المكتبة العقائدية »  (لـ )



الصفحة 333
الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ، وَكَيْفَ عَشِيَتْ(1) أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نقُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا، وَتَتَّصِلُ بِعَلاَنِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا.

وَرَدَعَهَا بِتَلاَْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ(2) إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِى بُلَجِ ائْتِلاَقِهَا(3)، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بَالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ في الْـتَِماسِ أَرْزَاقِهَا; فَلاَ يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ(4) ظُلْمَتِهِ، وَلاَ تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ(5).

فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ(6) نَهَارِهَا، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا(7)، أَطْبَقَتِ الاَْجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا(8)،

____________

1. العَشَا ـ مقصوراً ـ: سوء البصر وضعفه.

2. سُبُحات النور: درجاته وأطواره.

3. الائْتِلاق: اللمعان. والبَلَج ـ بالتحريك ـ: الضوء ووضوحه.

4. أسْدَفَ الليلُ: أظلمَ.

5. الدُجُنّة: الظُلْمة. وغَسَقُ الدّجُنّة: شدّتها.

6. أوضاح: جمع وَضَح ـ بالتحريك ـ وهو هنا بياض الصبح.

7. الضِّباب ـ ككتاب جمع ضَبّ ـ: الحيوان المعروف. والوِجار ـ ككتاب ـ: الجُحْر.

8. مآقيها: جمع مأق وهو طرف العين مما يلي الانف.


الصفحة 334
وَتَبَلَّغَتْ(1) بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا.

فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً، وَجَعَلَ النَّهَارَ لَهَا سَكَناً وَقَرَاراً! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ، كَأَنَّهَا شَظَايَا الاْذَانِ(2)، غَيْرَ ذَوَاتِ رِيش وَلاَ قَصَب(3)، إِلاَّ أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلاَماً(4)، لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلاَ.

تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لاَصِقٌ بِهَا لاَجِيٌ إِلَيْهَا، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ، لاَيُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ. فَسُبْحَانَ الْبَارِىءِ لِكُلِّ شَيْء، عَلَى غَيْرِ مِثَال خَلاَ مِنْ غَيْرِهِ(5)!

____________

1. تَبَلّغَتْ: اكتفت أواقتاتت.

2. شظايا: جمع شظِيّة كعطيّة وهي الفلقة من الشيء، أي كأنها مؤلفة من شقق الاذان.

3. القَصَبة: عمود الريشة أوأسفلها المتصل بالجناح. وقد يكون مجرداً عن الزّغَب في بعض الحيوانات مما ليس بطائر، كبعض أنواع القنفذ والفيران.

4. أعلاماً: رسوماً ظاهرة.

5. خلا من غيره: تقدّمه من سواه فحاذاه.


الصفحة 335

[ 156 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذلِكَ أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنْ أَطَعْتُمُوني فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّة شَدِيدَة وَمَذَاقَة مَرِيرَة.

وَأَمَّا فُلاَنَةُ، فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ الْنِّسَاءِ، وَضِغْنٌ غَلاَ فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ(1) الْقَيْنِ(2)، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ، لَمْ تَفْعَلْ، وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الاُْولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللهِ.

منه: [في وصف الايمان]

سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ، أَنْوَرُ السِّرَاجِ، فَبِالاِْيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبَالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاِْيمَانِ، وَبِالاِْيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ، وَبِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الاْخِرَةُ، وَإِنَّ الْخَلْقَ لاَ مَقْصَرَ(3) لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ، مُرْقِلِينَ(4) فِي مِضْمارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى.

____________

1. المِرْجَل: القِدْر. 2. القَيْن ـ بالفتح ـ: الحداد.

3. المَقْصَر ـ كمقعد ـ: المجلس، أي لا مستقر لهم دون القيامة.

4. مُرْقِلين: مسرعين.


الصفحة 336

منه: [في حال أهل القبور في القيامة]

قَدْ شَخَصُوا(1) مِنْ مُسْتَقَرِّ الاَْجْدَاثِ(2)، وَصَارُوا إِلى مَصَائِرِ الْغَايَاتِ(3)، لِكُلِّ دَار أَهْلُهَا، لاَ يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلاَ يُنْقَلُونَ عَنْهَا.

وَإِنَّ الاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ المُنكَرِ، لَخُلُقَانَ مِنْ خُلُقِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّهُمَا لاَ يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَل، وَلاَ يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْق.

وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ(4)، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لَلْمُتَعَلِّقِ، لاَ يَعْوَجُّ فَيُقَامَ، وَلاَ يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ(5)، وَلاَ تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ(6)، وَوُلُوجُ السَّمْعِ(7)، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ.

____________

1. شخَصُوا: ذهبوا.

2. الاجداث: القبور.

3. مصائر الغايات: جمع مصير، ما يصير اليه الانسان من شقاء وسعادة.

4. نَقَعَ العطش: أزاله.

5. يُسْتَعْتَبُ: يُطْلَبُ منه العُتْبى حتى يرضى.

6. أخْلَقَهُ: ألبسه ثوباً خَلَقاً أي بالياً. وكثرة الرد: كثرة ترديده على الالسنة بالقراءة.

