المكتبة العقائدية »  (لـ )



الصفحة 434

[الموت]

وَأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَإِقْلاَلِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ(1)، وَطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ؟!

فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وَكَأَنَّ الاخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً، أَوْحَشوُا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ(2)، وَأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ(3)، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وَأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا، لاَ عَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالاً، وَلاَ فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً، أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغرَّتْهُمْ، وَوَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.

[سرعة النفاد]

فَسَابِقُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ إِلَى مَنَازِلِكُمْ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَالَّتِي رُغِّبْتُمْ فِيهَا، وَدُعِيتُمْ إِلَيْهَا.

وَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْـمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ.

____________

1. أغفله: سها عنه وتركه.

2. أوطَنَ المكانَ: اتخذه وطناً.

3. أوحشه: هجره، حتى لا أنيس منه به.


الصفحة 435
مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَأَسْرَعَ الاَْيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ!

آخر الجزء الاول من كتاب نهج البلاغة، يتلوه في الجزء الثاني: من خطبة لمولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه: فمن الايمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب.

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 189 ]
ومن خطبة لمولانا أميرالمؤمنين على بن أبي طالب صلوات الله عليه
[في الايمان ووجوب الهجرة]

[أقسام الايمان]

فَمِنَ الاِْيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِىَ(1) بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالصُّدورِ، إِلَى أَجَل مَعْلُوم، فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَد فَقِفُوهُ حَتّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حدُّ الْبَرَاءَةِ.

____________

1. عَوَاري: جمع عارية، والكلام كناية عن كونه زعماً بغير فهم.


الصفحة 436

[وجوب الهجرة]

وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الاَْوَّلِ(1)، مَا كَانَ لله تعالى فِي أَهْلِ الاَْرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ(2) الاُْمَّةِ(3) وَمُعْلِنِهَا، لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَد إلاَّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ في الاَْرْضِ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ الاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ.

[صعوبة الايمان]

إِنَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لاَ يَحْتَمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلاِيمَانِ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، وَأَحْلاَمٌ(4) رَزِينَةٌ.

[علم الوصي]

أَيُّهَا النَّاسُ، سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني، فَلاََنَا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الاَْرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا(5) فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا(6) وَتَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا.

____________

1. على حدها الاول: أي لم يزل حكمها الوجوب على من بلغته دعوة الاسلام ورضي الاسلام ديناً.

2. استسر الامر: كتمه.

3. الاُمّة ـ بضم الهمزة ـ: الطاعة، وبكسرها: الحالة.

4. أحلام: عقول.

5. شَغَرَ بِرِجْله: رفعها، ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها، من قولهم: بلدة شاغرة برجلها أي معرّضة للغارة لا تمتنع عنها.

6. تَطأ في خطامها: أي تتعثر فيه، كناية عن إرسالها وطيشها وعدم قائد لها.


الصفحة 437

[ 190 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[يحمد الله ويثني على نبيّه ويعظ بالتقوى]

[حمد الله]

أَحْمَدُهُ شُكْراً لاِِنْعَامِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ، عَزِيزَ الْجُنْدِ، عَظِيمَ الْـمَجْدِ.

[الثناء على النبي]

وَأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَنْ دِينِهِ، لاَ يَثْنِيهِ عَنْ ذلِكَ اجْتَِماعٌ على تَكْذِيبِهِ، وَالِْتمَاسٌ لاِِطْفَاءِ نُورِهِ.

[العظة بالتقوى]

فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً(1) مَنِيعاً

____________

1. المَعْقِل ـ كمسجد ـ: الملجأ.


الصفحة 438
ذِرْوَتُهُ(1)، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ(2) وَغَمَرَاتِهِ(3)، وَامْهَدُوا(4) لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ! وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الاَْرْمَاسِ(5)، وَشِدَّةِ الاِْبْلاَسِ(6)، وَهَوْلِ الْمُطَّلَعِ(7)، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ، وَاخْتلاَفِ الاَْضْلاَعِ(8)، وَاسْتِكَاكِ الاَْسْمَاعِ(9)، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ، وغَمِّ

____________

1. ذِرْوَة كل شيء: أعلاه.

2. مبادرة الموت: سبقه بالاعمال الصالحة.

3. الغَمَرات: الشدائد.

4. مَهَدَ ـ كمنع ـ: معناه هنا عَمِلَ.

5. الارماس: القبور ـ جمع رَمْس ـ وأصله اسم للتراب.

6. الابْلاس: حزن في خذلان ويأس.

7. المُطَّلَع ـ بضم فتشديد مع فتح ـ: المنزلة التي منها يشرف الانسان على أمور الاخرة، وهي منزلة البرزخ، وأصل المُطّلَع: موضع الاطلاع من ارتفاع إلى انحدار.

8. اختلاف الاضلاع: دخول بعضها في موضع الاخر من شدة الضغط.

9. استكاك الاسماع: صممها من التراب أو الاصوات الهائلة.


الصفحة 439
الضَّرِيحِ(1)، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ(2).

فَاللهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الْدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بكُمْ عَلَى سَنَن(3)، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَن(4)، وَكَأَنَّهَا قَد جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا(5)، وَأَزِفَتْ(6) بِأَفْرَاطِهَا(7)، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى سِراطِهَا، وَكَأنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا، وَأَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا(8)، وَانْصَرَمَتِ(9) الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا، وَأَخْرَجَتْهُمْ مَنْ حِضْنِهَا، فَكَانَتْ كَيَوْم مَضَى

____________

1. الضريح: اللحد.

2. الرَدْم: السد. والصَفِيح: الحجر العريض، والمراد ما يسدّ به القبر.

