم تكذيبهم له]

أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ(1)، وَمَاتَ قَيِّمُهَا(2)، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا(3)، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا.

أَمَا وَاللهِ مَا أَتَيْتُكُمُ اخْتِيَاراً، وَلكِنْ جَئْتُ إِلَيْكُمْ سَوْقاً، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: [عَليٌّ ]يَكْذِبُ، قَاتَلَكُمُ اللهُ! فَعَلَى مَنْ أَكْذِبُ؟ أَعَلَى اللهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ! أَمْ عَلَى نَبِيِّهِ؟ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ! كَلاَّ وَاللهِ، ولكِنَّهَا لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَمْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَيْلُ امِّهِ(4)، كَيْلاً بِغَيْرِ ثَمَن! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين).

____________

1. أمْلَصَت: أسقطت، وألقت ولدها ميتاً.

2. قَيّمها: زوجها.

3. تأيُّمُها: خلُوّها من الازواج.

4. ويْلُ امّهِ: كلمة استعظام تقال في مقام المدح وإن كان أصل وضعها لضده، ومثل ذلك معروف في لسانهم، يقولون للرجل يعظمونه ويقرظونه: «لا أبالك». في الحديث «فاظفر بذات الدين تربت يداك».