7. وُلُوج السمع: دخول الاذان والمسامع.


الصفحة 337
وقام إليه(عليه السلام) رجل فقال: أخبرنا عن الفتنة، وهل سألت عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقال(عليه السلام):

لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ، قَوْلَهُ: (الم * أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْركُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا؟

فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي».

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُد حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحِيزَتْ(1) عَنِّي الشَّهَادَةُ، فَشَقَّ ذلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتَ لِي: «أَبْشِرْ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ»؟.

فَقَالَ لي: «إِنَّ ذلِكَ لَكَذلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَنْ»؟.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ هذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ، وَلكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البشرى وَالشُّكُرِ.

وَقَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالاَْهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذلِكَ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّة، أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة؟

فَقَالَ: «بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة».

____________

1. حِيزَتْ: حازها الله عني فلم أنلها.


الصفحة 338

[ 157 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[يحثّ الناس على التقوى]

الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ، وَسَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ، وَدَلِيلاً عَلَى آلاَئِهِ وَعَظَمَتِهِ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ، لاَ يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلاَ يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ.

آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ، مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ(1)، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلاَمُهُ(2).

فَكَأَنَّكُمْ بَالسَّاعَةِ(3) تَحْدُوكُمْ حَدْوَالزَّاجِرِ(4) بِشَوْلِهِ(5)، فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي

____________

1. تتسابق أمور الدهر: أي مصائبه، كأنّ كلاً منها يطلب النزول قبل الاخر، فالسابق منها مهلك، والمتأخر لا حق له في مثل أثره.

2. الاعلام هي الرايات: كنّى بهم عن الجيوش. وتظاهر: تعاونها.

3. الساعة: القيامة. وحَدْوُها:سَوْقها وحثّها لاهل الدنيا على المسير للوصول إليها.

4. زاجر الابل: سائقها.

5. الشَوْل ـ بالفتح ـ: جمع شائلة، وهي من الابل ما مضى عليها من حملها أووضعها سبعة أشهر.


الصفحة 339
طُغْيَانِهِ، وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّىءَ أَعْمَالِهِ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ.

اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْن عَزِيز، وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْن ذَلِيل، لاَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ، وَلاَ يُحْرِزُ(1) مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ. أَلاَ وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ(2) الْخَطَايَا، وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصُوَى.

عِبَادَ اللهِ، اللهَ اللهَ فِي أَعَزِّ الاَْنْفُسِ عَلَيْكُم، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ; فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَوْضَحَ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ، فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ! فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ(3) لاَِيَّامِ الْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بَالظَّعْنِ(4)، وَحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْب وُقُوف، لاَ يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بَالسَّيْرِ، أَلاَ فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلاخِرَةِ! وَمَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيل يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ(5) وَحِسَابُهُ!

____________

1. لا يُحْرِزُ: لا يحفظ.

2. الحُمَة ـ بضم ففتح ـ: في الاصل إبرة الزّنبور والعقرب ونحوها تلسع بها، والمراد هنا سطوة الخطايا على النفس.

3. أيام الفناء: يريد أيام الدنيا.

4. المراد «بالظّعن» المأمور به ها هنا السير إلى السعادة بالاعمال الصالحة، وهذا ما حثنا الله عليه.

5. تَبَعَتُهُ: ما يتعلق به من حق الغير فيه.


الصفحة 340
عِبَادَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ، وَلاَ فِيَما نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ.

عِبَادَ اللهِ، احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الاَْعْمَالُ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ، وَتَشِيبُ فِيهِ الاَْطْفَالُ.

اعْلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً(1) مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ، وَحُفَّاظَ صِدْق يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لاَ تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْل دَاج، وَلاَ يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُورِتَاج(2)، وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ.

يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاَ حِقاً بِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِىء مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الاَْرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ(3)، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ، فَيَالَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَة، وَمَنْزِلِ وَحْشَة، وَمُفْرَدِ غُرْبَة!

وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ(4) قَدْ أَتَتْكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لَفَصْلِ

____________

1. الرّصَد: الرّقيب. ويريد به هنا رقيب الذمة وواعظ السر.

2. الرّتاج ـ ككتاب ـ: الباب العظيم إذا كان مُحْكَم الغَلْق.

3. منزل وحدته: هو القبر.

4. المراد «بالصيحة» هنا الصيحة الثانية، بقوله تعالى: (إن كانت إلاّ صيحةً احدةً)


الصفحة 341
الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ(1) عَنْكُمُ الاَْبَاطِيلُ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الاُْمُورُ مَصَادِرَهَا، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ، وَاعْتَبِرُوا بَالْغِيَرِ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ.

[ 158 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[ينبّه فيها على فضل الرسول الاعظم، وفضل القرآن، ثم حال دولة بني أميّة]
[النبي والقرآن]

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَة مِنَ الاُْمَمِ(2)، وَانْتِقَاض مِنَ الْمُبْرَمِ(3)، فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالنُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ.

ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ.

____________

1. زاحت: بعدت وانكشفت.