3. سَنَن: طريق معروف، والمراد: أن الدنيا تفعل بكم فعلها بمن سبقكم.

4. القَرَن ـ محركاً ـ: ما يقرن به البعيران.

5. الاشراط: العلامات.

6. أزِفَتْ: قرُبت.

7. الافْراط ـ جمع فَرْط ـ: بسكون الراء، وهو العَلَم المستقيم يهتدى به أي بدلائلها.

8. الاكَلاكِل: الصدور، كناية عن الاثقال.

9. انصرمت: تقطعت.


الصفحة 440
وَشَهْر انْقَضَى، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً(1)، وَسَمِينُهَا غَثّاً(2)، فِي مَوْقِف ضَنْكِ الْمَقَامِ، وَأُمُور مُشْتَبِهَة عِظَام، ونَار شَدِيد كَلَبُهَا(3)، عَال لَجَبُهَا(4)، سَاطع لَهَبُهَا، مُتَغَيِّظ(5) زَفِيرُهَا(6)، مُتَأَجِّج سَعِيرهَا، بَعِيد خُمُودُهَا، ذَاك(7) وُقُودُهَا، مَخُوف وعِيدُهَا، عُم قَرارُهَا(8)، مُظْلِمَة أَقْطَارُهَا، حَامِيَة قُدُورُهَا، فَظِيعَة أُمُورُهَا.

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً)، قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ، وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدّارُ، وَرَضُوا المَثْوَى وَالْقَرَارَ،

____________

1. الرَثّ: البالي.

2. الغَثّ: المهزول.

3. الكَلَب ـ محركاً ـ: أكلٌ بلا شبع.

4. اللَجَب: الصياح أو الاضطراب.

5. التغيظ: الهيجان.

6. الزَفِير: صوت توقّد النار.

7. ذَكَتِ النارُ: اشتد لهيبها.

8. عَم قرارها: أي لا يهتدى فيه لظلمته، ولانه عميق جداً.


الصفحة 441
الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيةً، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً وَاسْتِغفَاراً، وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً، تَوَحُشّاً(1) وَانَقِطَاعاً، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ [مَآباً، وَالْجَزَاءَ] ثَوَاباً،(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَها) في مُلْك دَائِم، وَنَعِيم قَائِم.

فَارْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَبِإضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِمَا قدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْـمَخُوفُ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ، وَلاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ.

اسْتَعْمَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.

الْزَمُوا الاَْرْضَ(2)، وَاصْبِروُا عَلَى الْبَلاءِ، وَلاَ تُحرِّكُوا بأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ [فِي ]هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَلاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ، فَإِنّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ عَزَّوَجَلّ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ، واسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ لِسَيْفِهِ(3)، فإِنَّ لِكُلِّ شَيْء مُدَّةً وَأَجَلاً.

____________

1. التوحش: عدم الاستئناس بشؤون الدنيا والركون اليها.

2. لزوم الارض: كناية عن السكون، ينصحهم به عند عدم توفر أسباب المغالبة، وينها هم عن التعجل بحمل السلاح. 3. إصْلاتُ السيف: سَلّه.


الصفحة 442

[ 191 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
[يحمدالله ويثني على نبيه ويوصي بالزهد والتقوى]

الْحَمْدُ لله الْفَاشِي(1) حَمْدُهُ، وَالْغَالِبِ جُنْدُهُ، وَالْمُتَعَالِي جَدُّهُ(2).

أحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ، وَآلاَئِهِ(3) الْعِظَامِ، الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا، وَعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَعَلِمَ مَا يَمْضِي وَمَا مَضَى، مُبْتَدِعِ الْخَلاَئِقِ بِعِلْمِهِ، وَمُنْشِئِهِمْ بِْحُكْمِهِ(4)، بِلاَ اقْتِدَاء وَلاَ تَعْلِيم، وَلاَ احْتِذَاء لِمِثَالِ صَانِع حَكِيم، وَلاَ إِصابَةِ خَطَأ، وَلاَ حَضْرَةِ مَلاَ

____________

1. الفاشي: المنتشر الذائع.

2. الجَدّ ـ بالفتح ـ: العظمة.

3. تُؤَام ـ جمع تَوْأم كجعفر ـ: وهو المولود مع غيره في بطن، وهو مجاز عن الكثير أو المتواصل. والالاء: النِعمَ.

4. الحُكْم هنا: بمعنى الحِكْمة.


الصفحة 443

[الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)]

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ابْتَعَثَهُ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَة(1)، وَيَمُوجُونُ فِي حَيْرَة، قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ(2) الْحَيْنِ(3)، وَاسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ(4).

[الوصية بالزهد والتقوى]

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا حَقُّ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللهِ حَقَّكُمْ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللهِ، وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللهِ، فَإِنَّ الْتَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ، وَفِي غَد الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَسَالِكُهَا رَابحٌ، وَمُسْتَوْدَعُهَا(5) حَافِظٌ، لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الاُْمَمِ الْمَاضِينَ وَالْغَابِرينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللهُ مَا أَبْدَى، وَأَخَذَ مَا أَعْطَى، وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى(6).

____________

1. ضَرَبَ في الماء: سبح، وضرب في الارض: سار بسرعة وأبعد. والغَمْرة: الماء الكثير والشدّة ومايغمر العقل من الجهل، والمراد ـ هنا ـ: شدّة الفتن وبلاياها.

2. الازِمّة: جمع زِمام، ما تقاد به الدّابّة.

3. الحَيْن ـ بفتح الحاء ـ: الهلاك.

4. الرَّيْن ـ بفتح الراء ـ: التغطية والحجاب، وهو هنا حجاب الضلال.

5. مُسْتَوْدَع التقوى: هوالذي تكون التقوى وديعة عنده وهو الله.

6. أسدَى: منح وأعطى وأرسل معروفه.


الصفحة 444
فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الاَْقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)

فَأَهْطِعُوا(1) بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا، وأكظّوا(2) بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا، وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَف خَلَفاً، وَمِنْ كُلِّ مُخَالِف مُوَافِقاً.

أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ، وَأَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ، وَارْحَضُوا(3)بِهَا ذُنُوبَكُمْ، وَدَاوُوا بِهَا الاَْسْقَامَ، وَبَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ(4)، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا، وَلاَ يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا.

أَلاَ وصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا(5) بِهَا، وَكُونُو عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً(6)، وَإِلَى الاْخِرَةِ وُلاَّهاً(7).

____________

1. الاهْطاع: الاسراع، أهْطَعَ البعيرُ: مدّ عنقه وصوّب رأسه.

2. المواكظة: الملازمة.

3. رَحَضَ ـ كمنع ـ: غسل. 4. الحِمام ـ ككتاب ـ: الموت.

5. تَصَوّنوا: تَحَفّظُوا.

6. النُزّاه ـ جمع نَازِه ـ: العفيف النفس.

7. الوِلاهُ ـ جمع واله ـ: الحزين على الشيء حتى يناله، أي المشتاق.


الصفحة 445
وَلاَ تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى، وَلاَ تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا، وَلاَ تَشِيمُوا(1)بَارِقَهَا(2)، وَلاَ تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا، وَلاَ تُجِيبُوا نَاعِقَهَا، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا، وَلاَ تُفْتَنُوا بِأَعْلاَقِهَا(3)، فَإِنَّ بَرْقهَا خَالِبٌ(4)، وَنُطْقَهَا كَاذِبٌ، وَأَمْوَالَهَا مَحْرُوبةٌ(5)، وَأَعْلاَقَهَا مَسْلُوبَةٌ.

أَلاَ وَهِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ(6) الْعَنُونُ(7)، وَالْجَامِحَةُ الْحَرُونُ(8)، وَالْمَائِنَةُ

____________

1. شامَ البرقَ: نظر إليه أين يمطر. 2. البارق: السحاب.

3. الاعلاق ـ جمع عِلْق ـ: بكسر العين بمعنى النفيس.

4. خالب: خادع.

5. المحروبة: المنهوبة.

6. المتصدّية: المرأة تتعرض للرجال تُميلهم اليها، ومن الدوابّ ما تمشي معترضة خابطة.

7. العَنُون ـ بفتح فضم ـ: مبالغة من عنّ إذا ظهر، ومن الدواب المتقدمة في السير.

8. الجامحة: الصعبة على راكبها. والحَرُون: التي إذا طلب بها السير وقفت.


الصفحة 446
الْخَأُون(1)، وَالْجَحُودُ الْكَنُودُ(2)، وَالْعَنُودُ الصَّدُودُ(3)، وَالْحَيُودُ الْمَيُودُ(4).

حَالُهَا انْتِقَالٌ، وَوَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ، وَعِزُّهَا ذُلٌّ، وَجِدُّهَا هَزْلٌ، وَعُلْوُهَا سُفْلٌ، دَارُ حَرَب وَسَلَب، وَنَهْب وَعَطَب(5)، أَهْلُهَا عَلَى سَاق وَسِيَاق(6)، وَلَحَاق وَفِرَاق(7).

قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا(8)، وَأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا(9)، وَخَابَتْ مَطَالِبُهَا،

____________

1. المائنة: الكاذبة. والخَأُون: مبالغة في الخائنة.

2. الكَنُود ـ من كَنَدَ كنصر ـ: كفر النعمة. وجحد الحق: أنكره وهو به عالم.

3. العَنُود: شديدة العناد. والصَدُود: كثيرة الصد والهجر.

4. الحَيُود: مبالغة في الحيد: بمعنى الميل. والمَيُود: من ماد إذا اضطرب.

5. الحَرَب ـ بالتحريك ـ: سلب المال، والعَطَب: الهلاك.

6. على ساق وسِياق، أي: قائمون على ساق استعداداً لما ينتظرون من آجالهم، والسِّياق مصدر ساق فلاناً إذا أصاب ساقه، أي لايلبثون أن يضربوا على سُوقهم فينكبّوا للموت على وجوههم.

7. اللَّحاق للماضين، والفِرَاق عن الباقين.

8. تحير المذاهب: حيرة الناس فيها.

9. المَهَارب ـ حمع مَهْرب ـ: مكان الهروب، والمراد بقوله: أعْجَزَت مهاربها، أنها ليست كما يرونها مهارب بل هي مهالك، فقد أعْجَزَتهم عن الهروب.


الصفحة 447
فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ، وَلَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ، وَأَعْيَتْهُمُ الْـمَحَاوِلُ(1): فَمِنْ نَاج مَعْقُور(2)، وَلَحْم مَجْزُور(3)، وَشِلْو(4) مَذْبُوح، وَدَم مَسْفُوح(5)، وَعَاضّ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَافِق لِكَفَّيْهِ، وَمُرْتَفِق بِخَدَّيْهِ(6)، وَزَار عَلَى رَأْيِهِ(7)، وَرَاجِع عَنْ عَزْمِهِ، وَقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وَأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ(8)، (وَلاَتَ حِينَ مَنَاص)(9).

____________

1. المَحَاول ـ جمع محالَة ـ بمعنى الحذق وجَوْدة النظر، أي لم يُفِدْهم ذلك خلاصاً.

2. مَعْقور: مجروح.

3. المَجْزُور: المسلوخ أُخِذ عنه جلده.