2. الهَجْعة: المرة من الهجوع، وهو النوم ليلاً. والمراد نوم الغفلة في ظلمات الجهالة.

3. المُبْرَم: المُحْكَم، من أبْرَمَ الحبْلَ إذا أحْكَمَ فَتْلَه. والمراد الاحكام الالهية التي أُبرمت على ألسنة الانبياء.


الصفحة 342

منها: [في دولة بنى أمية]

فَعِنْدَ ذلِكَ لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَر وَلاَ وَبَر(1) إِلاَّ وَأَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً(2)، وَأَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً، فَيَوْمَئِذ لاَ يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّماءِ عَاذِرٌ، وَلاَ فِي الاَْرْضِ نَاصِرٌ.

أَصْفَيْتُمْ(3) بِالاَْمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ، وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكَل، وَمَشْرَباً بِمَشْرَب، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبِرِ(4)وَالْمَقِرِ(5)، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ، وَدِثَارِ السَّيْفِ(6). وَإِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَزَوَامِلُ الاْثَامِ(7).

فَأُقْسِمُ، ثُمَّ أُقْسِمُ، لَتَنَخَّمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ(8)، ثُمَّ لاَ تَذُوقُهَا وَلاَ تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ(9)!

____________

1. بيت مَدَر ولا وَبَر: كناية عن أهل الحاضرة والبادية.

2. تَرْحة: حزن.

3. أَصْفَيْتَه الشيء: آثرته به واختصصته.

4. الصّبِر ـ كَكَتف ـ: عُصارة شجر مرّ. 5. المَقِر ـ على وزن كَتِف ـ: السمّ.

6. الدّثار ـ ككتاب ـ: من اللباس، أعلاه فوق الملابس; والسيف يكون أشبه بالدّثار إذا عمّت إباحة الدم بأحكام الهوى.

7. الزّوامل: جمع زاملة، وهي ما يحمل عليها الطعام من الابل ونحوها.

8. نَخِمَ ـ كفرح ـ: أخرج النّخامة من صدره فألقاها. والنّخامة ـ بالضمّ ـ: ما يدفعه الصدر أوالدماغ من المواد المُخاطيّة.

9. الجديدان: الليل والنهار.


الصفحة 343

[ 159 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[يبيّن فيها حسن معاملته لرعيّته]

وَلَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رَبَقِ(1) الذُّلِّ، وَحَلَقِ(2) الضَّيْمِ، شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَإِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ.

[ 160 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَحِكْمَةٌ، وَرِضَاهُ أَمَانٌ وَرَحْمَةٌ، يَقْضِي بِعِلْم، وَيَعْفُو بحِلْم.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَتُعْطِي، وَعَلَى مَا تُعَافي وَتَبْتَلي.

حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ، وَأَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ، وَأَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ.

حَمْداً يَمْلاَُ مَا خَلَقْتَ، وَيَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ.

حَمْداً لاَ يُحْجَبُ عَنْكَ، وَلاَ يُقْصَرُ دُونَكَ.

حَمْداً لاَ يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ، وَلاَ يَفْنَى مَدَدُهُ.

____________

1. رِبَق: جمع رِبْقة وهي الحبل يُرْبق به.

2. حَلَق: جمع حَلْقَة.


الصفحة 344
فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ: حَيٌّ قَيُّومٌ، لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ(1) وَلاَ نَوْمٌ، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ، أَدْرَكْتَ الاَْبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الاَْعْمَالَ، وَأَخَذْتَ (بِالنَّواصِي وَالاَْقْدَامِ)، وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ.

فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ(2)خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سمَـاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ(3) الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً(4)، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً(5)، وَسَمْعُهُ وَالَهِاً(6)، وَفِكْرُهُ حَائِراً.

____________

1. السِّنة ـ بكسر السين ـ: أوائل النوم.

2. ذَرَأتَ: خَلَقْتَ. 3. المَوْر ـ بالفتح ـ: الموج.

4. حَسِيراً: مُتْعَباً.

5. المَبْهُور: المغلوب ومنقطع نَفَسه من الاعياء.

6. الواله من الوَلَهَ: وهو ذهاب الشعور.


الصفحة 345

منها: [كيف يكون الرجاء]

يَدَّعِي بِزُعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ! مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلَهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ، وَكُلُّ رَجَاء ـ إلاَّ رَجَاءَ اللهِ ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ(1)، وَكُلُّ خَوْف مُحَقَّقٌ(2)، إِلاَّ خَوْفَ اللهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ(3)، يَرْجُو اللهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي العَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ بِعِبَادِهِ؟

أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً(4) وَوَعْداً، وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا.

____________

1. المَدُخول: المغشوش غير الخالص، أوهو المَعيب الناقص لا يترتّب عليه عمل.

2. الخوف المحقّق: هو الثابت الذي يبعث على البعد عن المَخُوف والهرب منه.

3. الخوف المعلول: هو مالم يثبت في النفس ولم يخالط القلب، وإنما هو عارض في الخيال يزيله أدنى الشواغل. فهو كالاوهام لا قرار لها، و«معلول» من عَلّهُ يَعُلّه إذا شربه مرة بعد أخرى.