4. الشِلْو ـ بالكسر هنا ـ: البدن كله.

5. المَسْفوح: المسفوك.

6. المُرْتَفق بخدّيه: واضع خَدّيْه على مرفقَيْه ومرفقيه على ركبتَيْه منصوبتين وهو جالس على ألْيتيه.

7. الزاري على رأية: المُقَبِّح له اللائم لنفسه عليه.

8. الغِيلة: الشر الذي أضمرته الدنيا في خداعها.

9. (لاتَ حينَ مناص): أي ليس الوقت وقتَ التملص والفرار.


الصفحة 448
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وَذَهَبَ مَا ذَهَبَ، ومَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا(1)، (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالاَْرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ)(2).

[ 192 ]
ومن خطبة له (عليه السلام)
ومن الناس من يسمّي هذه الخطبة القاصعة(3)

وهي تتضمن ذم إبليس، عَلى استكباره، وتركه السجود لادم(عليه السلام)، وأنه أول من أظهر العصبية(4) وتبع الحمية، وتحذير الناس من سلوك طريقته.

الْحَمْدُ لله الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمىً(5) وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا(6) لِجَلاَلِهِ.

____________

1. البال: القلب والخاطر، والمراد ذهبت الدنيا على ما تهواه لا على ما يريد أهلها.

2. مُنْظَرين: مؤخّرِين، من أنْظَره إذا أخّرَه وأمهله.

3. القاصعة: من قصع فلان فلاناً: أي حقّره، لانه(عليه السلام) حقر فيها حال المتكبرين.

4. العصبية: الاعتزاز بالعصبة وهي قوم الرجل الذين يدافعون عنه، واستعمال قوتهم في الباطل والفساد، فهي هنا عصبية الجهل.

5. الحِمَى: ما حَمَيْتَه عن وصول الغير اليه والتصرف فيه.

6. اصطفاهما: اختارهما.


الصفحة 449

[رأس العصيان]

وَجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ، ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلاَئِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، لَِيمِيزَ المُتَوَاضِعيِنَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ القُلُوبِ، وَمَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ) اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بَخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لاَِصْلِهِ.

فَعَدُوُّ اللهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ.

أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ سَعِيراً؟!

[ابتلاء الله لخلقه]

وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُور يَخْطَفُ الاَْبْصَارَ ضِيَاؤُهُ، وَيَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ(1)، وَطِيب يَأْخُذُ الاَْنْفَاسَ عَرْفُهُ(2)، لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ

____________

1. الرُوَاء ـ بضم ففتح ـ: حُسْن المنظر.

2. العَرْف ـ بالفتح ـ: الرائحة.


الصفحة 450
لَظَلَّتْ لَهُ الاَْعْنَاقُ خَاضِعَةً، وَلَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى المَلائِكَةِ.

وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ، تَمْيِيزاً بِالاخْتِبَارِ لَهُمْ، وَنَفْياً لِلاْسْتِكَبَارِ عَنْهُمْ، وَإِبْعَاداً لِلْخُيَلاَءِ مِنْهُم.

[طلب العبرة]

فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ(1) الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَة، لاَ يُدْرَى أمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الاْخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة.

فَمَنْ بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلاَّ، مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْر أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً، إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّماءِ وأَهْلِ الاْرْضِ لَوَاحِدٌ، وَمَا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَحَد مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ(2) فِي إِبَاحَةِ حِمىً حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمينَ.

[التحذير من الشيطان]

فَاحْذَرُوا عَدُوَّ اللهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ(3)، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ(4)[ بِنِدَائِهِ، وَأَنْ

____________

1. أحبَطَ عَمَلَهُ: أضاع عمله.

2. الهَوَادة ـ بالفتح ـ: اللين والرخصة.

3. يُعْديكم بدائه: أي يصيبكم بشيء من دائه بالمخالطة كما يعدي الاجرب السليم، والضمير لابليس.

4. يستفزّكم: يستنهضكم لما يريد.


الصفحة 451
يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ ]بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ(1).

فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ(2) الْوَعِيدِ، وَأَغْرَقَ(3) لَكُم بِالنَّزْعِ(4) الشَّدِيدِ، وَرَمَاكُمْ مِنْ مَكَان قَرِيب، و(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لاَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَْرْضِ وَلاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، قَذْفاً بِغَيْب بَعِيد، وَرَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيب، صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ، وَإِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ، وَفُرْسَانُ الْكِبْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ.

حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ(5) مِنْكُمْ، وَاسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ(6) مِنْهُ فِيكُمْ، فَنَجَمَتِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِىِّ(7) إِلَى الاَْمْرِ الْجَلِيِّ، اسْتَفْحَلَ

____________

1. أجلَبَ عليكم بخيله: أي رُكْبَانه، ورَجِلِه: أي مُشاته، والمراد أعوان السوء.

2. فَوّقَ السهمَ: جعل له فُوقاً، والفُوق موضع الوتر من السهم.

3. أغرقَ النازعُ: إذا استوفى مدّ قوسه.

4. النزع في القوس: مدّها.

5. الجامحة: من جَمَحَ الفرسُ، وأراد بها هنا الطائفة التي لم تطعه.

6. الطَماعيَة: الطمع.

7. نجمَت من السرّ الخفيّ: أي بعد أن كانت وسوسة في الصدور، وهمساً في القول، ظهرت إلى المجاهرة بالنداء ورفع الايدي بالسلاح.