4. الضِّمار ـ ككتاب ـ: ما لا يُرْجى من الرعود والديون.


الصفحة 346

[رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)]

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) كَاف لَكَ فِي الاُْسْوَةِ(1)، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا(2)، وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.

[موسى(عليه السلام)]

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) إذْ يَقُولُ: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ)، وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لاِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الاَْرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ(3) صِفَاقِ(4)بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ(5).

[داوود(عليه السلام)]

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ(6) بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.

____________

1. الاسْوَة: القدوة.

2. الاكناف: الجوانب. وزَوَى: قبض.

3. شفيف: رقيق، يُسْتَشَفّ ما وراءه.

4. الصِّفاق ـ على وزن كتاب ـ: الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن.

5. تَشَذّبُ اللحم: تفرّقه.

6. السّفائف ـ جمع سَفِيفة ـ: وصف من «سَفّ الخُوصَ» إذا نسجه، أي منسوجات الخوص.


الصفحة 347

[عيسى(عليه السلام)]

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ(عليه السلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بَاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الاَْرْضِ وَمَغَارِبَهَا(1)، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الاَْرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلاَ مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلاَ طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!

[الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله)]

فَتَأَسَّ(2) بِنَبِيِّكَ الاَْطْيَبِ الاَْطْهَرِ(صلى الله عليه وآله) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى ـ وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لاَِثَرِهِ ـ قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً(3)، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً، أَهْضَمُ(4) أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً(5)، وَأَخْمَصُهُمْ(6)

____________

1. ظلاله: جمع ظلّ بمعنى الكِنّ والمأوى. ومن كان كنّه المشرق والمغرب، فلاكِنّ له.

2. تأسّ: أي اقْتَدِ.

3. القَضْم: الاكل بأطراف الاسنان، كأنه لم يتناول إلاّ على أطراف أسنانه، ولم يملا منها فمه.

4. أهْضَمُ: من الهضم وهو خمص البطن، أي خلوها وانطباقها من الجوع.

5. الكَشْح: ما بين الخاصرة إلى الضِّلْع الخلفي.

6. أخْمَصُهم: أخلاهم.


الصفحة 348
مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للهِِ، وَمُحَادَّةً(1) عَنْ أَمْرِ اللهِ.

وَلَقَدْ كَانَ(صلى الله عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الاَْرْضِ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، وَيَخْصِفُ بَيَدِهِ نَعْلَهُ(2)، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ(3)، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ(4)، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلاَنَةُ ـ لاِِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا».

فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً(5)، وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَلاَ يَرْجُو

____________

1. المُحَادّة: المخالفة في عناد.

2. خَصَفَ النعلَ: خرزها.

3. الحمار العاري: ما ليس عليه بَرْدَعة ولا إكاف.

4. أرْدَف خلفه: أركب معه شخصاً آخر على حمار واحد أوجمل أوفرس أونحوها وجعله خلفه.

5. الرِّياش: اللباس الفاخر.


الصفحة 349
فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وَأَشْخَصَهَا(1) عَنِ الْقَلْبِ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ.

وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ.

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِىءِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا: إِذْ

جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ(2)، وَزُوِيَتْ عَنْهُ(3) زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ)زُلْفَتِهِ(4).

فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ: أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً(عليه السلام) بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ! فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ، فَقَدْ كَذَبَ ـ وَاللهِ الْعَظِيمِ ـ وَإِنْ قَالَ: أَكْرَمَهُ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ.

فَتَأسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ اللهَ عزّوجلّ جَعَلَ مُحَمَّداً(صلى الله عليه وآله) عَلَماً لِلسَّاعَةِ(5)، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالعُقُوبَةِ.

____________

1. أشخصها: أبعدها.

2. خاصّته: اسم فاعل في معنى المصدر، أي مع خصوصيته وتفضله عند ربه.

3. زُوِيَت عنه ـ بالبناء للمجهول ـ: قُبِضَت واُبْعِدت، ومثله بعد قليل: زَوَى الدنيا عنه: قبضها.

4. عظيمَ زُلْفَتِه: منزلته العليا من القرب إلى الله.

5. العَلَم باتحريك: العلامة، أي أن بعثته دليل على قرب القيامة إذ لا نبي بعده.


الصفحة 350
خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً(1)، وَوَرَدَ الاْخِرَةَ سَلِيماً، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَر، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطأُ عَقِبَهُ(2)!

وَاللهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي(3) هذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلاَ تَنْبِذُهَا؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي(4)، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى(5).

____________

1. خميصاً: أي خالي البطن، كناية عن عدم التمتع بالدنيا.

2. العقِب ـ بفتح فكسر ـ: مؤخر القدم. ووطوء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقة، نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه.

3. المِدْرَعة ـ بالكسر ـ: ثوب من صوف.

4. اغْرُبْ عنّي: اذهب وابعد.

5. السُرَى ـ بضم ففتح ـ: السير ليلاً. وهذا المثل «عند الصباح يحمد القوم السرى» معناه: إذا أصبح النائمون وقدرأوا السارين واصلين إلى مقاصدهم حَمِدوا سُراهم وندموا على نوم أنفسهم.