الصفحة 452
سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ، وَدَلَفَ(1) بِجُنُودِهِ نَحْوَ كُمْ، فَأَقْحَمُوكُمْ(2) وَلَجَاتِ(3) الذُّلِّ، وَأَحَلُّوكم وَرَطَاتِ الْقَتْلِ، وَأَوْطَأُوكُمْ(4) إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ(5)، طَعْناً فِي عُيُونِكُم، وَحَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ، وَدَقّاً لِمَناخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ، وَسوقاً بِخَزَائمِ(6) الْقَهْرِ إِلَى النَّارِ المُعَدَّةِ لَكُمْ، فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ جَرْحاً، وَأَوْرَى(7) فِي دُنْيَا كُمْ قَدْحاً، مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ(8)، وَعَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ(9).

____________

1. دَلَفَت الكتبيبة في الحرب: تقدمت.

2. أقْحَمُوكم: أدخلوكم بغتة.

3. الوَلَجَات ـ جمع وَلجة بالتحريك ـ: كهف يستتر فيه المارة من مطر ونحوه.

4. أوْطَأه: أركبه.

5. إثخان الجِرَاحة: المبالغة فيها، أي أركبوكم الجراحات البالغة، كناية عن إشعال الفتنة بينهم حتى يتقاتلوا.

6. الخزائم ـ جمع خِزامة ككتابة ـ: وهي حَلْقة توضوع في وترة أنف البعير فيشد فيها الزمام.

7. أوْرَى: أي أشدّ قدحاً للنار.

8. مُنَاصِبِين: مجاهرين لهم بالعداوة.

9. مُتَألِّبين: مجتمعين.


الصفحة 453
فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ(1)، وَلَهُ جَدَّكُمْ(2)، فَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ، وَوَقَعَ في حَسَبِكُمْ، وَدَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ، وَأَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ، يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِّ مَكَان، وَيَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَان(3)، لاَ تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَة، وَلاَ تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَة، فِي حَوْمَةِ ذُلّ(4)، وَحَلْقَةِ ضِيق، وَعَرْصَةِ مَوْت، وَجَوْلَةِ بَلاَء.

فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وَأَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، وإنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَواتِهِ(5)، وَنَزَغَاتِهِ(6) وَنَفَثَاتِهِ(7).

وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ، وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحَتْ أَقْدَامِكُمْ،

____________

1. حَدّكم: غضبكم وحدّتكم.

2. جَدّكم ـ بفتح الجيم ـ: أي قطعكم، يريد قطع الوصلة بينكم وبينه.

3. البَنَان: الاصابع.

4. حَوْمَة الشيء: معظمه وأشدّ موضع فيه، وأكثر ما يستعمل في حومة القتال والبحر والرمل.

5. النَخْوة: التكبر والتعاظم.

6. النَزْعة: المرة من النَزْع بمعنى الافساد. 7. النَفْثة: النفخة.


الصفحة 454
وَخَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ.

وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً(1) بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّة جُنُوداً وأَعْوَاناً، وَرَجِلاً وَفُرْسَاناً، وَلاَ تَكُونُوا كالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْل جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ، وَقَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ، وَنَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ الَّذِي أَعْقَبَهُ اللهُ بِهِ النَّدَامَةَ، وَأَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

[التحذير من الكبر]

أَلاَ وَقدْ أَمْعَنْتُمْ(2) فِي الْبَغْيِ، وَأَفْسَدْتُمْ فِي الاَْرْضِ، مُصَارَحَةً(3) لله بِالمُنَاصَبَةِ، وَمُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالُمحَارَبَةِ.

فَاللهَ اللهَ في كِبْرِ الْحَمِيَّةِ، وَفَخْرِ الْجَاهلِيَّةِ! فَإِنَّهُ مَلاَقِحُ(4) الشَّنَآنِ(5)،

____________

1. المَسْلَحة: الثغر يدافع العدوعنده والقوم ذووالسلاح.

2. أمْعَنْتم: بالغتم.

3. المصارحة: التظاهر.

4. المَلاقِح ـ جمع مُلْقَح كمُكْرَم ـ: الفحول التي تلقح الاناث وتستولد الاولاد.

5. الشَنَآن: البغض.


الصفحة 455
وَمَنَافِخُ الشَّيْطانِ، اللاِتي خَدَعَ بِهَا الاُْمَمَ الْمَاضِيَةَ، والْقُرُونَ الْخَالِيَةَ، حَتّى أَعْنَقُوا(1) فِي حَنَادِسِ(2) جَهَالَتِهِ، وَمهَاوِي(3) ضَلاَلَتِهِ، ذُلُلاً عَنْ سِيَاقِهِ(4)، سُلُساً(5) فِي قِيَادِهِ، أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ، وَتَتَابَعَتِ الْقُرونُ عَلَيْهِ، وَكِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ.

[التحذير من طاعة الكبراء]

ألاَ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وَأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ(6) عَلَى رَبِّهِمْ، وَجَاحَدُوا اللهَ مَا صَنَعَ بِهمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، وَمُغَالَبَةً لاِلائِهِ(7)، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، وَدَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وَسُيُوفُ إعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ(8).

____________

1. أعْنَقُوا: من أعْنَقَت الثريا: غابت، أي غابوا واختفوا. 2. الحَنَادِس ـ جمع حِنْدِس بكسر الحاء ـ: الظلام الشديد.

3. المَهَاوِي ـ جع مَهْواة ـ: الهوة التي يتردى فيها الصيد.

4. الذلل ـ جمع ذَلُول ـ من الذُلّ ـ بالضم ـ ضد الصعوبة، والسِياق هنا: السَوْق.

5. سُلُس ـ بضمتين جمع سَلِس، ككتف: وهو الشيء السهل.

6. الهجِينة: الفعلة القبيحة المستهجنة.

7 الالاء: النعم.

8. اعتزاء الجاهلية: تفاخر هم بأنسابهم، كل منهم يعتزي أي ينتسب إلى أبيه وما فوقه من أجداده.


الصفحة 456
فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَليْكُمْ أَضْدَاداً، وَلاَ لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً، وَلاَ تُطِيعُوا الاْدْعِيَاءَ(1) الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ(2)، وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ، وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ، وَهُمْ أَسَاسُ(3) الْفُسُوقِ، وَأَحْلاَسُ الْعُقُوقِ(4)، اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلاَل، وَجُنْداً بِهمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ، وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ، وَدُخُولاً فِي عُيُونِكُمْ، وَنَفْثاً فِي أَسْـمَاعِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ(5)، وَمَوْطِىءَ قَدَمِهِ، وَمأْخَذَ يَدِهِ.

____________

1. الادْعِياء ـ جمع دَعِيّ ـ: وهو من ينتسب إلى غير أبيه، والمراد منهم الاخِسّاء المنتسبون إلى الاشرف، والاشرار المنتسبون إلى الاخيار.

2. شربتم بصفْوِكم كَدَرَهم: أي خلطوا صافيَ إخلاصكم بكَدَرِ نفاقهم، وبسلامة أخلاقكم مرضَ أخلاقهم.

3. آساس ـ بالمد ـ: جمع أساس ـ دِعامة الشيء.

4. الاحْلاس ـ جمع حِلْس بالكسر ـ: كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له، فقيل لكل ملازم لشيء: هو حِلْسُهُ. والعقوق: العصيان.

5. النَبْلَ ـ بالفتح ـ: السهام.


الصفحة 457

[العبرة بالماضين]

فَاعْتَبِرُوا بَمَا أَصَابَ الاَْمَمَ المُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَصَوْلاَتِهِ، وَوَقَائِعِهِ وَمَثُلاَتِهِ(1)، وَاتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ(2)، وَمَصَارعِ جُنُوبِهِمْ(3)، وَاسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكبْرِ(4)، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ، فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لاَِحَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنبِيَائِهِ [وَأَولِيائِهِ]، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ، وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالاَْرْضِ خُدُودَهُمْ، وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ، وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤمِنِينَ، وَكَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ، قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بالْـمَخْمَصَةِ(5)، وَابْتَلاَهُمْ بِالْـمَجْهَدَةِ(6)، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْـمَخَاوِفِ، وَمَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ(7)، فَلاَ تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسُّخْطَ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ

____________

1. المَثُلات ـ بفتح فضم ـ: العقوبات.

2. مَثَاوِي ـ جمع مَثْوَى ـ: بمعنى المنزل، ومنازل الخُدود: مواضعها من الارض بعد الموت.

3. مصارع الجُنُوب: مطارحها على التراب.

4. لواقِح الكبر: محدثاته في النفوس.

5. المَخْمَصَة: الجوع.

6. المَجْهَدة: المشقة

7. مَخض اللبن: تحريكه ليخرج زُبْدُه. والمكاره تستخلص إيمان الصادقين وتظهر مزاياهم العقلية والنفسيه.


الصفحة 458
الْفِتْنَةِ، وَالاِْخْتِبَارِ فِي مَوَاضِعِ الْغِنَى وَالاِْفْتِقارِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَال وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ)، فَإِنَّ اللهَ سْبْحَانَهْ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ.

[تواضع الانبياء(عليهم السلام)]

وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ(عليهما السلام) عَلَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ، وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ ـ إِنْ أَسْلَمَ ـ بَقَاءَ مُلْكِهِ، وَدَوامَ عِزِّهِ، فَقَالَ: أَلاَ تَعْجبُونَ مِنْ هذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ، وَبَقَاءَ الْمُلْكِ، وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، فَهَلاَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَب؟ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ، وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ! وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ(1)، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ(2)، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طَيْرَ السَّماءِ وَوُحُوشَ الاَْرَضِينَ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلاَءُ(3)، وَبَطَلَ الْجَزَاءُ، وَاضْمَحَلَّتِ الاَْنْبَاءُ،

____________

1. الذِهْبَانُ ـ بكسر الذال ـ: جمع ذهب.

2. العِقْيَان: نوع من الذهب ينمو في معدنه.

3. سَقْط البَلاء أي: الامتحان الذي به يتميز الخبيث من الطيب.


الصفحة 459
وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلِينَ، وَلاَ اسْتَحَقَّ الْمُؤمِنُونَ ثَوَابَ الْـمُحْسِنِينَ، وَلاَ لَزِمَتِ الاَْسْمَاءُ مَعَانِيَهَا، وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّة فِي عَزَائِمِهِمْ، وَضَعَفَةً فِيَما تَرَى الاَْعْيُنُ مِنْ حَالاَتِهِمْ، مَعَ قَنَاعَة تَمْلاُ الْقُلُوبَ وَالْعُيُونَ غِنىً، وَخَصَاصَة(1) تَمْلاَُ الاَْبْصَارَ وَالاَْسْمَاعَ أَذىً.

وَلَوْ كَانَتِ الاَْنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّة لاَ تُرَامُ، وَعِزَّة لاَ تُضَامُ، وَمُلْك تُمَدُّ نُحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ، لَكَانَ ذلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الاِْعَتِبَارِ، وَأَبْعَدَ لَهُمْ مِنَ الاِْسْتَكْبَارِ، وَلامَنُوا عَنْ رَهْبَة قَاهِرَة لَهْمْ، أَوْ رَغْبَة مَائِلَة بِهِمْ، فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً، وَالْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً.

وَلكِنَّ اللهَ سْبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الاِْتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ، وَالْتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ، وَالْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ، وَالاِْسْتِكَانَةُ لاَِمْرِهِ، وَالاِْسْتِسْلاَمُ لِطَاعَتِهِ، أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً، لاَ تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْبلْوَى وَالاِْخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَالْجَزَاءُ أَجْزَلَ.