الصفحة 351

[ 161 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[في صفة النبي وأهل بيته وأتباع دينه]

[وفيها يعظ بالتقوى]
[الرسول وأهله وأتباع دينه]

ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِىءِ، وَالْبُرهَانِ الْجَليِّ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي(1)، وَالْكِتَابِ الْهَادِي.

أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَة، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَة، أَغصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ(2).

مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ(3)، عَلا بِهَا ذِكْرُهُ، وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ.

أَرْسَلَهُ بِحُجَّة كَافِيَة، وَمَوْعِظَة شَافِية، وَدَعْوَة مُتَلافِيَة(4).

أَظْهَرَ بِهِ الشَّرائِعَ الْـمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ، وَبَيَّنَ بِهِ الاَْحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ(5).

فَـ (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِيناً) تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ(6)، وَيَكُنْ مَآبُهُ(7) إلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبيلِ

وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ تَوَكُّلَ الانَابَةِ(8) إلَيْهِ، وَأَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ المُؤَدِّيَةَ إلى جَنَّتِهِ، الْقَاصِدَةَ إلى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ.

____________

1. المنهاج البادي: أي الظاهر.

2. متهدّلة: متدلّية، دانية للاقتطاف.

3. طَيْبة: المدينة المنورة

4. مُتلافية: من تلافاه تداركه بالاصلاح قبل أن يهلكه الفساد، فدعوة النبي تلافت أمور الناس قبل هلاكهم.

5. المفصولة: التي فصلها الله أي قضى بها على عباده.

6. الكَبْوَة: السقطة.

7. المآب: المرجع. 8. الاِنابة: الرجوع


الصفحة 352

[النصح بالتّقوى]

أُوصِيكُمْ عِبَادَاللهِ، بِتَقْوَى اللهِ وَطَاعَتِهِ، فَإنَّهَا النَّجَاةُ غَداً، وَالْمَنْجَاةُ أَبَداً. رَهَّبَ فَأبْلَغَ، وَرَغَّبَ فَأَسْبَغَ(1)، وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَا لَهَا.

فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا، أَقْرَبُ دَار مِنْ سَخَطِ اللهِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللهِ! فَغُضُّوا عَنْكُمْ ـ عِبَادَاللهِ ـ غُمُومَهَا وَأَشْغَا لَهَا، لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالاَتِهَا.

فَاحْذَروُهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ(2)، وَالْـمُجِدِّ الْكَادِحِ(3)، وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ: قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ(4)، وَزَالَتْ

____________

1. أسْبَغَ: أي أحاط بجميع وجوه الترغيب.

2. الشفيق: الخائف. والناصح: الخالص.

3. الكادح: المُبَالغ في سعْيه.

4. تزايلت: تفرّقت. والاوْصال: مجتمع العظام. وتفرقها كناية عن تبدد القوم وفنائهم.


الصفحة 353
أسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ; فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الاَوْلاَدِ فَقْدَهَا، وَبِصُحْبَةِ الاَزْوَاجِ مُفَارَقتَهَا. لاَ يَتَفَاخَرُونَ، وَلاَ يَتَنَاصَرُونَ، وَلاَ يَتَنَاسَلُونَ، وَلاَ يَتَزَاوَرُونَ، وَلاَ يَتَجَاوَرُونَ.

فَاحْذَروُا، عِبَادَاللهِ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ; فَإنَّ الاَْمْرَ وَاضِحٌ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ(1)، وَالسَّبِيلَ قَصْدٌ(2).

[ 162 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ فقال

يَا أَخَا بَنِي أَسَد، إنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ(3)، تُرْسِلُ(4) فِي غَيْرِ سَدَد(5)، وَلَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ(6)، وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ:

____________

1. الجَدَد ـ بالتحريك ـ: المستوي المسلوك

2. القصد: القويم.

3. الوَضين: بطان يشد به الرحل على البعير كالحزام للسرج، فاذا قلق واضطرب، اضطرب الرحل فكثر تململ الجمل وقلّ ثباته في سيره.

4. الارسال: الاطلاق والاهمال.

5. السّدَد ـ محركاً ـ: الاستقامة.

6. الذِّمامة: الحماطية والكفاية. والصِّهْر: الصلة بين أقارب الزوجة وأقارب الزوج.


الصفحة 354
أمَّا الاسْتِبْدادُ عَلَيْنَا بِهذَا الْمَقامِ وَنَحْنُ الاَْعْلَوْنَ نَسَباً، وَالاشَدُّونَ بِالرَّسُولِ نَوْطاً(1)، فَإنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً(2) شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفوسُ آخَرِينَ، وَالْحَكَمُ اللهُ، وَالْمَعْوَدُ إلَيْهِ الْقِيَامَةُ.

وَدَعْ عَنْكَ نَهْباً(3) صِيحَ(4)فِي حَجَرَاتِهِ(5) * [وَلكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ]

وَهَلُمَّ(6) الْخَطْبَ (7) فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إبْكَائِهِ، وَلاَ غَرْوَوَاللهِ، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ، وَيُكْثِرُ الاَوَدَ(8)، حَاوَلَ الْقَوْمُ

____________

1. النَوْط ـ بالفتح ـ: التعلّق والالتصاق.