[الكعبة المقدسة]

ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الاَْوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الاخِرِينَ مِنْ هذا الْعَالَمِ، بَأَحْجَار لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً.

____________

1. خَصَاصَة: فقر وحاجة.


الصفحة 460
ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الاَْرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ(1) الدُّنْيَا مَدَراً(2)، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الاَْوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَال خَشِنَة، وَرِمَال دَمِثَة(3)، وَعُيُون وَشِلَة(4)، وَقُرىً مُنْقَطِعَة، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ(5).

ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ(6) نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهمْ(7)، وَغَايَةً لِمُلْقَى(8) رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ(9) الاَْفْئِدَةِ

____________

1. النَتَائِق ـ جمع نَتِيقة ـ: البقاع المرتفعة، ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحط عنها من البلدان.

2. المَدَر: قطع الطين اليابس، وأقل الارض مَدَراً لا ينبت إلا قليلاً.

3. دَمِثَة: لَيّنَة يصعب السير فيها والاستنبات منها.

4. وَشِلَة ـ كفرحة ـ: قليلة الماء.

5. لا يزْكو: لا ينمو. والخُفّ عبارة عن الجمال. والحافر عبارة عن الخيل وما شاكلها. والظِلْف عبارة عن البقر والغنم، تعبير عن الحيوان بما رُكّبت عليه قوائمه.

6. ثَنى عِطْفَه إليه: مال وتوجه إليه.

7. مُنْتَجَع الاسفار: محل الفائدة منها.

8. مُلْقى: مصدر ميمي من ألقى أي نهاية حصر حالهم عن ظهور إبلهم.

9. تَهْوِي: تسرع سيراً اليه. والمراد بالثمار هنا الارواح.


الصفحة 461
مِنْ مَفَاوِزِ(1) قِفَار سَحِيقَة(2)، وَمَهَاوِي(3) فِجَاج(4) عَمِيقَة، وَجَزَائِرِ بِحَار مُنْقَطِعَة، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ(5) ذُلُلاً يُهَلِّلُونَ لله حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ(6) عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً(7) غُبْراً(8) لَهُ، قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ(9) وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ(10) مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ، ابْتِلاَءً عَظِيماً، وَامْتِحاناً شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مُبِيناً، وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ.

____________

1. المَفَاوِز ـ جمع مَفازة ـ: الفلاة لا ماء بها.

2. السَّحيقة: البعيدة.

3. المَهَاوِي ـ كالهُوّات ـ: مُنْخفضات الاراضي.

4. الفِجاج: الطرق الواسعة بين الجبال.

5. مَنَاكِبهم: رؤوس أكتافهم.

6. الرَمَل: ضرب من السير فوق المشي ودون الجرْي.

7. الاشْعَث: المنتشر الشعر مع تلبّد فيه. 8. الاغْبر: من عَلا بَدَنَهُ الغُبارُ.

9. السَرَابِيل: الثياب.

10. إعْفاء الشعور: تركها بلا حلق ولا قص.


الصفحة 462
وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَيْنَ جَنَّات وَأَنْهَار، وَسَهْل وَقَرَار(1)، جَمَّ الاَْشْجَارِ(2)، دَانِيَ الِّثمارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى(3)، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْنَ بُرَّة سَمْرَاءَ(4)، وَرَوْضَة خَضْرَاءَ، وَأَرْيَاف(5) مُحْدِقَة، وَعِرَاص(6) مُغْدِقَة(7)، وَزُرُوع نَاضِرَة، وَطُرُق عَامِرَة، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلاَءِ.

وَلَوْ كَانَ الاِْسَاسُ(8) الْـمَحْمُولُ عَلَيْهَا، وَالاَْحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُرُّدَة خَضْرَاءَ، وَيَاقُوتَة حَمْرَاءَ، وَنُور وَضِيَاء، لَخَفَّفَ ذلِكَ مُضَارَعَةَ الشَّكِّ

____________

1. القَرار: المطمئن من الارض.

2. جمّ الاشجار: كثيرها.

3. البُنى ـ جمع بُنْيَة بضم الباء وكسرها ـ: ما ابتنيته، وملتفّ البُنى: كثير العمران.

4. البُرّة: الحِنْطة، والسمراء أجْوَدُها.

5. الارياف: الاراضي الخِصْبة.

6. العِراص ـ جع عَرْصة ـ: الساحة ليس بها بناء.

7. المُغْدِقة: من أغْدَقَ المطرُ: كثر مَاؤه.

8. الاساس ـ بكسر الهمزة ـ: جمع أُسّ مثلثها، أو أساس.


الصفحة 463
فِي الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ(1) الرَّيْبِ مِنَ الْنَّاسِ.

وَلكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ، وَيَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْـمَجَاهِدِ، وَيَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ، إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهمْ، وَلِيَجْعَلْ ذلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً(2) إِلَى فَضْلِهِ، وَأَسْبَاباً ذُلُلاًلِعَفْوِهِ.

[عود إلى التحذير]

فَاللهَ اللهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وَآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وَسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ، فَإنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى، وَمَكِيدَتهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ(3) الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ، فَمَا تُكْدِي(4) أَبَداً، وَلاَ تُشْوِي(5) أَحَداً، لاَ

____________

1. مُعْتَلَج ـ مصدر ميمي من الاعتلاج ـ الالتطام، اعتلجت الامواج: التطمت، أي: زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس.

2. فُتُحاً ـ بضمتين ـ: أي مفتوحة واسعة.

3. تُساوِرُ القلوبَ: تُوَاثِبُها وتُقاتلها. 4. أكْدَى الحافرُ: إذا عجزَ عن التأثير في الارض.