2. الاثَرة: الاختصاص بالشيء دون مستحقه.

3. النَهْب ـ بالفتح ـ: الغنيمة.

4. صِيحَ ـ صيغة المجهول من صاح ـ: أي صاحوا للغارة.

5. حَجَرَاته ـ جمع حَجْرة بفتح الحاء ـ: الناحية.

6. هَلُمّ: اذكر.

7. الخَطْب: عظيم الامر وعجيبه.

8. الاوَد: الاعوجاج.


الصفحة 355
إِطْفَاءَ نَورِ اللهِ مِنْ مِصْباحِهِ، وَسَدَّ فَوَّارِهِ(1) مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَجَدَحُوا(2) بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً(3)، فَإنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ(4)، وَإنْ تَكُنِ الاُخْرَى، (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

[ 163 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[الخالق جلّ وعلا]

الْحَمْدُ لله خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ(5)، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ(6)،وَمُخْصِبِ النِّجَادِ(7)، لَيْسَ لاَِوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلاَ لاَِزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ، هُوَ الاَوَّلُ لَمْ يَزَلْ، وَالْبَاقي بِلا أَجَل، خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ، حَدَّ الاَْشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةً

____________

1. الفوّار والفوارة من الينبوع: الثقب الذي يفور الماء منه بشدّة.

2. جَدَحُوا: خَلَطُوا.

3. الشِّرْب ـ بالكسر ـ: النصيب من الماء. والوبِي: ما يوجب شربه من الوَباء.

4. محض الحق: خالصه.

5. ساطح المهاد: جاعله سطحاً سهلاً وباسطه للعمل فيه. والمِهاد: الارض.

6. الوهاد ـ جمع وَهْدَة ـ: ماانخفض من الارض ومُسيلها فاعل من أسال، أي مُجري السيل فيها.

7. النِّجاد جمع نَجْد: ما ارتفع من الارض.


الصفحة 356
لَهُ(1)مِنْ شَبَهِهَا، لاَ تُقَدِّرُهُ الاَْوْهامُ بِالْحُدُودِ وَالحَرَكَاتِ، وَلاَ بِالْجَوَارِحِ وَالاْدَوَاتِ، لاَ يُقَالُ لَهُ:«مَتَى»؟ وَلاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ «بِحَتَّى»، الظَّاهِرُ لاَ يُقالُ: «مِمَّ»؟ وَالْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ: «فِيمَ»؟، لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى، وَلاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى، لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الاَْشْيَاءِ بِالْتِصَاق، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاق، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَة(2)، وَلاَ كُرُورُلَفْظَة، وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَة(3)، وَلاَ انْبِسَاطُ خُطْوَة فِي لَيْل دَاج(4)، وَلاَ غَسَق سَاج(5)، يَتَفَيَّأُ(6) عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْكُرُورِ وَالاُْفُولِ(7)، وَتَقْلِيبِ الاَْزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْل مُقْبِل، وَإِدْبَارِ نَهَار مُدْبِر، قَبْلَ كُلِّ غَايَة وَمُدَّة، وَكُلِّ إِحْصَاء وَعِدَة، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ(8) الُْمحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الاَْقْدَارِ(9)،

____________

1. الابانة: هاهنا التمييز والفصل، والضمير في «له» يرجع إليه سبحانه أي تمييزاً لذاته تعالى عن شبهها أي مشابهتها. 2. شخوص لحظة: امتداد بصر بلا حركة من جفن.

3. ازدلاف الرّبْوة: تقربها من النظر و ظهورها له لانه يقع عليها قبل المنخفضات.

4. الداجي: المُظْلم.

5. الغَسَق: الليل. وساج: أي ساكن لا حركة فيه.

6. عبّر عن نسخ نور القمر له، بالتفيؤ تشبيهاً له بنسخ الظلّ لضياء الشمس، وهو من لطيف التشبيه ودقيقه.

7. الافول: المغِيب. والكُرُور: الرجوع بالشروق.

8. نَحَلَهُ القولَ ـ كمنعه ـ: نسبه اليه.

9. صفات الاقدار: جمع قَدْر ـ بسكون الدال ـ وهو حال الشيء من الطول والعرض والعمق ومن الصغر والكبر.


الصفحة 357
وَنِهَايَاتِ الاَْقْطَارِ(1)، وَتَأَثُّلِ(2) الْمَسَاكِنِ، وَتَمَكُّنِ الاَْمَاكِنِ; فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإِلَى غَيْرهِ مَنْسُوبٌ.

[ابتداع المخلوقين]

لَمْ يَخْلُقِ الاْشْيَاءَ مِنْ أُصُول أَزَلِيَّة، وَلاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّة، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ(3)، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، لَيْسَ لِشَيْء مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَلاَ لَهُ بِطَاعَةِ شَيْء انْتِفَاعٌ، عِلْمُهُ بِالاَْمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالاْحْيَاءِ الْبَاقِينَ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السماوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الاْرَضِينَ السُّفْلَى.

منها:

أَيُّهَا الْـمَخْلُوقُ السَّوِيُّ(4)، وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِىُّ(5)، فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْحَامِ،

____________

1. نهايات الاقطار: هي نهايات الابعاد الثلاثة المتقدم ذكرها.

2. التّأثّل: التأصّل.

3. أقام حدّه: أي ما به امتاز عن سائر الموجودات.

4. السّوِي: مستوي الخلقة لا نقص فيه.

5. المنشأ: المبتدع. والمَرْعي: المحفوظ المعنيّ بأمره.


الصفحة 358
وَمُضَاعَفَاتِ الاَْسْتَارِ، بُدِئْتَ (مِنْ سُلاَلَة(1) مِنْ طِين)، وَوُضِعْتَ (فِي قَرَار مَكِين(2) * إِلَى قَدَر مَعْلُوم) وَأَجَل مَقْسُوم، تَمُورُ(3) فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لاَ تُحِيرُ(4) دُعَاءً، وَلاَ تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَار لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا; فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ؟ وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ؟! هَيْهَاتَ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالاَْدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الَْمخْلُوقِينَ أَبْعَدُ!

____________

1. السُلالة من الشيء: ماانسلّ منه.

2. القرار المَكِين: محل الجنين من الرحم.

3. تَمُور: تَتَحَرّك.

4. لا تحيرُ: من قولهم: ما أحار جواباً، أي لم يستطع ردّاً.


الصفحة 359

[ 164 ]
ومن كلام له (عليه السلام)
لما اجتمع الناس اليه وشكوا ما نقموه على عثمان وسألوه مخاطبته واستعتابه لهم، فدخل(عليه السلام) على عثمان فقال

إِنَّ النَّاسَ وَرَائي، وَقَدِ اسْتَسْفَرُوني(1) بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْء فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيْء فَنُبَلِّغَكَهُ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله) كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلاَ ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَشِيجَةَ(2) رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مَنْ صَهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ.

فَاللهَ اللهَ فِي نَفْسِكَ! فَإِنَّكَ ـ وَاللهِ ـ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمىً، وَلاَ تُعَلّمُ مِنْ جَهْل، وَإِنَّ الْطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإِنَّ أَعْلاَمَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ.

فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِاللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَهَدَي، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعْلاَمٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلاَمٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَاللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً.

وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالاِْمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلاَ عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ(3) فِي قَعْرِهَا».

وَإِني أَنْشُدُكَ اللهَ أنْ تَكُونَ إِمَامَ هذِهِ الاُْمَّةِ الْمَقْتُولَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ

____________

1. اسْتَسْفَرُوني: جعلوني سفيراً.

2. الوَشِيجة: اشتباك القرابة.

3. ربطه فارتبط: أي شدّة وحبسه.


الصفحة 360
فِي هذِهِ الاُْمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلى يَوْمِ الْقُيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلاَ يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً(1).

فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً(2) يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلَ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ.

فَقَالَ لَهُ عُثْـمَانُ: كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِن مَظَالِمِهِمْ، فَقال(عليه السلام):

مَاكَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلاَ أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ.

[ 165 ]
ومن خطبة له
يذكر فيها عجيب خلقه الطاووس

[خلقة الطيور]

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَان وَمَوَات، وَسَاكِن وَذِي حَرَكَات، وَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ، وَمُسْلِّمَةً لَهُ، وَنَعَقَتْ(3) فِي أَسْـمَاعِنَا دَلاَئِلُهُ عَلَى

____________

1. المَرْج: الخلط.

2. الّسيِّقة ـ كَكَيّسة ـ: ما استاقه العدو من الدواب.

3. نَعَقَتْ من نَعَقَ بغنمه ـ كمنع ـ: صاح.


الصفحة 361
وَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَا ذَرَأَ(1) مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الاَْطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ(2) الاْرْضِ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا(3)، وَرَوَاسِي أعْلاَمِهَا(4)، مِنْ ذَوَاتِ أَجْنِحَة مُخْتَلِفَة، وَهَيْئَات مُتَبَايِنَة، مُصَرَّفَة فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ، وَمُرَفْرِفَة(5) بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ(6) المُنفَسِحِ وَالْفَضَاءِ المُنفَرِجِ.

كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجائِبِ صُوَر ظَاهِرَة، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ(7) مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَة(8)، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ(9) خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ(10) فِي الْهَوَاءِ

____________

1. ذرأ: خلق.

2. الاخاديد ـ جمع أُخدُود ـ: الشقّ في الارض. 3. الخُرُوق ـ جمع خَرْق ـ: الارض الواسعة تتخرق فيها الرياح. والفِجاج ـ جمع فج ـ: الطريق الواسع.

4. الاعلام: جمع عَلَم بالتحريك، وهو الجبل.

5. مرفرفة; من رفرف الطائر: بسط جناحيه.

6. المَخَارق ـ جمع مَخْرق ـ: الفلاة.

7. الحِقاق ـ ككتاب ـ: جمع حُقّ ـ بالضمّ ـ: مجتمع المَفْصِليْن. 8. احتجاب المفاصل: استتارها باللحم والجلد.