5. أشوَتِ الضربة: أخطأت المَقْتَل.


الصفحة 464
عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلاَ مُقِلاًّ في طِمْرِهِ(1).

وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الاَْيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ، تسْكِيناً لاََطْرَافِهِمْ(2)، وَتَخْشِيعاً لاَِبْصَارِهمْ، وَتَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِذْهَاباً لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، لِما فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ(3) بالتُّرَابِ تَوَاضُعاً، وَالْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالاَْرْضِ تَصَاغُراً، وَلُحُوقِ الْبُطُونِ بِالمُتونِ(4) مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلاً، مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الاَْرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْفَقْرِ.

انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هذِهِ الاَْفْعَالِ مِنْ قَمْعِ(5) نَوَاجِمِ(6) الْفَخْرِ، وَقَدْعِ(7)

____________

1. الطِمْر ـ بالكسر ـ: الثوب الخَلَقُ أو الكساء البالي من غيرالصوف.

2. الاطراف: الايدي والارجل.

3. عِتاق الوجوه: كرامها، وهو جمع عَتِيق من عَتُق: إذا رَقّت بَشَرته.

4. المُتون: الظهور.

5. القَمْع: القهر.

6. النَوَاجم: من نَجَمَ: إذا طَلَعَ وظهر.

7. القَدْع: الكفّ والمنع.


الصفحة 465
طَوَالِعِ الْكِبْرِ!

[العصبية]

وَلَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَتَعَصَّبُ لِشَيْء مِنَ الاَْشْيَاءِ إِلاَّ عَنْ عِلَّة تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلاَءِ، أَوْ حُجَّة تَلِيطُ(1) بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لاَِمْر مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَلاَ عِلَّةٌ.

أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لاَِصْلِهِ، وَطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَأَنْتَ طِينِيٌّ.

وَأَمَّا الاَْغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ(2) الاُْمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لاِثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ(3)، فَـ (قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)

فَإنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ، فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُهُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الاَْفْعَالِ، وَمَحَاسِنِ الاُْمُورِ، الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْـمُجَدَاءُ وَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ وَيَعَاسِيبِ(4) الْقَبَائِلِ، بِالاَْخْلاَقِ الرَّغِيبَةِ(5)، وَالاَْحْلاَمِ(6)

____________

1. تَلِيطُ وتلُوط: أي تلصق.

2. المَتْرَف ـ على صيغة اسم المفعول ـ: المُوَسَّع له في النعم يتمتع بما شاء من اللّذات.

3. آثار مواقع النعم: ما ينشأ عن النِّعَم من التعالي والتكبر.

4. اليَعَاسِيب ـ جمع يَعْسوب ـ: وهو أمير النحل، ويستعمل مجازاً في رئيس القوم كما هنا.

5. الاخلاق الرغيبة: المَرْضِيّة المرغوبة.

6. الاحلام: العقول.


الصفحة 466
الْعَظِيمَةِ، وَالاَْخْطَارِ الْجَلِيلَةِ، وَالاْثَارِ الَمحْمُودَةِ.

فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ(1)، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ(2)، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالاَْخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ، وَالاِْعْظَامِ لِلْقَتْلِ، وَالاِْنْصَافِ لِلْخَلْقِ، وَالْكَظْمِ لِلْغَيْظِ، وَاجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الاْرْضِ.

واحْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالاُْمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْمَثُلاَتِ(3) بِسُوءِ الاَْفْعَالِ، وَذَمِيمِ الاَْعْمَالِ، فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ.

فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ(4) حَالَيْهِمْ، فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْر لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ حَالَهُمْ، وَزَاحَتِ الاَْعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ، وَمُدَّتِ(5) الْعَافِيَةُ فِيهِ عَلَيْهِمْ، وَانْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ

____________

1. الجِوار ـ بالكسر ـ: المجاورة بمعنى الاحتماء بالغير من الظلم.

2. الذِمام: العهد.

3. المَثُلات: العقوبات.

4. تفاوُت: اختلاف وتباين.

5. مُدّت: انبسطت.


الصفحة 467
مَعَهُمْ، وَوَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُم: مِنَ الاِْجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ، وَاللُّزُومِ لِلاُْلْفَةِ، وَالتَّحَاضِّ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاصِي بِهَا.

وَاجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْر كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ(1)، وَأَوْهَنَ(2) مُنَّتَهُمْ(3): مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ، وَتَشَاحُنِ الصُّدُورِ، وتَدَابُرِ النُّفُوسِ، وَتَخَاذُلِ الاَْيْدِي.

وَتَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التـَّمحِيصِ(4) وَالْبَلاَءِ؟ أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلاَئِقِ أَعْبَاءً، وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلاَءً، وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً؟! اتَّخَذَتْهُمُ الْفَراعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُم سُوءَ الْعَذَابِ، وَجَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ(5)، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لاَ يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاع، وَلاَ سَبِيلاً إِلَى دِفَاع، حَتَّى إِذَا رَأَى اللهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الاَْذَى فِي مَحَبَّتِهِ، وَالاحْتَِمالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلاَءِ فَرَجاً، فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ، وَالاَْمْنَ مَكَانَ

____________

1. الفِقْرَة ـ بالكسر والفتح ـ كالفقارة بالفتح: ما انتظم من عَظْم الصُلْب من الكاهل إلى عَجْب الذَنَب.

2. أوْهَنَ: أي أضعف.

3. المُنّة ـ بضم الميم ـ: القوة.

4. التمحيص: الابتلاء والاختبار.

5. المُرَار ـ بضم ففتح ـ: شجر شديد المَرَارة تتقلص منه شفاه الابل إذا أكلته، والمراد هنا عُصارته.