9. العَبَالة: الضخامة وامتلاء الجسد.

10. يسمو: يرتفع.


الصفحة 362
خُفُوفاً(1)، وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً(2)، وَنَسَقَهَا(3) عَلَى اخْتِلاَفِهَا فِى الاْصَابِيغِ(4)بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ; فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ(5) لَوْن لاَ يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيه، وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغ قَدْ طُوِّقَ(6) بِخِلاَفِ مَا صُبِغَ بِهِ.

[الطاووس]

وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ، الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيل، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيد(7)، بِجَنَاح أَشْرَجَ قَصَبَهُ(8)، وَذَنَب أَطَالَ مَسْحَبَهُ.

____________

1. خُفُوفاً: سرعة وخفة.

2. دفيف الطائر: مروره فُوَيْق الارض.

3. نَسَقَها: رتبها.

4. الاصابِيغ: جمع أصْباغ ـ بفتح الهمزة ـ: جمع صِبْغ ـ بالكسر ـ وهو اللون أومايصبغ به.

5. القالَب: مثال تفرغ فيه الجواهر لتأتي على قدره. والطائر ذواللون الواحد كأنما أُفرغ في قالب من اللون.

6. طُوِّق: أي أن جميع بدنه بلون واحد إلاّ لون عنقه فانه يخالف سائر بدنه، كأنه طوق صيغ لحليته.

7. التنضيد: النظم والترتيب.

8. أشْرَج قَصَبَهُ: أي داخل بين آحاده ونظمها على اختلافها في الطول والقصر.


الصفحة 363
إذَا دَرَجَ(1) إلَى الاُْنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ(2) مُطِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ(3) كَأَنَّهُ قِلْعُ(4) دَارِيّ(5) عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ(6).

يَخْتَالُ(7) بِأَلْوَانِهِ، وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ(8)، يُفْضِي(9) كَإفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، وَيَؤُرُّ بِمَلاَقِحِهِ(10)[أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ(11) لِلضِّرَابِ(12)]

____________

1. دَرَجَ إليه: مشى اليه.

2. سما به: أي ارتفع به، أي رفعه.

3. مطلاًّ على رأسه: مشرفاً عليه كأنه يظلّله.

4. القِلع ـ بكسر فسكون ـ: شراع السفينة.

5. الدّارىّ: جالب العطر من دَارِين.

6. عَنَجَهُ: جذبه فرفعه، من عَنَجت البعير إذا جذبته بخطامه فرددته على رجليه. النّوتي: البحار.

7. يختال: يعجب.

8. يميس: يتبختر بِزَيَفَانِ ذنبه. وأصل الزّيَفَان التبختر أيضاً، ويريد به هنا حركة ذنب الطاووس يميناً وشمالاً.

9. يُفْضي: أي إلى أُنْثاه ويسفد كما تذهب الدّيكة ـ جمع ديك ـ.

10. يَؤرّ: يَسْفِدُ، ومَلاقِحُهُ: أدوات اللِّقاح وأعضاؤه وهي آلات التناسل.

11. أرّ الفحولِ: أي أرّاً مثل أرِّ الفحول. المغتلمة: ذات الغلمة والشهوة والشبق.

12. الضراب: لقاح الفحل لانثاه.


الصفحة 364
أُحِيلُكَ مِنْ ذلِكَ عَلَى مُعَايَنَة(1)، لاَ كَمَنْ يُحِيلُ عَلى ضَعِيف إسْنَادُهُ، وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَة تَسْفَحُهَا(2) مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ في ضَفَّتَي جُفُونِهِ(3)، وأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِكَ(4)، ثُمَّ تَبِيضُ لاَ مِنْ لِقَاحِ فَحْل(5) سِوَى الدَّمْعِ الْمُنبَجِسِ(6)، لَمَا كَانَ ذلِكَ بَأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ!(7).

تَخَالُ قَصَبَهُ(8) مَدَارِىَ(9) مِنْ فِضَّة، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ(10)،

____________

1. على مُعَايَنَة: أي اذهب وعاين صدق ما أقول.

2. تَسْفَحُها: أي ترسلها أوعية الدمع.

3. ضَفّة الجفن ـ بفتح الضاد وتكسرـ: استعارة من ضفتي النهر بمعنى جانبيه.

4. تَطْعَمُ دلك ـ كتعلم ـ أي: تذوقه كأنها تترشّفه.

5. لقَاحِ الفحلِ: ماء التناسل يلقح به الانثى.

6. المنبجس: النابع من العين.

7. مُطاعَمَةُ الغراب: تلقيحه لانثاه. وقالوا: إن مطاعمة الغراب بانتقال جزء من الماء المستقر في قانصة الذكر إلى الانثى تتناوله من منقاره.

8. القَصَب ـ جمع قَصَبة ـ: هى عمود الريش.

9. المَدَاري ـ جمع مِدْرَى بكسر الميم ـ قال ابن الاثير: المِدْرَى والمِدْرَاة: مصنوع من حديد أوخشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ويستعمله من لا مشط له.

10. الدّارات: هالات القمر.